Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ١ ٢١٩ سُورَةُ الفَاتِحَة و((الله): أصله الإعلالي: إله، كما في (الصحاح)) (١)، أو الإله كما في ((الكشاف))(٢)، ولكلّ وجهة، فحذفت الهمزة اعتباطاً (٣) على الأظهر، وعُوِّض عنها الألف واللام(٤)، ولذلك قيل: يا ألله، بالقطع في الأكثر(٥)، لتمخُّض الحرف للعوَضيَّة فيه احترازاً عن اجتماع أداتي تعريف، وأما في غيره فيجري الحرفُ على أصله. وذكر الرضيُّ أن القطع لاجتماع شيئين: لزوم الهمزةِ الكلمةَ إلا نادراً، كما في: لاهُه الكبار(٦)، وكونها بدل همزة إله. وقال السعد: قد يقال فيه: إنه نوى الوقف على حرف النداء تفخيماً (٧) للاسم الشريف. واختلفوا في الفرق بين الإله والله، فقال السيد السند: هما عَلَمٌ لذاته، إلا أنه قبل الحذف قد يطلق على غيره تعالى، وبعده لا يطلق على غيره سبحانه أصلاً(٨). وقال العلامة السعد: إن الإله اسم لمفهوم كلِّيَّ هو المعبود بحق، والله علمٌ لذاته تعالى. (١) مادة (أله). (٢) ٣٥/١. (٣) في هامش الأصل و(م): ومقابله أنها حذفت بعد نقل حركتها إلى ما قبلها لالتقاء الساكنين هي واللام قبلها، ولزوم الحذف والتعويض وعدم منع الإدغام بل وجوبه مع أن المحذوف لعلّة كالموجود، من الأمور الشاذة التي اختصّ بها هذا الاسم الأعظم، فافهم. اهـ منه. (٤) في هامش الأصل و(م): فلا يجتمعان إلا نادراً، كما في الرضي، كقوله: معاذ الإله أن تکون کظبية. اهـ منه. (٥) في هامش الأصل و(م): وكون القطع في النداء أكثريًّا نصّ عليه الرضي. اهـ منه. (٦) لامُه، أي: إلاهه، والكُبار بضم الكاف وتخفيف الموحدة: صيغة مبالغة الكبير، بمعنى العظيم، وهو صفة لاهُه. ينظر شرح الرضي على الكافية ٣٨١/١، والخزانة ٢٧٠/٢، واللسان (لوه). ويشير به إلى بيت الأعشى الذي سيأتي ص٢٢٢ من هذا الجزء. (٧) في هامش الأصل و(م): ونقل عن سيبويه، وقيل في توجيهه: إنَّ المعظّم الجليلَ القَدْرِ يعدّ نداؤه باسمه من سوء الأدب، فلذا جعل النداء كالمنقطع عمّا بعده، والاسم الكريم كأنه غير منادى، وفرق بين النداء بالعلم المجرد والنداء بالوصف المادح، فلا يرد: يا رحمن الدنيا والآخرة. فتدبر. اهـ منه. (٨) حاشية الجرجاني على الكشاف ٣٦/١. الآية : ١ ٢٢٠ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وقال الرضي: هما قبل الإدغام وبعده مختصَّان بذاته تعالى، لا يطلقان على غيره أصلاً، إلا أنه قبل الإدغام من الأعلام الغالبة وبعده من الأعلام الخاصة. وادَّعى ابن مالك(١) أن الله من الأعلام التي قارن وضعها أل، وليس أصله الإله، ثم قال: ولو لم يَرِدْ على من قال ذلك إلا أنه ادعى ما لا دليل عليه لكان ذلك كافياً؛ لأن الله والإله مختلفان لفظاً ومعنّى: أما لفظاً: فلأنَّ أحدهما معتلُّ العين، والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام، فهما من مادتين، فردُّهما إلى أصلٍ واحد تحكّمٌ من سوء التصريف. وأما معنى: فلأنَّ الله خاصٌّ به تعالى جاهليةً وإسلاماً، والإله ليس كذلك؛ لأنه اسمٌ لكل معبود. ومن قال أصله الإله، لا يخلو حالُهُ من أمرين؛ لأنه إما أن يقول: إن الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام، أو يقول: إنها نُقلت حركتها إلى اللام قبلها وحذفت على القياس، وهو باطل: أما الأول: فلأنه ادعاء حذفٍ (٢) بلا سبب، ولا مشابهةِ ذي سبب من ثلاثيٍّ، فلا يقاس بديد))؛ لأن الآخِر - وكذا ما يتصل به - محلُّ التغيير، ولا بعِدَة مصدر يَعِد؛ لحمله على الفعل، فحذف للتشاكل، ولا برِقَة بمعنى وَرِقٍ لشبهه بعِدَةٍ وزناً وإعلالاً، ولولا أنه بمعناه لتعيَّن إلحاقه بالثنائي المحذوف اللام، كلَّة، وأما ناسٌ وأناسٌ فمن نوس و أنس، على أنَّ الحمل عليه على تقدير تسليم الأخذ، زيادةٌ في الشذوذ، وكثرة مخالفة الأصل بلا سبب يلجئ لذلك. وأما الثاني: فلأنه يستلزم مخالفةً الأصل من وجوه: أحدها: نقل حركةٍ بين كلمتين على سبيل اللزوم، ولا نظير له. والثاني: نقل حركة همزةٍ إلى مثل ما بعدها، وهو يوجب اجتماع مثلين متحرِّكين، وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن. الثالث: من مخالفة الأصل تسكينُ المنقول إليه الحركة، فيوجب كونه عملاً (١) في شرح التسهيل كما في حاشية الشهاب ١/ ٥٣. (٢) في (م): ادعى حذف الفاء، والمثبت من الأصل وهو الموافق لما في حاشية الشهاب. الآية : ١ ٢٢١ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ كلا عمل، وهو بمنزلة من نقل في بئس، ولا يخفى ما فيه من القبح مع كونه في كلمة، فما هو في كلمتين أَمْكَنُ في الاستقباح وأحقُّ بالاطّراح. الرابع: إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة، وهو بمعزلٍ عن القياس؛ لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت، فإدغامُ ما قبلها فيما بعدها كإدغام أحد المنفصلين، وقد اعتبر أبو عمرو في الإدغام الكبير الفصلَ بواجب الحذف نحو ﴿يَبْتَعْ غَيْرَ﴾ [آل عمران: ٨٥] فلم يدغم، فاعتبارُ غيرِ واجبِ الحذف أولى. ومن زعم أن أصله إله: يقول إن الألف واللام عوضٌ من الهمزة، ولو كان كذلك لم يحذفا في: لاه أبوك، أي: لله أبوك، إذ لا يحذف عوضٌ ومعوَّضٌ في حالة واحدة، وقالوا: لهْيَ أبوك أيضاً، فحذفوا لام الجرِّ والألف واللام، وقدَّموا الهاء وسكّنوها، فصارت الألفُ ياء، وعلم بذلك أن الألف كانت منقلبة لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما وليت ساكناً عادت إلى أصلها، وفتحتُها فتحة بناء، وسبب البناء تضمُّن معنى التعريف