Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١٠
سورة المرسلات
يقال: اعتذرت إلى فلان ، إذا أتيت له يعذر يترتب عليه محو الإِساءة .
ثم يقال لهم - أيضا - على سبيل التحدى والتقريع ﴿ هذا ﴾ هو يوم القيامة ﴿ يوم -
الفصل﴾ بين المحقين والمبطين ( جمعناكم) فيه - أيها الكافرون - مع من تقدمكم من
الكفار ﴿ الأولين ﴾.
فإن كان لكم ﴾ - أيها الكافرون - ﴿ كيد﴾ أى: مخرج وحيلة ومنفذ من العذاب
الذى حل بكم ﴿ فكيدون﴾ أى: فافعلوه وقوموا به فأنتم الآن فى أشد حالات الاحتياج إلى
من يخفف العذاب عنكم .
أو المعنى : ﴿ فإن كان لکم کید ﴾ أى : قدرة علی کید دینی ورسلی والمؤمنین ، کما کنتم
تفعلون فى الدنيا ﴿ فكيدون﴾ أى: فأظهروه اليوم. والأمر للتعجيز، لأنه من المعروف أنهم
فى يوم القيامة لاقدرة لهم ولا حيلة .
وهكذا نجد أن هذه الآيات الكريمة ، قد ساقت ألوانا من الأدلة على وحدانية
الله - تعالى - ، وعلى أن يوم البعث حق ، وعلى العاقبة السيئة التى سيكون عليها الكافرون
يوم القيامة .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالموازنة بين حال المتقين ، وحال المجرمين ، فقال :
إِنَّالْمُتَّقِينَ فِى
ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ® وَفَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَنَاً
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ فَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَيَلْ يَوْمَيِلٍ
لِلْمَكَذِّبِينَ ه ◌ُوا وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمْ تُجْرِمُونَ ﴿ وَيَلْ يَوْمَيِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ وَ إِذَا قِلَ لَهُ أَرْكَعُواْ لاَ يَزْكَعُونَ (٨)، وَيْلٌ
يَوْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ فَأَتِيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ مُ يُؤْمِنُونَ
أى: ﴿ إن المتقين﴾ الذين صانوا فى دنياهم أنفسهم عن الكفر والفسوق والعصيان،
واعتصموا بالرشد والهدى والإِيمان .
سيكونون يوم القيامة ﴿ فى ظلال﴾ الأشجار والقصور، جمع ظل: وهو كل موضع

٢٤٢
المجلد الخامس عشر
لا تصل إليه الشمس . وفى ﴿ عيون﴾ من ماء وعسل ولبن وخمر .
وهم - أيضا - فى ﴿ فواكه) وهى ما يتفكه به ويتنعم . جمع فاكهة ﴿ مما يشتهون﴾
أى : يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها ، بدون تعب فى طلبها ، فهى تحت أيديهم .
ويقال لهم - على سبيل التكريم والتشريف - ﴿ كلوا﴾ أكلا مريئا ﴿واشربوا ﴾
شربا ﴿ هنيئا﴾ جزاء ﴿ بما كنتم تعملون﴾ فى الدنيا من أعمال صالحة.
إنا كذلك نجزى المحسنين ﴾ أى : إنا من شأننا أننا نعطى مثل هذا الجزاء الطيب
للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم وأفعالهم ، وصانوا أنفسهم عن كل مالا يرضينا ، هذا هو جزاء
المتقين المحسنين ، أما الكافرون المكذبون ، فيقال لهم مرة ومرات - على سبيل التوبيخ
والزجر -: ﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ﴾.
أى: ﴿ كلوا﴾ فى دنياكم كما تأكل الأنعام ﴿وتمتعوا﴾ بملذاتكم متاعا ﴿ قليلا ﴾
سينتهى عما قريب ، وستلقون فى آخرتكم أشد أنواع العذاب . بسبب أنكم كنتم فى الدنيا
دأبكم الإِجرام ، والإصرار على الكفر والفسوق والعصيان .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صح أن يقال لهم ذلك فى الآخرة ؟ قلت : يقال لهم
ذلك فى الآخرة إيذانا بأنهم كانوا فى الدنيا أحقاء بأن يقال لهم ، وكانوا من أهله ، تذكيرا
بحالهم السمجة ، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل ، على النعيم والملك الخالد .
وعلل ذلك بكونهم مجرمين ، دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قليلة ، ثم
البقاء فى الهلاك أبدا . ويجوز أن يكون ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين فى
الدنيا .. (١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ أى : هلاك دائم وعذاب مقيم يوم
القيامة للمكذبين ، الذين آثروا المتاع القليل الفانى فى الدنيا ، على النعيم الدائم فى الآخرة .
وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ﴾ أى: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين اركعوا فى الدنيا مع
الراكعين، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول - مثلا - ومع المؤمنين.
إذا قيل لهم ذلك - على سبيل النصح والإِرشاد - صموا آذانهم ، وأصروا واستكبروا
استكبارا ، وأبوا أن يصلوا مع المصلين .
وعبر عن الصلاة بالركوع ، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها ، فهو من باب التعبير
بالجزء عن الكل .
(١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٨٢ .

