Indexed OCR Text
Pages 1-20
نُوَةُ الْخُانى في تفي القرآن العَظِيمُ والِسُنْ المَثَانِى تأليف شِهَابُ الدِّنْ أَبِيُّ الثّناء ◌َجٌ مُودَيْن عَبِّدُ اللَّه الآلوسيْ الْبَعْدَادِيّ (١٢١٧ - ١٢٧٠هـ) حقّقَ هَذَّا الجزء يَاهِرْجَ بُوشٌ سَاهُمْ في تحقيقه حيثم حَاتُ عَبْدُ الحَيَالِيُ المجلد الأول مؤسسة الرسالة 一 -3 一 تُرفعُ المَعَانِى في تَفِي القرآن العَظِيْ والسُّنْ المَان (١) جَمِيعُ الحقوق محفوظَة لِلَّاثِرْ الطّبعة الأولىْ ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م : بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان مؤسسة الرسالة للطبَاعَة وَالنََّرَ وَالتّوزيع Al-Resalak Publishing House BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460 Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com ١ تقديم كلية الإمام الأعظم الحمدُ للهِ الذي أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة، وهدانا بالاستبصار به من الوقوع في عماية الضلالة، ونصب لنا من شريعة محمدٍ ي طر أعلى علم وأوضح دلالة، وكان ذلك من أفضل ما منَّ بهِ من النِّعَمِ الجزيلة والمنح الجليلة وأَناله. وبعد، فلم يكن تفسير الآلوسي (روح المعاني) مغموراً بين التفاسير؛ إذ لا يخالجُنا شك في أنّ هذا التفسير يُعَدُّ من أوسع التفاسير المتأخرة، وأكثرها شمولاً وإحاطة، ففيه لُقطّ نفيسة ودرر ثمينة التقطها من التفاسير التي سبقته، وزاد عليها لآلئ ناصعة، وزيَّنها بشذرات فريدة انتقاها من بحور العلم والمعرفة. ووفاء لهذا العالم البغداديّ الجليل الذي ذاع صيته وطبَّقت شهرته الآفاق، أخذت كلية الإمام الأعظم في بغداد المحروسة على عاتقها تحقيق هذا التفسير تحقيقاً علمياً؛ فما أن عُرضت الفكرة على طلبة الدراسات العليا حتى امتلأت أنفسهم رغبة في تحقيقه. وبعد أن تمَّ تحقيق هذا السفر العظيم من طلبة الكلية النجباء حرصت الكلية والقائمون عليها آنذاك كلَّ الحرص على طبعه ونشره، بيد أنَّ الظروف العصيبة التي مرّت على بلدنا الصابر العزيز حالت دون تحقيق هذه الرغبة، وكان غزو العراق واحتلاله من القوات الأمريكية ومَن ساندها أكبر عقبة كؤود في طريق تحقيق هذا المطلب النبيل، وبعد تولي الأستاذ الدكتور عدنان محمد سلمان الدليمي رئاسة ديوان الوقف السني عرضنا عليه فكرة طبع هذا التفسير ونشره، فأبدى ارتياحاً كبيراً، ووافق على هذا المشروع الكبير، ولكن بسبب الضائقة المالية التي مرَّت بها البلاد خوّلَنا التعاقد مع إحدى دور النشر لهذا الشأن، بعد الحصول على موافقة الطلاب الذين قاموا بتحقيقه. ب روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني وتمَّ بعون الله تعالى وفضله التعاقد مع مؤسسة الرسالة ممثَّةً بصاحبها الأستاذ الفاضل رضوان دعبول، الذي أبدى رغبة كبيرة، وهمة عالية، وعزماً وثَّاباً على تحقيق هذا المشروع الكبير. وجدير بنا أن نذكر أنّ الطلبة الأعزاء وعلى الرغم من أنهم قد وضعوا جلَّ طاقاتهم وأحاسيسهم في خدمة هذا السفر العظيم لم يصلوا به إلى مستوى الطموح من التحقيق العلمي الذي يتناسب ومكانة هذا التفسير، فالكمال لله وحده. ولهذا ارتأت المؤسسة أن تعرض هذا التحقيق على لجنة علمية متخصصة لديها . وبعد الاطلاع على الأجزاء المحققة وجدوا أنها بحاجةٍ إلى إعادة تقويم ومراجعة. وحريّ بنا أن نشير إلى أنّ أعضاء هذه اللجنة قاموا مشكورين طوال أكثر من سنتين بتقويم التحقيق ومراجعته، وبذلوا كلَّ ما في وسعهم، وحشدوا طاقتهم العلمية لإخراج التفسير بالمستوى العلمي الرَّصين. لكن إخراج هذا التفسير ونشره قد تأخّر لالتزام المؤسسة بالدقة العلمية التي عُرفت بها، وعندما عرضنا هذا الأمر على السيد رئيس ديوان الوقف السّني الحالي الدكتور أحمد عبد الغفور السامرائي لم يتوانَ في دعمه مادياً ومعنوياً، والحرص على نشره. فأوعز بتنفيذ المشروع لكي يرى النور، وليضع أمام عشاق الرواية والدراية ما جادت به قريحة هذا الإمام المربي الغيور. فلم تمض إلا أيام معدودات حتى اتصلنا بالقائمين على المؤسسة التي كانت تتطلع إلى تحقيق هذه الخطوة المباركة، فيسر الله تعالى إنجاز ما سعينا إليه. فهاكه - يا أخا العروبة والإسلام - مصدراً معرفياً ثرًّا تشرئب إليه الأعناق، وتستقبله الأمة قادماً من العراق. فادع الله العلي القدير لهذا البلد الجريح أن يستعيد عافيته ويتبوَّأ من المجد الحضاري ناصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وسلم تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. أ.