Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة الفجر بِسْمِ اللّهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ تفسير سورة الفجر مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الفجر)) من السور المكية الخالصة، بل هى من أوائل ما نزل على النبى - 1 - من سور قرآنية ، فهى السورة العاشرة فى ترتيب النزول ، وكان نزولها بعد سورة ((والليل إذا يغشى))، وقبل سورة ((الضحى))، أما ترتيبها فى المصحف فهى السورة التاسعة والثمانون . وعدد آياتها : ثلاثون آية فى المصحف الكوفى ، واثنتان وثلاثون فى الحجازى ، وتسع وعشرون فى البصرى . ٢ - ومن أهم مقاصد هذه السورة الكريمة : تذكير المشركين بما حل بالمكذبين من قبلهم ، كقوم عاد وثمود وفرعون ، وبيان أحوال الإِنسان فى حال غناه وفى حال فقره ، وردعه عن الانقياد لهوى نفسه ، ولفت نظره إلى أهوال يوم القيامة ، وأنه فى هذا اليوم لن ينفعه ندمه أو تحسره على ما فات ، وتبشير أصحاب النفوس المؤمنة المطمئنة ، برضا ربها عنها ، وبظفرها بجنة عرضها السموات والأرض . ٣٨٢ المجلد الخامس عشر التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِالرّحمَنِ الرَّحْمِ 7 وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ ، وَالشَّفْعِ وَالْوَزِ ، وَالَّيْلِ إِذَايَسْرِ هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِى حِجْرٍ ، أَلَمْتَرَّكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٤ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ قِ الَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ ٨ ٦ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْالصَّخْرَ بِالْوَادِ ، وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَاِ اُلَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ ، فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ ا فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِه ١٤ افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء لها شرفها وعظمها ، ولها فوائدها الدينية والدنيوية .. ولها دلالتها الواضحة على كمال قدرته - تعالى - . أقسم أولا - بالفجر ، وهو وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم ، ووقت بزوغ الضياء وانتشاره على الكون بعد ليل بهيم . فالمراد بالفجر : الوقت الذى يبدأ فيه النهار فى الظهور ، بعد ظلام الليل ، والتعريف فيه للجنس ، لأن المقصود هذا الوقت من كل يوم . وقيل المراد بالفجر هنا : صلاة الفجر ، لأنها صلاة مشهودة ، أى : تشهدها الملائكة ، كما أن التعريف فيه للعهد ، فقيل : فجر يوم النحر ، وقيل : فجر يوم الجمعة .. ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿وليال عشر﴾ يرجح أن المراد به وقت معين . هذا الوقت يوجد مع كل يوم جديد . وأقسم - سبحانه - ثانيا بقوله: ﴿وليال عشر﴾ والمراد بها: الليالى العشر الأول من ٣٨٣ سورة الفجر شهر ذى الحجة ، لأنها وقت مناسك الحج ، ففيها الإِحرام ، والطواف ، والوقوف بعرفة .. وقيل المراد بها: الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل : الليالى العشر الأول من شهر المحرم .. قال الإِمام ابن كثير : والليالى العشر : المراد بها : عشر ذى الحجة . كما قاله ابن عباس وابن الزبير ، ومجاهد ، وغير واحد من السلف والخلف . وقد ثبت فى صحيح البخارى ، عن ابن عباس مرفوعا: (( ما من أيام العمل الصالح ، أحب إلى الله - تعالى - فيهن، من هذه الأيام)) - يعنى: عشر ذي الحجة - قالوا: ((ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد فى سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشىء)) .. وقيل : المراد بذلك: العشر الأُوَل من المحرم . وقيل: العشر الأُول من رمضان . والصحيح القول الأول .. (١). وأقسم - سبحانه - ثالثا ورابعا بقوله: ﴿والشفع والوتر ﴾ والشفع: ما يكون ثانيا لغيره ، والوتر : هو الشىء المنفرد . : وقد ذكر المفسرون فى المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة ، فمنهم من يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها ، ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : يوم النحر ، لكونه اليوم العاشر من ذى الحجة ، وأن المراد بالوتر : يوم عرفة ، لأنه اليوم التاسع من شهر ذى الحجة . ومنهم من يرى أن المراد بها : الصلاة المكتوبة ، ما كان منها شفعا ، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح ، وما كان منها وترا كالمغرب . ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : جميع المخلوقات ، وبالوتر : الله - تعالى - الواحد الصمد .. -..