Indexed OCR Text

Pages 121-140

١١٩
مقدمة المصنف
فقولهم: غير حالٍّ، إشارةٌ إلى مرتبته النفسية الأزلية؛ فإنه من الشؤون الذاتية،
ولم تفارق الذات ولا تفارقها أبداً، ولكنَّ الله تعالى أظهرَ صورها في الخيال
والحسِّ، فصارت كلماتٍ مخيَّةً، وملفوظةً مسموعةً، ومكتوبةً مرئيةً، فظهر في تلك
المظاهر من غير حلول، إذ هو فرع الانفصال، وليس فليس.
فالقرآن كلامه تعالى غيرُ مخلوق وإن تنزَّل في هذه المراتب الحادثة ولم يخرج
عن كونه منسوباً إليه. أما في مرتبة الخيال، فلقوله وَّه: ((أغنى الناسِ حملةُ القرآن،
مَن جعله الله تعالى في جوفه))(١). وأما في مرتبة اللفظ، فلقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْناً
إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وأما في مرتبة الكتابة، فلقوله
تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ﴾ فِ لَوْجِ تَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢].
وقول الإمام أحمد: لم يزل الله متكلِّماً كيف شاء وإذا شاء بلا كيف(٢). إشارةٌ
إلى مرتبتين، فالأول: إلى كلامه في مرتبة التجلِّي والتنزّل إلى مُظهِر له؛ كقوله وَله :
((إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربتِ الملائكة أجنحتها خُضعاناً لقوله، كأنه
سلسلة على صفوان)) الحديث(٣)، والثاني: إلى مرتبة الكلام النفسي؛ إذ الكيف من
توابع مراتب التنزُّلات، والكلامُ النفسيُّ في مرتبة الذات مجرَّدٌ عن المادة، فارتفع
الكيف بارتفاعها .
فالحاصل: لم يزل الله تعالى متكلِّماً وموصوفاً بالكلام من حيث تجلَّى ومن
حيث لا، فمن حيث تجلِّيه في مُظهِرٍ لكلامه كيف، وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه
مُظهِرُ تجلِیه، فیکون متكلِّماً بلا کیف، كما كان ولم يزل.
والأشعريُّ إذا حقّقتَ الحال وجدته قائلاً بأنَّ لله تعالى كلاماً بمعنى التكلُّم،
وكلاماً بمعنى المتكلّم به، وأنه بالمعنى الثاني لم يزل متصفاً بكونه أمراً ونهياً
وخبراً، فإنها أقسامُ المتكلّم به، وأنَّ الكلام النفسيَّ بالمعنى الثاني حروفه غيرُ
عارضةٍ للصوت في الحقِّ والخلق، غيرَ أنها في الحقِّ كلماتٌ غيبية مجردة عن
المواد أصلاً؛ إذ كان الله تعالى ولم يكن شيءٌ غيرُه، وفي الخلق كلماتٌ مخيلة
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٥٥/٣٧ من حديث أبي ذر ﴿.
(٢) ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧/ ١٦٦ .
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٠١)، من حديث أبي هريرة ◌ُه. والصفوان: الحجر الأملس.

١٢٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
ذهنية فهي في مادةٍ خيالية، فكلماتُ الكلام النفسي في جنابه تعالى كلماتٌ حقيقية،
لكنها ألفاظٌ حُكمية، ولا يشترط اللفظ الحقيقي في كون الكلمة حقيقية؛ إذ قد
أطلق الفاروق الكلمةَ على أجزاء مقالته المخيّلة في خبر يوم السقيفة (١).
والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالأجزاء كلمات حقيقية لغوية، مع أنها ليست
ألفاظاً كذلك، إذ ليست حروفها عارضة لصوت، واللفظ الحقيقيُّ: ما كانت حروفه
عارضة، وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دالٌّ عليه، وهو دالٌّ في النفس على
معناه بلا شبهة ولا انفكاك، فيصدق على اللفظ النفسي بمعناه أنه مدلولُ اللفظ
الحقيقي ومعناه، فتفسير المعنى النفسي - المشهور عن الأشعري - بمدلول اللفظ
وحده، كما نقله صاحب المواقف(٢) عن الجمهور، لا ينافي تفسيره بمجموع اللفظ
والمعنى كما فسَّره هو أيضاً، وذلك بأن يُحمل اللفظُ في قوله على النفسي، وفي قول
الجمهور على الحقيقي، ولا شكَّ حينئذٍ أنَّ مجموع النفسي ومعناه من حيث المجموع
يصدق عليه أنه مدلول اللفظ الحقيقي وحده؛ لأنَّ اللفظ الحقيقيَّ لكونه صورة النفسي
في مرتبة تنزّله داٌّ عليه. ويدلُّ على أنَّ المراد المجموع قولُ إمام الحرمين في
«الإرشاد)»: ذهب أهل الحقِّ إلى إثبات الكلام القائم بالنفس، وهو القول، أي:
المقول الذي يدور في الخلد(٣). وهو اللفظ النفسيُّ الدالُّ على معناه بلا انفكاك.
نعم عبارة صاحب المواقف غيرُ واضحةٍ في المقصود، وله مقالةٌ مفردة في
ذلك. ومحصولها كما قال السيد قُدِّس سرُّه(٤): أنَّ لفظَ المعنى يطلق تارةً على
مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير؛ فالشيخ لَمَّا قال: الكلام النفسي(٥)
(١) في هامش الأصل و(م): حيث قال: ولَمّا سَكَتَ - أي: خطيب الأنصار - أردت أن أتكلم،
وكنت زورت في نفسي مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه - إلى
أن قال ــ فكان هو أعلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في
بديهته مثلها، أو أفضل منها. الأثر بطوله . اهـ. وهو قطعة من حديث السقيفة، أخرجه
أحمد (٣٩١)، والبخاري (٦٨٣٠).
(٢) المواقف في علم الكلام للقاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ص٢٩٣ -٢٩٤.
(٣) الإرشاد ص١٠٩.
(٤) هو علي بن محمد الجرجاني، وكلامه في شرح المواقف ١٠٣/٨.
(٥) قوله: النفسي، ليس في شرح المواقف.