م.د. مكي حسين حمدان الكبيسي معاون عميد كلية الإمام الأعظم للشؤون العلمية والدراسات العليا أ.د. خليل إبراهيم حمودي السامرائي عميد كلية الإمام الأعظم مقدمة التحقيق الحمد لله الذي روَّحَ الأرواحَ بمعاني كتابِهِ المجيد، ونوَّرَ القلوبَ بأنوار عقيدةِ التوحید، وأسعد النفوس بأحكام دينه الحمید، الذي أرسل رسوله بالهدی ودین الحق، وجعله مبيّناً في الشريعة لكل ما جلَّ ودقّ، وأيَّده بالبيّنات والحُجج، وأنزل عليه كتاباً غيرَ ذي عِوَج، مصدِّقاً لما بين يديه من الكتاب، لِيَذَّبَّروا آياتِه وليتذكَّر أولو الألباب، الذي أفحم بإعجازه كلَّ مِصْقَعٍ من مَهَرة مُضَرَ وقحطان، وبَّت بحجته كلَّ مُفْلِقٍ من أهل البيان، مَن اهتدى بنوره فأولئك هم الفائزون، ومَن ضلَّ عنه فهم في الدنيا تائهون، وفي الآخرة إلى جهنم منقلبون. والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، ورضي الله عن العلماء العاملين، الذين تمسكوا بحبل الله المتين، وبذلوا في سبيل دينه كلَّ غالٍ وثمين، حتى أوصلوه إلينا نقيًّا من الشوائب خالياً من أي انحراف، وبلَّغوه كما أنزله الله على رسوله عليه الصلاة والسلام. أما بعد، فلا يزال القرآن الكريم بحراً زاخراً بأنواع العلوم والمعارف، وما برح المؤمنون قرناً بعد قرنٍ وجيلًا إثر جيل ينهلون من معينه الصافي الذي حفظه الله من أيِّ تغييرٍ أو تحريف، وما انفكّ العلماء إلى أن يرفع الله العلم يأتون منه بكلِ جديد، فهو الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه، ولا يخلقُ على كثرة الردّ. ولا يزال يظهر في كلِّ عصر علماءُ كبارٌ يحملون هذا الكتاب العظيم، ويذبُّون عنه بسیف الحق ولسان الصدق حقد الحاقدين ومکر الماکرین، ویکشفون بما أعطاهم الله من علم وحجةٍ افتراءَ المفترين، وتزييفَ الضُّلَّال والمنحرفين، ويبيِّنون بما أنار الله به قلوبهم أسراره ودقائقه، ويُجَلُّون بما جلَّى الله به عن بصائرهم بيانَه ٦ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني وإعجازه، وقد يُبيِّنُ الله عز وجل على يد الخَلَف منهم ما لم يَتبيَّنْه السلف، وقد يُظهر سبحانه من معانيه بقلم المتأخِّرين ما خفي على المتقدمين. وما من شكِّ أن من هؤلاء المتأخِّرين العلّامةَ خاتمة المحققين أبا الثناء محمود بن عبد الله الآلوسي، فتفسيره هذا المسمى ((روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني)) هو من خير التفاسير وأوفاها وأجمعِها، جمع فيه خلاصة التفاسير التي سبقته فضلاً عما كتب على بعضها من حواش، مع استدراكات قيِّمةٍ وتعقُّباتٍ دقيقة لمن سبقه من العلماء، كما اشتمل على مباحث مهمة يصل بعضها - لو أفرد - إلى رسائل صغيرة. ومن أبرز سمات هذا التفسير اهتمامه الواسع بالعربية لغة ونحواً وصرفاً وبلاغة وتوجيهاً للقراءات، وإكثاره من مسائل النحو والإعراب والتخريجات والأقوال والاختلافات، مع إبرازه لدقائق وخفايا معاني الآيات، وإظهاره ما فيها من بيان وإعجاز ودلالات وإشارات، وغير ذلك مما لم يجمعه كتاب. منهج الألوسي في تفسيره: لقد انتهج الآلوسي رحمه الله في تفسيره منهج المحققين المدقِّقين من العلماء وأهل التفسير، هذا المنهج الذي سار عليه المتأخرون من أهل هذا الفن، والذي يقوم على تبيين الوجوه البلاغية في الآيات، وإبراز مظاهر الإعجاز فيها، وقد أشار لهذا المنهج أبو السعود رحمه الله في مقدمة تفسيره، وميَّز بين منهجين من مناهج أئمة التفسير : أما الأول: فهو منهج المتقدِّمين المحقّقين الذين اقتصروا - كما قال - على تمهيد المعاني، وتشييد المباني، وتبيين المرام، وترتيب الأحكام حسبما بلغهم من سيد الأنام عليه الصلاة والسلام. وأما الثاني: فهو منهج المتأخرين المدققين الذين رامُوا مع هذا إظهارَ مزاياه الرائقة، وإبداء خفاياه الفائقة، ليعاين الناس دلائل إعجازه، ويشاهدوا شواهد فضله وامتیازه عن سائر الكتب. وذكر أن هذه الطريقة في التفسير كانت أبرز ما يكون في ((الكشاف)) للزمخشري ٧ مقدمة التحقيق و((أنوار التنزيل)) للبيضاوي؛ فإن كلَّا منهما - كما قال - قد أحرز قصب السبق أيَّ إحراز، كأنه