Indexed OCR Text

Pages 201-220

الآية : ١
١٩٩
سُورَةُ الفَاتِحَةِ
قيدٌ للنفي لا للمنفي فلا يتنافيان. على أنه روي عن بعض الحفاظ: ليس حديثٌ
صريحٌ في الجهر إلا وفي إسناده مقال.
وعن الدارقطني أنه صنَّف كتاباً في الجهر، فأقسم عليه بعض المالكية ليُعرِّفه
الصحيح، فقال: لم يصح في الجهر حديث.
والقول(١) بأن الرواية عن أنس ستٌّ متعارضة، فتارة يُروى عنه الجهر، وأخرى
الإخفاء؛ للخوف من بني أمية المخالفين لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه إذ مذهبه
الجهر، لا يضرنا؛ إذ يقدَّم عند التعارض الأقوى إسناداً، وهو هنا ما يوافقنا إذ هو
على شرط الشيخين، وتهمة الراوي المخالفِ بالكذب على أنس أهون عندي من
تهمة أنس صاحب رسول الله وَ﴿ بالكذب على رسول الله وَّه ومقدَّمي أصحابه.
ومن عجائب الرازي: كيف يبدي احتمال التهمة، ويروي اعتراضَ أهل المدينة
على سيد ملوك بني أمية بذلك اللفظ الشنيع والمحل الرفيع، فهلًّا خافوا وسكتوا
وصافوا، والأعجب من هذا أنه ذكر ستَّ حجج لإثبات الجهر هي أخفى من العدم.
الأولى: أنَّ البسملة من السورة، فحكمها حكمها سرًّا وجهراً، وكون البعض
سرِيًّا والبعض جهريًّا مفقود.
ويردُّه ما علمته في الردود، وبفرض تسليم أنها من السورة، أيُّ مانع من إسرار
البعض والجهر بالبعض؟ وقد فعله رسول الله وَّهِ فاتبعوه، ولعلَّ السرَّ فيه كالسِّرِّ في
الجهر والإخفاء في ركعات صلاة واحدة. أو يقال: إنَّ حال المنزل عليه القرآن
كان خلوة أولاً وجلوة ثانياً، فناسب حاله حاله، بل إذا تأملت قوله تعالى في
الحديث القدسي الثابت عند أهل الله: ((كنت كنْزاً مخفيًّا)، إلخ(٢) ظهر لك سرٍّ
أعظم(٣)، فرضي الله تعالى عن المجتهد الأقدم.
(١) في الأصل بين الأسطر: ردِّ للرازي.
(٢) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٢٢/١٨، ٣٧٦: ليس من كلام النبي و #* ولا يعرف له
سندٌ صحيح، ولا ضعيف. اهـ. وسيرد ٥١/٢٦ فانظر كلام المصنف عنه.
(٣) في هامش الأصل و(م): ففي المنزِل جلّ شأنه: خلوة وجلوة، وفي المنزّل عليه كذلك،
فروعي ذلك في المنزل أيضاً؛ ليظهر التناسب بينه وبين الطرفين، وخلوة كلِّ وجلوتُه بمعنى
یلیق به، والله تعالى الموفق. اهـ منه.

الآية : ١
٢٠٠
سُورَةُ الْفَائِحَةِ
الثانية: أنها ثناءٌ وتعظيمٌ، فوجب الإعلان بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللّهُ
كَذِيْكُرْ ءَبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرَأْ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
ويردُّه أن غالب مشتملات الصلاة كذلك، أفيُجهر بها؟!
الثالثة: أن الجهر بذكر الله يدلُّ على الافتخار به وعدم المبالاة بمنكره، وهو
مستحسَن عقلاً، فيكون كذلك شرعاً، ولا يُخفى إلا ما فيه عيبٌ، ثم قال: وهذه
الحجة قويةٌ في نفسي راسخةٌ في عقلي، لا تزول البتّة بسبب كلمات المخالفين.
ويردُّه ما ردَّ سابقه، وقد يخفى الشريف:
على امْرِئٍ ذِي جَلالٍ
لَيْسَ الخمولُ بِعَادٍ
وتِلْكَ خَيْرُ اللّيَالِي(١)
فَلَيْلَةُ القَدْرِ تَخْفَى
ويا ليت شعري، أكان تسبيحُهُ اللهَ تعالى في ركوعه وسجوده معيباً فيخفيَه، أو
جيداً فيجهرَ به ويُبْدِيَه؟! ولا أظنُّ بالرجل إلا خيراً، فإن الحجَّة قويةٌ في نفسه
راسخةٌ في عقله.
الرابعة: ما أخرجه الشافعيُّ عن أنس أن معاويةً صلى بأهل المدينة ولم يقرأ
بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض عليه المهاجرون والأنصار، فأعاد، الحديثَ
بمعناه(٢).
ويردُّه معارضوه، أو يقال: لم يقرأ على ظاهره، وعلموا ذلك ببعض القرائن،
وما راءٍ كمن سمعا .
الخامسة: ما روى البيهقيُّ عن أبي هريرة: كان رسول الله وَلله يجهر في الصلاة
ببسم الله الرحمن الرحيم (٣). وهو المرويُّ عن عمرَ وابنه وابن عباس وابن الزبير،
وأما عليٍّ فقد تواتر عنه، ومن اقتدى في دينه بعليٍّ فقد اهتدى.
ويردُّه المعارض، وبتقدير نفيه يقال: إنَّ الجهر كان أحياناً لغرض، وفي الأخبار
(١) ذكرهما العاملي في الكشكول ٣٠٣/١ بدون نسبة.
(٢) سلف تخرجه ص١٨٨ و١٩٤ من هذا الجزء.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٧، وأخرجه أيضاً الدارقطني (١١٧٤).

الآية : ١
٢٠١
سُورَةُ الفَاتِحَةِ
التي ذكرناها ما يعارض أيضاً نسبته إلى عمر وعليٍّ وابن عباس، وما زَعَم من تواتر
نسبته إلى عليٍّ ممنوعٌ عند أهل السنة، نعم اذَّعته الشيعةُ فذهبوا إلى الجهر في السرية
والجهرية، ولو عمل أحد بجميع ما يزعمون تَواتُّرَه عن الأمير كَفَر، فليس إلا الإيمان
ببعضٍ والكفر ببعضٍ، وما ذكره من أنَّ مَنْ اقتدى في دينه بعليٍّ فقد اهتدى، مسلَّمٌ،
لكن إن سلم لنا خبرُ ما كان عليه عليٍّ رَُّه، ودونه مهامه فيح(١). على أنَّ الشائع عند
أهل السنة تقديم ما عليه الشيخان، وإذا اختلفا فما عليه الصدِّيق حيث إنَّ النبيَّ وَله
ترقّى في التخصيص إليه فقال أولاً: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))(٢).
وثانياً: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي))(٣). وثالثاً: ((اقتدوا
باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر)) (٤) ورابعاً: ((إن لم تجديني فأتي أبا بكر))(٥).
السادسة: أنها متعلقةٌ بفعلٍ مضمرٍ نحو: بإعانةٍ بسم الله اشرعوا، ولا شك أنَّ
استماع هذه الكلمة ينبِّه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله،
ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله، وينبّهه على أنه لا يتم من الخيرات شيء
إلا إذا وقع الابتداء فيه بذكر الله تعالى، وبإظهارها أمرٌ بمعروف.
ويردُّه مع ركاكة هذا التقدير وعدم قائل به، أنَّ انفهام الأمر بالمعروف من هذه
الجملة يحتاج إلى فكرٍ لو صُرف عُشْرُ مِعشاره في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ
نَسْتَعِينُ ﴾﴾ لحصل ضعفُ أضعافه من دون غائلةٍ كثيرة، فيغني عنه.
ثم إنه رحمه الله تعالى ذكر كلاماً لا ينفع إلا في تكثير السواد، وإرهاب ضعفاء
الطلبة بجيوش المداد.
(١) المهامه: جمع المهمه، وهي الفلاة بعينها لا ماء بها ولا أنيس. والفيح: الواسعة. اللسان
(مهه) و(فيح).
(٢) أورده ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٩٤-٩٥ من طرق كلها لا تخلو من ضعيف
أو متروك، وقال في التلخيص الحبير ١٩٠/٤: قال أبو بكر البزار: هذا الكلام لم يصح
عن النبي ◌َّهر، وقال ابن حزم: هذا خبر مكذوب، موضوع باطل.
(٣) أخرجه أحمد (١٧١٤٢)، والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية ظه وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) أخرجه أحمد (٢٣٢٤٥)، والترمذي (٣٦٦٢) من حديث حذيفة له. قال الترمذي: حديث
حسن.
(٥) أخرجه البخاري (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦)، من حديث جبير بن مطعم .