--- -. وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه : والواقع أن أقرب الأقوال عندى : - والله أعلم -. أن المراد بالوتر، هو الله - تعالى -، للحديث: ((إن الله وتر يحب الوتر))، وما سواه شفع .. لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط ، حتى الحصاة الصغيرة ، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات ، والذرة لها نواة ومحيط . ٠٫٠ (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤١٢. ٣٨٤ المجلد الخامس عشر ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله ، وبأن الشفع : جميع المخلوقات .. هو الراجح ، وهو الأعم فى المعنى .. (١) . وأقسم - سبحانه - خامسا - بقوله: ﴿ والليل إذا يسر ﴾ أى : وحق الليل عندما يسرى ويمضى ، تاركا من خلفه ظلامه ، ليحل محله النهار بضيائه . أو المعنى : وحق الليل وقت أن يَسْرِى فيه السارون ، بعد أن أخذوا حظهم من النوم ، فإسناد السُّرَى إلى الليل على سبيل المجاز، كما فى قولهم : ليل نائم ، أى : ينام فيه الناس ، وقرأ الجمهور ﴿ يسر﴾ بحذف الياء وصلا ووقفا، اكتفاء عنها بالكسرة تخفيفا. وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل ، وبحذفها عند الوقف . والمراد بالليل هنا : عمومه ، وقيل : المراد به هنا : ليلة القدر، أو ليلة المزدلفة . والاستفهام فى قوله - تعالى - : ﴿ هل فى ذلك قسم لذى حجر ﴾ للتقرير والتعظيم لما أقسم به - سبحانه - من مخلوقات. واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى تلك الأشياء التى أقسم الله - تعالى - بها . والمراد بالحِجْر العقل، وسمى بذلك لأنه يَحْجُر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب مالا ينبغى ، كما سمى عقلا ، لأنه يَعْقِل صاحبه عن ارتكاب السيئات ، كما يعقِل العقالَ البعيرَ عن الضلال . والمعنى : هل فى ذلك الذى أقسمنا به من الفجر ، والليالى العشر ، والشفع والوتر .. قسم، أى : مقسم به ، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذى عقل سليم ؟ . مما لاشك فيه أن كل ذى عقل سليم ، يعلم تمام العلم ، أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به ، لكونها - أى : هذه الأشياء - أمورا جليلة ، خليقة بالإِقسام بها لفخامة شأنها ، كما أن كل ذى عقل سليم يعلم - أيضا - أن المقسم بهذا القسم ، وهو الله - عز وجل - صادق فيما أقسم عليه . ؛ فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء ، تحقيق المقسم عليه . بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه . وجواب القسم محذوف دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴾. إلى قوله: ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾. (١) تفسير أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطى جـ ٨ ص ٢١٠. - --- ٫٣٨٥ سورة الفجر والتقدير : وحق هذه المخلوقات لتعذبن - أيها الكافرون - كما عذب الذين من قبلكم ، مثل عاد وثمود وفرعون . قال الجمل : فإن قلت : ما فائدة قوله - تعالى -: ﴿هل فى ذلك قسم لذى حجر ﴾. بعد أن أقسم - سبحانه - بالأشياء المذكورة ؟ قلنا : هو لزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم عليه ، كمن ذكر حجة باهرة ، ثم قال : أفيما ذكرته حجة ؟. وجواب القسم محذوف ، أى : لتعذبن ياكفار مكة ، وقيل هو مذكور وهو قوله : ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه، أى لنجازين كل أحد بعمله .. (١). ثم ذكر - سبحانه - على سبيل الاستشهاد ، ما أنزله من عذاب مهين ، بالأقوام المكذبين . فقال - تعالى -: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴾. والاستفهام فى قوله: ( ألم تر .. ﴾ للتقرير، والرؤية: علمية ، تشبيها للعلم اليقينى بالرؤية فى الوضوح والانكشاف ، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية ، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين .. والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم ، والتى كانت تسكن الأحقاف ، وهو مكان فى جنوب الجزيرة العربية، معروف للعرب ، قال - تعالى -: ﴿ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ . سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن مُوص ، بن إرم ، بن سام ، بن نوح - عليه السلام - فقوله - تعالى -: ﴿إرم) عطف بيان لعاد ، لأنه جده الأدنى . وقوله - تعالى -: ﴿ ذات العماد) صفة لعاد، و((ذات)) وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة ، سمى أولاده باسمه ، كما سمى بنو هاشم هاشما . والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى، التى أرسل الله - تعالى - إليهم هودا - عليه السلام - . وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم .. وقد جاء الحديث عنهم كثيرا فى القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿ فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ... ﴾ . وقوله - سبحانه -: ﴿التى لم يخلق مثلها فى البلاد ﴾ صفة أخرى لقبيلة عاد. والمعنى : لقد وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - بصورة يقينية ، خبر قبيلة عاد ، التى جدها الأدنى ((إرم بن سام بن نوح ((والتى كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة ، ترفع عليها (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥٣٠ . ٣٨٦ المجلد الخامس عشر خيامهم ومبانيهم الفارهة .. والتى لم يخلق مثلها - أى : مثل هذه القبيلة - أحد فى ضخامة أجسام أفرادها ، وفى قوة أبدانها ، وفيما أعطاها الله - تعالى - من غنى وقوة . قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله - تعالى - : ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد . إرم ذات العماد . التى لم يخلق مثلها فى البلاد ﴾ هؤلاء كانوا متمردين عتاة .. فذكر - سبحانه - كيف أهلكهم . وهؤلاء هم عاد الأولى ، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، وهم الذين أرسل الله إليهم نبيه هودا - عليه السلام - فكذبوه فأهلكهم الله - تعالى - . فقوله : ﴿ إرم ذات العماد﴾ عطف بيان، زيادة تعريف بهم. وقوله: ﴿ ذات العماد ﴾ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشّعر التى ترفع بالأعمدة الشداد . وقال هاهنا : ﴿ التى لم يخلق مثلها فى البلاد ﴾ أى: القبيلة التى لم يخلق مثلها فى بلادهم، لقوتهم وشدتهم، وعظم تركيبهم .. فالضمير فى ﴿ مثلها﴾ يعود إلى القبيلة. ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إرم ذات العماد ﴾ مدينة إما دمشق أو الاسكندرية .. ففيه نظر .. لأن المراد إنما هو الإِخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد ، وليس المراد الإِخبار عن مدينة أو إقليم . وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله - تعالى -: ﴿إرم ذات العماد ... ﴾ مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة .. فهذا كله من خرافات الإِسرائيليين .. (١) . وقوله - تعالى -: ﴿ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد . وفرعون ذى الأوتاد ﴾ معطوف على ما قبله . والمراد بثمود: القبيلة المسماة بهذا الاسم ، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم صالحا - عليه السلام - فكذبوه ، فأهلكهم الله - تعالى - . وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز، ومازالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح . وقوله: ﴿ جابوا﴾ بمعنى قطعوا . من الجوب بمعنى القطع والخرق، والصخرة الحجارة العظيمة . والواد : اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين ، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال ، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم ، أى : بالمكان الذى كانوا يسكنونه . (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤١٨ . ٣٨٧ سورة الفجر فقوله : ﴿ بالواد ﴾ علم بالغلبة للمكان الذى كانوا يسكنون فيه ، ويسمى بوادى القرى، وقد قال - تعالى - فى شأنهم: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ﴾. والمراد بفرعون هنا : هو وقومه . والمراد بالأوتاد : الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه ، كماتشد الخيام وتقوى بالأوتاد . قال الآلوسي : وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التى يضربون أوتادها فى منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشده بها .. (١). وقال بعض العلماء : ووصف فرعون بذى الأوتاد ، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات ، التى بناها أسلافه ، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد : التمكن والثبات على سبيل الاستعارة ، أى: ذى القوة .. (٢). وقال صاحب الظلال: ﴿وفرعون ذى الأوتاد ) وهى على الأرجح الأهرامات ، التى تشبه الأوتاد الثابتة فى الأرض المتينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا ، هو فرعون الطاغية الجبار ، الذى أرسل الله - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - .. (٣) . والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التى جدها إرم بن سام بن نوح ، والتى كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها ، والتى لم يخلق فى بلادها مثلها فى القوة والغنى . وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ثمود ، الذين قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا منها بيوتا بوادى قراهم ، التى مازالت معروفة . وعلمت - كذلك - ما فعلناه بفرعون صاحب المبانى القوية الفخمة وصاحب الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه . الذين طغوا فى البلاد ﴾ فأفسدوها، وتجاوزوا كل حد فى العصيان والظلم . فأكثروا فيها﴾ أى: فى البلاد ﴿ الفساد) عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا . ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب﴾ أى: فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم ، أن. أنزل ربك عليهم، نوعا عظيما من العذاب المهين . (١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٢٤. (٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ٣٠ ص ٣٢١ للشيخ ابن عاشور. (٣) تفسير فى ظلال القرآن جـ ٣٠ ص ٥٧١ . 