مرآة لاجتلاء وجه الإعجاز. اهـ. وقد اعتمد الآلوسي في جانب كبير من تفسيره على هذين الكتابين مع حواشيهما، إضافة إلى تفسير أبي السعود الذي انتهج فيه مؤلفه طريقتهما، حيث ذكر في مقدمة تفسيره أنه كان يدور في خَلَده على الدوام أن يكتب تفسيراً ينظم فيه درر فوائدهما، ويرتب فيه غرر فرائدهما، ويضيف إلى ذلك ما ألفاه في تضاعيف الكتب الفاخرة من جواهر الحقائق. وطريقته العامة في التفسير أنه يبدأ في تفسير كلِّ سورة بذكر المكي والمدني، ثم يذكر عدد آياتها، ثم يتكلم عن وجه ارتباطها بالسورة التي قبلها، ثم يبدأ بتفسير الآيات كلمة كلمة، وجملة جملة، مقدِّماً ما يرتضيه ويرجِّحه من معانيها، ثم يسرد ما قيل فيها من أقوال غير ما ذكره أولًا مستعملاً في ذلك سيغاً مختلفة لعرض تلك الأقوال، فيقول مثلًا: وقال بعض المحققين، أو قال فلان، أو أجاز بعضهم، أو وأجاز فلان، وذهب بعضهم إلى كذا، ونَظَر فيه فلان، وتَكلَّف فلان في توجيه الآية فقال، وتُعقّب، أو وتعقّبه فلان، أو بعضهم، وادّعى فلان، وجوِّز، وقيل، إلى غير ذلك من كلمات وعبارات ينطوي بعضها على التضعيف. وهو في ذلك كلِّه غالباً ما يؤيد، أو يعارض، أو يضعِّف، أو يستشكل، أو يرجّح، أو يحسِّن، أو يستبعد. وقد يكتفي لردِّ قول أو تضعيفه بذكر عبارة تؤدي هذا المعنى، كقوله: وهو كما تَرى، وفيه بُعْدٌ، وفيه نَظَر، وفيه خفاء لا يخفى، وهو قولٌ لا تقوم به حجة، وهو على طرف الثّمام (أي: يَسْهُل ردُّه ولا يُعبأ به)، وهو خلافُ المتبادِر، وحملُ الآية على كذا مما لا ينساق إليه الذهن ... إلى غير ذلك من العبارات. وقد يكتفي في بعض الأحيان بالإشارة إلى القول والرد معاً دون ذكر أيٍّ منهما، كقوله: وتعقبه الطيبي بما ردَّه عليه الفاضل الجلبي، وقوله: وذكر الزمخشري وغيره في الآية ما ردَّه عليه شيخ الإسلام (وهو أبو السعود) بما يَلُوح عليه مخايلُ التحقيق. ويتداخل في ذلك كلِّه الجانب النحوي والإعرابي مع جانب التفسير والمعنى المتعلق بالآية أو الجملة أو الكلمة المفسَّرة. ٨ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني وإذا كان في الآية ما يتعلق بأمر من أمور الأحكام، فإنه يعرِّج عليه ويذكر أقوال الأئمة في المسألة غير مقتصرٍ على مذهبه ولا متعصِّبٍ له، وأحياناً يتوسع في ذلك كثيراً كما فعل عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ ◌ِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] حيث تكلم في حكم السماع والغناء والمعازف ما لو أُفرد لكان يعادل رسالة صغيرة. ولعلم المعاني والبيان جانب كبير في هذا التفسير، فهو كثيراً ما يقف عند الوجوه البلاغية في الآية، ويشير إلى ما فيها من مجاز، أو تشبيه، أو استعارة، أو كناية بأنواعها، كما أن الكتاب غني بالمصطلحات البلاغية، كالاستخدام، والترشيح، والتتميم، والإيغال، والإدماج، ونحوها. كما أنه يكثر من الإشارة إلى حكمة الإظهار في موضع الإضمار، فمثلًا في قوله تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] قال: اللام في (الكافرين)) للعهد، والإظهار في موضع الإضمار للإيذان بعلَّيَّة كفرهم لِمَا حاق بهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. ومثل ذلك الإشارة إلى حكمة التقديم أو التأخير، فمثلًا في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩] قال: وتقديم الجارِّ للحصر، أي: إلى حكم الله وقضائه لا إلى غيره. وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦] قال: وتقديم الجارِّ على المفعول به للاهتمام به . وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [فاطر: ٢٨] قال: وتقديم المفعول لأن المقصود بيان الخاشين، والإخبار بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم، ولو أخّر لكان المقصود بيان المخشي، والإخبار بأنه الله تعالى دون غيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْتَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وكذلك الإشارة إلى الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل، ففي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾ [ النور: ٢٤] قال: والجمع بين ٩ مقدمة التحقيق صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على هاتيك الأعمال في الدنيا، وتجدُّدِها منهم آناً