سُورَةُ الفَاتِحَةِ
٢٠٢
الآية : ١
البحث الثالث في معناها:
فالباء إما للاستعانة، أو المصاحبة، أو الإلصاق، أو الاستعلاء، أو زائدة، أو
قَسَميَّة، والأربعة الأخيرة ليست بشيءٍ، وإن استؤنس لبعضٍ ببعض الآيات،
واختلف في الأرجح من الأوَّلَيْنِ؛ فالذي يشعر به كلام البيضاوي(١) أرجحيةَ
الأول، وأُيِّدَ بأنَّ جَعْلَه للاستعانة يُشعر بأنَّ له زيادة مدخل في الفعل، حتى كأنه
لا يتأتَّى ولا يوجد بدون اسم الله تعالى، ولا يخلو عن لطف.
وما يدلُّ عليه كلام الزمخشريٌّ(٢) أرجحيةُ الثاني، وأُيِّدَ بأنَّ باءَ المصاحبة أكثرُ
في الاستعمال من باء الاستعانة، لاسيَّما في المعاني وما يجري مجراها من
الأفعال، وبأنَّ التبرُّك باسم الله تعالى تأذُّبٌ معه وتعظيمٌ له، بخلاف جعله للآلة،
فإنها مبتذلة غيرُ مقصودة بذاتها، وأن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه
التبرُّك، فينبغي أن يردّ عليهم في ذلك، وأن الباء إذا حُملت على المصاحبة كانت
أدلَّ على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله تعالى منها إذا جُعلت داخلةً على
الآلة، ويناسبه ما روي في الحديث: ((تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم يُسمِّي
أو لم يسمِّ))(٣)، وأن التبرك باسم الله تعالى معنىً ظاهر يفهمه كل أحد ممن يبتدئ
به، والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدى إليه إلا بنظر دقيقٍ، وأنَّ كون اسم الله
تعالى آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه يوصل إليه ببركته، فقد رجع بالآخرة إلى معنى
التبرك، فلنقل به أولاً، وأنَّ جَعْلَ اسمه تعالى آلة لقراءة الفاتحة لا يتأتى على
مذهب من يقول: إن البسملة من السورة، وأن قوله وَله: ((بسم الله الذي لا يضر
مع اسمه شيء)»(٤) مما يستأنس به له، وأنَّ في الأول جَعلُ الموجود حسًّا
(١) في تفسيره ٩/١ - ١٠ .
(٢) في الكشاف ٢٦/١ وما بعدها.
(٣) ذكره بهذا اللفظ ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٧٤١ من حديث البراء بن عازب وغيره،
وضعفه، وأخرجه بنحوه ابن عدي في الكامل ٢٣٨١/٦، والدارقطني (٤٨٠٣)، والبيهقي
٢٤٠/٩ من حديث أبي هريرة . وفي إسناده مروان بن سالم، قال عنه الدارقطني:
ضعيف.
(٤) أخرجه أحمد (٤٤٦)، والترمذي (٣٣٨٨)، وابن ماجه (٣٨٦٩)، من حديث عثمان بن
عفان . قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

الآية : ١
٢٠٣
سُورَةُ الْفَائِةِ
كالمعدوم، وأن بسم الله الرحمن الرحيم موجود في القراءة، فإذا جعلت الباء
للاستعانة كان سبيله سبيل القلم، فلا يكون مقروءاً وهو مقروء، وأنَّ فيه الإيجاز
والتوصُّلَ بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى؛ لتقدير: متبرِّكاً، وهو لكونه حالاً فيه بيان
هيئة الفاعل، وقد ثبت أن لا بد لكل فعل متقرَّبٍ به إلى الله تعالى من إعانته جلَّ
شأنه، فدلَّ الحال على زائد.
وعندي: أن الاستعانة أولى، بل يكاد أن تكون متعيِّنةً؛ إذ فيها من الأدب
والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة، ولأنَّ فيها تلميحاً من
أول وهلةٍ إلى إسقاط الحول والقوة، ونفي استقلال قُدَرِ العبد وتأثيرها، وهو
استفتاحٌ لباب الرحمة، وظَفَرٌ بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله، ولأنَّ هذا المعنى
أمسُ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولأنه كالمتعيِّن في قوله: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَّكَ﴾
[العلق: ١] ليكون جواباً لقوله {وَلجر: ((لست بقارئ))(١) على أتمٍّ وجهٍ وأكمله.
وما ذكروه في تأييد المصاحبة كلُّه مردود:
أما الأول: فلأنَّ دون إثبات الأكثرية خَرْطُ القتاد.
وأما الثاني: فلأنه توقُّمُ نشأ من تمثيلهم في الآلة بالمحسوسات، وليست كلُّ
استعانة بآلةٍ ممتهنة، ولا شك في صحة: استعنت بالله. وقد ورد في الشرع، قال
تعالى: ﴿أُسْتَعِينُوْ بِلَّهِ وَأَصْبِرُواْ﴾ [الأعراف: ١٢٨] فهو إذنٌّ على أنَّ جهة الابتذال
مما لا تمرُّ بيال، والقلب قد أحاط بجهاته جهة أخرى.
وأيضاً في تخصيص الاستعانة بالآلة نظر؛ لأنها قد تكون بها وبالقدرة، ولو
سُلِّم فأيُّ مانع من الإشارة بها هنا إلى أنه كما هو المقصود بالذات، فهو المقصود
بالعرض، إذ لا حول ولا قوة إلا به.
وأما الثالث: فلأنَّ المشركين إلى الاستعانة بآلهتهم أقربُ، إذ هم وسائطهم في
التقرب(٢) إليه تعالى، وهي أشبه بالآلة.
وأما الرابع: فلأنَّ الآلة لا بدَّ من وجودها في كل جزء إلى آخر الفعل، وإلا لم
(١) قطعة من حديث بدء الوحي، وقد سلف تخريجه ص١٩٦ من هذا الجزء.
(٢) في الأصل: بالتقرب.

الآية : ١
٢٠٤
سُورَةُ الفَاتِيةِ
يتم، ولا نسلِّم اللزوم بين مصاحبة شيءٍ لشيء وملابسته لجميع أجزائه، وما ذكره
من الحديث فهو بالاستعانة أنسب؛ لأنها مشعرةٌ بتبرِّي العبد من حوله وقوته،
وإثبات الحول والقوة لله تعالى، وهذا من باب العقائد التي عُقد عليها قلبُ كلِّ
مسلم يسمّي أو لم يسم.
وأما الخامس: فلأنه إن أراد أن معنى المصاحبة التبرك، فظاهر البطلان، وقد
رجع بخُفَّي حُنَيْن، وإن أراد أنه يفهم منها بالقرينة، فندَّعيه نحن بها إذا قصد الآلية؛
لتوقف الاعتداد الشرعي عليها، وأما كون التبرك معنىّ ظاهراً لكل أحد، فلا نسلِّم
أنه من خصوص المصاحبة.
وأما السادس: فلأنَّ الانحصار فيه ممنوع.
وأما السابع: فلأنَّ ما يفتتح به الشيء لا مانع من كونه جزءاً، فالفاتحة مفتتحُ
القرآن وجزؤه، ولو سلِّم فجَعْلُها مفتتحاً بالنسبة إلى ما عداها. قاله الشهاب(١)،
ولا يضرُّ الحنفيَّ ما فيه.
وأما الثامن: فلأنَّ معنى الحديث: أفعل كذا مستعيناً باسم الله الذي لا يضرُّني
مع ذكر اسمه مستعيناً به شيءٌ، إذ مَنِ استعان بجنابه أعانه، ومن لاذ ببابه حفظه
وصانه.
وإن استبعدتَ هذا وردَدْتَ ما قيل في الرد من أن المراد بالحديث الإخبار بأنه
لا يضرُّ مع ذكر اسمه شيءٌ من مخلوق، والمصاحبةُ تستدعي أمراً حاصلاً عندها،
نحو: جاءكم الرسول بالحق، والقراءة لم تحصل بعد، فتعذَّرت حقيقةٌ
المصاحبة = بأنَّ(٢) المصاحبة هنا ليست محسوسةً، وكونُها إخباراً بنفي صحبة
الضرر يفهم منه صحبة النفع والبركة، وهي دفع الوسوسة عن القارئ مع جزيل
الثواب، فلا ضيرَ أيضاً؛ لأنه مجرَّد استئناس، ولا يوحشنا إذ ما نستأنس به كثير.
وأما التاسع: فلأنَّ جعل الموجود كالمعدوم للجري لا على المقتضى من
المحسنات، والنكتة هاهنا أنْ شُبِّه اسم الله بناءً على يقين المؤمن بما ورد من السنة
(١) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٣٩/١.
(٢) قوله: بأن، متعلق في المعنى بقوله: رددت.

الآية : ١
٢٠٥
سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ
والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس، وهو حصول الكَتْب بالقلم وعدمُ حصوله
بعدمه، ثم أُخرج مخرج الاستعارة التبعية(١)؛ لوقوعها في الحرف.
وأما العاشر: فلأنه لا يخفى عليك حال التشبيه بالقلم.
وأما الحادي عشر: فلأنه لا نسلِّم أن التبرُّك معنى المصاحبة أو لازمُ معناه، بل
هو معلومٌ من أمرٍ خارج هو: أن مصاحبةً اسمه سبحانه يوجَد معها ذلك، وهو جارٍ
في الاستعانة باسمه عزَّ شأنه، على أنَّ في الاستعانة من اللَّطف ما لا يخفى.
ويمكن على بُعدٍ أن يكون عدمُ اختيار الزمخشريِّ لها لنزغات الشيطان
الاعتزالية؛ من استقلال العبد بفعله، فقد ذهب إليه هو وأصحابه، وسيأتي إن
شاء الله تعالی ردُّه.
وقد اختلف في متعلَّق الجارّ؛ فذهب الإمام ابن جرير(٢) إلى تقديره: أتلو؛ لأنَّ
تاليَه متلوٌّ، وهكذا يضمِرُ الخاصَّ الفعليَّ كلُّ فاعلٍ فعلاً يجعل التسمية مبدأً له،
وهو من المعاني القرآنية كنظائره؛ للزومها في متعارف اللسان، وبه يندفع كلام
الصادقي(٣)، وليس المقصود هنا متكلِّماً مخصوصاً، فهو على حدّ: ولو ترى،
فينوى كلٌّ بالضمير نفسه، فلا يضر تقدُّمها على قراءة هذا القارئ بل على وجوده،
ويتأتى القول بجزئيتها من الكل أو الجزء بلا خفاء. ولمَّا خفي ذلك على البعض
جَعَلَ المقدَّر فِعْلَ أمرٍ متوجّهٍ إلى العباد، ليتَّحد قائلُ الملفوظ والمقدَّر، واختاره
الفرَّاء عن اختيار، وروي عن ابن عباس؛ لأنه تعالى قدَّم التسمية حثًّا للعباد على
فعل ذلك، وهو المناسب للتعليم.
(١) في حاشية (م): ولذا صرح بالمؤمن وضم إليه الاعتقاد والسنة. اهـ منه.
(٢) تفسير الطبري ١/ ١١٢ وما بعدها.
(٣) في حاشية (م): حيث قال: هو من كلام البشر، والقرآن قديم معجز، فيلزم أن يكون
المعجز محتاجاً لتقدیر هذا المحذوف الغیر المعجز الحادث، وهذا الاحتیاج نقص،
والمركَّب من المعجز وغيرِ المعجز غيرُ معجز، ومن القديم والحادث حادثٌ، فيا علماء
الإسلام أرشدوني. اهـ، على أن ما يَرِدُ على هذا الكلام أكثر من ألفاظه، فتأمل. اهـ منه.
والصادقي هو محمود بن الحسين الأفضلي الحاذقي الشافعي النقشبندي، له: شرح الكافية
لابن الحاجب، وحاشية على تفسير البيضاوي سماها: هداية الراوي إلى الفاروق المداوي
عن تفسير البيضاوي، توفي سنة (٩٧٠هـ). هدية العارفين ٤١٣/٢.

الآية : ١
٢٠٦
سُوَرَّةُ الفَاتِحَةِ
وذهب النحويون إلى تقديره عامًا نحو: أبتدئ، وأُيِّد بوجوه:
منها: أنَّ فعل الابتداء يصحُّ تقديره في كلِّ تسميةٍ دون فعل القراءة، وتقديرُ
العامُّ أولى، ألا تراهم يُقدِّرون متعلَّق الجارِّ الواقع خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة
بالكون والاستقرار حيثما وقع، ويُؤْثِرونه لعموم صحة تقديره.
ومنها: أنه مستقلٌّ بالغرض من التسمية، وهو وقوعها مبتدأً، فتقديره أَوْقَعُ
بالمحل. وأنت إذا قدَّرت: أقرأ، قدَّرت: أبتدئ بالقراءة؛ لأنَّ الواقع في أثنائها
قراءةٌ أيضاً، والبسملة غيرُ مشروعة فيه.
ومنها: ظهور فعل الابتداء في قوله {آلے: «كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بسم الله فهو
أقطع))(١)، وأما ظهور القراءة في قوله تعالى: ﴿اقْرَأَ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فلأنَّ الأهمَّ ثَمَّ
هو القراءة، غيرَ منظورٍ فيه إلى ابتدائها، ولذا قدّم الفعل، ولا كذلك في التسمية.
وما ذهب إليه الإمام(٢) أمسُّ وأخصُّ بالمقصود، وأتمُّ شمولاً، فإنه يقتضي أنَّ
القراءة واقعةٌ بكمالها مقرونةٌ بالتسمية، مستعاناً باسم الله تعالى عليها كلها، بخلاف
تقدير: أبتدئ، إذ لا تعرض له لذلك. وما ذكر أولاً من الاستشهاد بتقدير النحاة الكونَ
والاستقرار فلیس بجیِّد؛ لأنهم فعلوه تمثيلاً، حیث لا يقصدون عاملاً بعينه بل يريدون
الكلام على العامل من حيث هو، فهو كتمثيلهم بزيدٍ وعمرو لا لخصوصيتهما بل ليقع
الكلام على مثال، فيكون أقرب إلى الفهم، ولا يقال: إذا أُبهم الفاعل يقدَّر بهما. على
أن الابتداء هنا ليس أعمَّ من القراءة؛ لأن المراد به ابتداء القراءة وهو أخص من
القراءة؛ لصدقها على قراءة الأول والوسط والآخر، واختصاصٍ ابتداء القراءة
بالأول، فليس هذا هو الكون والاستقرار الذي قدَّرهما النحاة فيما تقدم.
ودعوى عمومٍ أبتدئ باعتبار أنه منزَّلُ منزلةً اللازم لكنه يعلم بقرينة المقام أن
المبتدأ به هو القراءة، أو باعتبار أصل العامل في الجميع، لا يخفى فسادها، فإنه
إذا دلَّ المقام على إرادته فما معنى تنزيله منزلةَ اللازم حينئذٍ، وكونه باعتبار اللفظ
والأصل لا يدفع السؤال في الحال، فافهم.
(١) سلف تخريجه ص١٨٧ من هذا الجزء.
(٢) يعني الطبري في تقديره متعلق الجار: أتلو، كما سلف قريباً.