1 ٣٨٨ المجلد الخامس عشر والسوط : آلة تتخذ من الجلود القوية ، يضرب بها الجانى ، وإضافتها إلى العذاب ، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى: فصب عليهم ربك عذابا. ((سوطا)) أى : كالسوط فى سرعته ، وشدته وتتابعه ، فهو تشبيه بليغ . وعبر - سبحانه - على إنزال العذاب بهم بالصب - وهو الإِفراغ لما فى الظرف بقوة - للإِيذان بكثرته وتتابعه . وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشىء باسم آلته .. قال صاحب الكشاف : وذكر السوط . إشارة إلى أن ما أحله بهم فى الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم فى الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال : إن عند الله أسواطا كثيرة ، فأخذهم بسوط منها .. (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب .. والمرصاد فى الأصل : اسم للمكان الذى يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شىء ما . والمراد : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يرصد عمل كل إنسان ، ويحصيه عليه، ويجازيه به ، دون أن يخفى عليه - سبحانه - شىء فى الأرض أو السماء .. وفى هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين ، وتهديد لهم على إصرارهم فى جحودهم ، وأنهم إذا ماساروا فى طريق الجحود والعناد ، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة . ثم ذكر - سبحانه - حال الإِنسان عند اليسر والعسر ، والغنى والفقر ، والسراء والضراء فقال : فَمَّا آلْإِنسَانُ إِذَامَا أَبَثَلَنَّهُ رَبُّهُ فَ كْرَمَهُ, وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبِّتْ أَكْرَ مَنِ ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْتَلَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنِ! ١٦ ١٥ كلَّبَل لَّا تُكْرِ مُونَ الْيَّتِيمَ ﴿ وَلَا تَحَّضُّونَ عَلَى طَعَامِ ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٤٨. ٣٨٩ سورة الفجر اَلْمِسْكِينِ ﴿)، وَتَأْكُلُونَ الزُّرَاثَ أَكْلًا لَّنَّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبََّجَمَّا ◌َ كََّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكَّا دَكَانَ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفَّارَ وَجِىََّ يَوْمَيِلِ بِجَهَنَّمَ يَوْمَيِّدٍ يَتَذَ كَرُ الْإِنسَانُ وَأَى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَلَيَّتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ، فَوَمَهِدٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ وَأَحَدٌّا وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ لا ◌َيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَسِنَّةُ ﴿ أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَضِيَةً مَّرْضِيَّةً (٦) فَادْ خُلِ فِ عِبَدِى( ٢٦) وَأَدْ خُلى جَنِّى والفاء فى قوله: ﴿فأما الإِنسان .. ﴾ للتفريع على ما تقدم، ولترتيب ما بعدها على ما قبلها . والمراد بالإِنسان هنا: جنسه. وقيل المراد به الكافر. ولفظ ((الإِنسان)) مبتدأ ، وخبره: فيقول ربى أكرمن ﴾ . والمعنى : هذه سنة ربك - أيها العاقل - فى عباده ، أنه - تعالى - لهم بالمرصاد ، فهو يراقب أعمالهم ، ويحاسبهم عليها ، ويجازبهم بها ، والسعيد من الناس هو الذى يفقه هذه الحقيقة ، فيؤدى ما كلفه خالقه به ... فأما الإِنسان ، الشقى الغافل عن طاعة ربه .. إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ﴾ أى: إذا ما اختبره وامتحنه ربه بألوان من النعم ، بأن منحه المال الكثير ، والجاه العريض، وأسباب القوة والمنعة ﴿فيقول ﴾ على سبيل التباهى والتفاخر .. ﴿ربى أكرمن﴾ أى: ربى أعطانى ذلك، لأنى مستحق لهذه النعم ، كما قال - تعالى -: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ، ليقولن هذا لى، وما أظن. الساعة قائمة ، ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى ﴾(١) . وقوله - سبحانه -: ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ... ﴾ بيان لموقف هذا الإِنسان عند فقره . أى : وأما إذا ما امتحنا هذا الإِنسان بسلب بعض النعم عنه ، وبضيق الرزق .. فيقول﴾ على سبيل التضجر والتأفف وعدم الرضا بقضائه - سبحانه -: ﴿ ربى أهانن ﴾ أى: ربى أذلنى بالفقر ، وأنزل بى الهوان والشرور . (١) سورة فصلت الآية ٥٠. ٣٩٠ المجلد الخامس عشر - وقول هذا الإِنسان فى الحالين ، قول مذموم ، يدل على سوء فكره ، وقصور نظره ، وانطاس بصيرته ، لأنه فى حالة العطاء والسعة فى الرزق . يتفاخر ويتباهى ، ويتوهم أن هذه النعم هو حقيق وجدير بها ، وليست من فضل الله - تعالى - وكأنه يقول ما قاله قارون : إنما أوتيته على علم عندى ﴾ وفى حالة المنع والضيق فى الرزق يجزع ، ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره .. ولا يخطر بباله أن نعم الله ، إنما هى فضل تفضل به - سبحانه - عليه ليختبره ، أيشكر أم يكفر . وأن تضييقه عليه فى الرزق ، ليس من الإهانة فى شىء ، بل هو للابتلاء - أيضا - والامتحان ، كما قال - تعالى -: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة ، وإلينا ترجعون ﴾ قال الإِمام الشوكانى عند تفسيره لهاتين الآيتين : وهذه صفة الكافر الذى لا يؤمن بالبعث ، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع فى متاعها ، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها ، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ، ويوفقه لعمل الآخرة . ويحتمل أن يراد الإِنسان على العموم ، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير ، وما أصيب به من الشر فى الدنيا ، ليس إلا للاختبار والامتحان ، وأن الدنيا بأسرها ، لا تعدل عند الله - تعالى - جناح بعوضة .. (١) . واقتصر - سبحانه - فى الآية الكريمة على تقتير الرزق ، فى مقابلة النعمة ، دون غير ذلك من الأمراض والآفات ، للإشعار بأن هذا الإنسان يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله . فهو لا يفكر إلا فى المال ولا يحزن إلا من أجله ، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ماعندهم من أموال كما قال شاعرهم : ولو شاء ربى كنت عمرَوِ بِنَ مَرْئِد فلو شاء ربى كنت قيسَ بنَ عاصمٍ بنونَ كرامٌ، سادةٌ لُسوَّد فأصبحت ذا مال كثير وطاف بى ولما كان هذا القول مذموما من هذا الإنسان فى الحالين . لعدم شكره لله - تعالى - فى حالة الرخاء ، ولعدم صبره على قضائه فى حالة البأساء . لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال - تعالى -: ﴿ كلا بل لا تكرمون اليتيم . ولا تحاضون على طعام المسكين ﴾ . فقول - تعالى -: ﴿ كلا﴾ زجر وردع عن قول هذا الإنسان ﴿ربى أكرمن﴾ عند (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٤٣٨ . ٣٩١ سورة الفجر حصول النعمة ، وعن قوله ﴿ربى أهانن﴾ عند حصول التقتير فى الرزق، لأن الله - تعالى - قد يوسع على الكافر وهو مهان ومبغوض منه - تعالى - ، وقد يضيق - سبحانه - على المؤمن مع محبته له ، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته - عز وجل - والمؤمن الصادق هو الذى يشكر عند الرخاء ، ويصبر عند البأساء . و((بل)) هنا للإضراب الانتقالى، من ذمهم على القبيح من القول ، إلى ذمهم بما هو أشنع منه ، وهو ارتكابهم للقبيح من الأفعال . أى: كلا ليس قولكم هذا وهو أن الإكرام فى الإِعطاء ، والإهانة فى المنع - هو القبيح فحسب ، بل هناك ما هو أقبح منه ، وهو أنكم - أيها الكافرون - . لا تكرمون اليتيم ﴾ أى : لا تعطفون على اليتيم وهو الذى مات أبوه وهو صغير، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج ، دون أن تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه . ﴿ ولا تحاضون على طعام المسكين ﴾ أى: ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين . ونفى الحض على إطعامهم ، نفى لإطعامهم من باب أولى ، وفى ذلك زيادة لمذلتهم ، لأنهم لا يطعمون ، ولا يحضون غيرهم عليه، لأنهم قوم خلت قلوبهم من الرحمة والعطف . قال الألوسى : قوله - سبحانه -: ﴿بل لا تكرمون اليتيم ... ﴾ الخ . انتقال وترق من ذم هذا الإِنسان على القبيح من القول ، إلى الأقبح من الفعل ، والالتفات إلى الخطاب ، لتشديد التقريع ، وتأكيد التشنيع .. والجمع باعتبار معنى الإِنسان ، إذ المراد الجنس . أى : بل لكم أفعال وأحوال أشد شرا مما ذكر ، وأدل على تهالككم على المال ، حيث أكرمكم - سبحانه - بكثرة المال ، ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم . والمراد بطعام المسكين : إطعامه ، فالطعام مصدر بمعنى الإِطعام .. أو المراد به : الشىء المطعوم، ويكون الكلام على حذف مضاف . أى: على بذل طعام المسكين .. (١). وقوله - سبحانه -: ﴿ وتأكلون التراث أكلا لما ﴾ بيان الرذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة . والتراث : هو المال الموروث عن الغير . والمراد بالأكل مطلق الانتفاع ، وخص الأكل بالذكر ، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية . فـ (١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٢٧ . ٣٩٢ المجلد الخامس عشر والَّلُمُّ: الجمع بدون تفرقة بين الحلال والحرام ، مأخوذ من قولهم: لمّ الطعام ، إذا أكله كله دون أن يترك منه شيئا . أى : ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث عن غيركم ، أكلا شديدا ، بحيث لا تتركون منه شيئا ، ولا تفرقون بين ما هو حلال أو حرام ، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد ، بل تأخذون حقوقكم وحقوق غيركم من النساء والصبيان . ومن صفاتكم - أيضا - أنكم ﴿ تحبون المال حبا جما ﴾ أى: حبا كثيرا مع حرص وشَرَه . يقال: جمّ الماء فى الحوض، إذا كثر واجتمع، ومنه الجُمُوم للبئر الكثيرة الماء. والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة ، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق ، بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا النوع من الناس ، بأنه قد جمع فى سوء سلوكه ، بين النطق بالقبيح من الأقوال ، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال ، وهى : ترك اليتيم بلا رعاية ، وعدم الحض على إطعام المحتاج ، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه ، والإِفراط فى حب المال بطريقة ذميمة . وبعد هذا الزجر والردع لهم ، لسوء أقوالهم وأفعالهم ، أخذت السورة الكريمة فى زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأهوال الآخرة فقال : - تعالى -: ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكا دكا﴾. وقوله - تعالى -: ﴿ كلا إذا دكت الأرض «كادكا) ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة ، وهى عدم إكرام اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين . وقوله: ﴿ دكت الأرض ﴾ من الدك: بمعنى الكسر والدق والزلزلة الشديدة، والتحطيم الجسيم، وانتصب لفظ ((دكا)» الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل ، وانتصاب الثانى على أنه تأكيد للأول . وقيل: تكرار (( دكا)) للدلالة على الاستيعاب ، كقولك : قرأت النحو بابا بابا ، أى : قرأته كله . قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿ كلا إذا دكت الأرض ... ﴾ أى: ما هكذا ينبغى أن يكون الامر . فهو رد لانكبابهم على الدنيا ، وجمعهم لها ، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض ، ولا ينفعه الندم ، والدك : الكسر والدق ، أى : زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك . وقوله: ﴿ دكادكا﴾ أى: مرة بعد مرة ، زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شىء ٠٠٠ ٣٩٣ سورة الفجر على ظهرها .. (١) . وقوله - تعالى -: ﴿وجاء ربك ... ) هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التى يرى السلف وجوب الإِيمان بها كما جاءت ، بمعنى أننا نؤمن بمجىء الله - تعالى - ولكن من غير تكييف ولا تمثيل ، بل نكل علم كيفية مجيئه إلى مشيئته - تعالى - . والخلف يؤولون ذلك بأى المجىء هنا بمعنى مجىء أمره وقضائه . قال الآلوسي: قوله - تعالى -: ﴿وجاء ربك ... ﴾ قال منذر بن سعيد ، معناه : ظھر - سبحانه - للخلق هنالك ، وليس ذلك بمجىء نقلة .. وقيل : الكلام على حذف مضاف للتهويل ، أى : وجاء أمر ربك وقضاؤه . واختار جمع أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره - تعالى - وتبيين آثار قدرته وسلطانه ، مثلت حاله - سبحانه - فى ذلك ، بحال الملك إذا - حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة مالا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم ، وأنت تعلم ما للسلف فى المتشابه من الكلام . والملَكُ﴾ أى: جنس المَلَكِ، فيشمل جميع الملائكة ﴿ صفاصفا﴾ أى: مصطفين، أو ذوى صفوف .. (٢) . وقوله - تعالى -: ﴿وجىء يومئذ بجهنم ﴾ أى: وأحضرت جهنم وظهرت وبرزت للكافرين والفاسقين يوم القيامة ، يوم تدك الأرض دكا . وقوله: ﴿يومئذ﴾ منصوب بقوله ﴿جىء﴾. وقوله ﴿ بجهنم﴾ قائم مقام الفاعل. روى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - 3 18 -: ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها .. (٣). يومئذ ﴾ أى: فى هذا اليوم العسير، وهو يوم القيامة - وهو بدل من قوله - تعالى -: ﴿ إذا دكت الأرض﴾ - ﴿يتذكر الانسان﴾ أى: يتذكر ما فرط منه من ذنوب ، وما ارتكبه من سيئات ، وما وقع فيه من كفر وفسوق عن أمر ربه . وأنى له الذكرى﴾ أى: ومن أين له الانتفاع بهذا التذكر، لأنه تذكر قد جاء فى غير وقت الانتفاع به ، وهو وقت الحساب على الأعمال ، لا وقت التوبة من السيئ منها . يقول ﴾ هذا الانسان الشقى ﴿ياليتنى قدمت لحياتي﴾ أى: يقول حين يرى العذاب (١) تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ٥٤ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٢٨ . (٣) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص. ٤٢١ . ٣٩٤ المجلد الخامس عشر ماثلا أمامه ، يقول - على سبيل التحسر والتفجع - : ياليتنى قدمت أعمالا صالحة لأجل حياتى هذه فى الآخرة ، فاللام للتعليل ، وقدمت أعمالا صالحة فى وقت حياتى فى الدنيا لأنتفع بها فى هذا اليوم ، فتكون اللام للتوقيت . : فيومئذ ﴾ أى: ففى هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر، و﴿ لا يعذّب عذابه أحد ، ولا يوثِقُ وثاقه أحد ﴾ والوثاق : الرباط الذى يقيد به الأسير . أى: ففى هذا اليوم لا يعذّب كعذاب الله أحد ، ولا يوثق كوثاقه أحد، فالضمير فى قوله: ﴿ عذابه﴾ و﴿ ثاقه﴾ يعود إلى الله - تعالى - ولفظ ((أحد)) فاعل. وقرأ الكسائى: ﴿لا يعذَّب﴾ و﴿ لا يوثَق﴾ - بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء = على البناء للمفعول ، والضمير فى قوله ﴿ عذابه﴾ و﴿ وثاقه ﴾ يعود للكافر . أى : فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإِنسان الكافر المتحسر ، ولا يوثق أحد مثل وثاقه، ولفظ ((أحد )» هنا نائب فاعل . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ﴿ قال اللّه إنى منزلها عليكم) - أى : المائدة - فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ﴾ . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال : ﴿ يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية . فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى ﴾ . والنفس المطمئنة : هى النفس الآمنة من الخوف أو الحزن فى يوم القيامة . بسبب إيمانها الصادق ، وعملها الصالح ، والكلام على إرادة القول . أى : يقول الله - تعالى - على لسان ملائكته ، إكراما للمؤمنين ، عند وفاتهم ، أو عند تمام حسابهم : يأيتها النفس الآمنة المطمئنة ، الناعمة بروح اليقين ، الواثقة بفضل الله - تعالى - ورحمته. ﴿ارجعى إلى ربك راضية مرضية﴾ أى: ارجعى إلى ربك الذى خلقك، وأنت راضية تمام الرضا بما أعطاك - سبحانه - من ثواب ، ومرضى عنك منه - تعالى - بسبب إيمانك الصادق ، وعملك الصالح . ﴿فادخلى فى عبادى﴾ أى: فادخلى فى زمرة عبادى الصالحين المرضيين. ﴿وادخلى جنتى﴾ التى وعدتهم بها، والتى أعددتها لنعيمهم الدائم المقيم. وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى شأن عثمان بن عفان لمّا تصدق ببئر رومة . وقيل : نزلت فى حمزة بن عبد المطلب حين استشهد . ٣٩٥ سورة الفجر قال القرطبى : والصحيح أنها عامة فى نفس كل مؤمن مخلص طائع .. (١). نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب النفوس المطمئنة . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. القاهرة مدينة نصر ٩ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ مساء الاثنين ١٣ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م ١ (١) تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ٥٨ . ء 1 - ٣٩٧ سورة البلد بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ تفسير سورة البلد مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((البلد)) وتسمى سورة ((لا أقسم)) من السور المكية الخالصة، وعلى ذلك سار المحققون من المفسرين . قال القرطبى: سورة ((البلد)) مكية باتفاق .. (١) . وقال الآلوسى : مكية فى قول الجمهور بتمامها ، وقيل : مدنية بتمامها . وقيل : مدنية إلا أربع آيات من أولها . واعترض كلا القولين بأنه يأباهما قوله ﴿بهذا البلد ﴾ - إذ المقصود بهذا البلد مكة - ، ولقوة الاعتراض ادعى الزمخشرى الإجماع على مكيتها .. (٢). والذى تطمئن إليه النفس ، أن هذه السورة من السور المكية الخالصة ، ولا يوجد دليل يعتمد عليه يخالف ذلك . قال الشوكانى: سورة ((البلد))، ويقال لها سورة ((لا أقسم)) وهى عشرون آية. وهى مكية بلا خلاف . وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقى عن ابن عباس قال: نزلت سورة ((لا أقسم)) بمكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله . ٢ - وهى السورة الخامسة والثلاثون فى ترتيب نزول السور ، فقد كان نزولها بعد سورة ((ق))، وقبل سورة ((الطارق))، أما ترتيبها فى المصحف فهى السورة التسعون . ومن مقاصدها : التنويه بشأن مكة ، لشرفها وحرمتها ووجود البيت المعظم بها ، وتعداد نعم الله - تعالى - على الإِنسان حتى يرجع عن عصيانه وغروره ، ويخلص العبادة لخالقه ، وبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار .. (١) تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ٥٩ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٣٣. ٣٩٨ المجلد الخامس عشر التفسير قال الله - تعالى - : اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِسْـ لَّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ىِ، وَأَنْتَ حِلُّ بِهَذَا الْبَدِ ى وَ وَالِدٍ وَمَاوَلَدَ ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ نَ أَيَخْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أنْ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَا لَا تُبَّدًّاَنْ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَهُ أَحَدُّ ﴿ أَلَمْ فَجَعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنٍ ﴿ وَهَدَيْنَهُ ١٢ النَّجْدَيْنِ ، فَلَا أَقْنَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَمَآ أَدْرَنِكَ مَاُلْعَقَبَةُ فَقُّ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ(١٥) يَتِيمَاذَا مَقْرَبَةٍ ثُنَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ أَوْمِسْكِينَا ذَامَتْرَبةٍ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْبِلْمَرْحَمَةِ (١٣) أُوْلَئِكَ أَضْحَبُ اَلْيَمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُواْبِتَا يَلِنَا هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ ) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ افتتحت السورة الكريمة بالقسم ، تشويقا لما يرد بعده ، وتأكيدا للمقسم عليه . و((لا)) فى مثل هذا التركيب، يرى المحققون أنها مزيدة للتأكيد ، والمعنى : أقسم بهذا البلد . أى : مكة المكرمة ، وقد جاء القسم بها فى قوله - تعالى -: ﴿والتين والزيتون ، وطور سينين ، وهذا البلد الأمين ﴾ . قال الشيخ محمد عبده - رحمه الله -: قوله ﴿ لا أقسم ... ﴾ عبارة من عبارات العرب فى ٣٩٩ ● سورة البلد القسم ، يراد بها تأكيد الخبر ، كأنه فى ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم . ويقال إنه يؤتى بها فى القسم إذا أريد تعظيم المقسم به . كأن القائل يقول : إنى لا أعظمه بالقسم ، لأنه عظيم فى نفسه ، والمعنى فى كل حال على القسم .. (١). وقال بعض العلماء: (( لا)) هذه للنفى ، وهذه عبارة تعود العرب أن يقولوها عندما يكون المقسم عليه ظاهرا أمره ، كأنه - تعالى - يقول : أنا لا أقسم بهذه الأشياء ، على إثبات هذا المطلوب الذى أذكره بعد ، لأن إثباته أظهر وأجلى وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم . ويقال : معناه : أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب ، لأنه أعظم وأجل وأكبر من أن يقسم عليه ، بهذه الأمور الهيئة الشأن ، والغرض على هذا الوجه ، تعظيم المقسم عليه ، وتفخيم شأنه .. (٢) . والإِشارة بلفظ ((هذا)) مع بيانه بالبلد، إشارة إلى حاضر فى أذهان السامعين ، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها . وبعضهم كان يعرفها معرفة لاخفاء معها ، وشبيه بذلك قوله - تعالى -: ﴿ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شىء ﴾. وفائدة الإِتيان باسم الإشارة هنا : تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه به . وجملة : ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ معترضة بين القسم وجوابه . ٠ وقوله - تعالى - ﴿ حل) اسم مصدر أحل بمعنى أباح ، فيكون المعنى: وأنت - أيها الرسول الكريم - قد استحل كفار مكة إيذاءك ومحاربتك .. مع أنهم يحرمون ذلك النسبة لغيرك ، فى هذا البلد الأمين . ويصح أن يكون لفظ (( حل)) هنا بمعنى الحلال الذى هو ضد الحرام يقال : هو حل وحلال ، وحِرْمٌ وحرام .. فيكون المعنى : وأنت أيها الرسول الكريم - قد أحل الله - تعالى - لك أن تفعل بهؤلاء المشركين ما شئت من القتل أو العفو . وتكون الجملة الكريمة ، بشارة للنبى - عليه - بأن الله - تعالى - سينصره على مشركى قريش، ويمكنه من رقابهم .. وقد أنجز له - سبحانه - ذلك يوم الفتح الأكبر . قال صاحب الكشاف : أقسم الله - تعالى - بالبلد الحرام وما بعده ، على أن الإِنسان خلق مغمورا فى مكابدة المشاق والشدائد ، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: ﴿وأنت (١) تفسير جزء عم ص ٢٤ طبعة الشعب . (٢) تفسير جزء عم ص ٦٥ لفضيلة الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد - رحمه الله - . .أ ٤٠٠ المجلد الخامس عشر حل بهذا البلد ) يعنى : ومن المكابدة أن مثلك - يا محمد - على عظم حرمتك ، يُسْتحل بهذا البلد الحرام ، كما يستحل الصيد فى غير الحرم . وفيه تثبيت لرسول الله - * - وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب من حالهم فى عداوته . أو سلى - وَ ﴿ - بالقسم ببلده ، على أن الإِنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد ، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عليه فقال: ﴿وأنت حل بهذا البلد يعنى : وأنت حل ٨ فى المستقبل ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر . فإن قلت: أين نظير قوله: ﴿وأنت حل) فى معنى الاستقبال ؟ قلت: قوله - تعالى - إنك ميت وإنهم ميتون ٠ وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال ، وأن تفسيره بالحال محال ، أن السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة من وقت نزولها ؟ فما بال الفتح ؟(١). ويرى بعضهم أن معنى قوله - تعالى - : ﴿وأنت حل بهذا البلد ): وأنت مقيم بهذا البلد ، ونازل فيه ، وحالّ به ، وكفى فخراً لمكة أن تنزل فيها - أيها الرسول الكريم - فإن الأمكنة الشريفة تزداد شرفا بنزول رسل الله - تعالى - فيها ، فكيف وأنت خاتمهم وإمامهم ؟ . 1 قال بعض العلماء: وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين: أن معنى (( وأنت حل بهذا البلد)) وأنت ساكن بهذا البلد ، حال فيه .. وهو يقتضى أن تكون هذه الآية موضع الحال من ضمير («أقسم)) فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار بلد محمد - * - وهو تأويل جميل، لو ساعد عليه ثبوت استعمال ((حل)» بمعنى حالٌ، أى: مقيم فى مكان ، فإن هذا لم يرد فى كتب اللغة .. ولذا لم يذكر هذا المعنى صاحب الكشاف .. (٢). ويبدو لنا أن هذه الأقوال لا تعارض بينها، بل يؤيد بعضها بعضا، لأن الرسول - والر - قد آذاه أهل مكة، بينما حرموا إيذاء غيره، وأن الله - تعالى - قد مكن رسوله - والز - منهم. كما حدث فى غزوة الفتح، وأنه - وَ الز - قد أقام معهم فى مكة أكثر من خمسين سنة ، وكان يلقب عندهم بالصادق الأمين .. (١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٥٣ . ( ٢) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور - رحمه الله - جـ ٣٠ ص ٣٤٨ . ؛