فآتّاً . وفي قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَنَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنٍ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] قال: والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة، بخلاف السيئة. ومثله التنبيه على الحكمة من تنوين الاسم دون تعريفه، والحكمة في اختيار هذا التركيب دون ذاك، ففي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انِقَاءٍ﴾ [آل عمران: ٤] قال: والتنوين (يعني في ((عزيز)) للتفخيم، واختار هذا التركيب على: منتقم، مع اختصاره، لأنه أبلغ منه؛ إذ لا يقال: صاحب سيف، إلا لمَن يُكْثِرُ القتل. ومن جهة أخرى لا يخفى ما حفل به هذا التفسير من الأحاديث والآثار الكثيرة التي تدل على اهتمام مصنفه بالتفسير بالمأثور، وعدم إهماله أقوال السلف وما ورد عنهم من تفسير لآيات الكتاب الكريم. وقد اعتمد المصنف في إيراده لهذه الأحاديث والآثار غالباً على كتاب ((الدر المنثور» للسيوطي رحمه الله كما سيرد إن شاء الله تعالى عند الكلام عن مصادر المصنف، وسنتطرق أيضاً بشيء من التفصيل إلى موقفه من الإسرائيليات وطريقته في عرضها . وللقراءات حيِّز كبير في هذا التفسير، وهو إذ يَعْرِض لها لا يتقيَّد بالمتواتر منها، كما أنه يلتزم طريقة أبي حيَّان في توجيهها بشكل عام، والدفاع عن المتواتر منها ضد من يطعن أو ينكر أو يضعّف أيًّا منها بشكل خاص، ويمكن القول: إن ما حواه تفسير الألوسي من القراءات منقول أكثره من ((البحر)). كما أن هذا التفسير قد اشتمل في جانب منه على ما يسمى بالتفسير الإشاري؛ فإن المصنف كلما فسر طائفة من الآيات، وذكر ما في ظاهرها من المعاني، يتكلم عما يُتأوَّل منها من باب الإشارة، وهناك مَن عدَّ روح المعاني من كتب التفسير الإشاري لذلك، وخالفهم آخرون كالشيخ محمد حسين الذهبي حيث ١٠ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني قال: ولم يفت الآلوسي أن يتكلم عن التفسير الإشاري بعد أن يفرغ من الكلام عن كل ما يتعلق بظاهر الآيات، ومن هنا عدَّ بعض العلماء تفسيره هذا في ضمن كتب التفسير الإشاري، كما عُدَّ تفسير النيسابوري(١) في ضمنها كذلك، ولكني رأيت أن أجعلهما في عداد كتب التفسير بالرأي المحمود، نظراً إلى أنه لم يكن مقصودهما الأهم هو التفسير الإشاري، بل كان ذلك تابعاً كما يبدو لغيره من التفسير الظاهر، وهذه مسألة اعتبارية لا أكثر ولا أقل(٢). وسيأتي الكلام بالتفصيل عن طريقة المصنف في التفسير الإشاري مع ذكر الأمثلة الوافية على ذلك إن شاء الله تعالى. كما أن المصنف كلما سنحت له الفرصة يُعرِّج على مسألة من مسائل العقيدة فيُشبعها دراسة (مثل كلامه في الفائدة الرابعة من المقدمة في تحقيق معنى أن القرآن كلام الله غير مخلوق)، أو يستطرد إلى الكلام في الأمور الكونية، ويذكر كلام أهل الهيئة وأهل الحكمة، ويقرّ منها ما يرتضيه ويفنّد ما لا يرتضيه. ومن الأمثلة على ذلك كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ وَأَلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ خَّى عَادَ كَلْعُرُونِ الْقَدِيرِ جَ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ اَلْعَلِيمِ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُّ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨-٤٠]. وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. وأما ردوده على أهل الزيغ والضلال فأكثر من أن تحصى، فهو لا يكاد يمرُّ على آية لها علاقة بالردّ على انحرافات المعتزلة وغيرهم من الفرق الضالة إلا وينبّه على ضلالاتهم وتأويلاتهم المنحرفة لآيات الكتاب الكريم، ومثل ذلك تفنيده المزاعم بعض الفرق، ودفاعُه عن صحابة رسول الله وَله، وردُّه ما قالوه فيهم مما لا يليق بهم، وكذلك الأمر في تبيينه لضلالات أهل الكتاب وتناقضاتهم، وسنأتي ببعض الأمثلة على ذلك إن شاء الله تعالى. (١) واسمه: ((غرائب القرآن ورغائب الفرقان)) لنظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري المتوفى سنة (٧٢٨هـ)، وهو من مصادر المصنف كما سيأتي، وطريقة المصنف في ذكر التفسير الإشاري بعد التفسير بالظاهر تشبه طريقته في ذلك. (٢) التفسير والمفسرون ١/ ٣٦١. ١١ مقدمة التحقيق وأخيراً وعلى الرغم من أن المصنف لم يكن