١٢١
مقدمة المصنف
هو المعنى النفسي. فَهِمَ الأصحاب منه أنَّ مراده مدلولُ اللفظ وحده، وهو القديم
عنده، وأما العبارات فإنما تسمَّى كلاماً مجازاً؛ لدلالتها(١) على ما هو كلامٌ
حقيقيٌّ، حتى صرَّحوا بأنَّ الألفاظ خاصةً حادثةٌ على مذهبه أيضاً، لكنها ليست
كلامه حقيقة، وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم إكفار
من أنكر كلاميَّة ما بين دفَّتي المصحف، مع أنه عُلم من الدين ضرورة كونه كلام الله
تعالى حقيقة، وكعدم المعارضة والتحدِّي بكلام الله الحقيقي، وكعدم كون المقروء
والمحفوظ كلامَه حقيقة، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطّن في الأحكام
الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني، فيكون الكلام
النفسي عنده أمراً شاملاً للَّفظ والمعنى جميعاً، قائماً بذات الله تعالى، وهو مكتوبٌ
في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور، وهو غيرُ الكتابة والقراءة
والحفظ الحادثة.
وما يقال من أَنَّ الحروف والألفاظ مترتبةٌ متعاقبة، فجوابه: أنَّ ذلك الترتُّب
إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفّظ حادث، والأدلة الدالة على
الحدوث يجب حملها على حدوثهِ دون حدوث الملفوظِ، جمعاً بين الأدلة، وهذا
الذي ذكرناه وإن كان مخالفاً لما عليه متأخّرو أصحابنا، إلا أنه بعد التأمل تعرف
حقيته. انتهى.
واعترضه الدواني(٢) بوجوهٍ، قال: أما أولاً: فلأنَّ مذهب الشيخ أنَّ كلامه
تعالى واحد وليس بأمرٍ ولا نهي ولا خبر، وإنما يصير أحدَ هذه الأمور بحسب
التعلق، وهذه الأوصاف لا تنطبق على الكلام اللفظي، وإنما يصحُّ تطبيقه على
المعنى المقابل للَّفظ بضربٍ من التكلف.
وأما ثانياً: فلأنَّ كونَ الحروف والألفاظ قائمةٌ بذاته تعالى من غير ترتُّبٍ يفضي
إلى كون الأصوات، مع كونها أعراضاً سيالةً، موجودةً بوجود لا تكون فيه سيالة،
(١) في الأصل و(م): لدلالته، والمثبت من شرح المواقف.
(٢) هو محمد بن أسعد، جلال الدين الصديقي الدواني - بفتح المهملة، وتخفيف النون، نسبة
لقرية من كازرون - الشافعي، القاضي بإقليم فارس، توفي (٩٠٨هـ). الضوء اللامع ٧/ ١٣٣،
وكشف الظنون ٣٩/١.
٠

١٢٢
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وهو سَفسطةٌ من قبيل أن يقال: الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتّبٍ
وتعاقبٍ بين أجزائها .
وأما ثالثاً: فلأنه يؤدِّي إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقارئ من الألفاظ
وبين ما يقوم بذاته تعالى باجتماع الأجزاء وعدم اجتماعها، بسبب قصور الآلة.
فنقول: هذا الفرق إن أوجب اختلافَ الحقيقة، فلا يكون القائم بذاته من جنس
الألفاظ، وإن لم يوجب، وكان ما يقوم بالقارئ وما يقوم بذاته تعالى حقيقةً
واحدة، والتفاوت بينهما إنما يكون باجتماعه وعدمه اللذين هما من عوارض
الحقيقة الواحدة، كان بعض صفاته الحقيقية مجانساً لصفات المخلوقات.
وأما رابعاً: فلأنَّ لزوم ما ذكره من المفاسد وَهْمٌ، فإنَّ تكفير مَن أنكر كون
ما بين الدقّتين كلام الله تعالى، إنما هو إذا اعتقد أنه من مخترعات البشر، أما إذا
اعتقد أنه ليس كلامَ الله، بمعنى أنه ليس بالحقيقة صفةً قائمة بذاته، بل هو دالٌّ على
الصفة القائمة بذاته، لا يجوز تكفيره أصلاً، كيف وهو مذهب أكثر الأشاعرة
ما خلا المصنف وموافقيه. وما عُلمٍ من الدين من كون ما بين الدفتين كلامَ الله
تعالى حقيقة، إنما هو بمعنى كونه دالًا على ما هو كلام الله تعالى حقيقة، لا على
أنه صفةٌ قائمة بذاته تعالى، وكيف يدَّعي أنه من ضروريات الدين مع أنه خلافُ
ما نقله عن الأصحاب. وكيف يزعم أنَّ هذا الجمَّ الغفير من الأشاعرة أنكروا ما هو
من ضروريات الدين، حتى يلزم تكفيرهم، حاشاهم عن ذلك.
وأما خامساً: فلأنَّ الأدلة الدالة على النسخ لا يمكن حملُها على التلفُّظ، بل
ترجع إلى الملفوظ، كيف وبعضها مما لا يتعلَّق النسخ بالتلفُّظ به، كما نُسخ حكمه
وبقي تلاوته. انتهى.
والجواب: أما عن الأول: فهو أنَّ الحقَّ عزَّ اسمه له كلام بمعنى التكلُّم،
وكلام بمعنى المتكلَّم به، وما هو أمرٌ واحدٌ المعنى الأول، وهو صفةٌ واحدةٌ تتعدَّد
تعلُّقاتها بحسب تعدُّد المتكلّم به من الكتب والكلمات، وأنها ليست من جنس
الحروف والألفاظ أصلاً، لا الحقيقية ولا الحكمية، وما ذُكر في الاعتراض ينطبق
عليه بلا كلفة.
والدليل على أنَّ المنعوتَ بهذه الأوصاف عند الشيخ هو المعنى الأول، نقل

١٢٣
مقدمة المصنف
الإمام: أنَّ الكلام الأزليَّ لم يزل متَّصفاً بكونه أمراً، نهياً، خبراً، ولا شكَّ أنَّ هذه
أقسام المتكلّم به، وكلُّ من كان قائلاً بانقسام الثاني، كان المنعوتُ بالوحدة ذاتاً
والتعددِ تعلُّقاً المعنى الأولَ عنده، جمعاً بين الكلامين.
وأما عن الثاني: فهو أنَّ ذلك إنما يلزم إذا أُريد من اللفظ الحقيقي، وأما إذا
أُريد النفسيُّ الحكميُّ، فلا ورود له؛ لأنَّ الألفاظ النفسية كلَّها مجتمعةُ الأجزاء في
الوجود العلمي، مع كونها مترتبة كما ذكره هو نفسه، وكلام صاحب ((المواقف)»
محتمل للتأويل كما تقدم، فليُحمل عليه سعياً بالإصلاح مهما أمكن.
و أما الثالث: فهو أنَّ الإيراد مبنيٌّ على ظنِّ أنَّ المراد باللفظ الحقيقيُّ، مع أنه
محتمل لأنْ يُراد النفسي، كما يقتضيه ظاهرُ تشبيهه بالقائم بنفس الحافظ.
وأما الرابع: فهو أنَّ الكلامَ النفسيَّ عند أهل الحقِّ: هو مجموع اللفظ النفسيِّ
والمعنى، ولكن ظاهر كلام صاحب ((المواقف)) يدلُّ على أنه فَهِمَ من ظاهر كلام
بعض الأصحاب أنَّ مرادهم بالمعنى هو المقابل للَّفظ مجرَّداً عن اللفظ مطلقاً، وقد
سمعهم يقولون: إنَّ الكلامَ اللفظيَّ ليس كلامَه تعالى حقيقة، بل مجازاً، فإذا انضمّ
قولهم بنفي كونه كلاماً حقيقة شرعية إلى قولهم - في ظنّه - أنَّ النفسيَّ هو المعنى
المقابل للفظ، لزم من هذا ما هو في معنى القول بكون اللفظي من مخترعات
البشر، ولا يخفى استلزامه للمفاسد، ولكن لم يريدوا بالمجاز الشرعيَّ، فإنَّ إطلاق
كلام الله تعالى المسموع متواترٌ، فلا يتأتَّى نفيُه لأحد، بل المراد أنَّ الكلام
إنما يتبادر منه ما هو وصفٌ للمتكلِّم، وقائم به قياماً يقتضيه حقيقة الكلام وذات
المتكلم في الحق والخلق على الوجه اللائق بكلِّ، وأما ما يتلى فهو حروف عارضةٌ
للصوت الحادث، ولا شك أنه ليس قائماً بذاته سبحانه من حيث هو هو، بل هو
صورةٌ من صور كلامه القديم القائم به تعالى، ومظهرٌ من مظاهر تنزُّلاته، فهو دالٌّ
على الحقيقي القائم، فسُمِّي كلاماً حقيقة شرعية لذلك، وفيه إطلاقٌ لاسم الحقيقة
على الصورة، فيكون مجازاً من هذا الوجه، وإلى هذا يشير كلام التفتازاني(١)،
فلا يلزم شيء من المفاسد، واعتراض صاحب ((المواقف)) مبنيٍّ على ظنّه.
(١) هو مسعود بن عمر بن عبد الله الشهير بسعد الدين التفتازاني، توفي سنة (٧٩١هـ). بغية
الوعاة ٢٨٥/٢. وينظر كلامه في كتابه شرح المقاصد ١٤٧/٤ وما بعدها.

١٢٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وأما الخامس: فهو أنَّ كلام صاحب ((المواقف)) ليس نصًّا في أنَّ الضميرَ راجعٌ
إلى التلفُّظ، بل يحتمل أن يكون راجعاً إلى الملفوظ، وذلك أنه قال: المعنى الذي
في النفس لا ترُّب فيه، كما هو قائم بنفس الحافظ ولا ترتُّب فيه. وقد مرَّ أنَّ المراد
به مجموع اللفظ النفسي والمعنى، كما يقتضيه ظاهر التشبيه بالقائم بنفس الحافظ،
ولا شك أنه لا ترتّب فيه، أي: لا تعاقب فيه في الوجود العلمي، وحينئذٍ فقوله(١):
نعم، الترتُّب إنما يحصل في التلفظ. معناه: أنَّ الترتّب في المعنى النفسي الذي هو
مجموع اللفظ النفسي والمعنى إنما يحصل في التلفظ الخارجي؛ لضرورة عدم
مساعدة الآلة، فقوله: وهو الذي هو حادث - أي: الملفوظ بالتلفظ الخارجي الذي
هو الصورة حادث، لا اللفظ النفسي - وتُحمَل الأدلَّة التي تدلُّ على الحدوث على
حدوثه. أي: الملفوظ بالتلفظ الخارجي، وعلى هذا لا ورود للاعتراض أصلاً.
ومنهم من اعترض أيضاً بأنهم اشترطوا في المعجزة أن تكون فِعْلَ الله تعالى، أو
ما يقوم مقامه كالنزول، فلا يكون القرآن اللفظيُّ الذي هو معجزةٌ قديماً صفة له تعالى.
ولا يخفى أنَّ المعجزة هو القرآن في مرتبة تنزله إلى الألفاظ الحقيقية العربية،
فكونه لفظاً حقيقيًّا عربيًّا مجعولٌ بالنص(٢)، فيكون معجزة بلا شبهة، والقديم - على
ما حُقِّق - هو القرآنُ اللفظيُّ النفسيُّ الذي هو مجموع اللفظ النفسيِّ والمعنى، وهذا
واضح لمن ساعدته العناية.
وقد شَنَّع على الشيخ الأشعري في هذا المقام أقوام تشابهت قلوبهم، واتَّحدت
أغراضهم، وإن اختلفت أساليبهم، وها أنا بحوله تعالى رادٌّ لاعتراضاتهم بعد نقلها
غير هيَّابٍ ولا وَكِل، وإن أَّسع علم أهلها فالبعوضة قد تُدمي مقلة الأسد،
وفضل الله تعالى ليس مقصوراً على أحد.
فأقول: قال تلميذ مولانا الدواني عفيف الدين الإيجي(٣) ما حاصله: إنَّ هذا
الذي تدَّعيه الأشاعرة من أنَّ للكلام معنى آخر يسمَّى النفسي، باطل؛ فإنَّا إذا قلنا:
(١) يعني الجرجاني، وقد سلف قوله ص ١٢٠-١٢١ من هذا الجزء.
(٢) في هامش الأصل: قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَتَهُ قُزْءَنَا عَرَبِيًّا﴾. اهـ منه.
(٣) محمد بن محمد بن عبد الله، أبو بكر التبريزي الشافعي، نزيل المدينة المنورة، المتوفى بها
سنة (٨٥٥هـ). نظم العقيان للسيوطي ص ١٦٢، وهدية العارفين ١٩٨/٢ .

١٢٥
مقدمة المصنف
زيدٌ قائم، فهناك أربعة أشياء: الأول: العبارة الصادرة عنه. والثاني: مدلول هذه
العبارة وما وضع له هذه الألفاظ من المعاني المقصودة بها. الثالث: علمه بثبوت
تلك النسبة وانتفائها. الرابع: ثبوت تلك النسبة وانتفاؤها في الواقع. والأخيران
ليسا كلاماً اتفاقاً، والأول لا يمكن أن يكون كلام الله حقيقة على مذهبهم، فبقي
الثاني.
وكذا نقول في الأمر والنهي هاهنا ثلاثة أمور: الأول: الإرادة والكراهة
الحقيقية. الثاني: اللفظ الصادر عنه. الثالث: مفهوم لفظه ومعناه. والأول ليس
كلاماً اتفاقاً، والثاني كذلك على مذهبهم، فبقي الثالث وبه صرَّح أكثر محقّقيهم.
وكونُه كلاماً نفسياً ثابتاً لله تعالى شأنه محكوماً عليه بأحكام مختلفة باطلٌ من وجوه:
الأول: أنه مخالفٌ للعرف واللغة، فإنَّ الكلام فيهما ليس إلا المركّب من
الحروف.
الثاني: أنه لا يوافق الشرع؛ إذ قد ورد فيما لا يحصى كتاباً وسنّةً أنَّ الله تعالى
ينادي عباده، ولا ريب أنَّ النداء لا يكون إلا بصوت، بل قد صرّح به في الأخبار
الصحيحة(١). وباب المجاز وإن لَم يغلق بعد إلا أنَّ حَمْلَ ما يزيد على نحو مئة
ألف حديث(٢) من الصرائح على خلاف معناها مما لا يقبله العقل السليم.
الثالث: أنَّ ما قالوه من كون هذا المعنى النفسي واحداً، يخالف العقل، فإنه
لا شك أنَّ مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي، ومدلول الخبر يخالف
مدلول الإنشاء، بل مدلول أمرٍ مخصوصٍ غيرُ مدلول أمرٍ آخر، وكذا في الخبر.
ولا يرتاب عاقل أنَّ مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب
السماوية، فيلزم أن يكون كلُّ واحد مشتملاً على ما اشتمل عليه الآخر، وليس
كذلك، وكيف يكون معنىٌ واحدٌ خبراً وإنشاءً، محتملاً للتصديق والتكذيب وغيرَ
محتمل، وهو جمعٌ بين النفي والإثبات. انتهى.
(١) في هامش الأصل و(م): منها ما رواه البخاري عن أبي سعيد، قال وَ له: ((قال الله: يا آدم،
فيقول: لبيك وسعديك. فينادى: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار)).
الحديث. اهـ منه. وهو في صحيح البخاري (٤٧٤١).
(٢) قوله: حديث، ساقط من (م).

١٢٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
ولا يخفى أنَّ مبنَى جميع اعتراضاته على فهمه أنَّ مرادهم بالمعنى النفسي: هو
مدلول اللفظ وحده، أي: المعنى المجرد عن مقارنة اللفظ مطلقاً، ولو حكميًّا،
وقد عرفتَ أنه ليس كذلك، بل المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى، وهو الذي
يدور في الخَلِدِ، وتدلُّ عليه العبارات كما صرَّح به إمام الحرمين(١).
وعليه إذا قال القائل: زيد قائم. فهناك أربعة أشياء كما ذكر المعترض، وشيءٌ
خامس تَركه، وهو المراد، وهي هذه الجملة بشرط وجودها في الذهن بألفاظ
مخيَّلة ذهنية دالة على معانيها في النفس، وهذا يعنُونه بالكلام النفسي فلا محذور.
ونقول على سبيل التفصيل: أما الأول فجوابه: أنه إنما تتمُّ المخالفة إذا لم
يكن عندهم مجموع اللفظ النفسي والمعنى، فحيث كان، لا مخالفة؛ لأنَّ الكلام
حينئذٍ مركّبٌ من الحروف، إلا أنها نفسية غيبية في الحق، خيالية في الخلق.
وأما الثاني فجوابه: أنَّ هذا الذي لا يُحصى ليس فيه سوى أنَّ الحقَّ سبحانه
وتعالى متكلِّم بكلام حروفُه عارضة للصوت، لا أنه لا يتكلّم إلا به، فلا ينتهض
ما ذُكر حجَّة على الشّيخ، بل إذا أمعنت النظر رأيت ذلك حجةً له، حيث بيّن أنَّ الله
تعالى لا يتكلَّم بالوحي لفظاً حقيقيًّا إلا على طبقِ ما في علمه، وكلَّما كان كذلك
كان الكلام اللفظي صورةً من صور الكلام النفسي، ودليلاً من أدلة ثبوتها ﴿وَاللَّهُ
يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى اُلسَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
وأما الثالث فجوابه: أنَّ المنعوت بأنه واحد بالذات تتعدَّد تعلُّقاته، هو الكلام
بمعنى صفة المتكلِّم، ووحدتُه مما لا شك لعاقل فيها، وأما الكلام النفسيُّ بمعنى
المتكلّم به، فليس عنده واحداً، بل نصَّ في ((الإبانة)) على انقسامه إلى الخبر والأمر
والنهي في الأزل(٢)، فلا اعتراض.
وقال النجم سليمان الّوفي(٣): إنما كان الكلام حقيقةً في العبارة، مجازاً في
مدلولها لوجهين :
(١) في الإرشاد ص١٠٩ .
(٢) ينظر الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري ص٢١ وما بعدها.
(٣) هو سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي، توفي سنة (٧١٦هـ). شذرات الذهب ٧١/٨.
وكلامه في شرح مختصر الروضة له ٢/ ١٤ .

١٢٧
مقدمة المصنف
أحدهما: أنَّ المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هو العبارة،
والمبادرة دليل الحقيقة.
الثاني: أنَّ الكلام مشتقٌّ من الكَلْم، لتأثيره في نفس السامع، والمؤثِّر فيها
إنما هو العبارات لا المعاني النفسية بالفعل. نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة
مؤثرة بالفعل(١)، فكانت أولى بأن تكون حقيقةً والأخرى مجازاً.
وقال المخالفون: استعمل لغة في النفسي والعبارة. قلنا: نعم، لكن بالاشتراك
أو بالحقيقة فيما ذكرناه، وبالمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع.
قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة. قلنا: والأصل عدم الاشتراك، ثم(٢) إنَّ لفظ
الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات، والكثرة دليل الحقيقة، وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ
فيِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨] فمجاز دلَّ على المعنى النفسي بقرينةٍ ﴿فِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ ولو أطلق
لما فُهم إلا العبارة. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ﴾ الآية [الملك: ١٣] فلا حجة فيه؛
لأنَّ الإسرار خلاف الجهر، وكلاهما عبارة عن أن يكون أرفع صوتاً (٣) من الآخر.
وأما بيت الأخطل(٤) فالمشهور: إنَّ البيان، وبتقدير أن يكون الكلام فهو مجاز
عن مادَّته، وهو التصورات المصححة له، إذ من لم يتصوَّر ما يقول، لا يوجِد كلاماً،
ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان. انتهى. وفيه ما لا يخفى:
أما أوَّلاً: فلأنَّ ما ادَّعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي،
لمسيس الحاجة إليه، لا لكونه الموضوع له خاصة، بدليل استعماله لغة وعرفاً في
النفسي، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
(١) القوة: التهيُّؤ الموجود في الشيء، وضده الفعل، وهو بروز ذلك الشيء. معجم متن اللغة
(قوي).
(٢) جاء قبلها في شرح مختصر الروضة: ثم قد تعارض المجاز والاشتراك المجرد والمجاز أولى.
(٣) في شرح مختصر الروضة: وكلاهما عبارة إحداهما أرفع صوتا ...
(٤) يعني البيت:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
ونُسب للأخطل في الموشَّى لأبي الطيب الوشاء ص١٦، وشرح شذور الذهب ص٣٥، وتفسير
الرازي ١/ ٢٠، وليس في ديوانه. وذكره الجاحظ دون نسبة في البيان والتبيين ٢١٨/١.

١٢٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وقوله: والأصل عدم الاشتراك. قلنا: نعم إن أردت به الاشتراك اللفظي،
ونحن لا ندَّعيه، وإنما ندَّعي الاشتراك المعنوي، وذلك أنَّ الكلام في اللغة بنقل
النحويين: ما يتكلم به، قليلاً كان أو كثيراً، حقيقة أو حكماً.
وأما ثانياً: فلأنَّ ما ادَّعاه من أنَّ المؤثّر في نفس السامع إنما هو العبارات
لا المعاني النفسية. الأمر فيه بالعكس، بدليل أنَّ الإنسان إذا سمع كلاماً لا يفهم
معناه، لا تؤثّر ألفاظه في نفسه شيئاً، وقد يتذكّر الإنسان في حالة سروره كلاماً
يحزنه، وفي حالة حزنه كلاماً يسرُّه، فيتأثر بهما، ولا صوت ولا حرف هناك،
وإنما هي حروف وكلمات مخيَّلة نفسية، وهو الذي عناه الشيخ بالكلام النفسي،
وعلى هذا فالسامع في قولهم: لتأثيره في نفس السامع، ليس بقيد، والتأثير في
النفس مطلقاً معتبرٌ في وجه التسمية.
وأما ثالثاً: فلأنَّ ما قاله في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِىَ أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨] من أنه
مجاز، دلَّ على المعنى النفسي فيه بقرينةٍ ﴿فِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ ولو أطلق لما فهم إلا العبارة.
يردُّه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] وفي آية ﴿ِأَلْسِنَتِهِم ◌َا لَيْسَ فِى
قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] إذ لو كان مجرَّد ذكر ﴿فِىَ أَنْفُسِهِمْ﴾ قرينة على كون القول مجازاً في
النفسي، لكان ذكر (بأفواههم)) و((بألسنتهم)) قرينة على كونه مجازاً في العبارة،
واللازم باطل، فكذا الملزوم. نعم التقييد دليلٌ على أنَّ القول مشترك معنًى بين
النفسي واللفظي، وعيّن به المراد من فرديه، فهو لنا لا علينا.
وأما رابعاً: فلأنَّ ما ذكره في قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُوا﴾ الآية، تحكُّم بحت؛ لأنَّ
السرَّ كما قال الزمخشري(١): ما حدَّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.
ويساعده الكتاب والأثر واللغة كما لا يخفى على المتبّع.
و أما خامساً: فلأنَّ ما ذكره في بيت الأخطل خَطَلٌ (٢) من وجوه:
أما أولاً: فعلى تقدير أن يكون المشهور البيان بدل الكلام، يكفينا في البيان (٣)؛
(١) الكشاف ٤٩٦/٣ -٤٩٧.
(٢) الخطل: الكلام الفاسد الكثير المضطرب. اللسان (خطل).
(٣) في هامش الأصل و(م): فيه استخدام فلا تغفل. اهـ منه.