عند أبي علي(١)، ومعنى حرف التعجُّب إذ لم يقع في غيره، وإن لم يوضع له حرف عندي، وهو مع بنائه في موضع جرِّ باللام المحذوفة، واللام و مجرورها في موضعِ رفعٍ خبرِ أبوك. اهـ ملخصاً (٢). قال ناظر الجيش(٣): إنه لا مزيد عليه في الحسن. وأنا أقول: لا بأس به لولا قوله: إن الإله اسمٌ لكلِّ معبود، فقد بالغ البلقيني في ردِّه، وادعى أنه لا يقع إلا على المعبود بالحق جل شأنه، ومن أطلقه على غيره حكم الله تعالى بكفره، وأرسل الرسل لدعائه، وكان نظير إطلاق النصارى الله على عيسى. على أن فيه ما يمكن الجواب عنه كما لا يخفى. (١) في هامش الأصل و(م): وأَوْرَد عليه أن الألف واللام في ((الله)) زائدة في التسمية مستغنى عن معناها بالعَلَمية، وإذا حذفت لم يبق لها معنى يتضمن، فلذا عَدَلَ عنه. لكنه قد یجاب بأن القول بزيادتها ليس متعيناً عند أبي علي، وتمام الكلام في التسهيل، وبعضه في الشهاب. اهـ منه. وينظر حاشية الشهاب ١/ ٥٣-٥٤. (٢) نقله عن ابن مالك بواسطة الشهاب في حاشيته على البيضاوي ٥٣/١-٥٤. (٣) هو محب الدين محمد بن يوسف الحلبي الشافعي، له كتاب: شرح التسهيل لابن مالك، توفي سنة (٧٧٨هـ). شذرات الذهب ٤٤٦/٨. الآية : ١ ٢٢٢ سُوَّةُ الفَاتِية واشتقاقه من أَلَهَ كَعَبَدَ، إلاهةً كعبادة، وألوهَةً كعُبودَةً، وأُلُوهيَّةً كعبوديةً، فإله صفةٌ مشبهةٌ بمعنى مألوه؛ ككتاب بمعنى مكتوب، وكونه مصدراً كما ذهب إليه المرزوقي(١) وصاحب ((المدارك))(٢) خلافُ المشهور. أو من أَلِهَ كفرح إذا تحيّر؛ لِتحيُّر العقول في كُنْه ذاته وصفاته، وفيه أن الأصل في الاشتقاق أن يكون لمعنى قائم بالمشتق، والحيرة قائمة بالخلق لا بالحق. أو من أَلِهْتُ إلى فلان: إذا سكنت إليه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعْمَِّنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. أو من أَلِهَ إذا فزع، والله مفزوع إليه: ﴿وَهُوَ يُجِبِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. أو من أَلِهَ الفصيل: إذا ولع بأمه، والعباد مولعون بالتضرُّع إليه في الشدائد . وقيل: هو من وَلِهَ الواويّ، بمعنى تحيَّر أيضاً، وأصله ولاء، فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها، فهو كإعاء وإشاح في وعاء ووشاح، ويردُّه الجمع على آلهة دون أولهة، وقلبُ الواو ألفاً إذا لم تتحرَّك مخالفٌ للقياس، وتوهُّمُ أصالة الهمزة لعدم وِلاه خلافُ الظاهر، ولعلك لا تعبأ بذلك هنا، فالشأن عجيب. وزعم بعضهم أنَّ أصله لاهٌ مصدر لامَ(٣) يَلِيهُ، أو: لاهَ يلُوهُ، ليهاً ولاهاً: إذا ارتفع واحتجب، وهو المحتجب بسرادقات الجلال، والمرتفع عن إدراك الخيال، وقد قرئ شاذًّا: ((وهو الذي في السماء لاه)(٤). وقول ميمون بن قيس الأعشى: كَحَلْفَةٍ مِنْ أبي رِياحِ يَشْهَدُهَا لاهُهُ الكُبَارُ(٥) (١) هو أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي، له شرح الحماسة، وشرح المفضليات، وغيرها، توفي سنة (١٤٢هـ). بغية الوعاة ٣٦٥/١. (٢) مدارك التنزيل وحقائق التأويل لأبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي ٢/١-٣، ونقله المصنف عنه وعن المرزوقي بواسطة الشهاب في الحاشية ١/ ٥٤. (٣) في هامش الأصل و(م): وهذا القول ينسب إلى سيبويه، لكن القول بأن ((لاء) مصدر لم ینسب إليه، لكن ذكره بعض الثقات فافهم. اهـ منه. (٤) ذكرها الشهاب في الحاشية ١/ ٥٧ نقلاً عن الكرماني. (٥) ديوان الأعشى ص٣٣٣، والخزانة ٢٦٦/٢. وأبو رياح رجل من ضبيعة، وهو حصن بن عمرو بن بدر. والحلفة: المرة من الحَلِف، قاله البغدادي. وسلف شرح لاهُه الكبار ص٢١٩ من هذا الجزء. الآية : ١ ٢٢٣ سُورَةُ الفَاتِحَةِ ووجه قطع الهمزة في حال النداء(١) بعض ما تقدَّم من الوجوه. وقيل: أصله الكناية؛ لأنها للغائب، وهو سبحانه الغائب عن أن تدركه الأبصار أو تحيط به الأفكار. وأيضاً الهاء يخرج مع الأنفاس، فهو المذكور وإن لم تشعر الحواس، ومتى انقطع خروجه انقطعت الحياة، وحلَّ بالحيِّ الممات، فبه وباسمه قوامُ الأرواح والأبدان، واستقامة كل متنفِّس من الحيوان، فزيد عليها لامُ الملك، ثم مدَّ بها الصوت تعظيماً، ثم ألزم اللام، واستأنس لهذا أنَّ الاسم الكريم إذا حذفت منه الهمزة بقي لله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: ٤] وإذا تركت اللام بقي على صورةٍ ((له)): ﴿وَلَهُ مَا فِ السَّمَوَتِّ وَالْأَرْضِ﴾ [النحل: ٥٢] وإن تركت اللام الباقية بقي الهاء المضمومة من هو ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] والواو زائدة بدليل سقوطها في هما وهم، فالأصل هو إذ لا يبقى سواه، وأنت إذا أمعنت النظر يظهر لك مناسباتٍ أُخَر، ولهذا مالَ كثيرٌ من الصوفية إلى هذا القول، وهو إلى المشرب قريب. وزعم البلخيُّ أنه ليس بعربيٍّ بل هو عبراني(٢) أو سرياني معرَّبُ لاها، ومعناه: ذو القدرة. ولا دليل عليه، فلا يصار إليه، واستعمال اليهود والنصارى لا يقوم دليلاً؛ إذ احتمال توافق اللغات قائمٌ، مع أن قولهم: تألَّه وأله، يأباه، على أن التصرف فيه - كما قيل - بحذف المدة وإدخالِ ((أل)) عليه وجَعْلِه بهذه الصفة دليلٌ على أنه لم يكن عَلَماً في غير العربية؛ إذ اشترطوا في منع الصرف للعُجمة كون الأعجمي علماً في اللغة الأعجمية والتصرف مضعِّفٌ لها، فهذا الزعم ساقط عن درجة الاعتبار، لا يساعده عقل ولا نقل. (١) بعدها في (م): حينئذ. (٢) في هامش الأصل و(م): العبراني: لغة بني إسرائيل. والسرياني: لغة آدم. قال ابن حبيب: کان اللسان الذي نزل به آدم من الجنة عربياً، ثم حرّف وصار سريانياً، وهومنسوب إلى أرض سريانة، جزيرة كان بها نوح عليه السلام وقومه قبل الغرق، وهو يشاكل العربي، إلا أنه محرف، وكان لسانَ جميع من في الأرض إلا رجل واحد يقال له: جرهم، فلسانه عربي، كذا قاله ابن الأنباري، وهم يلحقون ألفاً في أواخر الكلم، يقولون: لاها رحمانا، کما في الفارسیة، فلیحفظ. اهـ منه. الآية : ١ ٢٢٤ سُورَةُ الفَائِحَةِ والذي عليه أكابر المعتبرين؛ كالشافعي ومحمد بن الحسن والأشعري(١) وغالب أصحابه والخطابي وإمام الحرمين والغزالي والفخر الرازي، وأكثر الأصوليين والفقهاء، ونقل عن اختيار الخليل وسيبويه والمازني وابن كيسان أنه عربي، وعَلَمٌ من أصله لذاته تعالى المخصوصة. أمّا أنه عربي فلا يكاد يحتاج إلى برهان، وأما أنه علم كذلك، فقد استدلَّ عليه بوجوه: الأول: أنه يوصف ولا يوصف به، وقراءة ﴿صِرَّطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١- ٢] بالجر (٢)، محمولةٌ على البيان، وتجويز الزمخشري(٣) في سورة فاطر كون الاسم الكريم صفة اسم الإشارة - من باب قياس العَلَم على الجوامد في وقُوعِها صفة لاسم الإشارة - على خلاف القياس، إذ المنظور فيها رفعُ الإبهام فقط، وقد تفرَّد به. الثاني: أنه لا بد له(٤) من اسم يجري عليه صفاته، فإنَّ كلَّ شيء تتوجه إليه الأذهان ويُحتاج إلى التعبير عنه، قد وضع له اسم توقيفي أو اصطلاحي، فكيف يهمل خالق الأشياء ومبدعها ولم يوضع له اسم يجري عليه ما يعزى إليه ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه، وكونه اسم جنس معرَّف مما لا يليق؛ لأنه غير خاصِّ وضعاً، وكونه عَلَماً منقولاً من الوصفية يستدعي أن لا يكون في الأصل ما تجري عليه الصفات، وهو كما ترى. الثالث: أنه لو كان وصفاً لم تكن الكلمة توحيداً، مثل: لا إله إلا الرحمن؛ إذ لا منع من الشركة، وكذا لو كان اسم جنس، والإجماع منعقدٌ على إفادتها له دون الثاني، والسر أنه لو كان صفة كان مدلوله المعنى لا الذات المعيَّنة، فلا يمنع من الشركة وإن اختص استعمالاً بذاته تعالى، بخلاف ما إذا كان علماً فإنَّ مدلوله (١) في هامش الأصل و(م): وحكى ابن جماعة أن الأشعري رُئيَ في المنام، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك. قال: غفر لي. قيل: بماذا؟ قال: بقولي بعَلَمية الله. اهـ منه. (٢) السبعة ص٣٦٢، والتيسير ص١٣٤، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي . (٣) في الكشاف ٣٠٤/٣. (٤) قوله: له، ليس في الأصل. الآية : ١ ٢٢٥ سُورَةُ الفَائِيّة حينئذٍ الذاتُ المعيَّنَةُ، وإن تعقل بوجه كلِّيٌّ إذا كُلِّيَّته لا تستلزم كلِّيةَ المعلوم، وقد اعترفوا بعموم الوضع وخصوص الموضوع له. وقد انحلَّ بهذا عصامُ قربة(١) من قال: إنه لو كفى في التوحيد الاختصاص في الواقع، فـ: لا إله إلا الرحمن أيضاً توحيد، وإن لم يكفِ واقتضى ما يعيِّن بحيث لا تجوز فيه الشركة، لم يكن لا إله إلا الله كذلك؛ إذ لا تحضر ذاته تعالى لنا على وجه التشخّص(٢). ولا حاجة إلى ما ذكره من الجواب أخطأ فيه أم أصاب، ولا يَرِدُ ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ معارِضاً؛ فإنه لو دلَّ على التوحيد لم يكن للوصف فائدة؛ لما سيأتي إن شاء الله تعالى من تفسيره(٣) بعدم قبول التعدُّد بوجه، وهو ليس من لوازم العَلَمية. ولا يغبِّر(٤) هذه الوجوه المسفرة ما قيل: إنها لا تستلزم المدعي؛ إذ الاختلاف إنما وقع بعد تسليم الاختصاص في كونه صفة، فيكون كالرحمن، أو اسماً فيكون علماً، وهذا القدر يكفي بعد ذلك في المقصود، كما لا يخفى على من لم يركب مطية الجحود. والإمام البيضاويُّ مع أن له اليد البيضاء في التحقيق، لم يتبلَّج له صبحُ هذا القول، وهو لا يحتاج إلى النظر الدقيق، فاختار أنه وصفٌ في أصله، لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره، وصار له كالعلم مثل الثريا والصَّحِقِ(٥)، أجري مجراه في إجراء الوصف عليه، وامتناع الوصف به، وعدمٍ تطرق احتمال الشركة إليه؛ لأن ذاته من حيث هو - بلا اعتبارٍ أمرٍ آخرَ حقيقيٍّ أو غيره - غيرُ معقول للبشر، فلا يمكن أن يُدلَّ عليه بلفظ، ولأنه لو دلَّ على مجرَّد ذاته المخصوص لما أفاد ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ﴾ [الأنعام: ٣] معنى صحيحاً، ولأنَّ (١) عصام القربة والدلو: حبلٌ تشدّ به. اللسان (عصم). (٢) في هامش الأصل و(م): وقيل: إحضاره تعالى على الوجه المذكور تكليف بما لا يطاق، فالمطلوب إنما هو إحضاره على وجهٍ کليٍّ منحصر في فردٍ، وعدم حصول التوحيد بالرحمن لإطلاقه مضافاً على غيره كرحمن اليمامة. تدبر. اهـ منه. (٣) يعني: من تفسير الأحدية. ينظر حاشية الشهاب ٥٨/١. (٤) في (م): يغيّر. (٥) الصَّعِق. هو لقب خويلد بن نفيل بن عمرو الكلابي، لقب بذلك لأن تميماً أصابوا رأسه بضربة، فكان إذا سمع صوتاً صعق. أو لأنه اتخذ طعاماً، فكفأت الريح قدوره فلعنها فأرسل الله عليه صاعقة. القاموس (صعق)، والخزانة ١/ ٤٣٠ . سُوَّةُ الْفَاتِة ٢٢٦ الآية : ١ معنى الاشتقاق كونُ أحد اللفظين مشاركاً للآخر في المعنى والتركيب، وهو حاصلٌ بينه وبين الأصول المذكورة (١). هذا كلامه، وقد أبطل فيه الأدلة الثلاث، وحيث لم يلزم من إبطال الدليل إيطالُ المدلول أبطله بوجهين، ونظم في سلكهما ثالثاً يدلُّ على الوصفية، وفيه: أنَّ الوجه الأول: قد اعترضه هو نفسه حيث قال في تعليقاته: وفيه نظر؛ إذ يكفي في وضع العَلَم تعقُّله بوجه يمتاز به عن غيره، من غير أن يعتبر ما به الامتياز في المسمَّى، فيمكن وضع العلم لمجرَّد الذات المعقولة في ضمن بعض الصفات، وقد تقرَّر في الكلام أنه يمكن أن يخلق الله تعالى العِلْم بكُنْهِ ذاته في البشر، ولأنه إنما يتمشّى إذا لم يكن الواضع هو الله تعالى، والتحقيق أن تصوير الموضوع له بوجهٍ ما كافٍ في وضع العَلَم، وكذا في فهم السامع عند استعماله. انتهى. والمرء مؤاخذ بإقراره، وهذا اكتفاءٌ بأقلِّ اللازم، وإلا فالمحقّقون قد أبطلوا هذا الدليل بما لا مزيد عليه. وأما الثاني: ففيه - إن لم نقل: إن الآية من المتشابه - أنَّ العلَمَ قد يُلاحظ معه معنّى به يصلح لتعلَّق الظرف، كقولك: أنت عندي حاتم، وقوله: أسدٌ عليَّ وفي الحُروبِ نَعامَةٌ فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ(٢) فليلاحظ هنا: المعبودُ بالحقِّ؛ لاشتهاره سبحانه بذلك في ضمن هذا الاسم المقدس. على أنه يحتمل التعلَّق بـ«يعلم)) في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٣] والجملة خبرٌ ثانٍ، أو هي الخبر ولفظ ((الله)) بدل، والظاهر أن قوله: ظاهر، لهذا . وأما الثالث: ففيه أن المنكِر لاشتقاقه لا يسلِّم التوافق في المعنى، على أنه لا يستلزم الوصفيةَ أيضاً، وكون المدَّعَى ظني(٣) فيكفي فيه الحدس من مثل ذلك (١) تفسير البيضاوي ١/ ١٧-١٨. (٢) البيت لعمران بن حطان الخارجي، وهو في ديوان الخوارج ص١١٤، والأغاني ١١٦/١٨، وجمهرة اللغة ٣/ ١١٤. (٣) كذا في الأصل و (م). الآية : ١ ٢٢٧ سُورَةُ الْفَاتِحَّةِ لا يجدي نفعاً؛ إذ لنا أن نقول مثله والمنشأ أتمُّ والظنُّ أقوى. والوجوه التي ذكرتْ في الإبطال تَرْهَقُها ذلة؛ لأنها كلها متوجهةٌ تلقاء الغلبة، وهي وإن لم تكن تحقيقية ضعيفة بل تقديرية قوية، لكنها على كل حالٍ دون العَلَمية الأصلية قوةً وشرفاً، فالعدول عن الأشرف في هذا الاسم الأقدس مما لا أسوِّغ الإقدام عليه، ودون . إثبات الداعي نفي الرقاد وخرط القتاد، وقد رأيتَ بعض ذلك. فالذي أرتضيه لا عن تقليدٍ: أنَّ هذا الاسم الأعظم موضوعٌ للذات الجامعة لسائر الصفات، وإلى ذلك يشير كلام ساداتنا النقشبندية - بلَّغنا الله تعالى بيركتهم كلَّ أمنية - في الوقوف القلبي، وهو أن يلاحظ الذاكر في قلبه كلما كرَّر ذكر(١) هذا الاسم الأقدس ذاتاً بلا مثل، وحققه الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه في مواضع عديدة من كتبه. هذا، وتفخيم اللام من هذا الاسم الكريم إذا انفتح ما قبله أو انضمَّ طريقةٌ معروفة عند القرَّاء، وقيل: مطلقاً. وحذف ألفه(٢) لغة حكاها ابن الصلاح، وفي ((التيسير)): إنها لغةٌ ثابتةٌ في الوقف دون الوصل، والأفصح الإثبات حتى قال بعضهم: إن الحذف لحنٌ تفسد به الصلاة، ولا ینعقد به صریح الیمین، ولا يرتكب إلا في الضرورة؛ كقوله: ألا لا بارَكَ اللَّه في سُهَيْلٍ إذا ما بَاركَ اللَّه في الرِّجَالِ (٣) وقد أطال الشيخ رظه(٤) الكلام في ((الفتوحات))(٥) عن أسرار حروفه وأتى بالعجب العجاب. وفي ظهور الألف تارةً وخفائها أخرى، وسكون اللام أولاً وتحركها ثانياً، والختم باطناً بما به البدء ظاهراً، واشتمال الكلمة على متحرِّكٍ وساكن، وصالحٍ لأن يظهر بأحد الأمرين، إشاراتٌ لا تخفى على العارفين، فارجع إلى كتبهم فَهُم (١) في الأصل و(م): سكر، والصواب ما هو مثبت. (٢) يعني ألف ((الله) التي بعد اللام. (٣) شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٣٣٢/١، والخزانة ٣٤١/١٠، وعجزه فيهما: إذا ما الله بارك .. . (٤) في (م): قدّس سرّه. (٥) ١٠٣/١ وما بعدها. الآية : ١ ٢٢٨ سُوَّةُ الْفَاتِحَةِ أعرفُ بالله تعالى منا، وسبحان من احتجب بنور العظمة حتى تحيرت الأفهام في اللفظ الدال عليه، إذ انعكست له من تلك الأنوار أشعةٌ بهرت أعين المستبصرين، فلم يستطيعوا أن يمعنوا النظر فيه وإليه، والقصورُ في القابل لا في الفاعل: تَوَهَّمتُ قِدْماً أنّ لَيْلی تَبَرْفَعَتْ وأنّ حِجاباً دونَها يَمْنَعُ اللَّثْمَا سِوى أنّ طَرْفي كانَ عَنْ حُسْنِهَا أَعْمَى فَلاحَتْ فلا واللهِ ما ئَمَّ حاچِبٌ و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ المشهور أنهما صفتان مشبّهتان بنيتا لإفادة المبالغة، وأنهما من رحِم مكسور العين، نقل إلى رحُم مضمومها بعد جعله لازماً، وهذا مطَّردٌ في باب المدح والذم، وأنَّ الرحمة في اللغة رِقَّةُ القلب، ولكونها من الكيفيات التابعة للمزاج المستحيل عليه سبحانه، تؤخذ باعتبار غايتها؛ إما على طريقة المجاز المرسل بذكر لفظ السبب وإرادة المسبّب، وإما على طريقة التمثيل، بأن شبّه حاله تعالى بالقياس إلى المرحومين في إيصال الخير إليهم بحال الملك إذا رق لهم فأصابهم بمعروفه وإنعامه، فاستعمل الكلام الموضوع للهيئة الثانية في الأولى، من غير أن يتمخَّل في شيءٍ من مفرداته. وإما على طريقة الاستعارة المصرِّحة، بأن يشبّه الإحسان على ما اختاره القاضي أبو بكر - أو إرادته على ما اختاره الأشعريُّ - بالرحمة؛ بجامعٍ ترتّبٍ الانتفاع على كلٍّ، ويُستعار له الرحمة، ويشتق منها الرحمن الرحيم على حدٍّ: الحال ناطقة بكذا. وإما على طريقة الاستعارة المكنية التخييلية، بأن يشبّه معنى الضمير فيهما العائد إليه تعالى بَملِكٍ رقَّ قلبُهُ على رعيَّته، تشبيهاً مضمراً في النفس، ويحذف المشبّه به، ويثبت له شيءٌ من لوازمه وهو الرحمة. وقيل: الرحمة في ذلك حقيقةٌ شرعيةٌ، وأن الرحمن أبلغُ من الرحيم؛ لأن زيادة البناء تدلُّ على زيادة المعنى، فتؤخذ تارةً باعتبار الكمية، وأخرى باعتبار الكيفية. فعلى الأول قيل: يا رحمنَ الدنيا؛ لأنه يعمُّ المؤمن والكافر، ورحيمَ الآخرة؛ لأنه يخصُّ المؤمن. وعلى الثاني قيل: يا رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَ الدنيا؛ لأن النعم الأُخروية كلَّها جِسامٌ، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. وأنه إنما قدم الآية : ١ ٢٢٩ سُورَةُ الفَاتِحَةِ الرحمن، والقياس يقتضي الترقِّي، لتقدم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعَلَم من حيث إنه لا يوصف به غيره؛ لأن معناه: المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره، وقول بني حنيفة(١) في مسيلمة: رحمن اليمامة، وقول شاعرهم فيه : سَمَوْتَ بالمجد يا ابنَ الأكْرِمِيْنَ أَباً وأنْتَ غَيْثُ الوَرَى لا زلْتَ رَحْمانا(٢) غلوٌّ في الكفر(٣). أو التقديمُ لأنَّ الرحمن لمَّا دلَّ على جلائل النعم وأصولها، ذكر الرحیم ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتتمَّة(٤) والرديف له. أو للمحافظة على رؤوس الآي. هذا وجميعه لا يخلو عن مقالٍ، ولا يسلم من رشق نبال : أمّا أولاً: فلأنَّ الصفة المشبّهة لا تُبنى إلا من لازم، ولذا قال في ((التسهيل))(٥): إنَّ ربًّا وملكاً ورحماناً ليست منها؛ لتعدِّي أفعالها، ولم يقل أحدٌ بنقل ما تعذَّى منها لفعل المضموم العين، والمسطورُ في المتون المعوَّلِ عليها: أن ((فعل)) المفتوح والمكسور إذا قُصد به التعُّب يحول إلى فعل المضموم، كقضو الرجل بمعنى: ما أقضاه، وحينئذ فيه اختلافٌ: هل يُعطى حكم نِعْمَ أو فِعْلٍ التعجب كما فضَّلوه ثمَّةً، وإلحاقُهم له بنِعْمَ كالصريح في عدم تصرُّفه، وأنه لا يؤخذ منه صفة أصلاً، وكون: رفيع الدرجات، بمعنى: رفيعٌ درجاتُه، لا: رافع (١) في هامش الأصل و(م): لا يخفى على المتأمل أنه لا حاجة إلى الاعتذار، لأن معنى لا يوصف به غيره: لا يصح وصف غيره به تعالى، كما يدل عليه تعليله بعدم تحقق معناه في غيره، ومعلوم أن عدم الصدق في نفس الأمر لا يستلزم عدم الإطلاق. فافهم. اهـ منه. (٢) ذكره الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٦٩/١ . (٣) في هامش الأصل و(م): إذ سمّوا المخلوق باسم الخالق، كما سمّوا الحجارة آلهة. اهـ منه . (٤) في هامش الأصل و(م): أي: لا من باب الترقي، والتتميم تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغة نحو: ويطعمون الطعام على حبه. اهـ منه. (٥) يعني في شرح التسهيل، كما في حاشية الشهاب ٦٤/١. الآية : ١ ٢٣٠ سُوَّةُ الفَائِحَةِ الدرجات، لا يجدي نفعاً، وإنما فسَّروه بما ذكر لأنَّ المراد درجات عزّه وجبروته، ليناسب المراد من قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وهي بسطة ملكه وسعة ملكوته، وتلك الدرجات ليست مرفوعة بفعل. ونقلُ ذلك عن الزمخشري في ((الفائق)) - بعد تسليم (١) أنه مذكور فيه - معارَضٌ بما صرَّح به هو في غيره كـ ((المفصَّل)). على أنَّ قولهم: رحمنَ الدنيا ورحيمَ الآخرة، بالإضافة إلى المفعول - كما نصَّ(٢) عليه - دون الفاعل، يقتضي عدم اللزوم، وأنهما ليسا بصفة مشبَّهةٍ، فالأصحُّ أنهما من أبنية المبالغة الملحقة باسم الفاعل، وأُخذا من فعلٍ متعدٍّ، وذلك في الرحيم ظاهرٌ، وقد نصّ عليه سيبويه في قولهم: رحيمٌ فلاناً، وكذا الزَّجَّاج، والصيغةُ تساعده. وللاشتباه في الرحمن، وعدم ذكر النحاة له في أبنية المبالغة، قال الأعلم(٣) وابن مالك: إنه عَلَم في الأصل، لا صفة ولا عَلَم بالغلبة التقديرية التي ادَّعاها الجُلُّ من العلماء. وأما ثانياً: فلأنَّ نقلَ فعل المكسور إلى فعل المضموم لا يتوقف على جعله لازماً أولاً؛ لأنه بمجرَّد النقل يصير كذلك، وتحصيل المناسبة بين المنقول والمنقول إليه باللزوم؛ لعدم الاكتفاء فيها بمطلق الفعلية، مما لا يخفى ما فيه. وأما ثالثاً: فلأنَّ كونَ الرحمة في اللغة رقةً القلب إنما هو فينا، وهذا لا يستلزم ارتكاب التجوُّز عند إثباتها لله تعالى؛ لأنها حينئذٍ صفةٌ لائقةٌ بکمال ذاته کسائر صفاته، ومعاذَ الله تعالى أن تُقاس بصفات المخلوقين، وأين التراب من رب الأرباب. ولو أَوْجَبَ كونُ الرحمة فينا رقَّةَ القلب ارتكابَ المجاز في الرحمة الثابتة له تعالى؛ لاستحالة اتِّصافه بما نَّّصف به، فليُوجِبْ كونُ الحياة والعلم والإرادة (١) في هامش الأصل و(م): قال شهاب: راجعته فلم أجده فيه. اهـ منه. وينظر حاشية الشهاب ٦٤/١. (٢) في هامش الأصل و(م): الناصّ شهاب، ومن يدّعي اللزوم يقول: إنه على التوسع، كما بينه النحاة في باب الظروف؛ وقاله شهاب أيضاً. اهـ منه. ينظر حاشية الشهاب ١/ ٦٤. (٣) هو يوسف بن سليمان، الأعلم الشنتمري النحوي، له شرح كتاب الجمل في النحو وغيره، توفي سنة (٤٧٦هـ). وفيات الأعيان لابن خلكان ٨١/٧. الآية : ١ ٢٣١ سُوَّةُ الفَاتِيةِ والقدرة والكلام والسمع والبصر ما تعلمه (١) منها فينا ارتكابَ المجاز أيضاً فيها إذا أُثبتت لله تعالى، وما سمعنا أحداً قال بذلك، وما ندري ما الفرقُ بين هذه وتلك، وكلُّها بمعانيها القائمة فينا يستحيل وصف الله تعالى بها، فإما أن يقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عزَّ شأنه، أو بتركه كذلك وإثباتها له حقيقةً بالمعنى اللائق بشأنه تعالی شأنه. والجهل بحقيقة تلك الحقيقة كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه إليه نقص سبحانه، بل ذلك من عزَّة كماله وكمال عزَّته، والعجزُ عن دَرْك الإدراك إدراكٌ، فالقول بالمجاز في بعضٍ والحقيقةِ في آخر، لا أراه في الحقيقة إلا تحكّماً بحثاً، بل قد نطق الإمامُ السَّكونيُّ(٢) في كتابه ((التمييز لما للزمخشري من الاعتزال في تفسير كتاب الله تعالى العزيز»: بأنَّ جَعْلَ الرحمة مجازاً نزغة اعتزالية قد حفظ الله تعالى منها سلف المسلمين وأئمة الدين، فإنهم أقرُّوا ما ورد على ما ورد، وأثبتوا لله تعالى ما أثبته له نبيُّه ◌َله من غير تصرُّفٍ فيه بكناية أو مجاز، وقالوا: لسنا أَغْيَر على الله من رسوله، لكنهم نزَّهوا مولاهم عن مشابهة المحدثات، ثم فوَّضوا إليه سبحانه تعيينَ ما أراده هو أو نبيه من الصفات المتشابهات. والأشعريُّ إمام أهل السنة ذهب في النهاية إلى ما ذهبوا إليه، وعوَّل في (الإبانة)) على ما عوَّلوا عليه، فقد قال في أول كتاب ((الإبانة)) الذي هو آخر مصنفاته: أما بعد، فإنَّ كثيراً من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القَدَر مالتْ بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومَن مضى من أسلافهم، فتأوَّلوا القرآنَ على آرائهم تأويلاً لم ينزل الله به سلطاناً، ولا أوضح به برهاناً، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين وَله، ولا عن السلف المتقدمين. وساق الكلام إلى أن قال: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قولَ المعتزلة والقدريَّة والجهمية والحَرورية والرافضة والمرجئة، فعرِّفونا قولَكم الذي به تقولون، ودیانتكم التي بها تدينون! قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسكُ (١) في (م): نعلمه. (٢) هو أبو علي عمر بن محمد بن خليل السّكوني. توفي سنة (٧١٧هـ). كشف الظنون ٢/ ١٤٨٢. الآية : ١ ٢٣٢ سُورَةُ الفَاتِيَةِ بكتاب الله تعالى وسنَّة نبيه ◌َّ*، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد ابن حنبل - نضَّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قولَه مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله تعالى به الحقَّ عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين و زيغ الزائغين وشكّ الشاكين، فرحمة الله عليه من إمامٍ مقدَّمٍ وكبيرٍ معظّمٍ مفخّم وعلى جميع أئمة المسلمين(١). ثم سرد الكلام في بيان عقيدته مصرِّحاً بإجراء ما ورد من الصفات على حالها بلا كيف، غير متعرِّضٍ لتأويلٍ ولا ملتفتٍ إلى قال وقيل، فما نقل عنه من تأويل صفة الرحمة إما غير ثابت أو مرجوع عنه، والأعمال بالخواتيم. وكذا يقال في حق غيره من القائلين به من أهل السنة، على أنه إذا سلم الرأس كفى، ومن ادَّعى ورود ذلك عن سلف المسلمين فليأت ببرهانٍ مبين، فما كلُّ من قال يُسمع، ولا كلُّ من ترأَّس يُتَبع: أمّا الخِيامُ فإنّها كَخِيامِھمْ وَأَرَى نساءَ الحيِّ غيرَ نِسائِها(٢) والعجب من علماء أعلام، ومحقِّقين فخام، كيف غفلوا عما قلناه، وناموا عما حققناه، ولا أظُّك في مرية منه وإن قلَّ ناقلوه وكثر منكروه: و﴿كَم مِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وأما رابعاً: فلأنَّ إجراء الاستعارة التمثيلية هنا مع أنه تكلَّفٌ ـ لاسيَّما على مذهب السيد السند قُدِّس سرُّه - فيه ظاهراً نوعٌ من سوء الأدب؛ إذ لا يقال: إنَّ لله تعالى هيئةٌ شبيهةٌ بھیئة المَلِك، ولم یرِد إطلاق الحال علیه سبحانه وتعالى، فهل هذا إلا تصرُّفٌ في حقِّ الله تعالى بما لم يأذن به الله، ومثل هذا أيضاً مكنيٍّ في المكنية، وبلاغة القرآن غنيّةٌ عن تكلُّفِ مثلٍ ذلك. وأما خامساً: فلأنَّ وجه تشبيه الإحسان - في احتمال الاستعارة المصرِّحة - بالرحمة التي هي رقَّةُ القلب غيرُ صريح؛ لأنه لا ينتفع بها نفسها، وإنما الانتفاع (١) الإبانة عن أصول الديانة ص٩-٨. (٢) البيت لعلي بن أحمد الفالي، كما في معجم الأدباء ٢٢٧/١٢ . الآية : ١ ٢٣٣ سُورَّةُ الفَاتِيةِ بآثارها، وكم مَن رَقَّ قلبه على شخص حتى أرِقَ له لم ينفعه بشيءٍ ولا أعانه بحيٍّ ولا ليّ : أَهُمُّ بأَمْرِ الحَزْمِ لا أَسْتَطِيعُه وَقَدْ حِيلَ بينَ العَيْرِ والنَّزَوانِ(١) ولا كذلك الانتفاع بالإحسان، وأما الإرادة فهي وإن قلنا بصحة إرادتها هنا، لا تصحُّ في وجه المجاز المرسل بالنظر إليه تعالى، بل إنك إذا تأمَّلتَ وأنصفتَ وجدت أن الرحمة إن تسبَّبت الإحسان أو أرادته، فإنما تسبيته إذ(٢) كانت هي وهو صفتين لنا، ومجرَّد السببية والمسبَّبية في هذه الحالة لا يوجب كونَ الرحمة المنسوبة إليه عزَّ شأنه مجازاً مرسلاً عن أحد الأمرين، وبفرض وجود الرحمة بذلك المعنى فيه تعالى كيفما كان الفرض، لا نجزم بالسببية والمسبَّبية أيضاً، وقياس الغائب على الشاهد مما لا ينبغي، والفرق مثل الصبح ظاهر، والذهن مقيّدٌ عن دعوى الإطلاق لما لا يخفى عليك، فتأمَّل في هذا المقام، فقد غفل عنه أقوام بعد أقوام. وأما سادساً: فلأنَّ كون الرحمن أبلغُ من الرحيم غيرُ مسلَّم، وإن قال الراغب: إن فعيلاً لمن كَثُر منه الفعل، وفعلان لمن کَثُر منه وتكرَّر، حتى قيل: الرحيم أبلغ لتأّره. وقول ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل غضب. وقيل: هما سواء؛ لظاهر الحديث الذي أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) مرفوعاً: ((رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما))(٣). وإليه ذهب الجوينيُّ(٤)، وقرَّره بأن فعلان لمن تكرّر منه الفعل وكثر، وفعيل لمن ثبت منه الفعل ودام. (١) البيت لصخر بن عمرو بن الشريد، وهو في الأصمعيات ص١٤٦، والأغاني ٧٩/١٥، والمقاصد النحوية ٤٥٩/٤، والخزانة ٤٣٨/١. العير: حمار الوحش. ونزوان العير: وثوبه على أنثاه. (٢) في (م): إذا . (٣) قطعة من حديث عائشة ريا، وهو في المستدرك ٥١٥/١، وأخرجه أيضاً الطبراني في الدعاء (١٠٤١). (٤) في الإرشاد ص١٣٨، حيث قال: هما اسمان مأخوذان من الرحمة ومعناهما واحد عند المحققين، وإن كان الرحمن يختص به الله تعالى ولا يوصف به غيره. سُورَةُ الفَاتِيةِ ٢٣٤ الآية : ١ وفرَّق بعضهم بينهما بأنَّ الرحمن دالٌّ على الصفة القائمة به تعالى، والرحيم دالٌّ على تعلُّقها بالمرحوم، فكان الأولُ للوصف والثاني للصفة، فالأول داٌّ على أنَّ الرحمة صفته، والثاني دالٌّ على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردتَ فهم ذلك فتأمَّلْ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ولم يجئ قط: رحمن بهم، فإنه يستشعر منه أنَّ ((رحمن)) هو الموصوف بالرحمة، و((رحيم)) هو الراحم برحمته. وما ذكر من قولهم: لأنَّ زيادة البناء تدلُّ على زيادة المعنى، قاعدة أغلبية أسسها ابن جنِّي(١)، فلعلَّها لا تثبتُ مع بسم الله الرحمن الرحيم، وقد نُقضت بِحَذِرٍ؛ فإنه أبلغ من حاذِرٍ مع زيادة حروفه. فإن أجيب(٢) بأنها أكثريةٌ فيا مرحباً بالوفاق. وإن أجيب بأنَّ ما ذكر لا ينافي أن يقع في البناء إلا نقص زيادة معنى بسبب آخر؛ كالإلحاق بالأمور الجبلِّية مثل: شَرِهِ ونَهِم، فجاز أنَّ حاذراً أبلغ من حَذِر؛ لدلالته على زيادة الحذر وإن لم يدلّ على ثبوته ولزومه. فهو على ما فيه لا يصفو عن كدر؛ لأنهم صرَّحوا بأنه قد كَثُر استعمال فعيل في الغرائز - كشريف وكريم - وفعلان في غيرها؛ كغضبان وسكران، فيقتضي أنه أبلغ ولو من وجه، أو لا فسواء. وإن أجيب بأن القاعدة فيما إذا كان اللفظان المتلاقيان في الاشتقاق مثَّحدَي النوع في المعنى؛ كغَرِثٍ (٣) وغَرْئان وصَدٍ وصَدْيان، ورحيم ورحمن، لا كحذر وحاذر، للاختلاف؛ فإنَّ أحدهما اسمُ فاعل والآخر صفةٌ مشبَّهة. فيقال: قد صرَّح ابن الحاجب بأنه من أبنية المبالغة المعدودة من اسم الفاعل، فهما متَّحدان نوعاً أيضاً، فيحصل الانتقاض البتة. ثم إنهم استشكلوا الأبلغية بأن أصل المبالغة مما لا يمكن هنا؛ لأنها عبارةٌ عن أن تُثبت للشيء أكثرَ مما له، وذلك فيما يقبل الزيادة والنقص، وصفاته تعالى منزهةٌ عن ذلك لاستلزامه التغيُّرَ المستلزمَ للحدوث. (١) الخصائص ٢٦٤/٣. (٢) في هامش الأصل: المجيب السعد قدّس سره. (٣) الغَرِث: الجائع. القاموس المحيط (غرث). الآية : ١ ٢٣٥ سُوَّةُ الْفَائِةِ وأجيب: بأنَّ المراد الأكثريةُ في التعلُّقات والمتعلِّقات، لا في الصفة نفسها، وهذا إذا كانت صفةً ذات، وإن كانت صفةً فعل فلا إشكال على ما ذهب إليه الأشاعرة من القول بحدوثها، وأما على ما ذهب إليه ساداتنا الماتريدية القائلون بقدم صفة التکوین، فیجاب بما أجیب به عن الأول. وأما سابعاً: فلأنَّ قولهم: فعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا؛ لأنه يعمُّ المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة؛ لأنه يخصُّ المؤمنَ. إن أرادوا به أنَّ أبلغيةً الرحمن ههنا باعتبار كثرة أفراد الرحمة في الدنيا لوجودها في المؤمن والكافر، فلا يستقيم عليه: ورحيم الآخرة؛ إذ النعم الأخروية غير متناهية وإن خصَّت المؤمن. وإن أرادوا أنها باعتبار كثرة أفراد المرحومين، فلا يخفى أن كثرة أفرادهم إنما تؤثّر في الأبلغية باعتبار اقتضائها كثرة أفراد الرحمة في الدنيا أيضاً، ومعلومٌ أنَّ أفراد الرحمة في الآخرة أكثر منها بكثير، بل لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً، فهذا الوجه مخدوشٌ على الحالین. على أن في اختصاص رحمة الآخرة بالمؤمنين مقالاً؛ إذ قد ورد في الصحيح شفاعته ﴿ لعامة الناس من هول الموقف: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وروي تخفيف العذاب عن بعض الأشقياء في الآخرة. وكون الكفار في الأول تبعاً غير مقصودين، كيف وهم بعد الموقف يلاقون ما هو أشدُّ منه، فليس ذلك رحمةً في حقِّهم، والتخفيف في الثاني - على تقدير تحقُّقه - نزولٌ من مرتبةٍ من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها، فليس رحمةً من كل الوجوه = ليس بشيء: أما أولاً: فلأنَّ القصد تبعاً وأصالةً لا مدخل له، وحبذا الولد من أين جاء. وأما ثانياً: فلأنَّ ملاقاتهم بعدُ لِمَا هو أشدُّ - فلا يكون ذلك رحمةً في حقّهم - يستدعي أنْ لا رحمة من الله تعالى لكافرٍ في الدنيا، كما قد قيل به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنََّا نُعْلِ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِنْمَأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ◌ُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُمْ وَأَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم بِهَا﴾ [التوبة: ٨٥] فيبطل حينئذٍ دعوى شمول الرحمة المؤمن والكافر في الدنيا؛ سُورَةُ الفَاتِيةِ ٢٣٦ الآية : ١ إذ لا فرق بين ما يكون للكافر في الدنيا مما يتراءى أنه رحمة، وما يكون له في الآخرة، فوراء كلِّ عذابٌ شديدٌ. وأما ثالثاً (١): فلأنَّ كونَ التخفيف ليس برحمة من كل الوجوه لا يضرُّ، وكلُّ أهل النار يتمنَّى التخفيف: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] وحنانيك بعض الشر أهون من بعض. وأما ثامناً: فلأنَّ قولهم: وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة إلخ، فيه بعضُ شيءٍ، وهو أنه يصح أن يكون بالاعتبار الأول؛ لأنَّ نِعَمَ الدنيا والآخرة تزيد على نعم الآخرة، نعم يجاب عنه بأنه يلزم حينئذ أن يكون ذكر رحيم الدنيا لغواً، ولا يلزم ذلك على اعتبار الكيفية؛ إذ المراد: يا مُؤْلياً لجسام النعم في الدارين، ولِمَا دونها في الدنيا . وأيضاً مقصود القائل التوسُّلُ بكلا الاسمين المشتقَّين من الرحمة في مقام طلبها، مشيراً إلى عموم الأول وخصوص الثاني، ويحصل في ضمنه الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه، الباعثة لمزيد شكره، إلا أنه يَرِدُ عليه كسابقه أنَّ الأثر لا يُعرف، والمعروف المرفوع: ((رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما)) و کفایةُ کونه من كلام السلف ليس بشيء كما لا يخفى. وأما تاسعاً: فلأنَّ السؤال عن تقديم الرحمن معتَرَضٌ بمقبول ومردود. وذكر ابن هشام(٢) أنه غيرُ متَّجه؛ لأن هذا خارجٌ عن كلام العرب، إذ لم يستعمل صفة ولا مجرداً من أل، فهو بدلٌ لا نعت، والرحيم نعتٌ له لا نعت لاسم الله سبحانه، إذ لا يتقدَّم البدلُ على النعت، ومما يوضح لك أن الرحمن غير صفة مجيئه كثيراً غير تابع، نحو: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: ١-٢] ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠](٣). (١) في هامش الأصل: اعتراض على الشهاب. (٢) في هامش الأصل و(م): قال شهاب بعد نقل كلام ابن هشام: ولا يخفى ما فيه، وأن استفاضة إضافته نحو رحمن الدنيا تنافیه، فتأمل. اهـ منه. (٣) المغني لابن هشام ص ٦٠١ - ٦٠٢. الآية : ١ ٢٣٧ سُورَةُ الفَاتِية وقال ابن خروف (١): هو صفةٌ غالبةٌ، ولم يقع تابعاً إلا لله تعالى في البسملة والحمدلة، ولذا حكم عليه بغلبة الاسمية، وقلَّ استعماله منكَّراً ومضافاً، فوجب كونه بدلاً لا صفةً؛ لكون لفظ(٢) الله أعرف المعارف. وقال غير واحد: إنهما ذُكرا لإفادة الشمول والعموم، كما تقول: الكبير والصغير يعرفه، ولو عكست صحَّ وكان المعنى بحاله، ومثله لا يلزم فيه الترتيب، كما فضِّل في ((المثل السائر)). وللعلماء في هذا الترتيب كلامٌ كثيرٌ، وادَّعى العلامة المدقق في ((الكشف)): أنَّ التحقيقَ يقتضي أن يَرِدَ النظمُ على هذا الوجه، ولا يجوز غيره؛ لأنَّ الله اسمٌ للذات الإلهية باعتبار أن الكل منه وإليه، وجوداً ورتبةً وماهية، والرحمن اسمٌ له باعتبار إفاضة الرحمة العامة أعني الوجود على الممكنات، والرحيم اسمٌ له باعتبار تخصيص كلِّ ممكنٍ بحصَّةٍ من الرحمة، وهي الوجود الخاصُّ وما يتبعه من وجود كمالاته، فلو لم يورد كذلك لم يكن على النهج الواقع المحقّق ذوقاً وشهوداً، عقلاً ووجوداً. وأيضاً لمَّا كان المقصود تعليم وجه التيمُّن بأسمائه الحسنى وتقديمها عند كلِّ ملمٌّ، كان المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى، إرشاداً لمن يقتصر على واحدٍ أن يقتصر على الأَوْلَى فالأَوْلَى، وتقريراً في ذهن السامع لوجه التنزل أولاً فأولاً . انتھی. ويؤيد بعضَه بعضُ ما أسلفناه من الآثار(٣)، والبعضُ الآخر في القلب منه شيءٌ؛ لأن تخصيصَ الرحمن بالوجود العام والرحيم بالكمالات تحكّمٌ غيرُ مرضيٍّ، وربما ينافي المأثور، على أنه لا معنى الإفاضة الوجود على الكل إلا تخصيص كلِّ ممكن بحصَّة منه، وهل يوجد في الخارج من النوع إلا الحصص الإفرادية، (١) هو علي بن محمد أبو الحسن المحقق المدقق النحوي، صنف: شرح سيبويه، وشرح الجمل، وغيرهما، توفي سنة (٦٠٩هـ) بإشبيلية. بغية الوعاة ٢٠٣/٢. (٢) في (م): لفظة. (٣) في هامش الأصل و(م): وهو أنه لو كان يكتب باسم الله الرحمن، حتى نزلت سورة النمل. اهـ منه. سُورَةُ الفَائِةِ ٢٣٨ الآية : ١ فتخصيص الإفاضة بالرحمن والتخصيص بالرحيم على ما يلوح بمعزلٍ عن التحقيق، والعجب ممن فاته ذلك(١). وأما عاشراً: فلأنَّ ما ذكروه في الجواب عن قول بني حنيفة بأنه غلوٌ (٢) في الكفر، فيكون الإطلاق غيرَ صحيح لغةً وشرعاً. فيه أنه إذا كان إطلاقه عليه تعالى شأنه مجازاً كما زعموا، وبالغلبة، فكيف يقال: إن استعماله في حقيقته وأصلٍ معناه خطأ لغة؟ وقد ذهب السبكيُّ إلى أن المخصوص به تعالى هو المعرَّف دون المنگَّر والمضاف؛ لوروده لغيره، ورَدَّ به على القول بأنه مجازٌ لا حقيقة له، وأنَّ صحّة المجاز إنما تقتضي الوضع للحقيقة لا الاستعمال، نعم هو في لسان الشرع يمنع إطلاقه على غيره مطلقاً وإن جاز لغة؛ كالصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبذلك صرَّح العزُّ بن عبد السلام. وقيل: إنَّ رحماناً في البيت مصدرٌ لا صفة مشبهة، والمراد: لا زلت ذا رحمة، وفيه ما لا يخفى. وأفْهَمَ كلامه أن الرحيم يوصَف به غيرُه تعالى، وهو المعروف، لكن أخرج ابن أبي حاتم (٣) عن الحسن البصري أنه قال: الرحيم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه. ولعل مراده المعرَّف دون المنكَّر والمضاف، فافهم. وأما الحادي عشر: فلأنَّ المحافظة على رؤوس الآي إنما تَحسُنُ - كما قال الزمخشريُّ - بعد إيقاع المعاني على النهج الذي يقتضيه حُسن النظم والتئامه، فأما أن تُهمل المعاني ويُهتَمَّ للتحسين وحده فليس من قبيل البلاغة(٤). (١) في حاشية (م): هو الشهاب. اهـ منه. (٢) في هامش الأصل و(م): واعترضه ابن السبكي أيضاً بأن الغلو لا يفيد جواباً، إذْ غايته أن ذلك السبب الحامل لهم على الإطلاق، فانهم. اهـ منه. (٣) في تفسيره ٢٦/١. (٤) في هامش الأصل و(م): وبني على ذلك أن التقديم في: ﴿وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ليس مجرد الفاصلة، بل لرعاية الاختصاص. اهـ منه.