الآية : ١
٢٠٧
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
وأما ما ذكر ثانياً من أن فعل البداءة مستقلٌّ بالغرض فغير مسلّم، وقد قدمنا أن
القراءة أمسُ وأشمل، والوقوع في الابتداء بالبداية فعلاً لا بإضمار الابتداء، فمتى
ابتدأ بالبسملة حصل له المقصود غيرَ مفتقر إلى شيء؛ كمن صلى فبدأ بتكبيرة
الإحرام، لا يحتاج في كونه بادئاً إلى الإضمار لكنه مفتقر إلى بركتها وشمولها
لجميع ما فعله، ومن هذا يظهر ما في باقي الكلام من الوهن.
وأما ما ذكر ثالثاً: ففيه أنَّ كون التسمية مبتدأً بها حاصلٌ بالفعل لا بإضمار
الفعل، ولم يَرِد الحديث بأنَّ: كل أمر ذي بالٍ لم يُقَلْ أو لم يُضْمَر فيه: أبدأ
ببسم الله فهو كذا، على أنَّ المحافظة على موافقة لفظ الحديث إنما يليق أن يُجعل
نكتة في كلام المصنفين ومن ينخرط في سلكهم، لا في كلام الله جلَّ شأنه
كما لا يخفى على من له طبعٌ سليم، وأيضاً البحث إنما هو في ترجيح تقدير الفعل
العام، كأبدأ أو أشرع وما شاكلهما، لا في ترجيح خصوصٍ: أقرأ - أعني فعلاً
مصدرُهُ القراءة - على خصوص: أبدأ، أعني فعلاً مصدره البداءة، ففيما ذكر خروجٌ
عن قانون الأدب وموضع النزاع.
وذهب البعض إلى تقدير: ابتدائي، مثلاً، وفيه زيادةُ إضمارٍ لوجوب إضمار
الخبر حينئذ، فيكون المضمر حينئذٍ ثلاث كلمات(١)، ودلالة الاسمية على الثبوت
معارضة بدلالة المضارع على الاستمرار التجددي المناسب للمقام، إلا أنه تبقى
المخالفة بين جملتي البسملة والحمد، ولعل الأمر فيه سهل.
وجَعْلُ الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه هذا الجارَّ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، هو: ابتداء العالم
وظهوره(٢)؛ لأنَّ سبب وجوده الأسماء الإلهية وهي المسلَّطة عليه؛ كجعله متعلِّقاً
بما بعده، إذ لا يُحمد الله تعالى إلا بأسمائه = من باب الإشارة، فلا ينظر فيه إلى
الظاهر، ولا يتقيد به بالقواعد، ولا أرى الاعتراض عليه من الإنصاف.
(١) والتقدير: ابتدائي باسم الله، أي: كائنٌ باسم الله، فالباء متعلقة بالكون والاستقرار، وهو
قول البصريين. الإملاء على هامش الفتوحات الإلهية ٥/١.
(٢) والتقدير: ظهور العالم بسم الله الرحمن الرحيم، أي: باسم الله الرحمن الرحيم ظهر
العالم. الفتوحات المكية ١٠٢/١.

الآية : ١
٢٠٨
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
وقد ذهب الكثير إلى أنَّ تقدير المتعلَّق هنا مؤخّراً أحرى؛ لأنَّ اسم الله تعالى
متقدم(١) على الفعل ذاتاً، فليقدَّم على الفعل ذكراً، وفيه إشارةٌ إلى البرهان اللّمِّي،
وهو أشرف من البرهان الإِنِّيّ(٢)، ولذا قال بعض العارفين: ما رأيت شيئاً
إلا ورأيت الله قبله. وتحنيك طفل الذهن بحلاوة هذا الاسم يُعِين على فطامه عن
رضع ضرع السِّوى بدون وضع مرارة الحدوث، على أن بركة التبرُّك طافحةٌ بالأهمية.
وإن قلنا بأنَّ في التقديم قطعَ عرق الشركة ردًّا على من يدَّعيها، ناسبَ مقام
الرسالة، وظهر سرُّ تقديم الفعل في أول آية نزلت؛ إذ المقام إذ ذاك مقامُ نبوة ولا ردًّ
ولا تبليغ فيها، ولكلِّ مقامٍ مقال، والبلاغة مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال. وقد
اعتركت الأفهام هنا في توجيه القصر لظنّه من ذكر الاختصاص، حتى ادَّعاه بعضهم
بأنواعه الثلاثة، وأفرد البعضُ البعضَ، فمقتصِرٌ على قصر الإفراد، وقائلٌ به
وبالقلب، وفي القلب من كلِّ شيءٌ.
وعندي هاهنا يُقدَّر مقدَّماً، وبه قال الأكثرون، وأنَّ تقديره مؤخّراً مؤخرٌ عن
ساحة التحقيق؛ لأنه إما أن يُقدَّر بعد الباء أو بعد ((اسم)) أو بعد اسم الله، أو بعد
البَعد، أما تقديره بعد الباء فلا يقوله من عرف الباء، وأما بعد الاسم فلاستلزامه
الفصل ولو تعقّلاً، حيث أوجبوا الحذف هنا بين المتضايفين، وأما بعد اسم الله
فلاستلزامه الفصل كذلك بين الصفة والموصوف، وأما بين الصفتين فيتَّسع الخرق.
وأما بعد التمام فيظهر نقصٍ دقيقٌ؛ لأن في الجملة تعليقَ الحكم بما يُشعر
بالعلِّيَّة، فكأن ((الرحمن الرحيم)) علَّة للقراءة المقيَّدة باسم الله، فإذا تأخر العامل
المقيَّد المعلول وتقدمت علَّته، أَشْعَرَ بالانحصار ولا يظهر وجهه، وإذا قدَّرنا العامل
مقدَّماً كما هو الأصل أَمِنَّا من المحذور، ويحصل اختصاصٌ أيضاً؛ إذ كأنه قيل
(١) في (م): مقدم.
(٢) البرهان: هو القياس المؤلف من اليقينيات سواء كانت ابتداءً، وهي الضروريات، أو
بواسطة، وهي النظريات، والحدّ الأوسط فيه لا بد أن يكون علّة لنسبة الأكبر إلى الأصغر،
فإن كان مع ذلك علّةً لوجود تلك النسبة في الخارج أيضاً، فهر برهان لمي ... ، وإن لم
يكن كذلك، كأن لا يكون عّة للنسبة إلا في الذهن، فهو برهان إنِّي .... وقد يقال على
الاستدلال من العلة إلى المعلول برهان لميّ، ومن المعلول إلى العلّة برهان إنِّيّ. التعريفات
للجرجاني ص ٦٤ .

الآية : ١
٢٠٩
سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ
مثلاً: أقرأ مستعيناً أو متبرِّكاً بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنه الرحمن الرحيم، وانتفاءُ
العلة يستلزم انتفاءَ المعلول في المقام الخطابي إذا لم تظهر علةٌ أخرى فيفيد
الاختصاص، لا سيَّما عند القائل بمفهوم الصفة، فيشعر بأن من لم يَّصف بذلك
خارجٌ عن الدائرة، والاقتصارُ هنا ليس كالاقتصار هناك. والتخلصُ بتقدير التركيب:
مستعيناً باسم الله لأنه الرحمن الرحيم أقرأ، فيه ما لا يخفى على الطبع السليم.
وفي تقديم الحادث تعقّلاً وحذفه ذكراً وعدم وجود شيءٍ في الظاهر مستقلًّا
سوى الاسم القديم، رمز خفيٍّ إلى تقديم الأعيان الثابتة في العلم، وإن لم يكن
على وجود الله تعالى؛ إذ له جلَّ شأنه التقدُّم المطلق وعدم ظهور شيءٍ سواه، وكلُّ
شيءٍ هالكٌ إلا وجهه، وللإشارة إلى أنه لا ضرر في ذلك ارتكب، والتبرُّكُ
كالوجوب يقتضي التقدم بالذكر مكسوراً لا مضموماً، وهاهو كما ترى.
ومن الأكابر من قال: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله تعالى فيه. ولا حلول، وقد
عُدَّ أكمل من الأول، والمراتب أربع، وتحنيك الرحمة يغني عن كل درِّ، ويفطم
طفل الذهن عن ثدي (١) جواري الفكر، وكأنَّ من قدَّر العامل مؤخّراً رأى ﴿يِسْمِ
اَللَّهِ مَجْرِئِهَا﴾ [هود: ٤١]، وباسمك ربي وضعت جنبي، وأمثالهما، فجرى مجراها،
والفرق ظاهرٌ للناظر، وهذا من نسائم الأسحار، فتيقَّظ له ونمْ عن غيره.
والظرف مستقرٌ عند بعض ولغوٌ عند آخرين، وقد اختلف في تفسيرهما، فقيل:
اللغو ما يكون عاملُهُ مذكوراً، والمستقرُّ ما يكون عامله محذوفاً مطلقاً .
وقيل: المستقرُّ ما يكون عامله عامًّا؛ كالحصول والاستقرار، وهو مقدَّر،
واللغو بخلافه.
وقيل: اللغو ما يكون عامله خارجاً عن الظرف غيرَ مفهوم منه، سواء ذُكر أو
لا، والمستقرُّ ما فُهم منه معنى عامله المقدر الذي هو من الأفعال العامة.
وكل ذلك اصطلاح، وحيث لا مشاحَّة فيه أختار الأول، فيكون الظرف هنا
مستقرًّا كيفما قُدِّر العامل.
وإنما كُسرت الباء، وحقُّ الحروف المفردة أن تفتح؛ لأنها مبنيَّةٌ، والأصل في
(١) في (م): سدى.

سُوَّةُ الْفَاتِحَةِ
٢١٠
التفسير الإشاري: ١
البناء - لثقله، وكونه مقابلاً للإعراب الوجودي - السكون؛ لخفَّته وكونه عدميًّا،
إلا أنها من حيث كونها كلمات برأسها مظنة للابتداء، وهو بالساكن متعذّر أو
متعسِّر، كان حقُّها الفتح؛ إذ هو أخو السكون في الخفة المطلوبة في كثيرٍ الدَّور
على الألسنة = لامتيازها (١) من بين الحروف بلزوم الحرفية والجرّ، وكلٌّ
منهما يناسب الكسر، أما الحرفية فلأنها تقتضي عدم الحركة، والكسرُ لِقِلَّته - إذ
لا يوجد في الفعل ولا فيما لا ينصرف(٢)، ولا في الحروف إلا نادراً - يناسب
العدم. وأما الجرُّ فلموافقة حركة الباء أَثَرَها .
ولا نقض بواو العطف اللازمة للحرفية، ولا بكاف التشبيه اللازمة للجرِّ؛ لأن
المجموع سبب الامتياز ولم يوجد في كلِّ. لكن يبقى النقض بواو القسم وتائه،
ويجاب بأن عملها بالنيابة عن الباء التي هي الأصل في حروفه؛ فكأنَّ الجرَّ ليس
أثراً لهما، وهذه عللٌ نحويةٌ مستخرجةٌ بعد الوقوع لإبداء مناسبة، فلا تتحمل مناقشة
لضعفها، كما قيل:
عَهْدُ الذي أَهْوَى وَمِيْئَاقُهُ أَضْعَفُ مِنْ حُجَّةٍ نَحْوِيٍّ(٣)
فلا نُسهر جفن الفكر فيما لها وعليها .
وقال بعضهم من باب الإشارة: كُسرتِ الباء في البسملة تعليماً للتوصل على الله
تعالى والتعلق بأسمائه بكسر الجناب والخضوع وذلِّ العبودية، فلا يُتوصَّل إلى نوع
من أنواع المعرفة إلا بنوع من أنواع الذَّل والكسر، كما أشار إلى ذلك سيدي عمر بن
الفارض قُدِّس سرُّه(٤) بقوله:
رُفِعْتَ إلى ما لَم تَلْهُ بِحِيْلَةٍ
وَلَو كُنْتَ لي مِنْ نقْطةِ الباءِ خَفْضَةً
وأنَّ الذي أَعْدَدْتَهُ غَيْرُ عُدَّةٍ (٥)
بِحَيثُ تَرَى أَنْ لا تَرَى مَا عَدَدْتَهُ
(١) قوله: لامتيازها، متعلق بقوله: وإنما كسرت الباء.
(٢) في (م): ولا في غير المنصرف.
(٣) ذكره الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ١/ ٤٣.
(٤) في (م): قدّس الله تعالى سرّه الفائض.
(٥) ديوان ابن الفارض ص٥٥.

التفسير الإشاري: ١
٢١١
سُورَةُ الفَاتِية
فإنَّ الخفض يقابل الرفع، فمن خفضه النظر إلى ذلِّ العبودية، رفعه القدر إلى
مشاهدة عزِّ الربوبية، ولا ينال هذا الرفع بحيلة، بل هو بمحض الموهبة الإلهية
الجليلة، ومَن تنزَّل ليرتفع فَتَنزُّله معلول، وسعيه غير مقبول. انتهى.
وهو أمرٌ مخصوصٌ بباء البسملة، لا يمكن أن يجري في باء الجرِّ مطلقاً
كما لا يخفى.
وعندي في سرِّ ذلك أنَّ الباء هي المرتبةُ الثانية بالنسبة إلى الألف البسيطة
المجرّدة المتقدِّمة على سائر المراتب، فهي إشارةٌ إلى الوجود الحق، والباء
إما إشارةٌ إلى صفاته التي أظهرتها نقطة الكون، ولذلك لما قيل للعارف الشبلي:
أنت الشبلي؟ فقال: أنا النقطة تحت الباء. وقال سيدي الشيخ الأكبر قُدِّس
سرُّه(١) :
وفي نُقِيْطَتِها لِلقَلْبِ مُذَّكّرُ
الباء للعارِفِ الشِّبْلِيّ مُعْتَبرٌ
لِذاكَ نَابَ منابَ الحَقِّ فَاعْتَبِرُوا
سرُّ العُبُودِيَّة العلياءِ مازجها
لَأَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ فَذَا وَزَرُ
أَلَيْسَ بحذفُ مِنْ بِسمِ حَقِيْقَتهُ
والصفات إما جماليةٌ أو جلاليةٌ، وللأولى السبق كما يشير إليه حديث: ((سبقت
رحمتي غضبي)» (٢) وباء الجرِّ إشارة إليها؛ لأنها الواسطة في الإضافة والإفاضة،
فناسبها الكسرُ وخفضُ الجناح؛ ليتمَّ الأمرُ ويظهر السرُّ، وفي الابتداء بها هنا
تعجيلٌ للبشارة، ورمزٌ إلى أنَّ المدار هو الرحمة، كما قال صلى الله عليه وآله
وسلم: ((لن يُدخل أحدَكم الجنةَ عملُه))قيل: حتى أنت يا رسول الله. قال: ((حتى
أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمته))(٣). وقد تدرَّج سبحانه وتعالى بإظهارها، فرمز
بالباء، وأشار بالله، وصرَّح أتمَّ تصريحٍ بالرحمن الرحيم . .
وإما إشارة إلى الحقيقة المحمدية والتعين الأول المشار إليه بقوله صلى الله عليه
(١) الفتوحات المكية ٧٤/١.
(٢) سلف تخريجه ص١١٤ من هذا الجزء.
(٣) أخرجه أحمد (٩٨٣١)، والبخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة

سُورَةُ الفَاتِحَةِ
٢١٢
الآية : ١
وآله وسلم: ((أول ما خلق الله نور نبيِّك يا جابر))(١) وبواسطته حصلت الإفاضة
كما يشير إليه قوله تعالى: ((لولاك ما خلقت الأفلاك) (٢). ولكون الغالب عليه - عليه
الصلاة والسلام - صفةُ الرحمة لا سيَّما على مؤمني الأمة، كما يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ
زَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ناسب ظهور الكسر فيما يشير إلى مرتبته، وفي الابتداء به هنا رمزٌ
إلى صفة من أنزل عليه الكتاب، والداعي إلى الله، وفي ذلك مع بيان صفة المدعوِّ إليه
بأنه الرحمن الرحيم تشويقٌ تامٌ وترغيبٌ عظيم، وقد تدرَّج(٣) جلَّ شأنه في وصفه وَّ
بذلك في القرآن إلى أن قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] واكتفى بالرمز
ههنا لعدم ظهور الآثار بعد، وأول الغيث قطرٌ ثم ينهمل، وما من سورة إلا افتتحها
الربُّ بالرمز إلى حاله وَله، تعظيماً له، وبشارة لمن ألقى السمع وهو شهيد. ولما كان
الجلال في سورة براءة ظاهراً، تَرَكَ الإشارة بالبسملة وأتى بباءٍ مفتوحة؛ لِتغيُّر الحال
وإرخاء الستر على عرائس الجمال، ولم يترك سبحانه وتعالى الرمز بالكلية إلى الحقيقة
المحمدية، ولا يسعنا الإفصاحُ بأكثر من هذا في هذا الباب، خوفاً من قالٍ أرباب
الحجاب، وخلفه سرِّ جليل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والاسم عند البصريين من الأسماء العشرة التي بنيت أوائلها على السكون؛
وهي: ابنٌّ وابنة وابنُم واسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وايمنُ الله، وايمُ الله
منه، وإلا فأحد عشر إن اعتذَّ بابنم. فإذا نطقوا بها زادوا همزةً؛ لبشاعة الابتداء
بالساكن غير المدَّات عندهم(٤)، وفيها يمتنع، والأمر ذوقي(٥)، وهو مما حُذِفَ
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ٣١١/١ مطولاً وعزاه لعبد الرزاق، وليس هو في مصنف
عبد الرزاق المطبوع.
(٢) حديث موضوع أورده الصَّغاني في موضوعاته (٧٨).
(٣) في (م): تدرج أيضاً.
(٤) في هامش الأصل و(م): إلا أن ذلك فيها لذواتها، لا لسكونها. اهـ منه.
(٥) في هامش الأصل و(م): وقد يستدل على الجواز بأنه لولا ذلك لتوقف اللفظ بالحرف المبتدأ
به على التلفظ بالحركة، فيدور؛ لأن الحركة موقوفة على الحرف في التلفظ توقّفَ العارض
على المعروض، ويجاب بأن امتناع الابتداء بالساكن يستلزم امتناع انفكاك الحركة عن
الحرف المبتدأ به لا توقُّفه عليها، إذ يجوز أن تكون الحرکة تابعة له غير منفگّة عنه. اهـ منه.

الآية : ١
٢١٣
سُوَّةُ الْفَائِحَة
عجزه كَيَدٍ، وما عدا الثلاثة الأخيرة (١) مما تقدم.
وأصله: سمو، حُذفت الواو تخفيفاً لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات،
وسُكِّن السين وحُرِّك الميم واجتلبت ألف الوصل، فوزنه افع، وتصريفه إلى أسماء
وسَمِيّ وسميتُ(٢) - دون أوسام ووسيم ووسمت - يشهد له، والجرح بالقلب
لا يقبل، واشتقاقه من السموّ كالعلو؛ لأنه لدلالته علی مسمَّاہ یُعلیه من حضیض
الخفاء إلى ذروة الظهور والجلاء.
وقال الكوفيون: هو من السِّمة؛ لأنه علامةٌ على مسمَّاه، وأصله وَسَمَ،
فحُذفت الواو وعُوِّضت عنها همزة الوصل، وكفى الله المؤمنين القتال، فوزنه:
اعل، ويَرِدُ عليهم أنَّ الهمزة لم تُعهد داخلة على ما حذف صدرُهُ، وزيادةُ الإعلال
أَقيس من عدم النظير، وأيضاً كونُها عوضاً يقتضي كونَها مقصودة لذاتها، ووصلاً
كونها مقصودة تبعاً، والعوض كجزءٍ أصلٌ دون الوصل، فما هو إلا جمعٌ بين
الضبّ والنون(٣)، فلذا قيل لا حذف ولا تعويض، وإنما قلبت الواو همزة؛ كإعاء
وإشاح، ثم كثر استعماله فجعلت همزته همزة وصل، وقد تُقطع للضرورة، ورُجُحَ
الأول لهاتيك الشهادة.
وفيه لغاتٌ أوصلها البعض إلى ثماني عشرة، ونظمها فقال:
بِنَقْلٍ جدِّي شَيْخِ النّاسِ أَكْمَلها
للاسمِ عَشرُ لُغَاتٍ مَعْ ثَمانِيةٍ
كذا سماءٌ بِتَثْلِيْثٍ لأوَّلِها
سِمٌ ◌ِماتٌ سِما واسم وَزدْ سِمَةٌ
هذا وقد طال التشاجر في أن الاسم هل هو عينُ المسمَّى أو غيره؟ فالأشاعرة
على الأول، والمعتزلة على الثاني، وقد تحيّر نحارير الفضلاء في تحرير محلٌ
البحث على وجهٍ يكون حريًّا بهذا التشاجر، حتى قال مولانا الفخر في التفسير
(١) في هامش الأصل و(م): فبين ما حذف عجزه، وما بني أوله على السكون عموم من وجه. اهـ منه.
(٢) في هامش الأصل و(م): وأصل أسماء: أسماو، وقلبت الواو همزة لوقوعها رابعة بعد ألف،
وأصل سمي: سميو؛ اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء
وأدغمت، وأصل سميت: سموت، قلبت الواو - لوقوعها رابعة ولم ينضم ما قبلها - ياءً. اهـ منه.
(٣) النون: الحوت، اللسان (نون).

الآية : ١
٢١٤
سُورَة الفَاتِحَة
الكبير(١): إنَّ هذا البحث يجري مجرى العبث(٢). وذكر وجهاً ادَّعى لطفه ودقته،
وقد كفانا الشهاب(٣) مؤنة ردِّه(٤). وقد أراد السيد النحرير في ((شرح المواقف))(٥)
فلم یتم له .
وللسهيلي في ذلك كلام ادَّعى أنه الحقُّ، وصنف في ردِّه ابنَ السِّيد رسالةً
مستقلةً(٦)، وادَّعى الشهاب أنه إلى الآن لم يتحرَّر، وأنه لم يرَ مع سعة اطّلاعه في
هذه المسألة ما فيه ثلجُ الصدور ولا شفاء الغليل(٧). ولم يأت رحمه الله تعالى في
حواشيه على البيضاوي من قِبَلِ نفسه بشيءٍ يزيح الإشكال ويريح البال.
وها أنا من فضل الله تعالى ذاكرٌ شيئاً، إن قُبِلَ فهو غاية ما أتمناه، وقد يوجد
في الأسقاط ما لا يوجد في الأسفاط(٨)، وإن رُدَّ فقد رُدَّ قبلي كلامُ ألوفٍ كلٌّ منهم
فردِ یقابل بصفوف:
وابنُ اللَّبونِ إذا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ
لَم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَاعِيْسِ(٩)
(١) ١٠٩/١.
(٢) في هامش الأصل و(م): وفي كلام البيضاوي إيماء إليه لمن أنصف. اهـ منه.
(٣) في حاشيته ١/ ٤٧.
(٤) في هامش الأصل و(م): وهو أن الاسم اسم لكل لفظ دالٌّ على معنى في نفسه غير مقترن
بزمان، ولفظ الاسم كذلك ليكون اسماً لنفسه، وعين مسمّاه (وهذا قول الرازي، وما سيأتي
هو ردُّ الشهاب) وفيه أنه إنما يصح لو كان النّزاع في لفظ: اس م. ولا يصح في (حاشية
الشهاب: ولا يصلح) محلاً للخلاف حتى ينكره المعتزلة، وأيضاً لفظ كلمة وموضوع
كذلك. قاله الشهاب، فافهم ولا تغفل. اهـ منه.
(٥) ٢٠٧/٨ وما بعدها.
(٦) ابن السيد هو عبد الله بن محمد بن السِّيد، أبو محمد البَطَلْيَوْسي نزيل بَلَنْسِيَة، له: شرح
أدب الكاتب، وشرح الموطأ، وغيرهما، توفي سنة (٥٢١هـ). والسهيلي هو عبد الرحمن بن
عبد الله الخثعمي الأندلسي الحافظ، له: التعريف والإعلام بما في القرآن من الأسماء
والأعلام، والروض الأنف في شرح السيرة، وغيرهما، توفي سنة (٥٨١هـ). بغية الوعاة
٥٥/٢ و٨١. والكلام من حاشية الشهاب ٤٧/١، وينظر الخزانة ٣٣٧/٤-٣٣٨.
(٧) حاشية الشهاب ٤٥/١ و٤٧ .
(٨) في (م): الأسقاط، وهو تصحيف، والأسفاط جمع سَفَط، وهو الذي يُعبَّى فيه الطيب وما
أشبهه من أدوات النساء. اللسان (سفط).
(٩) البيت لجرير، وهو في ديوانه ١٢٨/١. قال محمد بن حبيب شارح الديوان: ابن اللبون : =

الآية : ١
٢١٥
سُورَةُ الْفَاتِيةِ
فأقول: الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين، وهي عندهم
أسماءٌ مترادفة، كما نقله الإمام أبو بكر بن فورك في كتابه الكبير في الأسماء
والصفات، والأستاذ أبو القاسم السهيلي في ((شرح الإرشاد))، وهما ممن يُعضُّ
عليه بالنواجذ، ومنه قوله تعالى: ﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] إذ التسبيح في
المعروف إنما يتوجَّه إلى الذات الأقدس، وحملُه(١) على تنزيه اللفظ، كحمله على
المجاز والكناية، مما لا يليق؛ إذ بعد الثبوت لا يحتاج إليه، ومَن حَفِظَ حجةٌ على
من لم يحفظ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَاءُ سَيْتُمُوهَاَ﴾
[يوسف: ٤٠] حيث أطلق الأسماء وأراد الذوات؛ لأنَّ الكفار إنما عبدوا حقيقة
ذواتَ الأصنام دون ألفاظها، وإن استقام على بُعْد.
وقال سيبويه، وهو إمام الصناعة وشيخ الجماعة: والفعل أمثلة أُخذت من لفظ
أحداث الأسماء(٢). ومن المعلوم أن الألفاظ لا أحداث لها، فليس المراد
إلا الذوات، وهو بهذا المعنى عينُ المسمى، ولا ينافيه أخذُ الاسم من السموّ؛ لأنَّ
سموَّ المعلوم في الحقيقة إنما هو بوجوده إن كان موجوداً، حيث ارتفع عن نقص
العدم، وبمعقوليَّته عن الالتباس بمعلوم آخر إن لم يكن، ولو كنا نرى الموجودات
كلها ونعلم المعلومات بأسرها لم نحتج إلى تسمياتها، لكن لما صحَّت غيبتها عنا
لمانع في أبصارنا وبصائرنا، احتجنا إلى ما يدلَّنا عليها في التخاطب والإخبار عنها،
فمنَّ الله تعالى بهذه الأوضاع لطفاً بنا، وحكمةً من حكيم عليم، فلما سَمَتِ
المعلومات بمعقوليَّتها عن الالتباس، وبوجود ما كان موجوداً منها عن العدم، قيل
لها: أسماء، ولما دلَّتِ الألفاظُ عليها قيل لها ذلك أيضاً تسميةً للشيء باسم ما هو
دليلٌ عليه، ويطلق الاسم أيضاً على الدالٌ وهو قسمان: قديم: وهو ما سمَّى الله
تعالى به نفسه في كلامه القديم، والقول فيه كالقول في كلامه الذي هو صفةٌ له، من
أنه لا عين ولا غير. وحادث: وهو ما سمِّي به تعالى شأنه في غير ذلك، وهو غير.
فالمعتزلة لا يثبتون إلا القسم الثاني من هذا الإطلاق؛ لعدم ثبوت الأول
= لثلاث سنين. والقناعيس: الشداد. والقرن: الحبل.
(١) في هامش الأصل و(م): ردِّ على البيضاوي وغيره. اهـ منه.
(٢) الكتاب ١٢/١.

الآية : ١
٢١٦
سُوَّةُ الفَاتِحَةِ
عندهم، ولنفيهم الكلام القديم، وأهلُ السنة لما رأوا أنَّ نزاعهم لهم في القسم
الأول من الإطلاق الثاني يعود إلى النّزاع في منشئه تركوه، واكتفوا بالنزاع في
المنشأ عنه، حتى برهنوا فيه على مُدَّعاهم، ونوَّروا بالبينات القطعية دعواهم، وقد
تقدَّم ذلك لك في المقدِّمات، ونازعوهم في الإطلاق الأول وأثبتوه بظواهر الآيات
ونقل الثقات، وقالوا ضدَّ قولهم: إنَّ الاسم عينُ المسمَّى؛ فكأنه ترقٌّ(١) صورةً مِن
نفي الغيرية وإثبات لا ولا، إلى القول بالعينية التي أنكروها .
ولعدم فهم المراد من ذلك، اعترض بأنه لو كان الاسم هو المسمَّى لتكثَّر
المسمَّى عند تكثُّر الأسماء، وأيضاً الأسماءُ تتبدَّل، والمسمَّى لا يتبدل، والاسم
يطرأ بعد وجود المسمَّى، والشيءُ لا يتقدَّم على نفسه ولا يتأخر، فليس هو هو،
والكلُّ غيرُ واردٍ إلا على تقدير القول بالعينية، بناءً على القسم الثاني من الإطلاق
الثاني، وليس فليس، فاتَّضح من هذا أنَّ قولَ المعتزلة بالغيرية ناشئٌ عن ضلالةٍ في
الاعتقاد ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُه ◌َا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣].
والاسم في البسملة عند بعضٍ بالمعنى الأول؛ لأنَّ الاستعانة بالألفاظ مجرَّدِها
مما لا معنى لها، وليس من التسعة والتسعين ما لفظهُ اسم، فلا يحسُن إلا أن يُراد
به الذات، وأَمرُ الإضافة هيِّنٌ.
وفيه أنه فُرِّق بين الاستعانة المتعدِّية بنفسها، والاستعانة المتعدية بالباء المتعلّقة
بغير ذوي العلم نحو ﴿أَسْتَعِنُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقال غير واحد(٢): سلَّمنا أنَّ الاستعانة لا تكون إلا بالذات، إلا أنَّ التبرُّك
لا يكون بها، وقد قالوا به، ولهذا، أو للفرق بين اليمين والتيمُّن، أو لئلا يختصَّ
التبرك باسم دون اسم، أو ليكون أشدَّ وفاقاً لحديث الابتداء على ما قيل، قال:
بسم الله، ولم يقل: بالله.
ولم تكتب همزة الوصل مع أنَّ الأصل في كلِّ كلمة أن تُرسم باعتبار ما يُتلفَّظ
بها في الوقف وفي الابتداء، بل حُذفت تبعاً لحذفها في التلفظ؛ للكثرة.
(١) في (م): ترقى.
(٢) قوله: وقال غير واحد، ليس في الأصل.

الآية : ١
٢١٧
سُورَةُ الفَاتِحَةِ
وقيل(١): لأنها دخلت للابتداء بالسين الساكنة، فلما نابت الباءُ عنها سقطت
في الخط، بخلاف ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إذ الباء تنوب منابها فيه؛ إذ يمكن
حذفُها مع بقاء المعنى فيقال: اقرأ اسم ربك.
وظاهره أنَّ الذي منع من الإسقاط في الآية إمكانُ حذف الباء فقط، وهو
مخالفٌ لما ذكره الدَّماميني(٢) من أنه لا بدَّ للحذف من أمرين: عدمُ ذكر المتعلَّق،
وإضافة لفظ اسم للجلالة، وكلاهما مُنتفٍ في الآية. وهل يُشترط تمامُ البسملة فيه؟
فيه تردُّدٌ. وظاهرٌّ كلام ((التسهيل)) اشتراطه.
وقيل: لا حذف فيه، والباء داخلة على ((سم)) أحد اللغات السابقة، ثم سُكّنت
السين هرباً من توالي كسرتين، أو انتقاله من كسرة لضمة. وهو مع غرابته بعيد.
وعندي(٣) أن هذا رسم عثماني، وهو مما لا يكاد يَعرف السرَّ فيه أربابُ
الرسوم، والكثير من عِللهم غيرُ مطّردة، وبذلك اعتذر البعض(٤) عن عدم حذف
ألف ((الله)) مع كثرة استعماله، واستغنى به عن الجواب بشدة الامتزاج، وبأنها
عوض، وبأنه يلزم الإجحاف لو حذفت، أو الالتباس بقولنا: لله مجروراً، فالرأي
إبداءُ سرِّ ذوقيٍّ لذلك، وقد حرره الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه في ((الفتوحات)»(٥)
بما لا مزيد عليه، ولست ممن يفهمه .
والقريب من الفهم أنَّ الهمزة إنما حذفت في الخط ليكون اتصال السين بالباء
المشير إلى ما تقدم أتم، وتلقّي الفيض أقوى ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾
[النساء: ٨٠] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآَبَةٍ﴾
[فاطر: ٤٥] وفيه إشارة من أول الأمر إلى عموم الرحمة وشمول البعثة؛ لأن السين
لما كان ساكناً وتوصّل إلى النطق به بالألف، أشبهَ حالَ المعدوم الذي ظهر بالله،
(١) في هامش الأصل و(م): قائله الخليل. اهـ منه.
(٢) هو محمد بن أبي بكر الدماميني المالكي النحوي الأديب، له تحفة الغريب في حاشية مغني
اللبيب، وشرح التسهيل وغيرها توفي سنة (٨٣٧هـ) بغية الوعاة ٦٦/١ .
(٣) في هامش الأصل و(م): اعتراض على علماء الرسوم على العموم. اهـ منه.
(٤) في حاشية (م): البعض هو الشهاب. اهـ منه.
(٥) ١٠٢/١.

سُؤَدَّةُ الْفَاتِحَةِ،
٢١٨
الآية : ١
وحيث كان ذلك عامًا إذ ما من معدوم يَطلب الظهور إلا يكون ظهوره بالله سبحانه
وتعالى، أُعطي ذلك الحكم لما قام مقامه واتصل اتصاله، وأدَّى في اللفظ مؤدَّاه،
فإن كان عبارة عن صفات الجمال ظهر عموم الرحمة ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[الأعراف: ١٥٦] وإن كان عبارة عن الحقيقة المحمدية ظهر شمول البعثة ﴿لِيَكُونَ
لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] بل والرحمة أيضاً ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٧] وتناسبت أجزاء البسملة إشارة وعبارة، وإنما ◌ُوِّلت الباء للإشارة إلى
أن الظهور تامٌ، أو إلى أنها وإن انخفضت لكنها إذا اتصلت هذا الاتصال ارتفعت
واستعلت، وفيه رمزٌ إلى أنَّ مَن تواضَعَ لله رفعه (١)، و«أنا عند المنكسرةِ قلوبُهم من
أجلي))(٢).
وقال الرسميُّون: طُوِّلت لتدلَّ على الألف المحذوفة ولتكون عوضاً عنها،
وليكون افتتاح كتاب الله تعالى بحرفٍ مفخَّم، ولذا قال وِّ لمعاوية فيما روي:
((ألق الدواة وحرِّف القلم، وانصب الباء وفرِّق السين، ولا تُعور الميم،
وحَسِّن الله، ومُدَّ الرحمن وجوِّد الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه
أَذْكَر لك»(٣).
ولعله منه أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لكاتبه: طوِّل الباء وأظهر السينات ودوِّر
الميم.
ولبعضهم(٤) في التعليل ما ادعى أنه ليس من عمل الأفهام، بل مبذولات
الإلهام، وهو في التحقيق من مبتذلات الأوهام، وليس له في التحقيق أدنى إلمام،
على أنَّ في تعليلهم السابق خفاءٌ بالنظر إلى مشربهم أيضاً، فافهم ذلك كلَّه.
(١) في (م): رفعه الله.
(٢) قال العجلوني في كشف الخفاء ٢٣٤/١: لا أصل له في المرفوع.
(٣) أخرجه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص١٧٠، وذكره الديلمي في الفردوس
٣٩٤/٥، والقاضي عياض في الشفا ٧٠٢/١، وهو من طريق مكحول عن معاوية،
ومكحول لم يسمع من معاوية كما في مراسيل ابن أبي حاتم ص١٦٦ .
(٤) في هامش الأصل و(م): قال: إنما عوض ليكون الباء بمنزلة ألف اسم الله، فيكون الابتداء
ببسم الله ابتداء باسم الله، فاعرفه فإنه، إلخ. وفيه أنه بما به يقتضي تخصيص الامتثال
بالابتداء الخطي فقط، وغير ذلك، فافهم. اهـ منه. وينظر حاشية الشهاب ٤٩/١.