١٢٩
مقدمة المصنف
لأنه إما اسم مصدر بمعنى ما يبين به، أو مصدر بمعنى التبيين، وعلى الأول هو
بمعنى الكلام ولا فرق بينهما إلا في اللفظ، وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي
بمعنى المتكلّم به إن كان المراد به التبيين القلبي، أعني ترتيب القلب للكلمات
الذهنية على وجهٍ إذا عبَّر عنها باللسان فهم غيرهُ ما قصده منها .
وأما ثانياً: فلأنَّ قوله: وبتقدير أن يكون إلخ، إقرار بالكلام النفسي من غير شعور.
وأما ثالثاً: فلأنَّ دعوى المجاز تحكُّمٌ مع كون الأصل في الإطلاق الحقيقة.
وأما رابعاً: فلأنَّ دعوى أنَّ ذلك مبالغة من هذا الشاعر، خلاف الواقع، بل هو
تحقيقٌ من غير مبالغة كما يُفهم مما سلف، فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمةٍ،
سواء نطق بها على بيّنة من الأمر، أو كانت منه رميةً من غير رام، فإنَّ معناه موجود
في حديث أبي سعيد: ((العينان دليلان، والأذنان قمعان، واللسان ترجمان - إلى أن
قال - والقلب ملك، فإذا صلح)) الحديث(١)، وفي حديث أبي هريرة: ((القلب ملك
وله جنود - إلى أن قال - واللسان ترجمان)) الحديث(٢).
فما قيل(٣): إنَّ هذا الشاعر نصرانيٍّ عدو الله تعالى ورسوله، فيجب(٤) اطّراحُ
كلام الله تعالى ورسوله تصحيحاً لكلامه، أو حمله على المجاز صيانةً لكلمة هذا
الشاعر عنه، وأيضاً يحتاجون إلى إثبات هذا الشعر، والشهرة غيرُ كافية، فقد فتَّش
ابن الخشَّاب(٥) دواوين الأخطل العتيقة، فلم يجد فيها البيت. انتهى = كلامٌ أوهنُ
وأوهى من بيت العنكبوت، وإنه لأوهن البيوت:
(١) أخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة (١٠٨٩)، وابن عدي ٢/ ٦٣٣، وذكره الذهبي في
الميزان ٥٧٨/١، وفي إسناده عطية العوفي، وهو واوٍ كما قال الذهبي.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٩) موقوفاً.
(٣) في هامش الأصل و(م): قائله الموفق بن قدامة. اهـ منه.
(٤) كذا في الأصل و(م)، وهو خطأ، والصواب: أفيجب، أو: فهل يجب. ينظر شرح الكوكب
المنير لابن النجار ٤١/٢، والكلام فيه منقول عن موفق الدين بن قدامة.
(٥) عبد الله بن أحمد البغدادي اللغوي النحوي المحدث، أبو محمد بن أبي الكرم، من
تصانيفه: المرتجل في شرح الجمل للزجاجي، وأغلاط الحريري في مقاماته، وشرح اللمع
لابن جني، وغيرها. توفي سنة (٥٦٧هـ). ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٣١٦/١.

١٣٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
أما أولاً: فلأنَّ كلام هذا العدو موافق لكلام هذا (١) الحبيب حتى لِكلام
المنكرين للكلام النفسي، حيث اعترفوا به في عين إنكارهم.
وأما ثانياً: فلأنَّا أغنانا الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر.
وأما ثالثاً: فلأنّ عدم وجدان ابن الخشَّاب لا يدلُّ على انتفائه بالكلية
كما لا يخفى.
والحاصل أنَّ الناس أكثروا القال والقيل في حق هذا الشيخ الجليل وكلُّ ذلك
من باب:
وكَمْ مِنْ عائبٍ قَوْلاً صَحِيحاً وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيْمِ (٢)
نعم البحث دقيق لا يرشد إليه إلا توفيق، كم أسهر أُناساً وأكثر وسواساً، وأثار
فتنة وأورث محنة، وسجن أقواماً وأمَّ إماماً:
مَرامٌ شَطَّ مَرْمَى العَقْلِ فيهِ ودُونَ مَدَاهُ بِيْدٌ لا تَبِيْدُ(٣)
ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلبِّ اللباب، وخلاصة ما ذكره الأصحاب،
وقد اندفع به كثير مما أشكل على الأقوام، وخفي على أنهام ذوي الأفهام، ولا حاجة
معه إلى ما قاله المولى المرحوم غني زاده(٤) في التخلص عن هاتيك الشبه مما نصّه:
ثم اعلم أني بعدما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف إلى أنه لا ينبغي لذي الفطرة
السليمة أن يدَّعي قِدَمَ اللفظ، لاحتياجه إلى هذه التكلفات، وكذا كون الكلام عبارة
عن المعنى القديم، الركاكة توصيف الذات به، كيف ومعنى قصة نوح مثلاً ليس بشيءٍ
يمكن اتِّصاف الذات به إلا بتمثّلٍ بعيد، فالحقُّ الذي لا محيد عنه هو أنَّ المعاني
كلُّها موجودةٌ في العلم الأزلي بوجودٍ علمي قديم، لكن لما كان في ماهية بعضها
(١) قوله: (هذا). ساقط من (م).
(٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ص٢٣٢ .
(٣) ذكره ابن الجوزي في المدهش ص١٣٧ .
(٤) محمد جمال الدين بن عبد الغني الأردبيلي ثم الرومي المعروف بغني زاده وبنادري، من
تصانيفه: حاشية على تفسير البيضاوي، وشرح الأنموذج للزمخشري، توفي سنة (١٠٣٦هـ).
خلاصة الأثر ٩/٤، وهدية العارفين ٢٧٠/٢.

١٣١
مقدمة المصنف
داعية البروز في الخارج بوجودٍ لفظي حادث، حسبما يستدعيه حدوث الحوادث
فيما لا يزال، اقتضى الذات اقتضاءً أزليًّا إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود
الحادث فيما لا يزال، فهذا الاقتضاء صفة قديمة للذات هو بها في الأزل مسماة
بالكلام النفسي، وأثره الذي هو ظهوره في المعنى القديم باللفظ الحادث إنما يكون
فيما لا يزال، والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة، وهذا هو غاية الغايات في هذا
الباب، والحمد لله على ما خصَّني بفهمه من بين أرباب الألباب. انتهى.
وفيه أنه غايةُ الغايات في الجسارة على ربِّ الأرباب، وإحداث صفةٍ قديمة
ما أنزل الله تعالى بها من كتاب، إذ لم يرد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه وََّ،
ولا روي عن صحابيٍّ ولا تابعيٍّ تسمية ذلك الاقتضاء كلاماً، بل لا يقتضيه عقلٌ
ولا نقل، على أنه لا يحتاج إليه عند من أخذت العناية بيديه، هذا وإذا سمعت
ما تلوناه، ووعيت ما حققناه، فاسمع الآن تحقيق الحق في كيفية سماع موسى عليه
السلام كلام الحق، فأقول:
الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين کالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين
أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام سمع كلام الله تعالى بحرفٍ وصوت كما تدلُّ عليه
النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب في مقابلته قال
وقيل، فقد قال تعالى: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِنْ جَانِبِ اٌلُّْورِ آلْأَيَّمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ
مُوسَى﴾ [الشعراء: ١٠]، ﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿إِذْ نَادَنُ رَبُّهُ
بِالْوَدِ الْغَدَّس ◌ُطُوَّى﴾ [النازعات: ١٦]، ﴿نُودِىَ أَنَّ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]،
واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يُفسَّر النداء بالصوت(١)، بل قد ورد إثبات
الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى، وأخبار لا تستقصی:
روى البخاري في الصحيح: ((يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ
كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك أنا الديَّان))(٢). ومن علم أنَّ لله تعالى الحكيم أن
يتجلَّى بما شاء وكيف شاء، وأنه منزَّةٌ في تجلِّيه، قريبٌ في تعاليه، لا تقيِّده المظاهر
(١) جاء في حاشية (م): قال في القاموس: النداء بالكسر والضم: الصوت. اهـ منه.
(٢) صحيح البخاري معلقاً قبل الحديث (٧٤٨١) من حديث عبد الله بن أنيس حظوته. وأخرجه
موصولاً مطولاً في الأدب المفرد (٩٧٠)، وهو عند أحمد (١٦٠٤٢).

١٣٢
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
عند أرباب الأذواق، إذ له الإطلاق الحقيقيُّ حتى عن قيد الإطلاق، زالت عنه
إشكالات واتضحت لديه متشابهات(١).
ومما يدلُّ على ثبوت التجلِّي في المظهر لله تعالى، قول ابن عباس ترجمان
القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنَّ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٨] كما في ((الدر المنثور))(٢)،
يعني: تبارك وتعالى نفسَه، كان نور رب العالمين في الشجرة. وفي رواية عنه:
كان الله في النور، ونودي من النور. وفي صحيح مسلم(٣): ((حجابه النور))، وفي
رواية له: ((حجابه النار)) (٤).
ودَفَع الله سبحانه توهُّمَ التقييد بما ينافي التنزيه بقوله: ﴿وَسُبْحَنَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨]،
أي: عن التقييد بالصورة والمكان والجهة وإن ناداك منها؛ لكونه موصوفاً بصفة رب
العالمين، فلا يكون ظهوره مقيِّداً له، بل هو المنزَّه عن التقييد حين الظهور ﴿يَمُوسَىّ
إِنَّهُ﴾ أي: المنادي المتجلِّي ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ فلا أتقيَّد لعزَّتي، ولكني ﴿اٌلْحَكِيمُ﴾
[النمل: ٩] فاقتضت حكمتي الظهور والتجلِّي في صورةٍ مطلوبك. فالمسموعُ على
هذا صوتٌ وحرف سمعهما موسى عليه الصلاة والسلام من الله تعالى المتجلِّي بنوره
في مظهر النار لما اقتضته الحكمة، فهو عليه الصلاة والسلام كليم الله تعالى
بلا واسطة، لكن من وراء حجابٍ مظهرِ النار، وهو عينُ تجلِّي الحقِّ تعالى له.
وأما ما شاع عن الأشعريٍّ من القول بسماع الكلام النفسي القائم بذات الله
تعالى، فهو من باب التجويز والإمكان، لا أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام سمع
ذلك بالفعل، إذ هو خلاف البرهان، ومما يدلُّ على جواز سماع الكلام النفسيِّ
بطرق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي: ((ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ
بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به)) الحديث(٥).
(١) في هامش الأصل و(م): مثل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوْلُواْ فَتَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَنْ
يَأْتِيَهُمُ الَّهُ فِ ظُكَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾. وحديث ((إذا كان يوم الجمعة نزل ربنا تبارك وتعالى من
عليين على كرسيه - إلى أن قال - ثم يصعد تبارك وتعالى على كرسيه)). وحديث ((فإذا الرب
قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة)) إلى غير ذلك. اهـ منه.
(٢) ١٠٢/٥، وأخرجه الطبري ١٨/ ١٠ .
(٣) (١٧٩): (٢٩٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٦٣٢)، وهو من حديث أبي موسى الأشعري
(٤) ورد ذلك ضمن الرواية السالفة عند مسلم (١١٩): (٢٩٣).
(٥) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، من حديث أبي هريرة

١٣٣
مقدمة المصنف
ومن الواضح أنَّ الله تبارك وتعالى إذا كان بتجلِّيه النوريِّ المتعلّق بالحروف
غيبيةً كانت أو خيالية أو حسِّيَّةً سَمْعَ العبدِ على الوجه اللائق المُجامع لـ ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] عند من يتحقَّق معنى الإطلاق الحقيقيِّ، صحَّ أن
يتعلَّق سَمْعُ العبد بكلامٍ ليس حروفه عارضة لصوت؛ لأنه بالله يسمع إذ ذاك، والله
سبحانه يسمع السرَّ والنجوى.
والإمام الماتريدي أيضاً يجوِّز سماع ما ليس بصوتٍ على وجه خرق العادة، كما يدُّ
عليه كلام صاحب ((التبصرة)) في كتاب ((التوحيد (١)). فما نقله ابن الهمام (٢) عنه من
القول بالاستحالة، فمراده الاستحالة العادية، فلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق.
ومعنى قول الأشعري: إنَّ كلام الله تعالى القائم بذاته يُسْمعُ عند تلاوة كلِّ تال
وقراءة كلِّ قارئ. أنَّ المسموع أولاً - وبالذات عند التلاوة - إنما هو الكلام اللفظيُّ
الذي حروفه عارضة لصوت القارئ بلا شك، لكنَّ الكلمات اللفظية صورُ الكلمات
الغيبية القائمة بذات الحقِّ، فالكلام النفسيُّ مسموعٌ بعين سماع الكلام اللفظيِّ لأنه
صورته، لا من حيث الكلمات الغيبية؛ فإنَّها لا تُسمع إلا على طريق خرق العادة.
وقول الباقلاني: إنما تسمع التلاوة دون المتلوِّ، والقراءة دون المقروء. يمكن
حمله على أنه أراد: إنما يسمع أولاً وبالذات التلاوة، أي: المتلوُّ اللفظيُّ الذي
حروفه عارضة لصوت التالي، لا النفسيُّ الذي حروفه غيبية مجردة عن المواد
الحسية والخيالية، فلا نزاع في التحقيق أيضاً.
والفرق بين سماع موسى عليه الصلاة والسلام كلام الله تعالى وسماعنا له على
هذا: أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام سمع من الله عز وجل بلا واسطة، لكن من
وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي بعين سماع الكلام اللفظيِّ المتلوِّ
بلسانه، العارض حروفه لصوته، لا من الله تعالى المتجلّ من وراء حجاب العبد،
فلا يكون سماعاً من الله تعالى بلا واسطة، وهذا واضحٌ عند من له قَدَمٌ راسخةٌ في
(١) يعني ما ساقه صاحب التبصرة من عبارة الماتريدي في كتابه التوحيد. المسامرة شرح
المسايرة ص ٩٥. وصاحب التبصرة هو أبو المعين ميمون بن محمد النسفي المتوفى سنة
(٥٨٠هـ). كشف الظنون ٣٣٧/١.
(٢) في المسايرة، كما في شرحه المسامرة ص ٩٤.

١٣٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
العرفان، وظاهر عند من قال بالمظاهر مع تنزيه الملك الديان.
وأنت إذا أمعنت النظر في قول أهل السنة: القرآن كلام الله عز وجل غيرُ
مخلوق، وهو مقروءٌ بألسنتنا، مسموعٌ بآذاننا، محفوظٌ في صدورنا، مكتوبٌ في
مصاحفنا، غيرُ حالٌّ في شيءٍ منها. رأيته قولاً بالمظاهر ودالًا على أن تَتَزُّلَ القرآن
القديم القائم بذات الله تعالى فيها غيرُ قادحِ في قِدَمه؛ لكونه غيرُ حالٍّ في شيءٍ
منها، مع كون كلِّ منها قرآناً حقيقة شرعية بلا شبهة، وهذا عين الدليل على أنَّ
تجلِّي القديم في مظهرٍ حادثٍ لا ينافي قِدَمه وتنزيهه، وليس من باب الحلول
ولا التجسيم، ولا قيام الحوادث بالقديم، ولا ما يشاكل ذلك من شبهات تَعرِضُ
لمن لا رسوخ له في هاتيك المسالك.
ومنه يظهر معنى ظهور القرآن في صورة الرجل الشاحب يلقى صاحبه حين
ينشق عنه القبر، وظهوره خصماً لمن حمله فخالف أمره، وخصماً دون مَن حمله
فحفظ الأمر.
بل من أحاط خبراً بأطراف ما ذكرناه، وطاف فِكْرُه المتجرِّدُ عن مَخْبط الهوى
في كَعبةٍ حَرَمِ ما حققناه، اندفع عنه كلُّ إشكالٍ في هذا الباب، ورأى أنَّ تشنيعَ ابن
تيمية وابن القيم وابن قدامة وابن قاضي الجبل والُّوفي وأبي نصر وأمثالهم صريرُ
باب أو طنين ذباب، وهم وإن كانوا فضلاءَ محققين وأجلَّاء مدقِّقين، لكنهم كثيراً
ما انحرفت أفكارهم، واختلطت أنظارهم، فوقعوا في علماء الأمة، وأكابر الأئمة،
وبالغوا في التعنيف والتشنيع، وتجاوزوا في التسخيف والتفظيع، ولولا الخروج عن
الصدد لوفَّيتهم الكيل صاعاً بصاع، ولتقدَّمتُ إليهم بما قدَّموا باعاً بباع، ولعلّمتهم
كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء، ولعرَّفتهم إلام ينتهي المراء بلا مراء.
ولي فَرَسٌ للجَهْلِ بِالجَهْلِ مُسْرَجُ
فَلِي فَرَسٌ للحِلْمِ بالحِلْمِ مُلْجَمْ
ومَنْ رامَ تَعْوِيجي فإِنِّي مُعَوَّجُ(١)
فَمَنْ رامَ تَقْويمي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ
(١) البيتان لصالح بن جناح كما في نقد الشعر لقدامة بن جعفر ص١٣٦، والحماسة البصرية
٥١/١، وبهجة المجالس ٦٢٠/١، ونسبهما ابن قتيبة في عيون الأخبار ٢٨٩/١ لمحمد بن
وهيب، ونسبا لمحمد بن حازم الباهلي في معجم الشعراء للمرزباني ص٣٧٢، وهما دون
نسبة في العقد الفريد ١٤/٣، والبرصان والعرجان للجاحظ ص٢٦١.

١٣٥
مقدمة المصنف
على أنَّ العفو أقرب للتقوى، والإغضاء مبنى الفُتَوَّة وعليه الفتوى، والسادة الذين
تكلّم فيهم هؤلاء إذا مرُّوا باللغو مرُّوا كراماً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.
وحيث تحرَّر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة، واندفع عنه بفضل الله تعالى
كلُّ محنة ومهنة، فلا بأس بأن نحكي بعض الأقوال، كما حكى الله تعالى كثيراً من أقوال
ذوي الضلال، وبعد أن رسخ الحقُّ في قلبك، وتغلغل في سویدائه كلام ربك، لا أخشى
عليك من سماع باطل لا يزيدك إلا حقًّا، وكاذبٍ لا يُورِثك إلا صدقاً، فنقول:
أما المعتزلة فاتفقوا كافةً على أنَّ معنى كونه تعالى متكلِّماً: أنه خالق الكلام
على وجهٍ لا يعود إليه منه صفة حقيقية، كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها
صفة حقيقية، واتفقوا أيضاً على أنَّ كلام الربِّ تعالى مركّبٌ من الحروف
والأصوات، وأنه مُحدَثٌ مخلوق.
ثم اختلفوا؛ فذهب الجُبَّائي(١) وابنه أبو هاشم(٢) إلى أنه حادثٌ في محلّ، ثم
زعم الجُبَّائي أنَّ الله تعالى يُحدِثُ عند قراءة كلِّ قارئٍ كلاماً لنفسه في محلٌ
القراءة. وخالفه الباقون.
وذهب أبو الهُذيل العلاف(٣) وأصحابه إلى أنَّ بعضه في محلّ وهو قوله: كُنْ،
وبعضه لا في محلٌّ كالأمر والنهي والخبر والاستخبار.
وذهب الحسين بن محمد النجار(٤) إلى أنَّ كلام الباري إذا قرئ فهو عَرَض،
وإذا ◌ُتب فهو جسم.
(١) محمد بن عبد الوهاب البصري، أبو علي، شيخ المعتزلة، له كتاب: الأصول، والنهي عن
المنكر، والاجتهاد، وغيرها، توفي سنة (٣٠٣هـ). سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٨٣.
(٢) عبد السلام بن محمد، أخذ عن والده، وله: الجامع الكبير، والمسائل العسكرية،
وغيرهما، توفي سنة (٣٢١هـ). السير ٦٣/١٥ .
(٣) محمد بن الهذيل البصري، شيخ الكلام ورأس الاعتدال، له كتاب في الرد على المجوس،
وردٌّ على اليهود، وردٌّ على المشبهة، وتصانيفه كثيرة ولكنها لا توجد، توفي سنة (٢٢٦ أو
٢٣٥هـ). السير ١٧٣/١١.
(٤) رأس الفرقة النجارية من المعتزلة، له مع النَّظَام مناظرات، له: إثبات الرسل، والقضاء
والقدر، والإرجاء، وغيرها، توفي سنة (٢٢٠هـ). السير ٥٥٤/١٠، والأعلام ٢٥٣/٢.
ووقع في الأصل و(م): الحسن، بدل: الحسين.

١٣٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وذهبت الإمامية والخوارج والحشوية إلى أنَّ كلام الربِّ تعالى مرَّبٌ من الحروف
والأصوات، ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى أنه قدیم أزليٍّ قائم بذات الربِّ
تعالى، لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر، وبعضهم قال: لا بل الحرف
حرفان والصوت صوتان؛ قديم وحادث، والقديم منهما ليس من جنس الحادث.
وأما الكرَّامية فقالوا: إن الكلام قد يُطلق على القدرة على التكلم، وقد يطلق على
الأقوال والعبارات، وعلى كلا التقديرين قهو قائم بذات الله تعالى، لكن إن كان
بالاعتبار الأول فهو قدیم متَّحد لا كثرة فيه، وإن كان بالاعتبار الثاني فهو حادث متكثِّر.
وأما الواقفية: فقد أجمعوا على أنَّ كلام الربِّ تعالى كائن بعد أن لم يكن،
لكن منهم من توقّف في إطلاق اسم القديم والمخلوق عليه، ومنهم من توقَّف في
إطلاق اسم المخلوق وأطلق اسم الحادث، ومن القائلين بالحدوث من قال: ليس
جوهراً ولا عَرَضاً. وذهب بعض المعترفين بالصانع إلى أنه لا يوصف بكونه متكلِّماً
لا بكلام ولا بغیر کلام.
والذي أوقع الناس في حيص بيص أنهم رأوا قياسين متعارضي النتيجة،
وهما كلام الله تعالى صفة له، وكلُّ ما هو صفة له فهو قديم، فكلام الله تعالى
قديم. وكلام الله تعالى مركّبٌ من حروف مرتَّبةٍ متعاقبة في الوجود، وكلُّ ما هو
کذلك فهو حادث، فکلام الله تعالی حادث.
فقوم(١) ذهبوا إلى أنَّ كلامه تعالى حروف وأصوات، وهي قديمة، ومنعوا أنَّ كل
ما هو مؤلّفٌ من حروف وأصوات فهو حادث، ونسب إليهم أشياء هم برآء منها .
وآخرون قالوا بحدوثه(٢) وأنه مؤلَّفٌ من أصوات وحروف، وهو قائم بغيره، ومعنى
كونه متكلِّماً عندهم: أنه موجدٌ لتلك الحروف والأصوات في جسم کاللوح، أو ملكٍ
كجبريل، أو غير ذلك، فهم منعوا أنَّ المؤلّف من الحروف والأصوات صفةُ الله تعالى.
وأناس(٣) لما رأوا مخالفة الأولين للضرورة الظاهرة التي هي أشنع من مخالفة
الدليل، ومخالفة الآخرين فيما ذهبوا إليه للعرف واللغة، ذهبوا إلى أنَّ كلامه تعالى
(١) في هامش الأصل و(م): هم الحنابلة. اهـ منه.
(٢) في (م): بحدوث كلامه تعالى. وجاء في حاشية (م): هم المعتزلة. اهـ منه.
(٣) في حاشية (م): هم الكرامية. اهـ منه.

١٣٧
مقدمة المصنف
صفة له، مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى، فهم منعوا أنَّ
كلَّ ما هو صفة له تعالى فهو قديم.
وجَمْعٌ قالوا: كلامه تعالى معنّى واحدٌ بسيطً قائمٌ بذاته تعالى قديمٌ، فهم منعوا
أنَّ كلامه تعالى مؤلَّفٌ من الحروف والأصوات، وكَثُرَ في حقٌّهم القال والقيل
والنّزاع الطويل.
وبعضهم تحيَّر فوقف، وحبس ذهنه في مسجد الدهشة واعتكف.
وعندي القياسان صحيحان، والنتيجتان صادقتان، ولكلِّ مقام مقال ولكل كلام
أحوال، ولا أظنُّك تُحوجني إلى التفصيل بعدما وعاه فكرك الجميل، بل ولا تكلّفني
ردّ هذه الأقوال الشنيعة التي هي لديك، إذا أخذت العناية بيديك كسراب بقيعة،
فليَطِرْ شحرورُ القلم إلى روضة أخرى، وليُغرِّد بفائدةٍ لعلها أولى من الإطالة
وأحرى، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب لا ربَّ غیرُه.
الفائدة الخامسة
في بيان المراد بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن:
أقول: روى أحد وعشرون صحابيًّا(١) حديث نزول القرآن على سبعة أحرف،
حتى نصَّ أبو عبيدةٍ (٢) على تواتره، وفي مسند أبي يعلى أنَّ عثمان رضي الله عنه
قال على المنبر: أُذكِّر الله رجلاً سمع النبيَّ وَّر قال: ((إن القرآن أُنزل على سبعة
أحرف، كلُّها شافٍ كاف)) لمَّا قام، فقاموا حتى لم يُحصَوا، فشهدوا بذلك، فقال:
وأنا أشهد معهم (٣).
(١) في هامش الأصل و(م): وهم أبيُّ بن كعب وأنس وحذيفة وزيد بن أرقم وسمرة بن جندب
وسليمان بن صرد وابن عباس وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعمر بن
الخطاب وعمر بن أبي سلمة وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وهشام بن حكيم وأبو بكرة
وأبو جهم وأبو سعيد الخدري وأبو طلحة الأنصاري وأبو هريرة وأم أيوب، رضي الله عنهم
أجمعین.
(٢) كذا في الأصل و (م)، والكلام في فضائل القرآن لأبي عبيد ص٢٠٣.
(٣) أخرجه الحارث كما في بغية الباحث (٧٢٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٥٢ :
رواه أبو یعلی في الکبیر، وفيه راوٍ لم يسم.

١٣٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
واختلف في معناه على أقوال:
أحدها: أنه من المشكل الذي لا يدرى؛ لاشتراك الحرف(١). وفيه أنَّ مجرَّد
الاشتراك لا يستدعي ذلك، اللهم إلا أن يكون بالنظر إلى هذا القائل.
ثانيها: أنَّ المراد التكثير لا حقيقة العدد، وقد جرَوا على تكثير الآحاد
بالسبعة، والعشراتِ بالسبعين، والمئات بسبع مئةٍ، وسرُّ التسبيع لا يخفى، وإليه
جنح عياض(٢).
وفيه - مع عدم ظهور معناه - أنَّ حديث أبيٍّ كما رواه النسائي(٣): ((أنَّ جبريل
وميكائيل أتياني، فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ
القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف)) ونحوه من
الأحاديث لا سيّما حديث أبي بكرة الذي في آخره: ((فنظرت إلى ميكائيل فسكت،
فعلمت أنه قد انتهت العدة))(٤) أقوى دليل على إرادة الانحصار، بل في جمع القلّة
نوعُ إشارةٍ إلى عدم الكثرة كما لا يخفى.
ثالثها: أنَّ المراد بها سبع قراءات. وفيه أنَّ ذلك لا يوجد في كلمة واحدة
إلا نادراً(٥)، والقول أنَّ كلمةً تقرأ بوجه أو وجهين إلى سبع يُشكل عليه ما قرئ
على أكثر، اللهم إلا أن يقال: ورد ذلك موردَ الغالب، وفيه ما لا يخفى، حتى قال
السيوطيُّ(٦): قد ظنَّ كثيرٌ من القوم أنَّ المراد بها القراءات السبعة، وهو جهل
قبيح. فتدبر.
(١) في هامش الأصل و(م): أي: لغة بين الكلمة والمعنى والجهة. قاله ابن سعدان النحوي. اهـ
منه. وقول ابن سعدان في الإتقان ١/ ١٤٥ بلفظ: لأن الحرف يصدق لغة على حرف
الهجاء، وعلى الكلمة، وعلى المعنى، وعلى الجهة.
(٢) ابن موسى اليَخْصِبي الأندلسي ثم السَّبتي، المالكي القاضي الحافظ شيخ الإسلام،
أبو الفضل، له: مشارق الأنوار، والتنبيهات، وإكمال المُعْلِم بفوائد مسلم، وكل تصانيفه
بديعة، توفي سنة (٥٤٤هـ). السير ٢١٢/٢٠. وكلامه ذكره الحافظ في الفتح ٢٣/٢، وينظر
إكمال المعلم ١٨٧/٣ .
(٣) في الكبرى (٧٩٣٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٠٩٢).
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٤٢٥) دون هذه العبارة، وذكره بهذا اللفظ السيوطي في الإتقان ١٤٦/١.
(٥) في هامش الأصل و(م): مثل: ((عبد الطاغوت))، ((ولا تقل لهما أفٌ)). اهـ منه.
(٦) في الإتقان ١/ ١٥٦.