هو الذي وضع عنوان هذا التفسير، وإنما وضعه له الوزير علي رضا باشا (١)، إلا أنه ظلَّ وفيًّا لهذا العنوان من أول الكتاب إلى آخره، فنجده يعنَى بإظهار وجه المناسبات بين السور، وبربط معاني فاتحة كل سورة بخاتمة التي قبلها، كما يعنى بذكر المناسبات بين الآيات، ويقارن بين الآيات التي في ألفاظها تشابه، فيذكر الحكمة من حذف حرف في هذه أو زيادة كلمة في تلك، ويقف عند ألفاظ الآية نفسها فيذكر الحكمة في تقديم هذه الكلمة على تلك، والغاية من اختيار ذلك اللفظ دون سواه مما يؤدي معناه. وما أروع كلامه في قوله تعالى: ﴿فَلَفَّقَ ءَادَمُ مِنْ زَّيْدِ كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّبُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] حيث جمع فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصى، وذلك بأسلوب أنيق دقيق مختصر لا يملَّه السامع ولا يشبع منه، فأشار أولًا إلى الحكمة من أنه سبحانه لم يقل: فتاب عليهما، وهي كون النساء تبعٌ يغني عنهن ذكر المتبوع، ثم ذكر ما في الجملة الاسمية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ من تقوية رجاء المذنبين وجبر كسر قلوب الخاطئين، حيث افتُتحت بـ ((إنَّ) المؤكّدة، وأُتي بضمير الفصل، وعرِّف المسند وهو (التوَّاب))، ثم ذكر الحكمة من الإتيان به بصيغة المبالغة، وهي إما الإشارةُ إلى قبوله تعالى التوبة كلما تاب العبد، أو أن ذلك لكثرة من يتوب عليهم سبحانه، ثم بيَّن الحكمة من الجمع بين وصفي (التواب)) و((الرحيم))، وهي الإشارة إلى مزيد الفضل، وكذلك الحكمة من تقديم التواب، وهي ظهور مناسبته لما قبله، ثم نقل لفتة جميلة في ذلك لا تظهر إلا لمن أنار الله بصيرته في فهم معاني كتابه، فضلاً عمّا فيها من ردِّ على المعتزلة، فقال: وقيل: في ذكر ((الرحيم)) بعده إشارةٌ إلى أن قبول التوبة ليس على سبيل الوجوب كما زعمت المعتزلة، بل على سبيل الترجُم والتفضل. (١) قال الألوسي في مقدمة تفسيره: وبعد أن أبرمت حبل النية، ونشرت مطوى الأمنية، وعرا المخاضُ قريحةَ الأذهان، وقرب ظهور طفل التفسير للعيان، جعلت أفكر: ما اسمه؟ وبماذا أدعوه إذا وضعته أمه؟ فلم يظهر لي اسم تهتشُّ له الضمائر، وتبتش من سماعه الخواطر، فعرضت الحال لدى حضرة وزير الزوراء، ونور حديقة البهاء ... ، مولانا علي رضا باشا، لازال له الرضا غطاءً وفراشاً، فسماه على الفور، وبديهة ذهنه تغني عن الغور: ((روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني)) فيا له من اسم ما أسماه! نسأل الله تعالى أن يطابق مسمَّاه. ١٢ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] ذكر أن فيه تعليلًا للدعاء الوارد قبله، وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ الآية، ومزيد استدعاء للإجابة، وأن تقديم التوبة للمجاورة، وتأخير الرحمة لعمومها ولكونها أنسب بالفواصل. ما تميز به تفسير روح المعاني: لقد تميَّز تفسير ((روح المعاني)) بأمور لم تجتمع في تفسيرٍ غيرِه، فمن كونه موسوعة علمية، إلى أسلوبه الفريد الذي ليس له نظير، إلى غير ذلك من الأمور التي لا نجدها في أي كتاب آخر، ومنها : ١- أنه موسوعة تفسيرية قيِّمة جمعت جلَّ ما قاله علماء التفسير الذين تقدموه، مع النقد الحرِّ، والترجيح الذي يعتمد على قوة الذهن وصفاء القريحة، وعلى شخصية متميزة ذات عقلية موسوعية تتصف بالعمق والشمول وسعة الاطلاع وتنوُّع المعارف، مكَّنت صاحبها من النقل دون أن يذوب فيما ينقله، ولا أن يكون مجرد ناقل له. ٢- قدرة المصنف على تكثيف العبارة وتلخيص الأقوال مع جمعها في بوتقة واحدة دون الإخلال بالمعنى المراد، ولعل غيره لو أراد ذلك فلربما احتاج إلى ضعف هذا الكتاب دون أن يكون قادراً على إيصال المعنى بالطريقة التي فعلها المصنف. ومثال ذلك كلامه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥] حيث يقول: و((حيث)) ظرفُ مكانٍ مبهم لازمٌ للظرفية، وإعرابها لغةُ بني فقعس، ولا تكون ظرف زمان خلافاً للأخفش، ولا يُجزم بها دون ((ما)) خلافاً للفرَّاء، ولا تضاف للمفرد خلافاً للكسائي، ولا يقال: زيدٌ حيث عمرو، خلافاً للكوفيين، ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث مع الياء والواو والألف، ويقال: حابث، على قلَّة، وهي هنا متعلِّقةٌ بـ ((كُلَا))، والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدمِ المرجّح، أي: أيَّ مكان من الجنة شئتما . وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] قال بعد أن عرَّف المستقر بأنه المكان الذي يُستَقَرُّ فيه في أكثر الأوقات ١٣ مقدمة التحقيق للتجالس والتحادث، والمقيلَ بأنه المكان الذي يُؤْوى إليه للاسترواح إلى الأزواج والتمتع بمغازلتهن: هذا وتفسير المستقر والمقيل بالمكانين حسبما سمعتَ هو المشهور، وهو أحد احتمالات تسعة، وذلك أنهم جوَّزوا أن يكون كلاهما اسمَ مكان، أو اسمَ زمان، أو مصدراً، وأن يكون الأول اسم مكان والثاني اسمَ زمانٍ أو مصدراً، وأن يكون الأول اسم زمان والثاني اسم مكان أو مصدراً، وأن يكون الأول مصدراً والثاني اسم مكان أو اسم زمانٍ، وما شئت تخيَّل في خيرية زمان أصحاب الجنة وأحسنيته، وكذا في خيرية استقرارهم وأحسنية استراحتهم يومئذ. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] قال في إعراب ((مَن)): قال الزجاج: في محل النصب على المفعول معه، كقوله على بعض الروايات: فحَسْبُكَ والضحاكَ سيفٌ مهنَّد. وتعقّبه أبو حيان بأنه مخالف لكلام سيبويه؛ فإنه جعل ((زيداً)) في قولهم: حسبك وزيداً درهمٌ، منصوباً بفعل مقدَّرٍ، أي: وكفى زيداً درهم، وهو مِن عَظْفٍ الجمل عنده. انتهى. وأنت تعلم أن سيبويه كما قال ابن تيمية لأبي حيان لما احتج عليه بكلامه حين أنشد له قصيدة فغلَّطه فيها: ليس نبيَّ النحو فيجب اتِّباعه. وقال الفراء: إنه يقدَّر نصبه على موضع الكاف، واختاره ابن عطية، وردّه السفاقسي بأن إضافته حقيقية لا لفظية فلا محلَّ له، اللهم إلا أن يكون مِن عَظْف التوُّم. وجوِّز أن يكون في محلِّ الجر عطفاً على الضمير المجرور، وهو جائز عند الكوفيين بدون إعادة الجارِّ، ومنعه البصريون بدون ذلك، لأنه كجزء الكلمة فلا يعطف عليه. وأن يكون في محل رفع إما على أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ، أي: ومَن اتَّبعك من المؤمنين كذلك، أي: حَسْبُهم الله، وإما على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: وحسبك مَن اتَّبعك، وإما على أنه عطفٌ على الاسم الجليل، واختاره الكسائي وغيره، وضُعِّف بأن الواو للجمع، ولا يَحْسُن ها هنا كما لم يَحْسُنْ في: ما شاء الله وشئتَ، والحَسَنُ فيه (ثُمَّ)) وفي الأخبار ما يدل عليه، اللهم إلا أن يقال بالفرق بين وقوع ذلك منه تعالى، وبين وقوعه منَّا . ١٤ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني فانظر إلى هذا الحشد من الأقوال والردود والتخريجات والتعقبات، الموضوعِ في قالب من الاختصار مع الوضوح دون الإخلال بأي قول من الأقوال أو معنىّ من المعاني. والكتاب مليءٌ بأمثال هذا . ٣- كما تميز هذا التفسير بعمل دراسة مقارنة بين الأقوال، فهو مثلًا يذكر الرأي والرأي المخالف ويرجح بينهما، أو يذكر قولًا أو رأياً أو مذهباً ثم يقول: واعتُرِضَ ... ، ثم يذكر الردّ على الاعتراض بقوله: وأُجيبَ ... ، ثم يذكر الردَّ على الجواب فيقول مثلاً: وأوردَ عليه ... ، وقد يذكر ترجيح قول أوردٌ أو اعتراض أو إيراد، فيجعل القارئ وكأنه أمام ندوة علمية حوارية، تذكر فيها الأقوال المختلفة، وتقلَّب فيها الفكرة بين المتناظرين. ومن الأمثلة على ذلك كلامه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ﴾ فقال في ((إذ)): نصب بإضمارٍ ((اذكر)) بناءً على تصرُّفها، وذِكْرُ الوقت کنایةٌ عن ذِكْرٍ ما حدث فيه، وحَكَى مكي أن العامل في ((إذ)): ((الغافلين)). وقال ابن عطية: يجوز أن يكون العامل فيها (نقصُّ))، وروي ذلك عن الزجاج، على معنى: نقصُّ عليك الحال إذ ... إلخ، وفي كِلا الوجهين ما فيه. واستظهر أبو حيان بقاءها على معناها الأصلي، وأن العامل فيها: ((قال يا بني))، كما تقول: إذ قام زيد قام عمرو، ولا يخلو عن بُعْدٍ. وجوَّز الزمخشري كونها بدلًا من ((أحسن القصص)) على تقدير جَعْله مفعولًا به، وهو بدلُ اشتمال. وأُورِدَ أنه إذا كان بدلًا من المفعول به يكون الوقت مقصوصاً، ولا معنى له. وأُجيبَ بأن المراد لازمه وهو اقتصاص قول يوسف عليه السلام، فإن اقتصاص وقت القول ملزومٌ لاقتصاص القول. واعتُرض بأنه يكون بدلَ بعضٍ أو كلٍّ، لا اشتمال. وأجيب بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان الوقت بمعنى القول وهو إما عينُ المقصوص أو بعضُه، أما لو بقي على معناه وجُعل مقصوصاً باعتبار ما فيه، فلا يَرِدُ الاعتراض. ٤- رجوعه إلى مصادر لم يسبقه أحدٌ من المفسرين في الرجوع إليها، فهو مثلًا في معرض ذكره لأقوال المخالفين أو ردِّه عليها وتفنيدها يعود إلى كتبهم المعتمده عندهم، فينقل عنها بشكل مباشر ودون واسطة، والكتاب مليءٌ بالأمثلة على ذلك. ٥- الجمع بين مدرستين هما من أهمِّ مدارس علم التفسير، وهما مدرسة الزمخشري التي تعتمد الملاءمة بين الإعراب والنظم البلاغي، وإبراز خصائص ١٥ مقدمة التحقيق التعبير القرآني المعجز، ومدرسة أبي حيان التي تهتم بالإكثار من المسائل النحوية وحشد أقوال أئمة النحو الكبار، مع ذكر القراءات القرآنية وتوجيهها، والاحتجاج لما تواتر منها والدفاع عنه. فلا نكاد نجد صفحة من هذا التفسير تخلو من نقل عن هذين الكتابين أو أحدهما، أو أحد حواشي الكشاف، وسيأتي الكلام عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله . ٦- ومما يميز هذا التفسير أيضاً غناه بعبارات للمصنف هي غاية في اللطافة والطرافة، وذلك يُعبِّر عما يمتلكه المصنف من علم واسع باللغة وآدابها يستطيع بموجبه تطويع اللغة لاستخدامها في التعبير عما يريده أفضل تعبير. ومن الأمثلة على ذلك: - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ذكر أخباراً منها ما أخرجه البخاري (٣٢٨٦) من حديث أبي هريرة رَبه مرفوعاً: ((كلُّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ... )) ثم قال: وطعن القاضي عبد الجبار بإصبع فكره في هذه الأخبار بأنها خبرُ واحدٍ على خلاف الدليل .. ، فانظر إلى هذا التشبيه الخفي بين الطاعنَينِ الممزوج بالسخرية من هذا القائل مع الإشارة إلى موقفه من القول قبل إيراده، ومن قائله كذلك. وعند تفسير الآية (٢٣) من سورة النساء قال بعد أن ذكر رأياً له: هذا ۔ ما ظهر لنظري القاصر وفكري الفاتر، ولقد سألت بالرفق عن هذا الفرق جمعاً من علماء عصري، وراجعتُ لشرح ذلك المتن جميع العلماء الذين تضمنتهم حواشي مِصْري ... إلى أن قال: وما رأيت من المروءة أن أمهلهم حتى يُنْقَر في الناقور، أو أنتظر بنات أفكارهم إلى أن يلد البغلُ العاقورُ الباقورَ. وعند تفسير الآية (٦٧) من سورة النساء قال بعد أن ذكر قصيدة الحميري ۔ في الطعن على الصحابة: ومَن وقف على تلك القصيدة الشنيعة بأسرها وما يرويه الشيعة فيها، وكان له أدنى خبرة، رأى العجب العجاب، وتحقّق أن قعاقع القوم کصریر باب، أو کطنین ذباب. ١٦ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني وذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلْنَ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٢] أنها أمرٌ للأولياء بكفِّ الكفّ عنها وعدم فكِّ الفكِّ لأكلها. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ - [يونس: ٣٧] قال: و((كان)) هنا ناقصة عند كثير من الكاملين. - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلََّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اَللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] قال في وصف الأولياء: وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية المتردِّدة بين الفوات والحصول فهي عندهم أحقر من تبالةً عند الحجّاج، بل الدنيا بأسرها في أعينهم أقذر من ذراع خنزيرٍ ميتٍ بالَ عليه كلبٌ في يد مجذوم. وله أيضاً أسلوب طريف في ردّ الأقوال التي لا يرتضيها: فمن ذلك قوله : ودون إثبات ذلك الموت الأحمر. ۔ ودون إثبات ذلك وقعةُ الجمل وحربُ صفِين. ۔ وهذا لعمري أبعدُ من العُّوق، وأعزُّ من الكبريت الأحمر وبيض الأُنوق. ۔ وهذا استنتاجٌ للضبِّ من الحوت. ۔ والقول بأن أرواحهم (يعني الشهداء) تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذُّ بذلك وتكتسب زيادة كمالٍ، قولٌ مابطً إلى الثرى. والقول بأن الاستغفار للمنافق إغراء له على النِّفاق لا نَفَاقَ له. ۔ - ولا يخفى أن ما نقله الزجَّاج أضعف من الزُّجاج. وكلام النسفي تنسفه صحة الأخبار. ومذهبُ قتادةَ لا آمَنُ على الأقدام الضعيفة قتادَه (القتاد شجر صلب له ۔ شوك كالإبر). وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمش. - وليت السدي قد سدَّ فاه عن قوله ... ١٧ مقدمة التحقيق - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةٌ﴾ [المائدة: ١٣] قال: وجَعْلُ القلوب بمعنى أصحابها مما لا يُلتفت إلى أصحابها . وفي تفسير الآية (٨٣) من سورة البقرة قال: وقول أبي حيان: إنه ليس بشيءٍ ... ، ليس بشيء كما لا يخفى. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوتُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ [هود: ۔ ٧] نقل كلاماً عن البحر ثم قال: وهو لدى الذوق السليم كماء البحر. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَجَدََ ضَآَلَّا فَهَدَى﴾ قال: ورأى أبو حيان في منامه أن الكلام على حذف مضاف، والمعنى: ووجد رهطك ضالًّا فهدی بك. وهو كما ترى في يقظتك. وذكر عن بعضهم قوله في قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ ثم ۔ تعقبه بقوله: وأنا فيه من الزاهدين. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَنَزَِهِمْ يُضَهُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ - كَفَرُوا مِن قَبْلٌ﴾ [التوبة: ٣٠] قال: ومن الناس مَن جوَّز الوقف على (قولُهم))، وجعل ((بأفواههم)) متعلقاً بـ ((يضاهئون))، ولا توقُّفَ في أنه ليس بشيء. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قال :... ومن العجب أن أبا عبد الله البصري أستاذ القاضي عبد الجبار قال: إطلاق اسم الخالق عليه تعالى محالٌ؛ لأن التقدير (وهو من معاني الخلق) يستدعي الفكر والحسبان، وهي مسألة خلافية بينه وبين الله تعالى القائل: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] وبقول الله تعالى أقول. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿كَأَنَّ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّْلِ مُظْلِمَا﴾ [يونس: ٢٧] قال في ردِّ أحد الأقوال الإعرابية: ولا يخفى أنه وجهٌ أغشى قِطَعاً من ليل التكلُّف والتعسُّف مظلماً. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا بَّءَ أَلُهُمْ فَلَ يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] قال بعد أن ذكر الحكمة من إسقاط الفاء من ((إذا جاء أجلهم)) ١٨ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني وزيادتها في ((فلا يستأخرون)) على عكس آية ((الأعراف)): ولا كذلك آية الأعراف كما لا يخفى إلا على الأنعام، فاحفظه فإنه من الأنفال. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦] قال: وقيل - هنا : إن الجارَّ والمجرور خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، وليس الأمر كذلك. وفي قصة البقرة في سورة البقرة قال: وقيل: لم تكن من بقر الدنيا بل - أنزلها الله من السماء، وهو قول هابط إلى تخوم الأرض. ٧- ومما يميز هذا الكتاب أيضاً اهتمامه الظاهر بعلم البلاغة، وإسقاطاته لِمَا أبدعه علماء هذا الفن - كالجرجاني والسكاكي وغيرهما - على الآيات والتعابير القرآنية، مع تأثّره الواضح بالكشاف وحواشيه. فهو لا يمر على آية وقف عندها علماء البلاغة إلا ويبرز ما فيها من وجوه البلاغة، كالاستعارة والمجاز والكناية وغيرها، فمثلاً نجده عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وبعد أن ذكر ما ورد من أقوال في معنى ((حبل الله)) يقول: وفي الكلام استعارةٌ تمثيلية، بأن شُبِّهت الحالة الحاصلة للمؤمنين من استظهارهم بأحدٍ ما ذُكر - يعني من معاني ((حبل الله)) - ووثوقِهم بحمايته، بالحالة الحاصلة من تمسُّك المتدلِّي من مكانٍ بحبلٍ وثيقٍ مأمونِ الانقطاع، من غيرِ اعتبارٍ مجازٍ في المفردات، واستُعير ما يُستعمل في المشبَّه به من الألفاظ للمشبَّه. وقد يكون في الكلام استعارتان مترادفتان، بأنْ يُستعار الحبل للعهد مثلاً استعارةً مصرّحةً أصليةً والقرينةُ الإضافة، ويستعار الاعتصام للوثوق بالعهد والتمسُّكِ به على طريقِ الاستعارة المصرّحةِ التَّبَعيَّة، والقرينةُ اقترانُها بالاستعارة الثانية. وقد يكون في ((اعتصموا)) مجازٌ مرسلٌ تَبَعيَّ بعلاقةِ الإطلاق والتقييد، وقد يكون مجاز بمرتبتين لأجل إرسال المجاز، وقد تكون الاستعارة في الحبل فقط، ويكون الاعتصام باقياً على معناه ترشيحاً لها على أتمٍّ وجهٍ، والقرينة قد تختلف بالتصرُّف، فباعتبارٍ قد تكون مانعةً، وباعتبار آخر قد لا تكون ... وقد تكون الاستعارتان غير مستقلتين، بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنية،