Indexed OCR Text

Pages 101-120

٩٩
مقدمة المصنف
الرَّجِلَ والخيل إلا في سَبْر أغوارها، أو يصرف نفائس الأنفاس إلا في مهور
أبكارها، أو ينفق بدر الأعمار إلا لِتَشوُّف بَدْرِ أسرارها.
إذا كانَ هَذا الدَّمْعُ يَجْرِي صَبَابَةً عَلى غَيْرٍ سَلْمَى فَهْوَ دَمْعٌ مُضَبَّعُ(١)
وإنَّ من ذلك علمُ التفسير الباحث عمَّا أراده الله سبحانه بكلامه المجيد، الذي
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد، فهو الحبلُ المتين،
والعروةُ الوثقى، والصِّراط المبين، والوَزَر(٢) الأقوى والأوقى، وإني والله تعالى
المنة مذ مِيطت عني التمائم، ونيطت على رأسي العمائم، لم أزل متطلِّباً لاستكشاف
سرِّه المكتوم، مترقِّباً لارتشاف رحيقه المختوم، طالما فرَّقْتُ نومي لجمع شوارده،
وفارقتُ قومي لوٍصال خرائده(٣)، فلو رأيتني وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب
من السَّهر، وأُطالع - إن أَغْوَزَ الشمع يوماً - على نور القمر، في كثير من ليالي
الشهر، وأمثالي إذ ذاك يرفُّلون في مطارف اللهو، ويرقُّلون(٤) في ميادين الزَّهْو،
ويؤثرون مسرَّات الأشباح على لذَّات الأرواح، ويَهَبون نفائسَ الأوقات لنهب
خسائس الشهوات، وأنا مَع حداثة سنِّي، وضيق عَطَني(٥)، لا تَغرُّني حالهم، ولا
تُغيِرني أفعالهم، كأن لُبنى لُبانتي(٦)، ووصال سُعدى سعادتي، حتى وقفت على كثيرٍ
من حقائقه، ووُفِّقتُ لِحِلِّ وفيرِ من دقائقه، وثقبتُ - والثناءُ لله تعالى - من درره بقلم
فكري دُرًّا مثمناً، ولا يِدْعَ فأنا من فضل الله الشهابُ وأبو الثنا، وقبل أن يكمل سنِّي
عشرين، جعلتُ أَصدحُ به وأصدع، وشرعتُ أدفع كثيراً من إشكالات الإشكال
وأرفع، وأتجاهرُ بما ألهمنيه ربي مما لم أظفر به في كتاب من دقائق التفسير، وأُعلِّق
(١) البيت لابن البُديري، كما في المستطرف ٢٥٩/٢. الصبابة: رقة الشوق والحنين في
الهوی. اللسان (صبب).
(٢) في اللسان (وزر): الوزر: الملجأ، وأصل الوزر: الجبل المنيع، وكل معقلٍ وزرٌ.
(٣) الخرائد: جمع الخريدة. والخريدة من النساء: البكر التي لم تمسس قطّ، وقيل: هي الحيية
الطويلة السكوت الخافضة الصوت الخفرة المتسترة. اللسان (خرد).
(٤) يرقلون: من الإرقال، وهو ضرب من السير في سرعة. اللسان (رقل).
(٥) في اللسان (عطن): رجل رحب العطن وواسع العطن، أي: رحب الذراع كثير المال واسع
الرحل.
(٦) اللبانة: الحاجة من همة لا من فاقة. اللسان (لبن).

١٠٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
على ما أُغلق مما لم تَعْلَق به ◌ُفْر كلِّ ذي ذهنٍ خطير، ولست أنا أوَّل مَن منَّ الله
تعالى عليه بذلك، ولا آخر من سلك في هاتيك المسالك، فكم وكم للزمان وُلِدَ
مثلي، وکم تفضّل الفردُ عزَّ شأنه علی کثیرٍ بأضعاف فضلي:
ألا إنَّما الأَيّامُ أبناءُ واحِدٍ وهذي الليالي كُلُّها أَخَوَاتُ(١)
إلا أنَّ رياضَ هذه الأعصار عراها إعصار، وحياضَ تيك الأمصار اعتراها
اعتصار، فصار العلم بالعَيُّوق(٢)، والعلماء أعزُّ من بيض الأَنوق(٣)، والفضل معلّقٌ
بأجنحة النسور، وميِّتُ حيِّ الأدب لا یرجی له نشور:
أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَّةَ سامر (٤)
كَأَنْ لَم يَكُنْ بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا
ولكنَّ الملك المنَّان أبقى من فضله الكثير قليلاً من ذوي العرفان، في هذه
الأزمان، دينهم اقتناص الشوارد، وديدنهم افتضاض أبكار الفوائد، يَروون
فَيَّرْوون، ويقدحون فيُؤْرون، لكلِّ منهم مزيَّة لا يستتر نَوْرُها، ومرتبة لا ينتثر نُورها،
طالما اقتطفتُ من أزهارهم، واقتبستُ من أنوارهم، وكم صَدْرٍ منهم أودعتُ علمَه
صدري، وحِبرٍ فيهم أفنيتُ في فوائده حبري، ولم أزل مدةً على هذه الحال، لا أعبأ
بما عبا لي مما قيل أو يقال، كتاب الله لي أفضل مؤانس، وسميري إذا احلولكت
ظلمة الحنادس(٥):
نعم السَّمِيْرُ كتابُ الله إنَّ له حَلاوةً هي أحلى مِنْ جَنَى الضَّرَبِ(٦)
(١) البيت لأبي العلاء المعري، كما في شروح سقط الزند ١٠٣٨/٣.
(٢) العيوق: كوكب أحمر مضيء بحيال الثريا في ناحية الشمال، ويطلع قبل الجوزاء. اللسان:
(عوق).
(٣) الأنوق: العقاب والرخمة، وهو أعز من بيض الأنوق؛ لأنها تحرزه فلا يكاد يُظفر به، لأن
أوكارها في القلل الصعبة. القاموس (أنق).
(٤) البيت لمضاض بن عمرو الجرهمي، وهو في جمهرة أشعار العرب ٨٣/١، والأغاني
١٨/١٥، ومعجم البلدان ٢/ ٢٢٥، وفيه: الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها.
والصفا: أحد الجبلين المشهورين، وهما الصفا والمروة بين بطحاء مكة والمسجد الحرام.
(٥) الحنادس: جمع الحندس، وهي الظلمة، وفي الصحاح: الليل الشديد الظلمة. اللسان
(حندس).
(٦) الضرب: العسل الأبيض. اللسان (ضرب).

١٠١
مقدمة المصنف
تَفْتُر مِنْ عَجبٍ إلا إلى عَجَبٍ
بهِ فُنونُ المعاني قَدْ جُمِعْنَ فَما
وحِكْمَةٌ أُودِعَتْ في أفْصَحِ الكُتُبِ
أمرٌ ونهيّ وأمثالٌ ومَوْعِظَةٌ
وَرَوْضَةٌ يَجْتَنِيْها كُلُّ ذِي أَدَبٍ(٢)
لَطائِفٌ (١) يَجْتَلِيْها كُلُّ ذِي بَصَرٍ
وكانت كثيراً ما تحدِّثني في القديم نفسي أن أحبس في قفص التحرير ما اصطاده
الذهن بشبكة الفكر، أو اختطفه باز الإلهام في جوٍّ حدسي، فأتعلَّل تارةً بتشويش
البال بضيق الحال، وأخرى بفرط الملال لسعة المجال، إلى أن رأيت في بعض
ليالي الجمعة من رجب الأصم (٣) سنةَ الألف والمئتين والاثنتين والخمسين بعد
هجرة النبيِّ ◌َّهِ رؤيةً لا أعدُّها أضغاث أحلام، ولا أحسبها خيالات أوهام، أنَّ الله
جل شأنه وعَظُمَ سلطانه، أمرني بطيّ السموات والأرض، ورَتْقٍ فتقهما على الطول
والعرض، فرفعتُ يداً إلى السماء وخفضتُ الأخرى إلى مستقرِّ الماء، ثم انتبهت من
نومتي وأنا مستعظمٌ رؤيتي، فجعلت أُفْتِّش لها عن تعبير، فرأيت في بعض الكتب
أنها إشارة إلى تأليف تفسير، فرددتُ حينئذٍ على النفس تعلَّلَها القديم، وشرعت
مستعيناً بالله تعالى العظيم، وكأني إن شاء الله تعالى عن قريبٍ عند إتمامه بعون عالم
◌ِرِّي ونجواي، أنادي وأقول غير مبالٍ بتشنيع جهول: هذا تأويل رؤياي.
وكان الشروع في الليلة السادسة عشرة من شعبان المبارك من السنة المذكورة،
وهي السنة الرابعة والثلاثون من سنيٍّ عمري جعلها الله تعالى بِسَنى لطفه معمورةً،
وقد تشرَّف الذهن المشتَّتُ بتأليفه، وأُحكمتْ غرف مغاني المعاني بمحكم ترصيفه،
زمنَ خلافة خليفة الله الأعظم، وظلِّه المبسوط على خليقته في العالم، مجدِّد نظام
القواعد المحمدية، ومحدِّد جهات العدالة الإسلامية، سورة الحمد الذي أظهره
الرحمن في صورة الملك، لكسر سَوْرة الكافرين، وآيةِ السيف الذي عوَّده الفاطرُ
الفتحَ والنصر، وأيَّده بمرسلات الذاريات في كل عصر، فويلٌ للمنافقين من نازعات
أرواحهم، إذا عبس صمصام عزمه المتين، حضرة مولانا السلطان ابن السلطان،
(١) اللطائف: جمع اللطيفة، وهي من الكلام ما غمض معناه وخفي. اللسان (لطف).
(٢) الأبيات في البحر المحيط ٤/١.
(٣) كانت العرب تسمّي رجباً: الأصم، لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث، ولا حركة قتال،
ولا قعقعة سلاح، لأنه من الأشهر الحرم. اللسان (صمم).

١٠٢
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
سلطان الثقلين وخادم الحرمين، المجدِّد الغازي محمود خان العدلي ابن السلطان
عبد الحميد خان، أيَّه الرحمن، وأبَّد ملكه ما دام الدوران، آمين.
وبعد أن أبرمتُ حبل النية، ونشرت مطوى الأمنية، وعرا المخاضُ قريحةً
الأذهان، وقَرُبَ ظهور طفل التفسير للعيان، جعلتُ أُفكِّر ما اسمه، وبماذا أدعوه
إذا وضعته أُمُّه؟ فلم يظهر لي اسم تهتشُّ له الضمائر، وتبتشُّ من سماعه الخواطر،
فعرضتُ الحال لدى حضرة وزير الزَّوراء(١)، ونَوْر حديقة البهاء، ونُور حَدَقة
الوزراء، آيةِ الله التي لا تنسخها آية، وربِّ النُّهى الذي ليس له نهاية، وصاحب
الأخلاق التي مَلَكَ بها القلوب، ومَعدِن الأذواق التي يكاد أن يعلم معها الغيوب،
مولانا علي رضا باشا، لا زال له الرضا غطاءً وفراشاً، فسمَّاه على الفور، وبديهةٌ
ذهنه تغني عن الغور: ((روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني)).
فيا له اسمٌ ما أسماه، نسأل الله تعالى أن يطابقه مسمَّاه، وأحمدُ الله تعالى
حمداً غضًّا، وأُصلِّي وأسلِّم على نبيِّه النبيه حتى يرضى.
وقد آن وقتُ الشروع في المقصود، مقدِّماً عليه عدَّة فوائد يليق أن تُكتبَ بسواد
العيون على صفحات الخدود، فأقول:
الفائدة الأولى
في معنى التفسير والتأويل وبيان الحاجة إلى هذا العلم وشرفه.
أما معناهما: فالتفسير تفعيلٌ من الفَسْر. وهو لغة: البيان والكشف. والقول
بأنه مقلوب السَّفْر مما لا يُسفَرُ له وجه، ويطلق التفسير على النَّعرية للانطلاق،
يقال: فسَّرتُ الفرس، إذا عرَّيته لينطلق. ولعلَّه يرجع لمعنى الكشف كما لا يخفى،
بل كلُّ تصاريف حروفه لا تخلو عن ذلك كما هو ظاهر لِمِن أمعن النظر، ورسموه
بأنه علمٌ يُبحَثُ فيه عن كيفيَّة النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية
(١) في (م): الوزراء. والزوراء: مدينة ببغداد في الجانب الشرقي، سميت الزوراء لازورار في
قبلتها؛ وقيل: الزوراء: مدينة أبي جعفر المنصور، وهي في الجانب الغربي ببغداد. معجم
البلدان ١٥٦/٣ .

١٠٣
مقدمة المصنف
والتركيبية، ومعانيها التي تُحمَلُ عليها حالةَ التركيب، وتتمّات لذلك، كمعرفة
النسخ، وسبب التُّزول، وقصَّةٍ تُوضِّح ما أُبهم في القرآن، ونحو ذلك.
والتأويل: من الأَوْل وهو الرجوع، والقول بأنه من الإيالة: وهي السياسة، كأنَّ
المؤوِّل للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعَه، ليس بشيء.
واختلف في الفرق بين التفسير والتأويل، فقال أبو عبيدة(١): هما بمعنى. وقال
الراغب(٢): التفسير أعمُّ، وأكثرُ استعماله في الألفاظ ومفرداتها في الكتب الإلهية
وغيرها، والتأويل في المعاني والجمل في الكتب الإلهية خاصة.
وقال الماتريديّ: التفسير: القطع بأنَّ مرادَ الله تعالى كذا، والتأويل: ترجيحُ
أحد المحتملات بدون قطع(٣). وقيل: التفسير ما يتعلَّق بالرواية، والتأويل ما يتعلق
بالدراية. وقيل غير ذلك.
وعندي أنه إن كان المراد الفرقَ بينهما بحسب العرف، فكلُّ الأقوال فيه
ما سمعتَها وما لم تَسمَعْها مخالفةٌ للعرف اليوم، إذ قد تعارف من غير نكير أنَّ
التأويل إشارةٌ قدسية ومعارفُ سبحانية، تنكشف من سُجُف العبارات للسالكين،
وتنهلُّ من سُحُب الغيب على قلوب العارفين، والتفسير غيرُ ذلك.
وإن كان المراد الفرقَ بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقةً، فلا أَظتُّك في
مِريةٍ من ردِّ هذه الأقوال، أو بوجهٍ ما، فلا أراك ترضى إلا أنَّ في كلِّ كشفٍ
إرجاعاً وفي كلِّ إرجاعٍ كشفاً، فافهم.
وأما بيان الحاجة إليه فلأَنَّ فهمَ القرآن العظيم - المشتمل على الأحكام الشرعية
(١) هو معمر بن المثنَّى التميمي مولاهم، البصري النحوي صاحب التصانيف، له: مجاز
القرآن، وغريب الحديث، ومقتل عثمان، وغيرها، توفي سنة (٢٠٩هـ). السير ٤٤٥/٩.
وكلامه في مجاز القرآن ٨٦/١.
(٢) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصفهاني، له: جامع التفاسير، والأخلاق،
ومفردات ألفاظ القرآن، وغيرها، توفي سنة (٥٠٢هـ). السير ١٢٠/١٨، والأعلام ٢٥٥/٢.
والكلام بنحوه في مفردات ألفاظ القرآن له ص٦٣٦، والبرهان للزركشي ١٤٩/٢ .
(٣) الكلام بنحوه في تأويلات أهل السنة ١/١ لأبي منصور محمد بن محمد بن محمود
الماتريدي السمرقندي الحنفي المتوفى سنة (٣٣٣هـ)، له: التوحيد، وأوهام المعتزلة،
والجدل، وغيرها. الأعلام ١٩/٧.

١٠٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
التي هي مدارُ السعادة الأبديَّة، وهو العروةُ الوثقى والصراط المستقيم - أمرٌ عسير
لا يُهتدى إليه إلا بتوفيقٍ من اللطيف الخبير، حتى إنَّ الصحابة ﴿ُه على علوِّ كَعْبھم في
الفصاحة، واستنارة بواطنهم بما أشرقَ عليها من مشكاة النبوة، كانوا كثيراً ما يرجعون
إليه وَّه بالسؤال عن أشياء لم يُعرِّجوا عليها، ولم تصلْ أفهامهم إليها، بل ربما التبس
عليهم الحال، ففهموا غيرَ ما أراده الملك المتعال، كما وقع لعَديٍّ بن حاتم في الخيط
الأبيض والأسود، ولا شك أنَّا محتاجون إلى ما كانوا محتاجين إليه وزيادة.
وأما بيان شرفه: فلأنَّ شرف العلم بشرف موضوعه، وشرفٍ معلومه وغايته
وشدَّة الاحتياج إليه، وهو حائزٌ لجميعها، فإنَّ موضوعَهُ كلامُ الله تعالى، وماذا
عسى أن يقال فيه؟ ومعلومَهُ - مع أنه مراد الله تعالى الدالُّ عليه كلامه - جامعٌ
للعقائد الحقَّة والأحكام الشرعية وغيرها، وغايتَهُ الاعتصامُ بالعروة الوثقى التي
لا انفصام لها، والوصولُ إلى سعادة الدارين. وشدَّةَ الاحتياج إليه ظاهرةٌ مما
تقدَّم، بل هو رئيس جميع العلوم الدينية؛ لكونها مأخوذةً من الكتاب، وهي تحتاج
من حيثُ الثبوتُ أو من حيث الاعتداد إلى علم التفسير، وهذا لا ينافي كونَ الكلام
رئيسها أيضاً؛ لأنَّ علمَ التفسير - لتوقُّفه على ثبوت كونه تعالى متكلِّماً - يحتاج إلى
الكلام، والكلامُ لتوقُّف جميع مسائله من حيث الثبوت أو الاعتداد على الكتاب،
يتوقف على التفسير، فيكون كلٌّ منهما رئيساً للآخر من وجه، على أنَّ رياسة
التفسير - بناءً على ذلك الشرف - مما لا ينتطح فيه كبشان.
وأما الآثار الدالة على شرفه فكثيرة: أخرج ابن أبي حاتم (١) وغيره من طريق
ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يُؤْنِ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال:
المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومُحكّمه ومتشابهه، ومقدَّمه ومؤخّره، وحلاله
وحرامه، وأمثاله. وأخرج أبو عبيد (٢) عن الحسن قال: ما أنزل الله آية إلا وهو
يحبُّ أن تُعلَم فيما أُنزلت وما أراد بها.
(١) في تفسيره ٢/ ٥٣١.
(٢) هو القاسم بن سلَّام الهروي الحافظ صاحب التصانيف، قرأ القرآن على الكسائي وغيره،
وأخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد وجماعة، له: الأموال، والطهور، وغريب الحديث،
وغيرها، توفي سنة (٢٢٤هـ). السير ٤٩٠/١٠. والخبر في فضائل القرآن له ص٤٢.

١٠٥
مقدمة المصنف
وأخرج ابن أبي حاتم(١) عن عمرو بن مُرَّة قال: ما مررت بآيةٍ لا أعرفها إلا
أحزنتني، لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا بَعْقِلُهَاْ إِلَّا
الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. إلى غير ذلك.
الفائدة الثانية
فيما يحتاجه التفسير، ومعنى التفسير بالرأي، وحكمُ كلام السادة الصوفية في القرآن.
فأما ما يحتاجه التفسير فأمور:
الأول: علم اللغة؛ لأنَّ به يُعرف شرحُ مفردات الألفاظ ومدلولاتها(٢) بحسب
الوضع، ولا يكفي اليسير؛ إذ قد يكون اللفظ مشتركاً، وهو يعلم أحد المعنيين
والمراد الآخر، فمَن لم يكن عالماً بلغات العرب لا يحلُّ له التفسير كما قاله
مجاهد، وينكَّل كما قاله مالك(٣)، وهذا مما لا شبهة فيه. نعم روي عن أحمد أنه
سئل عن القرآن يمثِّلُ له الرجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني. وهو ليس بنصٍّ
في المنع عن بيان المدلول اللغوي للعارف كما لا يخفى.
الثاني: معرفة الأحكام التي للكلم العربية من جهة أفرادها وتركيبها، ويؤخذ
ذلك من علم النحو. أخرج أبو عبيدة(٤) عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلَّم العربية
يلتمس بها حُسنَ المنطق ويقيم بها قراءته. فقال: حَسَنٌّ، فتعلَّمْها فإنَّ الرجل يقرأ
الآية فيعيا بوجهها، فيهلك فيها. وفي قصة أبي الأسود(٥) ما يغني عن الإطالة.
الثالث: علم المعاني والبيان والبديع، ويُعرف بالأول خواصُ تراكيب الكلام
من جهة إفادتها المعنى. وبالثاني خواصُّها من حيث اختلافها. وبالثالث وجوه
تحسين الكلام، وهو الركن الأَقْومُ واللازِمُ الأعظمُ في هذا الشأن، كما لا يخفى
ذلك على من ذاق طعم العلوم ولو بطرف اللسان.
(١) في تفسيره ٩/ ٣٠٦٤.
(٢) في (م): ومعلولاتها.
(٣) أخرج قوله البيهقي في شعب الإيمان (٢٢٨٧).
(٤) كذا في الأصل و (م): عبيدة، والخبر في فضائل القرآن لأبي عبيد ص٢٠٩ - ٢١٠.
(٥) هو أبو الأسود الدؤلي، وقصته مع ابنته مشهورة.

١٠٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
الرابع: تعيينُ مبهمٍ وتبیین مُجمَلٍ وسببٍ نزولٍ ونسخٍ، ويؤخذ ذلك من علم الحديث.
الخامس: معرفة الإجمال والتبيين، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد،
ودلالة الأمر والنهي، وما أشبه هذا، وأخذوه من أصول الفقه.
السادس: الكلام فيما يجوز على الله، وما يجب له، وما يستحيل عليه، والنظرُ
في النبوّة، ويؤخذ هذا من علم الكلام، ولولاه يقع المفسِّر في ورطات.
السابع: علم القراءات؛ لأنه به يُعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات تُرجَّح
بعض الوجوه المحتملة على بعض.
هذا وعدَّ السيوطيُّ مما يحتاج إليه المفسِّر علمَ التصريف وعلم الاشتقاق. وأنا
أظنُّ أنَّ المهارة ببعض ما ذكرنا، يترتَّب عليها ما يترتَّب عليهما من الثمرة. وعدَّ أيضاً
علمَ الفقه ولمَ يعدَّه غيرُهُ، ولكلٍّ وجهة. وعدَّ علمَ الموهبة أيضاً من ذلك، قال: وهو
علم يورثه الله تعالى لِمَن عمل بما علم، وإليه الإشارة بالحديث: ((من عمل بما علم
أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم))(١). ثم قال: ولعلك تستشكل علمَ الموهبة، وتقول: هذا
شيءٌ ليس في قدرة الإنسان تحصيله، وليس كما ظننتَ، والطريق في تحصيله ارتكابُ
الأسباب الموجبة له من العمل والزهد ... ، إلى آخر ما قال(٢).
وفيه أنَّ علمَ الموهبة بعد تسليم أنه كسبيٍّ، إنما يحتاج إليه في الاطلاع على
الأسرار لا في أصل فهم معاني القرآن، كما يُفهمه كلام ((البرهان))(٣)، وكثيرٌ من
المفسرين بصدد الثاني.
والواقفون على الأسرار - وقليلٌ ما هم - لا يستطيعون التعبير عن كثيرٍ مما
أُفيض عليهم فضلاً عن تحريره وإقامةِ البرهان عليه، على أنَّ ذلك تأويلٌ لا تفسير،
فلعلَّ السيوطيَّ أراد من عبارته معنّى آخر يظهر لك بالتدبر، فتدبّر.
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٥/١٠ من حديث أنس طلبه، وذكر أن بعض الرواة سمع أحمد
ابن حنبل يذكر هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم عليه السلام، فتوهم أنه ذكره
عن النبي ◌َّر، فوضع هذا الإسناد عليه لسهولته وقربه، وهو عن يزيد بن هارون، عن حميد،
عن أنس. قال أبو نعيم: وهذا الحديث لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد ابن حنبل.
(٢) الإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٨٠ - ١٨١.
(٣) البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ١٨٠. وكتب في هامش الأصل في هذا الموضع: قال
فيه: اعلم أن الله تعالى يجعل للعبد فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعة
أو كبر أو هوى ... إلخ، وهذا الكلام منقول من البرهان.

١٠٧
مقدمة المصنف
وأما التفسير بالرأي: فالشائع المنع عنه، واستدلَّ عليه بما أخرجه أبو داود
والترمذيُّ والنسائيُّ من قوله وَله: ((من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ))(١)
وفي رواية عن أبي داود: ((من قال في القرآن بغير علم، فليتبوَّأ مقعده من النار(٢))
ولا دليل في ذلك.
أما أوَّلاً: فلأنَّ في صحة الحديث الأول مقالاً، قال في ((المدخل)): في صحته
نظر، وإن صحَّ فإنما أراد به - والله تعالى أعلم -: فقد أخطأ الطريقَ، إذ الطريقُ
الرجوع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة، وفي نحو الناسخ والمنسوخ إلى الأخبار،
وفي بيان المراد منه إلى صاحب الشرع، فإن لم يجد هناك وهنا، فلا بأس بالفكرة؛
ليستدلَّ بما ورد على ما لم يرد. أو أراد: من قال بالقرآن قولاً يوافق هواه، بأن
يجعل المذهب أصلاً والتفسيرَ تابعاً له، فيردُّ إليه بأيٍّ وجه، فقد أخطأ، فالباء على
ذلك سببية. أو يقال: ذلك في المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، أو في الجزم بأنَّ
مراد الله تعالى كذا، على القطع من غير دليل.
وأما الحديث الثاني فله معنيان: الأول: من قال في مشكل القرآن بما لا يعلم
فهو متعرِّضٌ لسخط الله تعالى، والثاني - وصُحِّح -: من قال في القرآن قولاً يعلم
أنَّ الحق غيرُه فليتبوَّأ مقعده من النار.
وأما ثانياً: فلأنَّ الأدلَّة على جواز الرأي والاجتهاد في القرآن كثيرةٌ، وهي
تعارض ما يُشعر بالمنع، فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَخْبِطُونَهُ، مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ
عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] وقال تعالى: ﴿كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ،
وَلِسَتَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ﴾ [ص: ٢٩].
وأخرج أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس: ((القرآن ذلولٌ ذو وجوه،
(١) سنن أبي داود (٣٦٥٢)، وسنن الترمذي (٢٩٥٢)، وسنن النسائي الكبرى (٨٠٣٢)، من
حديث جندب بن عبد الله البجلي .
(٢) أخرجه أبو داود في سننه برواية ابن العبد، كما في التحفة ٤/ ٤٢٣، وأخرجه أيضاً الترمذي
(٢٩٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣٠)، وهو من حديث ابن عباس روايته، قال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح.
:

١٠٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
فاحملوه على أحسن وجوهه))(١). وقد دعا رسول الله وَّ ه لابن عباس بقوله: ((اللهم
فقّهه في الدين وعلِّمْه التأويل)»(٢).
وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه سئل: هل خصَّكم رسول الله وَّل بشيء؟
فقال: ما عندنا غيرُ ما في هذه الصحيفة، أو فهمٌ يؤتاه الرجل في كتابه(٣). إلى غير
ذلك مما لا يحصى كثرة.
والعجب كل العجب ممن(٤) يزعم أنَّ علم التفسير مضطرٌّ إلى النقل في فهم
معاني التراكيب، ولم ينظر إلى اختلاف التفاسير وتنوُّعها، ولم يعلم أنَّ ما ورد
عنه بَّر في ذلك كالكبريت الأحمر.
فالذي ينبغي أن يعوَّل عليه أنَّ من كان متبحِّراً في علم اللسان مترقِّياً منه إلى ذوق
العرفان، وله في رياض العلوم الدينية أوفَى مرتع، وفي حياضها أصفى مَكْرَع، يدرك
إعجاز القرآن بالوجدان لا بالتقليد، وقد غدا ذهنه لِمَا أُغلق من دقائق التحقيقات أحسن
إقليد، فذاك يجوز له أن يرتقي من علم التفسير ذروته، ويمتطي منه صهوته، وأما من
صرف عمره بوساوس أرسطاطاليس، واختار شوك القنافذ على ريش الطواويس، فهو
بمعزِلٍ عن فهم غوامض الكتاب، وإدراك ما تضمَّنه من العجب العجاب.
وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على
أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الإيمان
ومحض العرفان، لا أنهم اعتقدوا أنَّ الظاهرَ غيرُ مرادٍ أصلاً وإنما المراد الباطن فقط،
إذ ذاك اعتقادُ الباطنية الملاحدة، توصَّلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية، وحاشی ساداتنا
من ذلك، كيف وقد حضُّوا على حفظ التفسير الظاهر، وقالوا: لا بد منه أوّلاً؛ إذ
لا يُطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادَّعى فهمَ أسرار القرآن قبل
إحكام التفسير الظاهر، فهو كمن ادَّعى البلوغَ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب.
(١) أخرجه الدارقطني (٤٢٧٦)، ولم نقف عليه عند أبي نعيم.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٩٧). وأخرجه البخاري (١٤٣) دون قوله: ((وعلمه التأويل))، وهو عند
مسلم (٢٤٧٧) بلفظ: ((اللهم فقّهه».
(٣) أخرجه أحمد (٥٩٩)، والبخاري (٦٩٠٣).
(٤) في (م): مما.

١٠٩
مقدمة المصنف
ومما يؤيد أنَّ للقرآن ظاهراً وباطناً ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك
عن ابن عباس قال: إنَّ القرآن ذو شجونٍ وفنون، وظهورٍ وبطون، لا تنقضي
عجائبه، ولا تُبلَغ غايته، فمن أوغل فيه برفقٍ نجا، ومن أوغل فيه بعنفٍ هوى،
أخبارٌ وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومحكّم ومتشابه، وظهر وبطن،
فَظَهرُه التلاوة، وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء(١).
وقال ابن مسعود: من أراد علم الأوَّلين والآخرين فلْيَثْلُ القرآن(٢). ومن
المعلوم أن هذا لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر.
وقد قال بعض من يوثق به: لكلِّ آية ستون ألف فهم. وروي عن الحسن قال:
قال رسول الله وَهِ: (لكلِّ آية ظهر وبطن، ولكلِّ حرف حدٍّ، ولكلِّ حدٍّ مَطْلَع))(٣).
قال ابن النقيب(٤): إنَّ ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وباطنها
ما تضمَّنته من الأسرار التي أَطلع الله تعالى عليها أرباب الحقائق.
ومعنى قوله: ((ولكل حرف حدّ»: أنَّ لكل حرف منتهى فيما أراده الله تعالى من
معناه. ومعنى قوله: ((ولكل حد مطلع)): أنَّ لكل غامض من المعاني والأحكام
مطلعاً يتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به، وقيل في رواية: ((لكل آية ظهر
وبطن وحد ومطلع)»(٥).
(١) الدر المنثور ٦/٢، والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وينظر ما سيأتي بعد تعليقين.
(٢) أخرجه أحمد في الزهد ص١٩٦، والطبراني في الكبير (٨٦٦٦)، والبيهقي في شعب
الإيمان (١٩٦٠) بلفظ: فلْيُؤوِّر القرآن، وتثوير القرآن: قراءته ومفاتشة العلماء به في تفسيره
ومعانيه. تهذيب اللغة ١٥/ ١١٠.
(٣) أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (٩٤). وأخرجه عبد الرزاق في
المصنف (٥٩٦٥) عن الحسن قوله. وقد ذكر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور حديث الحسن
وخبر ابن عباس في التحرير والتنوير ٣٤/١، ثم قال: لم يصح ما روي عن النبي { * بَلْهَ
المروي عن ابن عباس، على أن قول ابن عباس: فظهره التلاوة وبطنه التأويل. قد أوضح
مراده - إن صح عنه - بأن الظهر هو اللفظ والبطن هو المعنى.
(٤) هو محمد بن سليمان بن الحسن، أبو عبد الله البلخي الأصل المقدسي الحنفي، وقوله في
الإتقان ٢/ ١٢٢٠. وينظر طبقات المفسرين للداودي ١٤٤/٢.
(٥) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٢/٨ عن ابن مسعود ظ له مرفوعاً بنحوه.

١١٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
والمذكور بوساطة الألفاظ وتأليفاتها وضعاً وإفادة، وجعلها طرقاً إلى استنباط
الأحكام الخمسة هو الظهرُ، وروحُ الألفاظ - أعني الكلام المعتلي عن المدارك
الآلية بجواهر الروح القدسية - هو البطن، وإليه الإشارة بقول الأمير السابق.
والحدُّ إما بين الظهر والبطن يرتقى منه إليه، وهو المدرك بالجمعية من
الجمعية، وإما بين البطن والمطلع، فالمطلع مكان الاطلاع من الكلام النفسي إلى
الاسم المتكلم المشار إليه بقول الصادق(١): لقد تجلَّى الله تعالى في كتابه لعباده
ولكن لا يبصرون. والحدُّ بينهما يرتقى به من البطن إليه عند إدراك الرابطة بين الصفة
والاسم، واستهلاك صفة العبد تحت تجلّيات أنوار صفة المتكلم تعالى شأنه.
وقيل: الظهر التفسير والبطن التأويل، والحد ما تتناهى إليه الفهوم من معنى
الكلام، والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام. انتهى.
فلا ينبغي لِمَن له أدنى مُسكةٍ من عقل، بل أدنى ذرّةٍ من إيمان، أن ينكر
اشتمال القرآن على بواطن يفيضها المبدأ الفياض على بواطن من شاء من عباده،
ويا ليت شعري ماذا يصنع المنكِر بقوله تعالى: ﴿وَتَّفْصِيلًاً لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾
[الأنعام: ١٥٤]، وقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطَنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَْ﴾ [الأنعام: ٣٨]؟
ويالله تعالى العجب، كيف يقول باحتمال ديوان المتنبي وأبياته المعاني
الكثيرة، ولا يقول باشتمال قرآن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآياته - وهو كلام
رب العالمين المنزل على خاتم المرسلين - على ما شاء الله تعالى من المعاني
المحتجبة وراء سرادقات تلك المباني؟! ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، بل
ما من حادثةٍ تُرسَمُ بقلم القضاء في لوح الزمان، إلا وفي القرآن العظيم إشارةٌ
إليها، فهو المشتمل على خفايا الملك والملكوت، وخبايا قدس الجبروت(٢).
وقد ذكر ابن خلِّكان في ((تاريخه)) أنَّ السلطان صلاح الدين لما فتح مدينة حلب
أنشد القاضي محيي الدين قصيدةً بائية أجاد فيها كلَّ الإجادة، وكان من جملتها :
وَفَتْحُكَ القلعةَ الشَّهباءَ في صَفَرٍ مُبِشِّرٌ بفتوحِ القُدْسِ في رَجَبٍ
(١) هو جعفر بن محمد الصادق، وقوله في تفسير ابن عربي ٢٤/١.
(٢) ينظر ما سلف في مقدمتنا لهذا الكتاب عند الكلام عن التفسير الإشاري.

١١١
مقدمة المصنف
فكان كما قال، فسئل القاضي: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن
برجان(١) في قوله تعالى: ﴿الّ ◌َ غُلِبَتِ الزُّومُ فِّ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدٍ
غَلِهِمْ سَيَغْلِبُونَ جَ فيِ يِضْعِ سِنِينٌ﴾ [الروم: ١-٤] قال المؤرِّخ: فلم أزل أتطلب
التفسير المذكور حتى وجدته على هذه الصورة، وذكّر له حساباً طويلاً وطريقاً في
استخراجه(٢).
وله نظائر كثيرة، ومن المشهور استنباط ابن الكمال فتحَ مصر على يد السلطان
سليم من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
فالإنصاف كلُّ الإنصاف التسليمُ للسادة الصوفية - الذين هم مركزٌ للدائرة
المحمدية - ما هم عليه، واتِّهام ذهنك السقيم فيما لم يصل لكثرة العوائق والعلائق
إليه .
وإذا لَمْ تَرَ الهلالَ فَسلِّمْ لُأناسٍ رأوه بالَأَبْصَارِ
وسيأتي تتمة لهذا البحث إن شاء الله تعالى، والله الهادي إلى سواء السبيل.
الفائدة الثالثة
اعلم أنَّ لكتاب الله تعالى أسماء أنهاها شَيذَلة(٣) في البرهان(٤) إلى خمسة وخمسين
اسماً، وذكر السيوطيُّ بعد عدِّها في الإتقان(٥) وجوه تسميته بها، ولم يذكر غير ذلك.
(١) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال، أبو الحكم اللخمي الإفريقي، ثم الإشبيلي،
الصوفي، المتوفى سنة (٥٣٦هـ). طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٠٠.
(٢) وفيات الأعيان ٢٢٩/٤ - ٢٣٠. ولكن ابن خلكان قد قال كلاماً يشكك فيه بقول ابن برجان، وفي
كونه قد قاله أصلاً، فإنه بعد قوله: حتى وجدته على هذه الصورة، قال: لكن كان هذا الفصل
مكتوباً في الحاشية بخطّ غير الأصل، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق به؟ وذكر
له حساباً طويلاً وطريقاً في استخراج ذلك حتى حرره من قوله: ﴿فِ يِضْعِ سِنِينٌ﴾. اهـ.
(٣) هو عُزيزي بن الملك بن منصور، أبو المعالي الواعظ، له تصانيف كثيرة، توفي سنة
(٤٩٤ هـ). طبقات الشافعية ٢٣٥/٥.
(٤) ١/ ٢٧٣ وما بعدها.
(٥) ١٥٩/١.

١١٢
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وعندي أنها كلُّها ترجع بعد التأمل الصادق إلى القرآن والفرقان، رجوعٌ
أسماء الله تعالى إلى صفتي الجمال والجلال، فهما الأصل فيها .
وقد اختلف الناس في تحقيق لفظ القرآن، فالمرويُّ عن الشافعي وبه قال
جماعة: أنه اسم علم غيرُ مشتقٌّ خاصٌّ بهذا الكلام المنَزَّل على النبيِّ المرسل ◌َّ،
وهو معرفٌ غير مهموز عنده، كما حكاه عنه البيهقيُّ والخطيب وغيرهما .
والمنقول عن الأشعري وأقوام: أنه مشتقٌّ من قرنتُ الشيء بالشيء: إذا ضممته
إليه، وسُمِّي به عندهم لقِران السور والآيات والحروف فيه بعضها ببعض.
وقال الفرَّاء(١): هو مشتقٌّ من القرائن، لأنَّ الآيات فيه يصدِّق بعضها بعضاً،
ويشبه بعضها بعضاً. وهو على هذين القولين بلا همزٍ أيضاً، ونونه أصلية.
وقال الزجَّاج(٢): هذا القول غلط، والصواب أنَّ ترك الهمزة فيه من باب
التخفيف، ونقْلٍ حركتها إلى ما قبلها. فهو عنده وصفٌ مهموز على فعلان، مشتقٌّ
من القَرْء بمعنى الجمع، ومنه قرأتُ الماء في الحوض: إذا جمعته. وسُمِّي به لأنه
جَمَع السور كما قال أبو عبيدة(٣)، أو ثمرات الكتب السالفة كما قال الراغب(٤)،
أو لأنَّ القارئ يُظهره مِن فيه، أخذاً من قولهم: ما قرأتِ الناقة سلّى قطّ (٥)،
كما حكي عن قطرب.
وعند اللِّحيانيّ(٦) وجماعة: هو مصدر، كالغفران، سُمِّي به المقروء تسميةً
المفعول بالمصدر.
(١) يحيى بن زياد بن عبد الله الأسدي مولاهم، الكوفي النحوي صاحب الكسائي، أبو زكريا،
له: معاني القرآن، والبهي، وغيرهما، توفي سنة (٢٠٧هـ). السير ١١٨/١٠.
(٢) إبراهيم بن محمد بن السَّرِيِّ البغدادي، أبو إسحاق، تلميذ المبرِّد، له: معاني القرآن،
والفرس، والاشتقاق، وغيرها، توفي سنة (٣١١هـ). السير ٣٦٠/١٤.
(٣) في مجاز القرآن ١/ ١.
(٤) في مفردات ألفاظ القرآن ص٦٦٩ .
(٥) أي: ما رمَتَ بولد، أي: ما أسقطت ولداً، أي: ما حملت قط. الإتقان ١٦٢/١، وعنه
نقل المصنف هذه الأقوال.
(٦) هو أبو الحسن علي بن المبارك، أخذ عن الكسائي وأبي زيد والأصمعي وغيرهم، وأخذ
عنه القاسم بن سلام، له: النوادر المشهورة. بغية الوعاة ١٨٥/٢.

١١٣
مقدمة المصنف
قال السيوطي: قلت: والمختار عندي في هذه المسألة ما نصَّ عليه
الشافعي ژه. انتهى(١).
وأنا متبرِّئ من حولي أقول: قولُ الزجَّاج أرقُّ من وجه؛ إذ الشائع فيه الهمز، وبه
قرأ السبعة ما عدا ابن كثير، وقد وجَّه إسقاطها بما مرَّ آنفاً، ولم يوجّه إثباتها، وكأنَّ
قولَ السيوطيّ محضُ تقليدٍ لإمام مذهبه، حيث لم يذكر الدليل ولم يوضّحِ السبيل.
وعندي أنه في الأصل وصفٌ أو مصدرٌ كما قال الزجَّاج واللِّحياني، لكنه نُقل وجعل
علماً شخصيّاً، كما ذهب إليه الشافعي ومحقِّقو الأصوليين، وعليه لا يُعرَّف القرآن؛
لأنَّ التعريف لا يكون إلا للحقائق الكلية، ولعلَّ من عرَّفه بالكلام المنَزَّل للإعجاز
بسورةٍ منه، أراد تصوير مفهوم لفظ القرآن. وكذا من قال - كالغزالي -: أنه ما نُقل بين
دُقَّتي المصحف تواتراً(٢)، أراد تخصيص الاسم بأحد الأقسام الثلاثة مما نقل بين
الدُّفَّتين ومما لم ينقل، كالمنسوخ تلاوته نحو: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة، وما نقل ولم يتواتر نحو: ثلاثة أيام متابعات، ليُعلم أنَّ ذلك هو الدليل وعليه
الأحكام؛ من نحو منع التلاوة والمسِّ محدِثاً. وإلا فيَرِدُ على الأول إن أريد التمييز:
أنَّ كونه للإعجاز ليس لازماً بيِّناً، إذ لا يعرفه إلا الأفراد من العلماء، فضلاً عن أن
يكون ذاتيًّا، فكيف يصحُّ لتعريف الحقيقة وتمييزها، وهو إنما يكون بالذَّاتيات أو
باللوازم البيّنة، وأيضاً أنَّ معرفة السورة منه متوقِّفةٌ على معرفته، فیدور.
ويَرِدُ على الثاني مثل ثاني ما ورد على الأول؛ إذ معرفة المصحف موقوفةٌ على
معرفة القرآن؛ إذ ليس هو إلا ما كتب فيه القرآن، فأخذه في تعريفه دورٌ أيضاً.
هذا وقد قال ساداتنا الصوفية أفاض الله تعالى علينا من فتوحاتهم القدسية: إنَّ القرآن
إشارةٌ إلى الذات التي يضمحلُ بها جميع الصفات، فهي المجلِّي المسمَّى بالأحديَّة،
أنزلها الحقُّ تعالی شأنه علی نبیه محمد ژ# لیکون مشهد الأحدیة من الأكوان، ومعنى
هذا الإنزال: أنَّ الحقيقة الأحدية المتعالية في ذُراها ظهرت فيه ێ بكمالها، وما ادُّخر
عنه شيءٌ، بل أُفيض عليه الكلُّ كرماً إلهيًّا ذاتيًّا، ووصف القرآن في بعض الآيات بالكريم
لذلك، إذ أيُّ كرمٍ يُضاهي هذا الكرم، وأنَّى تقاسُ هذه النعمة بسائر النعم.
(١) الإتقان ٥٠/١-٥١.
(٢) ينظر المستصفى ١/ ١٠١.

١١٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وأما القرآن الحكيم فهوية الحقائق الإلهية، يعرج العبد بالتحقق بها في الذات
شيئاً فشيئاً على ما اقتضته الحكمة، وإلى ذلك أشار الحقُّ تعالى بقوله: ﴿ وَرَتَّلْتَهُ
تَّرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢] وهذا الحكم لا ينقطع أبداً؛ إذ لا يزال العبد في ترقّ، والحقُّ
في تجلِّ، فسبحان من لا تُقَيِّدهُ الأكوان، وهو كلّ يوم في شان.
وأما القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيَتَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾
[الحجر: ٨٧] فهو إشارةٌ إلى الجملة الذاتية، لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة،
بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي في مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب
والصفات والشؤون والاعتبارات، ولهذا قُرِنَ بالعظيم.
وأما السبع المثاني: فهو ما ظهر عليه في وجوده من التحقق بالصفات السبع.
وأما قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ جَ عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: ١-٢] فهو إشارة إلى أنَّ
العبد إذا تجلّى عليه الرحمن، وجد لذَّةً رحمانية تكسبه معرفةً قرآنية، فلا يعلم الحقَّ
إلا من طريق أسمائه وصفاته.
وأما الفرقان عندهم؛ فإشارةٌ إلى حقيقة الأسماء والصفات على اختلاف
تنوُّعاتها، فباعتباراتها تتميز كلُّ صفة واسم من غيرها، فحصل الفرق في نفس الحقِّ
من حيث أسماؤه وصفاته، فإنَّ اسمه المنعم غير اسمه المنتقم، وصفة الرضا غير صفة
الغضب، وإليه الإشارة بقوله: ((سبقت رحمتي غضبي)) (١)، وهي متفاوتةُ المراتب في
الفضل نظراً إلى أعيانها، لا باعتبار أنَّ في شيءٍ منها نقصاً أو مفضولية، ولهذا حكمت
بعضها على بعض، كما يشير إليه قوله وَله: ((أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ
برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك»(٢). فكانت المعافاة أفضلَ
من العقوبة، والرضا أفضل من السخط، فأعاذه بالفاضل مما يليه، وكذا أعاذه بذاته
من ذاته، فكما أنَّ الفرق حاصلٌ في الأفعال، كذلك في الصفات، بل في نفسٍ
واحديَّةِ الذات التي لا فرق فيها، لكن من غريب شؤونها جمعها النقيضين.
قال أبو سعيد: عرفت الله تعالى بجمعه بين الضدَّین.
(١) أخرجه أحمد (٧٥٠٠)، والبخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١)، من حديث أبي هريرة ـ
.
(٢) أخرجه أحمد (٧٥١)، وأبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦) وحسنه، وهو من حديث
علي

١١٥
مقدمة المصنف
ولكونه وَ ﴿ مظهراً للقرآن والفرقان كان خاتم النبيين، وإمام المرسلين؛ لأنه
ما ترك شيئاً يُحتاج إليه إلا وقد جاء به، فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمال شيئاً
مما ينبغي أن ينبَّه عليه؛ قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطَّنَا فِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨]،
وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْتَهُ تَّفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد يقال: القرآن والفرقان إشارتان إلى مقام الجمع والفرق بأقسامهما. قالوا :
ولا بدَّ للعبد الكامل منهما، فإنَّ من لا تفرقة له لا عبودية له، ومن لا جمع له
لا معرفة له .
والجمع عندهم: شهود الأشياء بالله تعالى، والتبرِّي من الحول والقوة إلا بالله،
وجمع الجمع: الاستهلاك بالكلية، والفناء عما سوى الله تعالى، وهو المرتبة
الأحديَّة(١).
والفرق أنواع: فرق أول: وهو الاحتجاب بالخلق عن الحق وبقاء رسوم الخليقة
بحالها. وفرق ثان: وهو شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة
في الوحدة، من غير احتجاب إحداهما عن الأخرى. وفرق الوصف: وهو ظهور
الذات الأحدية بأوصافها في الحضرة الواحدية. وفرق الجمع: وهو تكثُّر الواحد
بظهوره في المراتب التي هي ظهور شؤون الذات الأحدية، وتلك الشؤون في الحقيقة
اعتباراتٌ محضة لا تَحقُّقَ لها إلا عند بروز الواحد بصورها .
وكثيراً ما يطلقون القرآن على العلم اللَّدني الإجمالي الجامع للحقائق كلِّها،
والفرقان على العلم التفصيلي الفارق بين الحق والباطل(٢). وكتابُ الله تعالى جامع
لذلك كلِّه كما لا يخفى على أهله.
وذكر الشيخ الأكبر (٣) قُدِّس سرّه: أنَّ القرآنَ يتضمَّن الفرقان، والفرقان لا يتضمَّن
القرآن؛ لأن تفاصيل المراتب والأسماء المقتضية لها، موجودةٌ في الجمع، والجمعُ
لا يوجد في التفاصيل، ولهذا ما اختُصَّ بالقرآن إلا محمد ◌َّر، فليفهم. ونسأل الله
تعالى أن يلهمنا رشدنا ويزيلَ بعلمه جهلنا، إنه على ما يشاء قدير.
(١) التعريفات ص ١٠٥ .
(٢) التعريفات ص٢١٣ و٢٢٣.
(٣) هو محيي الدين بن عربي.

١١٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
الفائدة الرابعة:
في تحقيق معنى أنَّ القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق:
اعلم أنَّ هذه المسألة من أمَّهات المسائل الدينية والمباحث الكلامية، كم زَلَّتْ
فيها أقدامٌ، وضلَّتْ عن الحقِّ بها أقوام، وهي وإن كانت مشروحة في كتب
المتقدِّمين، مبسوطة في زُبُر المتأخِّرين، لكنِّي بحَوْلِ مَنْ عزَّ حولُه وفضلٍ من غمرنا
فضلُه، أُوردها في هذا الكتاب ليتذكَّر أولو الألباب، بأسلوبٍ عجيب، وتحقيقٍ
غريب، لا أظنك شَنَّفْتَ سمعك بمثل لآليه، ولا نؤَّرتَ بصرك بشبه بدر لياليه، فماءٌ
ولا كصدَّاء(١) ومرعَى ولا كالسَّعدان(٢):
ولا كُلُّ كُخْلٍ لِلنَّواظِرِ إِثْمِدُ(٣)
ومَاَ كُلُّ زَهْرٍ ينبتُ الرَّوضُ طيِّبٌ
فأقول: إنَّ الإنسان له كلام بمعنى التكلَّم الذي هو مصدر، وكلامٌ بمعنى
المتكلّم به، الذي هو الحاصل بالمصدر. ولفظ الكلام موضوعٌ لغةً للثاني، قليلاً
كان أو كثيراً، حقيقةً كان أو حكماً. وقد يستعمل استعمال المصدر كما ذكره
الرَّضي (٤). وكلٌّ من المعنيين إما لفظيٍّ أو نفسيّ:
فالأول من اللفظي: فعل الإنسان باللسان وما يساعده من المخارج. والثاني
منه: كيفيةٌ في الصوت المحسوس.
والأول من النفسي: فعلُ قلبٍ الإنسان ونفسِه الذي لم يبرز إلى الجوارح.
والثاني: كيفيةٌ في النفس، إذ لا صوت محسوساً عادة فيها، وإنما هو صوتٌ
معنوي مخيّل.
أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق. وأما النفسي فمعناه الأول: تكلُّم
الإنسان بكلماتٍ ذهنية وألفاظ مخيَّلة يرتِّبها في الذهن على وجهٍ إذا تلفَّظ بها بصوتٍ
(١) صداء: ركيَّة لم يكن عندهم ماء أعذب منها. مجمع الأمثال ٢/ ٢٧٧.
(٢) السعدان: نبت من أفضل مراعي الإبل، ويضرب مثلاً للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله.
مجمع الأمثال ٢٧٥/٢-٢٧٦، والقاموس (سعد).
(٣) الإثمد: ضرب من الكحل، وقيل: هو الكحل نفسه. اللسان (ثمد).
(٤) رضي الدين محمد بن الحسن الأَسْتَراباذي، وكلامه في شرحه على الكافية ٢١/١.

١١٧
مقدمة المصنف
محسوسٍ كانت عينَ كلماته اللفظية، ومعناه الثاني: هو هذه الكلمات الذهنية
والألفاظ المخيلة، المرتبةُ ترتيباً ذهنياً منطبقاً عليه الترتيب الخارجي.
والدليل على أنَّ للنفس كلاماً بالمعنيين الكتابُ والسنَّة؛ فمن الآيات قوله
تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ﴾ [يوسف: ٧٧] فإنَّ
((قال)) بدلٌ من ((أسرّ)) أو استئناف بيانيٌّ، كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في ذلك
الإسرار؟ فقيل: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَّكَانٌ﴾. وعلى التقديرين فالآية دالَّةٌ على أنَّ
للنفس كلاماً بالمعنى المصدري، وقولاً بالمعنى الحاصل بالمصدر، وذلك من
((أسر)) والجملة بعدها.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَهُمَّ بَلَ﴾ [الزخرف: ٨٠] وفسَّر
النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم السِّرَّ بما أسرَّه ابنُ آدم في نفسه(١). وقوله تعالى:
﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وقوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِىّ أَنْفُسِهِم مَّا لَا
يُبْدُونَ لَكّ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي:
يقولون في أنفسهم، كما هو الأسرع انسياقاً إلى الذهن، والآيات في ذلك كثيرة.
ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله تَظله وقد
سأله رجل فقال: إني لُأحدِّث نفسي بالشيء، لو تكلَّمتُ به لأحبطتُ أجري.
فقال: ((لا يلقى ذلك الكلامَ إلا مؤمن))(٢). فسمى وَّر ذلك الشيءَ المحدَّث به
كلاماً، مع أنه كلمات ذهنية. والأصل في الإطلاق الحقيقةُ ولا صارف عنها.
وقوله تعالى في الحديث القدسي: ((أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا
ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) الحديث(٣). وفيه دليلٌ على أنَّ
للعبد كلاماً نفسيًّا بالمعنيين، وللربِّ أيضاً كلاماً نفسيًّا كذلك، ولكن أين التراب من
رب الأرباب.
(١) لم نقف عليه مرفوعاً، وأخرجه الطبري ١٣/١٦-١٤، والبيهقي في الأسماء والصفات
(٧٣) عن ابن عباس موقوفاً، في تفسير قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ التِزَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
(٢) المعجم الصغير (٣٥٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٤/١: في إسناده سيف بن عميرة،
قال الأزدي: يتكلمون فيه.
(٣) أخرجه أحمد (٧٤٢٢)، والبخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة طلبه.

١١٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
فالمعنى الأول للحقِّ تعالى شأنه صفة أزليَّة منافية للآفة الباطنية التي هي بمنزلة
الخرس في التكلَّم الإنساني اللفظي، ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلاً،
وهي واحدةٌ بالذات تتعدَّد تعلُّقاتها بحسب تعدد المتكلّم به. وحاصل الحديث: مَن
تعلَّق تكلُّمه بذكر اسمي، تعلَّق تكلمي بذكر اسمه، والتعلُّقُ من الأمور النسبيّة التي
لا يضرُّ تجدُّدها، وحدوث المتعلِّق إنما يلزم في التعلُّق التنجيزيِّ ولا ننكره،
وأما التعلُّق المعنويُّ التقديريُّ ومتعلّقه، فأزليَّان، ومنه ينكشف وجه صحة نسبة
السكوت عن أشياءً رحمةً غيرَ نسيان، كما في الحديث(١)؛ إذ معناه أنَّ تكلُّمه
الأزليَّ لم يتعلَّق ببيانها مع تحقُّق اتِّصافه أزلاً بالتكلُّم النفسي، وعدم هذا التعلُّق
الخاص لا يستدعي انتفاء الكلام الأزليِّ كما لا يخفى.
والمعنى الثاني له تعالى شأنه كلماتٌ غيبيةٌ، وهي ألفاظٌ حُكميةٌ مجردةٌ عن
المواد مطلقاً، نسبيةً كانت أو خيالية أو روحانية، وتلك الكلمات أزليَّة مترتبة من
غير تعاقب في الوضع الغَيْبِي العلمي لا في الزمان، إذ لا زمان، والتعاقب بين
الأشياء من توابع كونها زمانية، ويقرِّبهُ من بعض الوجوه وقوعُ البصر على سطور
الصفحة المشتملة على كلمات مرتَّبة في الوضع الكتابي دفعة، فهي مع كونها مترتبة
لا تَعاقُبَ في ظهورها، فجميع معلومات الله الذي هو نور السماوات والأرض
مكشوفة له أزلاً، كما هي مكشوفةٌ له فيما لا يزال.
ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة ترثُّباً وضعيًّا أزليًّا يقدَّرُ بينها التعاقبُ
فيما لا يزال، والقرآن كلام الله تعالى المنزَّل بهذا المعنى، فهو كلمات غيبيةٌ مجردةٌ
عن المواد، مترتِّبةٌ في علمه أزلاً، غيرُ متعاقبةٍ تحقيقاً بل تقديراً عند تلاوة الألسنة
الكونية الزمانية، ومعنى تنزيلها إظهارُ صورها في المواد الروحانية والخيالية
والحسِّيَّة من الألفاظ المسموعة والذهنية والمكتوبة.
ومن هنا قال السنّيُّون: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في
المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مسموع بالآذان، غير حالٍّ في شيءٍ
منها، وهو في جميع هذه المراتب قرآنٌ حقيقة شرعية، معلوم من الدين بالضرورة.
(١) أخرجه الدارقطني (٤٣٩٦) من حديث أبي ثعلبة الخشني ظه، و (٤٨١٤) من حديث
أبي الدرداء فـ