٢٤٣
سورة المرسلات
﴿ ويل يومئذ للمكذبين﴾ أى: هلاك شديد يوم القيامة لهؤلاء المكذبين.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا التعجيب من أحوالهم التى بلغت النهاية فى القبح
والجحود والعناد فقال - تعالى - : ﴿ فبأى حديث بعده يؤمنون
والفاء للإِفصاح ، أى: إذا كانوا لم يؤمنوا بهذا القرآن المشتمل على أسمى أنواع الهدايات
وأحكمها وأوضحها .. فبأى حديث بعد القرآن يؤمنون ؟ إنه من المستبعد إيمانهم بعد أن
أعرضوا عن كل الحجج التى تهدى إلى الإِيمان ، فالاستفهام فى قوله : ﴿ فبأى حديث .. ﴾
مستعمل فى الإِنكار التعجيبى من حالهم، والضمير فى ((بعده)) يعود إلى القرآن، وهو وإن لم
يسبق له ذكر ، فإنه ملحوظ فى أذهانهم ، إذ فى كل وقت يذكرهم الرسول - رَطاقة - به .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ فبأى حديث بعد اللّه وآياته يؤمنون﴾.
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((المرسلات )) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه
ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الراجي عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر .
صباح السبت ٢ من المحرم سنة ١٤٠٧ هـ
د . محمد سيد طنطاوى
الموافق ٦ / ٩ / ١٩٨٦ م .

٢٤٥
سورة النبأ
بِسْمِ اللّهُ الرَّحْمَنّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة النبأ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((النبأ)) هى أول سورة فى الجزء الأخير من القرآن الكريم، وتسمى
- أيضا - بسورة (( عم يتساءلون)) وبسورة ((عم))، وبسورة ((المعصرات))، وبسورة
((التساؤل))، فهذه خمسة أسماء لهذه السورة ، سميت بها لورود هذه الألفاظ فيها .
٢ - وهى من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها أربعون آية فى المصحف الكوفى والمكى ،
وإحدى وأربعون فى غيرهما. وكان نزولها بعد سورة ((المعارج))، وقبل سورة
((النازعات)).
٣ - وهذه السورة من أهم مقاصدها : توبيخ المشركين على خوضهم فى القرآن الكريم
بدون علم ، وتهديدهم بسوء المصير إذا ما استمروا فى طغيانهم ، وإقامة الأدلة المتنوعة على
وحدانية الله - تعالى - وعلى مظاهر قدرته ، وبيان ما أعده - سبحانه - للكافرين من
عقاب ، وما أعده للمتقين من ثواب ، وإنذار للناس بوجوب تقديم العمل الصالح من قبل أن
يأتى يوم القيامة ، الذى لا ينفع فيه الندم على ما فات ..
٤ - ويبلغ عدد سور هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم سبعا وثلاثين سورة ، كلها
مكية ، سوى سورتى ((البينة والنصر)) وكلها تمتاز بقصرها ، على تفاوت فى هذا القصر،
ومعظمها مشتمل على إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى أن هذا القرآن من عند
الله. وعلى صدق الرسول - * - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى المقارنة بين حسن عاقبة

٢٤٦
المجلد الخامس عشر
الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار ، وعلى التذكير المتكرر بأهوال يوم القيامة ، وبأنه آت لا ريب
فيه ، وعلى التحذير من الغفلة عن الاستعداد له ، وعلى الإِفاضة فى بيان نعم الله - تعالى -
على الناس ، وعلى بيان ما حل بالمكذبين السابقين من دمار ..
كل ذلك بأسلوب بديع معجز ، تخشع له القلوب ، وتتأثر به النفوس ، وتقشعر منه جلود
الذين يخشون ربهم ..

:.
سورة النبأ
٢٤٧
التفسير
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - :
٠٠
مِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
عَمَّيَسَلَّ لُونَ ) عَنِ النََّاِاَلْعَظِيمِ نْ الَّذِي هُرَفِيهِ مُخْتَلِفُونَ )
كَلَا سَيَعْلَمُونَ ) ثُّكَلَا سَيَعْلَمُونَ ، أَرْ نَجْعَلِالْأَرْضَ مِهَدًا ))
وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْتَكُمْأَزْوَجَاةَ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا
﴿ وَجَعَلْنَا الَّلَ لِبَاسَالَ وَجَعَلْنَا النَّهَرَ مَعَاشًا وَبَيْنَا
فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١) وَجَعَلْنَاسِرَاجًا وَهَّا بِجَارَ وَأَنْزَلْنَا
مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءٍ تَجَاجًا ، لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبَّا وَنَبَاتًا(٨) وَجَنَّتٍ
أَلْفَافًا (١٦) إِنَّيَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتًّا (٢) يَوْمَ يُنفَعُ فِ الصُّورِ
فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُيُحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا () وَسُيِّرَتِ
الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
ولفظ ((عم)) مركب من كلمتين، هما حرف الجر ((عن)) و((ما)) التى هى اسم
استفهام، فأصل هذا اللفظ: ((عن ما)) فأدغمت النون فى الميم لأن الميم تشاركها فى الغنة ،
وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام. والجار والمجرور متعلق بفعل ((يتساءلون)).
والتساؤل : تفاعل من السؤال ، بمعنى أن يسأل بعض الناس بعضا عن أمر معين ، على
سبيل معرفة وجه الحق فيه ، أو على سبيل التهكم .
والنبأ : الخبر مطلقا، ويرى بعضهم أنه الخبر ذو الفائدة العظيمة .

٢٤٨
المجلد الخامس عشر
والمعنى : عن أى شىء يتساءل هؤلاء المشركون ؟ وعن أى أمر يسأل بعضهم بعضا ؟ إنهم
يتساءلون عن النبأ العظيم، والخبر الهام الذى جاءهم به الرسول - رَ * - ، والذى نطق به
القرآن الكريم ، من أن البعث حق ، ومن أن هذا القرآن الكريم من عند الله - تعالى - ومن
أن الرسول - وَ﴿ - صادق فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه .
وافتتح - سبحانه - الكلام بأسلوب الاستفهام ، لتشويق السامع إلى المستفهم عنه ،
ولتهويل أمره ، وتعظيم شأنه .
والضمير فى قوله ﴿ يتساءلون ﴾ يعود إلى المشركين ، الذين كانوا يكثرون من التساؤل
فيما بينهم عن الرسول - وَلقوله - ، وعما جاء به من عند ربه ، فقد أخرج ابن جرير وابن أبى
حاتم عن الحسن قال: لما بعث النبى - ◌َير - جعلوا يتساءلون فيما بينهم - عن أمره وعما
جاءهم به - فنزل قوله - تعالى -: ﴿ عم يتساءلون. عن النبأ العظيم ... ﴾(١).
وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر ، لأنهم معروفون من السياق ، إذ هم
- دون غيرهم - الذين كانوا يتساءلون فيما بينهم - على سبيل التهكم - عما جاء به النبى
·一瓣 -
وقوله - تعالى -: ﴿ عن النبأ العظيم ) تهويل لشأن هذا الأمر الذى يتساءلون فيما
بينهم عنه، ووصف - سبحانه - النبأ بالعظم ، زيادة فى هذا التهويل والتفخيم من شأنه ،
لكى تتوجه إليه أذهانهم ، وتلتفت إليهم أفهامهم .
فكأنه - سبحانه - يقول : عن أى شىء يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضا ؟ أتريدون
أن تعرفوا ذلك على سبيل الحقيقة ؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم ، وعن الخبر الجسيم ،
الذى هم فيه مختلفون ﴾ ما بين منكر له إنكاراً تاما، كما حكى - سبحانه - عنهم فى
قوله : ﴿إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين﴾ (٢). وما بين متردد فى
شأنه ، كما حكى - سبحانه - عن بعضهم فى قوله: ﴿ وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا
ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة ، إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ﴾(٣).
قال صاحب الكشاف قوله: ﴿عم﴾ أصله عما، على أنه حرف جر، دخل على
ما الاستفهامية .
ومعنى هذا الاستفهام : تفخيم الشأن ، كأنه قال : عن أى شىء يتساءلون . ونحوه ما فى
(١) أسباب النزول ص ٢٣٢ السيوطى .
(٢) سورة المؤمنون آية ٣٧ .
(٣) سورة الجائية آية ٣٢ .

٢٤٩
سورة النبأ
قولك : زيد مازيد ؟ جعلته لانقطاع قرينه ، وعدم نظيره ، كأنه شىء خفى عليك جنسه ،
فأنت تسأل عن جنسه ، وتفحص عن جوهره ، كما تقول : ما الغول وما العنقاء .. ؟ .
يتساءلون ﴾ يسأل بعضهم بعضا .. والضمير لأهل مكة، فقد كانوا يتساءلون فيما
بينهم عن البعث .
وقوله : ﴿ عن النبأ العظيم ﴾ بيان للشأن المفخم.
فإن قلت : قد زعمت أن الضمير فى ﴿ يتساءلون﴾ للكفار، فما تصنع بقوله: ﴿ الذى
هم فيه مختلفون ﴾؟ قلت : كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث ، ومنهم من يشك .
وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعا ، وكانوا جميعا يسألون عنه ، أما المسلم فليزداد
خشية واستعدادا ، وأما الكافر فليزداد استهزاء .. (١) .
ثم هدد - سبحانه - هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبى - 383 - تهديدا شديدا ، فقال
كلا سيعلمون ، ثم كلا سيعلمون ﴾ .
و((كلا)) حرف زجر وردع ، والمقصود بها هنا : ردع أولئك المتسائلين عن النبأ العظيم ،
ونوعدهم على اختلافهم فى شأنه .
أى : كلا ليس الأمر كما يتوهمه أولئك المتسائلون ، من استهزائهم بما جاءهم به الرسول
- وَل﴿ه - ومن إنكارهم لكون القرآن الكريم من عندالله، أو لكون البعث حق. بل الحق
كل الحق أن الرسول - وَل﴿ - صادق كل الصدق فيما يبلغه عن ربه، وأن هؤلاء المتسائلين
سيرون عما قريب سوء عاقبة استهزائهم واختلافهم .
والجملة الثانية وهى قوله: ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ جىء بها لزيادة التهديد والوعيد ،
ولبيان أن الوعيد الثانى أشد وأبلغ من الوعيد الأول .
وحذف مفعول ﴿ سيعلمون﴾ للتعميم والتهويل، أى: سيعلمون علم اليقين ما سيحل
بهم من عذاب مقيم ، وسيرون ذلك رأى العين عما قريب ، كما قال - تعالى - ﴿ إنهم يرونه
بعيدا ، ونراه قريبا ﴾ .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك تسعة أدلة ، كلها تدل على أن البعث حق ، لأن القادر على
إيجاد هذه الأشياء، قادر - أيضا - على إعادتهم إلى الحياة ، فقال - تعالى -: ﴿ألم نجعل
الأرض مهادا ﴾ والاستفهام هنا للتقرير ، أى : لقد جعلنا - بقدرتنا التى لا يعجزها شىء -
(١٠) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٨٣ .

٢٥٠
المجلد الخامس عشر
الأرض كالفراش الممهد الموطأ ، لتتمكنوا من الاستقرار عليها ، ومن التقلب فيها .. كما
يتقلب الطفل فى مهده ، أى : فراشه .
والمهاد : مصدر بمعنى الفراش الموطأ المعهد ، وهو اسم لما يوضع للصبى لكى ينام عليه ،
ووصفت الأرض به على سبيل المبالغة فى جعلها مكان استقرار الناس وانتفاعهم وراحتهم ،
والكلام على سبيل التشبيه البليغ ، أو على حذف مضاف .
وجعل بمعنى صير . أى : لقد صيرنا الأرض بقدرتنا كفراش الصبى بالنسبة لكم ، حيث
تتقلبون عليها كما يتقلب الصبى فى فراشه .. أو صيرناها ذات مهاد .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف اتصل قوله : ﴿ ألم نجعل الأرض
مهادا﴾ بما قبله؟ . قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه
الخلائق العجيبة الدالة على كمال قدرته ، فما وجه إنكار قدرته على البعث . وما هو إلا اختراع
كهذه الاختراعات ؟
ومهادا : فراشا ، وقرئ: مهدا . ومعناه : أنها لهم كالمهد للصبى ، وهو ما يمهد له فينوّم
عليه ، تسمية للممهود بالمصدر ، كضرب الأمير. أو وصفت بالمصدر ، أو بمعنى ذات مهد .. (١).
وقوله : ﴿ والجبال أوتادا﴾ معطوف على ما قبله، والأوتاد: جمع وتد ، وهو ما يشد به
الشىء حتى لا يتحرك أو يضطرب ، والكلام على التشبيه - أيضا - .
أى : لقد صيرنا - بقدرتنا - الأرض كالمهاد لتتمكنوا من الاستقرار عليها .. وجعلنا
الجبال كالأوتاد للأرض، لئلا تميد أو تضطرب بكم .. كما قال - تعالى -: ﴿ وألقى فى
الأرض رواسى أن تميد بكم .. ﴾(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿وخلقناكم أزواجا ﴾ دليل ثالث على قدرته، والأزواج: جمع
زوج. وهو اسم للعدد الذى يكرر الواحد منه مرة واحدة ، والمراد به هنا: الذكور والإناث .
أى : ومن مظاهر قدرتنا أننا خلقناكم - يابنى آدم - مزدوجين، أى: ذكر وأنثى ، ليتأتى
التناسل ، وحفظ النوع من الانقراض ، وتنظيم أمر المعاش فى الأرض ، عن طريق استمتاع
كل نوع بالآخر، كما قال - تعالى -: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا
لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة .. ﴾(٣).
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٨٥ .
(٢) سورة النحل الآية ١٥.
(٣) سورة الروم الآية ٢١ .

٢٥١
سورة النبأ
قال الآلوسي : ﴿ أزواجا﴾ أى: مزدوجين ذكرا وأنثى ليتسنى التناسل .
وقيل أزواجا : أى : أصنافا فى اللون والصورة واللسان . وقيل : يجوز أن يكون المراد من
الخلق أزواجا : الخلق من منيين : منى الرجل ومنى المرأة .. (١) .
. ...... ....
وقوله - تعالى - ﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾ بيان لدليل رابع على قدرته - تعالى - على
البعث. و((السبات)) مصدر بمعنى السبت ، أى : القطع ، يقال : سبت فلان الشىء سبتا ،
إذا قطعه ، وسبت فلان شعره ، إذا حلقه وأزاله - وفعله كضرب ونصر - .
ويصح أن يكون قوله سباتا من السبت بمعنى الراحة والسكون ، يقال : سبت فلان يسبت ،
إذا استراح بعد تعب ، ومنه سمى يوم السبت ، لأن اليهود ينقطعون فيه عن أعمالهم للراحة .
والمعنى: وجعلنا - بمقتضى حكمتنا ورحمتنا - نومكم ((سباتا)) أى : قطعا للحركة ،
لتحصل لكم للراحة التى لا تستطيعون مواصلة العمل إلا بعدها .
وهذه الحالة التى لابد لكم منها ، وهى الراحة بعد عناء العمل عن طريق النوم ثم
استيقاظكم منه ، أشبه ما تكون بإعادة الحياة إليكم بعد موتكم ..
وقوله - تعالى -: ﴿وجعلنا الليل لباسا ، وجعلنا النهار معاشا﴾ بيان لنعمة أخرى من
نعمه التى لا تحصى ، والتى تدل على كمال قدرته . أى : وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا - الليل
كاللباس الساتر لكم ، فهو يلفكم بظلمته ، كما يلف اللباس صاحبه .. كما أننا جعلنا النهار
وقت معاشكم ، لكى تحصلوا فيه ما أنتم فى حاجة إلى تحصيله من أرزاق ومنافع .
ووصف - سبحانه - الليل بأنه كاللباس ، والنهار بأنه وقت المعاش ، لأن الشأن فيهما
كذلك ، إذ الليل هو وقت الراحة والسكون والاختلاء .. والنهار هو وقت السعى والحركة
والانتشار .
ثم لفت - سبحانه - الأنظار إلى مظاهر قدرته فى خلق السموات فقال : ﴿وبنينا فوقكم
سبعا شدادا
أى : وبنينا وأوجدنا بقدرتنا التى لا يعجزها شىء ، فوقكم - أيها الناس - سبع سماوات
قويات محكمات ، لا يتطرق إليهن فطور أو شقوق على مر العصور، وكر الدهور .
فقوله ﴿ شدادا ﴾ جمع شديدة ، وهى الهيئة الموصوفة بالشدة والقوة .
وقوله - سبحانه - ﴿ وجعلنا سراجا وهاجا ﴾ نعمة أخرى من نعمه الدالة على قدرته .
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٧ .

٢٥٢٠
المجلد الخامس عشر
والمراد بالسراج الوهاج : الشمس ، وصفت بكونها سراجا ، لأنها كالمصباح فى إضاءته لما
حوله . ووصف السراج بأنه وهاج ، مبالغة فى شدة ضيائه ولمعانه ، من الوهج - يفتح الواو
والهاء - بمعنى شدة الضياء ..
والكلام على التشبيه البليغ ، والمقصود منه تقريب صفة المشبه إلى الأذهان ، وإلا فالشمس
أعظم من كل سراج .
أى : وأنشأنا وأوجدنا - بقدرتنا ومنتنا - فى السماء ، سراجا زاهرا مضيئا .. هو الشمس
المتوهجة من شدة حرارتها وضيائها ، والتى تشرق على هذا الكون فتحول ظلامه إلى نور ،
بقدرته - تعالى - .
أما الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث ، فنراه فى قوله - تعالى - :
وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ، لنخرج به حبا ونباتا . وجنات ألفافا ﴾ .
والمعصرات - بضم الميم وكسر الصاد - السحب التى تحمل المطر ، جمع معصرة - بكسر
الصاد - اسم فاعل ، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به ..
( قال ابن كثير: عن ابن عباس: ((المعصرات)) الرياح . لأنها تستدر المطر من
السحاب .. وفى رواية عنه أن المراد بها : السحاب ، وكذا قال عكرمة .. واختاره ابن جرير ..
وقال الفراء : هى السحاب التى تتحلب بالماء ولم تمطر بعد ، كما يقال : امرأة معصر ، إذا
حان حيضها ولم تحض بعد .
وعن الحسن وقتادة : المعصرات : يعنى السموات . وهذا قول غريب ، والأظهر أن المراد
بها السحاب، كما قال - تعالى -: ﴿اللّه الذى يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه فى السماء
كيف يشاء. ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله .. ﴾(١).
والنجاج : المندفع بقوة وكثرة ، يقال : ثج الماء - كرد - إذا انصب بقوة وكثرة .
ومطر ثجاج ، أى : شديد الانصباب جدا .
وقوله : ﴿ ألفافا﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه ، كالأوزاع للجماعات المتفرقة .
وقيل: جمع لفيف ، كأشراف وشريف . أى : وأنزلنا لكم - يابنى آدم - بقدرتنا ورحمتنا -
من السحائب التى أوشكت على الإِمطار ، ماء كثيرا متدفقا بقوة ، لنخرج بهذا الماء حبا
تقتاتون به - كالقمح والشعير .. ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ ، ولنخرج بهذا الماء
- أيضا بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها .
: (١٠) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٢٧.

٢٥٣
سورة النبأ
فهذه تسعة أدلة أقامها - سبحانه - على أن البعث حق ، وهى أدلة مشاهدة محسوسة ، لا
يستطيع عاقل إنكار واحد منها .. ومادام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث ، مع أنه
- تعالى - قد أوجد لهم كل هذه النعم التى منها ما يتعلق بخلقهم ، ومنها ما يتعلق بالأرض
والسموات ، ومنها ما يتعلق بنومهم ، وبالليل والنهار ، ومنها ما يتعلق بالشمس ، وبالسحب
التى تحمل لهم الماء الذى لا حياة لهم بدونه .
وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل ، أكد - سبحانه - ما اختلفوا فيه ، وما تساءلوا
عنه ، وبين جانبا من أماراته وعلاماته فقال: ﴿إن يوم الفصل كان ميقاتا . يوم ينفخ فى
الصور فتأتون أفواجا . وفتحت السماء فكانت أبوابا . وسيرت الجبال فكانت سرابا ﴾ .
والمراد بيوم الفصل : يوم القيامة ، لأن فيه يكون الفصل بين المحق والمبطل ، والمحسن
والمسىء ، فيجازى كل إنسان على حسب عمله .
والميقات - بزنة مفعال - مشتق من الوقت ، وهو الزمان المحدد لفعل ما . والمراد به هنا :
قيام الساعة ، وبعث الناس من قبورهم . أى : إن يوم البعث والجزاء ، كان ميعادا ووقتا محددا
لبعث الأولين والآخرين ، وما يترتب على ذلك من جزاء وثواب وعقاب .
وقوله ﴿ يوم ينفخ فى الصور ... ﴾ بدل مما قبله. أى: يوم القيامة آت لا ريب فيه ، يوم
نأمر إسرافيل بأن ينفخ فى الصور. أى : فى القرن الذى أوجدناه لذلك.
فتأتون أفواجا ﴾ أى: فتخرجون من قبوركم جماعات جماعات ، وطوائف ، طوائف ،
دون أن يستطيع أحد منكم التخلف عن الحضور إلى المكان الذى أعددناه لذلك .
وفتحت السماء ... ) فى هذا اليوم وشقت .. ﴿فكانت أبوابا﴾ أى: فصارت شقوقها
وفتحاتها. كالأبواب فى سعتها وكثرتها .
﴿وسيرت الجبال ... ﴾ أى: وأزيلت الجبال وحركت من أماكنها بعد تفتتها .
فكانت سرابا﴾ أى: فصارت بعد تفتتها واقتلاعها من أماكنها .. كالسراب، وهو
ما يلوح فى الصحارى ، فيظنه الرائى ماء وهو ليس بماء .
وبعد هذا البيان البديع لجانب من مظاهر قدرته - تعالى - على كل شىء ، ومن ألوان
نعمه على خلقه ، ومن تقرير أن البعث حق .. بعد كل ذلك ، بين - سبحانه - جزاء
الكافرين ، وجزاء المتقين فى هذا اليوم فقال - تعالى - :

٢٥٤
المجلد الخامس عشر
إِنَّ جَهَنَّوَ كَانَتْ مِنْ صَادًا لِلْطَّغِينَ
مَثَابَ الَِّئِينَ فِيَا أَحْقَابًا ﴿ لََّذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
إِلَّ حِيمًا وَغَسَاقًا ٥ جَزَآءُ وِفَاقًا ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ
لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا كِذَّابَا وَكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَيْنَهُ كِتَبَالْ فَذُوقُواْفَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَارًا ◌ْ حَدَابِقَ وَأَعْنَبَ وَكَوَاعِبَ أَنْرَبَا﴾وَكَأْسًا
دِهَاقًا الَّا يَسَّمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَاَ وَلَا كِذَّابَا جَزَآءُ مِّن رَّيِّكَ عَطَآءَ
حِسَابً ا رَّبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِّ ◌َا يَلِكُونَ
مِنْهُ خِطَابَ يَوْمَ يَقُومُ الزُوعُ وَالْمَلَّكَّةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ
إِلَّا مَنْ أَذِّنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ
شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ ممَثَابًاْ إِنَّا أَنذَ رْنَّكُمْ عَذَا بَا قَرِيبًا يَوْمَ
يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ بَيْتَنِى كُنْتُ تُرَبً
وقوله - سبحانه -: ﴿ إن جهنم كانت مرصادا ... ﴾ كلام مستأنف لبيان أهوال جهنم
وأحوالها . وجهنم : اسم لدار العذاب فى الآخرة .
والمرصاد : مفعال من الرَّصَد . تقول : رصدت فلانا أرصده ، إذا ترقبته وانتظرته ، بحيث
لا يهرب منك، ((فمرصادا)) صيغة مبالغة للراصد الشديد الرصد ، وصفت جهنم بذلك، لأن
الكافرين لا يستطيعون التفلت منها مهما حاولوا ذلك .
قال القرطبى: ((مرصادا)) مفعال من الرصَد ، والرصد : كل شىء كان أمامك .. وقال
مقاتل: ((مرصادا)) أى: محبسا . وقيل: طريقا وممرا . وذكر القشيرى : أن المرصاد :
المكان الذى يرصد فيه الواحد العدد . أى: هى معدة لهم ، فالمرصاد بمعنى المحل .. وذكر

٢٥٥
سورة النبأ
الماوردى ، أنها بمعنى راصدة .. وفى الصحاح : الراصد الشىء الراقب له . تقول : رصدته
أرصده ، إذا ترقبته .. (١).
والمعنى : إن جهنم التى هى دار العذاب فى الآخرة ، كانت - بأمر الله - تعالى -
ومشيئته - معدة ومهيئة للكافرين ، فهى ترصدهم وترقبهم بحيث لا يستطيعون الهرب منها ،
فهى كالحارس اليقظ الذى يقف بالمرصد فلا يستطيع أحد أن يتجاوزه .
والمقصود بالآية الكريمة تهديد المشركين ، وبيان أنهم لا مهرب لهم من جهنم ، وأنها فى
انتظارهم ، كما ينتظر العدو عدوه ليقضى عليه .
وقوله: ﴿ للطاغين مآبا﴾ بدل من ﴿مرصادا﴾ وقوله ﴿مآبا﴾ من الأوب بمعنى
المرجع . يقال : آب فلان يؤوب ، إذا رجع ..
أى : إن جهنم كانت للمتجاوزين الحد فى الظلم والطغيان ، هى المكان المهيأ لهم ، والذى
لا يستطيعون الهرب منه ، بل هى مرجعهم الوحيد الذى يرجعون إليه .
وقوله: ﴿ لابثين فيها أحقابا ﴾ أى: مقيمين فى جهنم أزمانا طويلة لا يعلم مقدارها إلا
الله - تعالى - إذ الأحقاب: جمع حُقُب - بضمتين أو بضم فسكون - ، وهو الزمان
الطويل .
لا يذوقون فيها﴾ أى: فى جهنم ﴿بردا﴾ أى: شيئا يخفف عنهم حرها ، من هواء
بارد ، أو نسيم عليل ﴿ ولا شرابا﴾ أى: شيئا من الشراب الذى يطفىء عطشهم، ويخفف
من عذابهم .
إلا حميما وغساقا ﴾ والحميم. هو الماء الذى بلغ الغاية فى الحرارة. والغساق: هو
ما يسيل من جلودهم من القيح والدماء والصديد . يقال : غسق الجرح - كضرب وسمع -
غسقانا ، إذا سالت منه مياه صفراء . أى : أن هؤلاء الطغاة لا يذوقون فى جهنم شيئا من
الهواء البارد ، ولا من الشراب النافع ، لكنهم يذوقون فيها الماء الذى بلغ النهاية فى الحرارة ،
والصديد الذى يسيل من جروحهم وجلودهم .
فالاستثناء فى قوله ﴿ إلا حميما وغساقا﴾، استثناء منقطع، لأن الحميم ليس من جنس
البرد فى شىء ، وكذلك الغساق ليس من جنس الشراب فى شىء .
وقوله - سبحانه - ﴿ جزاء وفاقا ﴾ بيان لعدالة الله - تعالى - معهم ، أى: أننا لم
(١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ١٩٩ .

٢٥٦
المجلد الخامس عشر
نظلمهم بإلقائهم فى جهنم ، وإنما جازيناهم بذلك جزاء موافقا لأعمالهم السيئة فى الدنيا .
فقوله: ﴿ جزاء) منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وقوله ﴿وفاقا ﴾ صفة
له والوفاق مصدر وافق ، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل . أى : جوزوا جزاء موافقا لأعمالهم
القبيحة التى كانوا يعملونها فى الدنيا .
ثم علل - سبحانه - ما أصابهم من عذاب أليم ، فقال : ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حسابا .
وكذبوا بآياتنا كذابا ﴾ . أى: إن هؤلاء الطغاة كانوا فى الدنيا لا يخافون حسابنا، ولا
يفكرون فيه ، بل كانوا يكذبون به ، وبكل ما جاءهم به رسولنا تكذيبا عظيما .
وقوله : ﴿ كِذَّابًا﴾ مصدر كذب ، ومجىء فِعَّال بمعنى تفعيل فى مصدر فَعَّل فصيح شائع.
وأوثر هذا المصدر دون التكذيب ، للإشعار بأن تكذيبهم لآيات الله - تعالى - قد وصل
الغاية فى قبحه وإفراطه . وهو منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله .
قال صاحب الكشاف: قوله ﴿ كِذَّابًا﴾ أى: تكذيبا. وفِعَّال فى باب فَعَّل، كله فاش فى
كلام فصحاء العرب لا يقولون غيره . وهو مصدر كذّب .. (١).
ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال : ﴿ وكل شىء أحصيناه كتابا ﴾
و((كل)) منصوب على الاشتغال، والإِحصاء للشىء: ضبطه ضبطا محكما . وأصله من لفظ
الحصا ، واستعمل فيه لأنهم كانوا يعتمدون على الحصا فى العد ، كما يعتمد بعض الناس الآن
على الأصابع .
قال الجمل: وقوله: ﴿ كتابا﴾ فيه أوجه : أحدها : أنه مصدر من معنى أحصيناه ، أى :
إحصاء فالتجوز فى نفس المصدر . والثانى : أنه مصدر لأحصينا ، لأنه فى معنى كتبنا . فالتجوز
فى نفس الفعل .. (٢) . أى: وكل شىء فى هذا الكون ، قد أحصيناه إحصاء تاما ، بحيث
لا يعزب منه شىء عن علمنا ، مهما كان صغيرا .
والفاء فى قوله ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ﴾ للتفريع على ما تقدم من كون جهنم
كانت مرصادا ، للطاغين مآبا ..
أى : إن جهنم كانت معدة ومهيأة لهؤلاء الطغاة بسبب أعمالهم القبيحة ، وسيقال لهم يوم
القيامة على سبيل الإِذلال والإِهانة ، ذوقوا سوء عاقبة كفركم وفسوقكم وعصيانكم ، فلن
نزيدكم إلا عذابا فوق العذاب الذى أنتم فيه .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٨٩ ..
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٧٤ .

٢٥٧
سورة النبأ
قال ابن كثير : قال قتادة ، عن أبى أيوب الأزدى ، عن عبد الله بن عمرو قال : لم ينزل
فى شأن أهل النار آية أشد من هذه الآية ﴿فذوقوا فلن تزيدكم إلا عذابا ﴾ قال: فهم فى
مزيد من العذاب أبدا .. (١) .
وكعادة القرآن الكريم فى الموازنة بين عاقبة الأشرار والأخيار ، جاء الحديث عن حسن
عاقبة المتقين ، بعد الحديث عن سوء عاقبة الطاغين فقال - تعالى - : ﴿إن للمتقين مفازا ﴾
أى: للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى ربهم .. ﴿مفازا﴾ أى: فوزًا
برضوانه وجنته فقوله ﴿ مفازا﴾ مصدر بمعنى الفوز والظفر بالمطلوب ، وتنوينه للتعظيم .
ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الفوز فقال: ﴿ حدائق وأعنابا ﴾ أى: إن لهم فى هذه
الجنان التى ظفروا بها حدائق ، أى : بساتين فيها ماء وأشجار مثمرة .. سميت بذلك تشبيها لها
بحدقة العين فى الهيئة ، وحصول الماء فيها .
وإن لهم - كذلك - فى هذه الجنان ﴿ أعنابا ﴾ جمع عنب، وهو الكرم ، وخصت الأعناب
بالذكر ، لأنها من أعظم الفواكه وأحبها إلى النفوس .
وإن لهم - أيضا - ﴿كواعب أترابا ﴾ أى: فتيات فى ريعان الشباب، قد تقاربت
أعمارهن ، وتساوين فى الجمال والنضارة وحسن الهيئة .
فالكواعب ، جمع كاعب ، وهى الفتاة التى وصلت إلى سن البلوغ ، وسميت بذلك لأنها فى
تلك السن يتكعب ثدياها ، أى : يستديران مع ارتفاع ..
.والأتراب ، جمع تِرْب - بكسر التاء وسكون الراء - وهو المساوى لغيره فى السن ، وأكثر
ما يطلق هذا اللفظ على الإِناث . قيل : سمى من تقاربن فى السن بذلك ، على سبيل التشبيه
بالقرائب ، أى : بالضلوع التى فى الصدر فى التساوى ..
وإن لهم - أيضا - ﴿ كأسا دهاقا﴾ أى : كأسا مليئة بالخمر. يقال دهق الحوض
- كجعل - وأدهقه ، إذا ملأه حتى فاض من جوانبه .
﴿ لا يسمعون فيها﴾ أى: فى الجنة ﴿لغوا﴾ أى: كلاما ساقطا لا يعتد به. ولا
يسمعون - أيضا - ﴿ كذابا ﴾ أى كلاما كاذبا .
وقوله - سبحانه -: ﴿ جزاء من ربك عطاء حسابا ﴾ بيان لمظاهر فضله ومننه على:
هؤلاء المتقين .. وقوله: ﴿جزاء﴾ منصوب بفعل محذوف من لفظه، و﴿من﴾ ابتدائية.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٣١.

٢٥٨
المجلد الخامس عشر
أى : هؤلاء المتقون كوفئوا مكافأة صادرة من ربك على سبيل العطاء أى : الإِحسان
والتفضل ، حتى شبعوا واكتفوا .
فقوله: ﴿ حسابًا﴾ صفة للعطاء وهو بمعنى كاف. فهو مصدر أقيم مقام الوصف ، من
قولهم : أحْسَبَهُ الشىءُ، إذا كفاه حتى قال حسبى ، أى : كافينى .
قال صاحب الكشاف : و﴿ حسابا ﴾ صفة بمعنى كافيا ، من أحسبه الشىء إذا كفاه حتى
قال حسبى .. (١) .
ويصح أن يكون قوله ﴿ حسابا﴾ معناه ((محسوبا)). أى: كافأهم الله - تعالى - على
أعمالهم الحسنة فى الدنيا مكافأة محسوبة ، على قدر أعمالهم الطيبة .
وقوله: ﴿رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن .. ﴾ قرأه بعضهم بجر لفظ ((رب))
على أنه بدل (( من ربك))، وقرأه البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف .
أى : هذا الجزاء العظيم للمتقين هو كائن من ربك ، الذى هو رب أهل السموات وأهل
الأرض ، ورب ما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا هو ، وهو - سبحانه - صاحب الرحمة
الواسعة العظيمة التى لا تقاربها رحمة ..
وقوله : ﴿ لا يملكون منه خطابا ﴾ مقرر ومؤكد لما قبله ، من کونه - تعالى - هو رب كل
شىء . أى : أهل السموات والأرض وما بينهما ، خاضعون ومربوبون لله - تعال - الواحد
القهار ، الذى لا يقدر أحد منهم - كائنا من كان - أن يخاطبه إلا بإذنه ، ولا يملك أن يفعل
ذلك إلا بمشيئته .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ) وقوله
- سبحانه -: ﴿ يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد﴾(٢).
والظرف فى قوله - تعالى -: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفا .. ﴾ متعلق بقوله
- تعالى - قبل ذلك : ﴿ لا يملكون منه خطابا﴾ .. والمراد بالروح: جبريل - عليه
السلام - . أى: لا يملك أحد أن يخاطب الله - تعالى - إلا بإذنه، يوم القيامة، ويوم يقوم
جبريل - عليه السلام - بين يدى خالقه قيام تذلل وخضوع ، ويقوم الملائكة - أيضا -
قياما كله أدب وخشوع ، وهم فى صفوف منتظمة .
(١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٩٠ .
(٢) سورة هود الآية ١٠٥ .

٢٥٩
سورة النبأ
لا يتكلمون ﴾ أى: لا يستطيع جبريل ولا الملائكة ولا غيرهم الكلام ﴿إلا من أذن
له الرحمن ﴾ منهم بالكلام أو بالشفاعة .
﴿ وقال صوابا ﴾ أى: وقال المأذون له فى الكلام قولا صوابا يرضى الخالق - عز
وجل - .
وكون المراد بالروح : جبريل - عليه السلام - هو الرأى الراجح ، لأن القرآن الكريم
قد وصفه بذلك فى آيات منها قوله - تعالى -: ﴿ نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون
من المنذرين ﴾(١) .
وهناك أقوال أخرى فى المراد به ، منها : أنه ملك من الملائكة ، ومنها : أرواح بنى آدم .
وجملة ((لا يتكلمون)) مؤكدة لجملة ((لا يملكون منه خطابا)) والضمير لجميع الخلائق.
وقد أفادت الآية الكريمة أن الذين يتكلمون فى هذا اليوم الهائل الشديد ، هم الذين يأذن
الله - تعالى - لهم بالكلام ، وهم الذين يقولون قولا صوابا يرضى الله - تعالى - عنه.
وجملة: ((وقال صوابا)) يجوز أن تكون فى موضع الحال من الاسم الموصول ((من)).
أى: لا يستطيع أحد منهم الكلام إلا الشخص الذى قد أذن الله - تعالى - له فى الكلام ،
والحال أن هذا المأذون له قد قال صوابا .
ويصح أن تكون معطوفة على جملة (( أذن له الرحمن)). أى : لا يستطيعون الكلام إلا
الذين أذن لهم الرحمن فى الكلام ، وإلا الذين قالوا قولا صوابا يرضى الله، فإنهم يتكلمون .
والمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الخلائق جميعا يكونون فى هذا اليوم ، فى قبضة الرحمن
وتحت تصرفه ، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذنه - تعالى - .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ﴿ ذلك اليوم الحق﴾ يعود إلى يوم البعث الذى يقوم
الناس فيه لله رب العالمين. أى: ذلك اليوم الذى يقوم فيه الخلائق للحساب والجزاء ، هو
اليوم الحق الذى لاشك فى حدوثه . ولا ريب فى ثبوته .
والفاء فى قوله - تعالى - : ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا﴾ هى الفصيحة ، ومفعول
المشيئة محذوف . أى : لقد بينا لكم ما يهديكم ، وإذا كان الأمر كذلك ، فمن شاء منكم أن
يتخذ إلى ربه مرجعا حسنا وطريقا إلى رضاه ، فليتخذه الآن ، من قبل أن يأتى هذا اليوم الذى
لا بيع فيه ولا خلال .
: (١) سورة الشعراء الآيتان ١٩٣ ، ١٩٤ .

٢٦٠
المجلد الخامس عشر
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا الإِنذار البليغ فقال: ﴿ إنا أنذرناكم عذابا
قريبا ، يوم ينظر المرء ماقدمت يداه ، ويقول الكافر ياليتنى كنت ترابا ﴾ .
والإنذار : الإخبار بحصول شىء تسوء عاقبته ، فى وقت يستطيع المنذر فيه أن يجنب نفسه
الوقوع فى ذلك الشىء . أى: إنا أخبرناكم - أيها الناس - بأن هناك عذابا قريبا ، سيحل
بمن يستحقه عما قريب .
وذلك العذاب سيكون أشد هولا ، وأبقى أثرا ، يوم القيامة ، ﴿ يوم ينظر المرء ما قدمت
يداه ﴾ أى: يوم يرى كل إنسان عمله حاضرا أمامه ، ومسجلا عليه ..
ويقول الكافر ياليتنى كنت ترابا ﴾، أى: ويقول الإِنسان الكافر فى هذا اليوم على
سبيل الحسرة والندامة ، ياليتنى كنت فى الدنيا ترابا ، ولم أخلق بشرا ، ولم أكلف بشىء من
التكاليف ، ولم أبعث ولم أحاسب .
فالمقصود بالآية قطع أعذار المعتذرين بأبلغ وجه ، من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه مال ولا
بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
صباح الجمعة : ٨ من المحرم سنة ١٤٠٧ هـ.
١٩٨٦/٩/١٢ م .
ولا