Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة المزمل
وأما النّعمة - بكسر النون - فاسم للحالات الملائمة لرغبة الإِنسان من غنى أو عافية أو
نحوهما .
وأما النَّعمة - بالضم - فهى اسم المسرة . يقال: فلان فى نَعْمة - بضم النون - أى : فى
فرح وسرور .
وقوله : ﴿ومهلهم قليلا﴾ أى: واتركهم ودعهم فى باطلهم وقتا قليلا، فسترى بعد ذلك
سوء عاقبة تكذيبهم للحق .
وقوله - سبحانه -: ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما .. ﴾ تعليل لما قبله. والأنكال: جمع نكل
- بكسر النون وسكون الكاف - وهو القيد الثقيل ، يوضع فى الرجل لمنع الحركة . وسميت
القيود بذلك لأنها تجعل صاحبها موضع عبرة وعظة ، أو لأنها تجعل صاحبها ممنوعا من
الحركة ، والتقلب فى مناكب الأرض .
أى : إن لدينا ما هو أشد من ردك عليهم .. وهو تلك القيود التى نقيد حركتهم بها ، وإن
لدينا ((جحيما)) أى: نارا شديدة الاشتعال نلقى بهم فيها، وإن لدينا كذلك («طعاما ذا غصة)»
أى : طعاما يلتصق فى الحلوق ، فلا هو خارج منها ، ولا هو نازل عنها ، بل هو ناشب فيها
لبشاعته ومرارته .
وهذا الطعام ذو الغُصَّة ، يشمل ما يتناولونه من الزقوم ومن الغسلين ومن الضريع ، كما جاء
فى آيات أخرى. والغصة: ما يُنْشبَ فى الحلق من عَظْم أو غيره. وجمعه غَصَص.
وإن لدينا فوق كل ذلك ﴿ عذابا أليما﴾ أى : عذابا شديد الإِيلام لمن ينزل به .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء المكذبين بألوان من العقوبات الشديدة ،
توعدتهم بالقيود التى تشل حركتهم ، وبالنار المشتعلة التى تحرق أجسادهم ، وبالطعام البشع ....
الذى ينشب فى حلوقهم ، وبالعذاب الأليم الذى يشقيهم ويذلهم .
والظرف فى قوله - تعالى -: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال .. ﴾ منصوب بالاستقرار
العامل فى (( لدنيا)»، الذى هو الخبر فى الحقيقة .
أى: استقر لهم ذلك العذاب الأليم لدينا، يوم القيامة ، يوم تضطرب وتتزلزل الأرض
والجبال .
وكانت الجبال ﴾ فى هذا اليوم ﴿ كئيبا مهيلا﴾ أى : رملا مجتمعا، بعد أن كانت قبل
ذلك الوقت أحجارا صلبة كبيرة .
فقوله: ﴿ كئيباً﴾ من كتَب الشىءَ يَكِتبه، إذا جمعه من قرب ثم صبه، وجمعه كُتُب

١٦٢
المجلد الخامس عشر
وكُتُبْان ، وهى تلال الرمال المجتمعة كالربوة .
وقوله ﴿ مهيلا﴾ اسم مفعول من هال الشىء هيلا، إذا نثره، وفرقه بعد اجتماعه .
والشىء المهيل : هو الذى يحرَّك أسفله فينهار أعلاه ويتساقط بسرعة .
ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك هؤلاء المكذبين بما حل بالمكذبين من قبلهم ، فيقول :
إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ، كما أرسلنا إلى فرعون رسولا . فعصى فرعون
الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ﴾ .
أى : إنا أرسلنا إليكم - أيها المكذبون - رسولا عظيم الشأن ، رفيع القدر ، وهو محمد
- * -، ﴿شاهدا عليكم ﴾ أى: سيكون يوم القيامة شاهدا عليكم، بأنه قد بلغكم
رسالة الله - تعالى - دون أن يقصر فى ذلك أدنى تقصير .
والكاف فى قوله - تعالى - : ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولا﴾ للتشبيه، أى: أرسلنا
إليكم - يا أهل مكة - رسولا شاهدا عليكم هو محمد - وَازٍ - كما أرسلنا من قبلكم إلى
فرعون رسولا شاهدا عليه ، هو موسى - عليه السلام - .
وأكد الخبر فى قوله - تعالى -: ﴿إنا أرسلنا ... ) لأن المشركين كانوا ينكرون نبوة
النبى - * - .
ونكر رسولا، لأنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة، وللتعظيم من شأنه - واجهالز - أى : أرسلنا
إليكم رسولا عظيم الشأن ، سامى المنزلة جامعا لكل الصفات الكريمة .
والفاء فى قوله: ﴿ فعصى فرعون الرسول﴾ للتفريع. أى: أرسلنا إليكم رسولا كما
أرسلنا إلى فرعون رسولا قبل ذلك ، فكانت النتيجة أن عصى فرعون أمر الرسول الذى
أرسلناه إليه ، واستهزأ به ، وتطاول عليه فكانت عاقبة هذا التطاول ، أن أخذناه ﴿ أخذا
وبيلا
أى أهلكنا فرعون إهلاكا شديدا ، وعاقبناه عقابا ثقيلا، فوبيل بزنة فعيل - صفة
مشبهة ، مأخوذة من وَبُل المكان، إذا وَخُم هواؤه وكان ثقيلا رديئا . ويقال : مرعى وبيل ، إذا
کان وخما رديئا .
وخص - سبحانه - موسى وفرعون بالذكر ، لأن أخبارهما كانت مشهورة عند أهل
مكة .
و﴿ أل﴾ فى قوله ﴿ فعصى فرعون الرسول﴾ للعهد. أى: فعصى فرعون الرسول
المعهود عندكم ، وهو موسى - عليه السلام - .

١٦٣
سورة المزمل
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكر الرسول ثم عرف ؟ قلت : لأنه أراد : أرسلنا
إلى فرعون بعض الرسل ، فلما أعاده وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف . إشارة إلى
المذكور بعينه .. (١) .
وأظهر - سبحانه - اسم فرعون مع تقدم ذكره فقال : ﴿ فعصى فرعون الرسول ﴾ ،
دون أن يؤتى بضميره ، للإشعار بفظاعة هذا العصيان ، وبلوغه النهاية فى الطغيان .
والمقصود من هاتين الآيتين ، تهديد المشركين ، بأنهم إذا ما استمروا فى تكذيبهم لرسولهم ،
محمد - ﴿ - فقد يصيبهم من العذاب ما أصاب فرعون عندما عصى موسى - عليه
السلام - .
ثم ذكرهم - سبحانه - بأهوال يوم القيامة ، لعلهم يتعظون أو يرتدعون فقال : ﴿ فكيف
تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ، السماء منفطر به كان وعده مفعولا ﴾ .
والاستفهام فى قوله : ﴿ فكيف ﴾ مستعمل فى التوبيخ والتعجيز، و﴿ تتقون ) بمعنى
تصونون أنفسكم من العذاب ، ومعنى ﴿إن كفرتم﴾ إن بقيتم على كفركم وأصررتم عليه.
وقوله ﴿ يوما﴾: منصوب على أنه مفعول به لقوله: ﴿ تتقون﴾.
وقوله : ﴿ السماء منفطر به ﴾ صفة ثانية لهذا اليوم.
والمراد بالولدان : الأطفال الصغار ، وبه بمعنى فيه ..
والمقصود بهاتين الآيتين - أيضا - تأكيد التهديد للمشركين ، حتى يقلعوا عن شركهم
وكفرهم .. أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم من سوء عاقبة المكذبين ، فكيف تصونون
أنفسكم - إذا ما بقيتم على كفركم - من عذاب يوم هائل شديد ، هذا اليوم من صفاته أنه
يحول الشعر الشديد السواد للولدان ، إلى شعر شديد البياض ..
وهذا اليوم من صفاته - أيضا - أنه لشدة هوله ، أن السماء - مع عظمها وصلابتها -
تصير شيئا منفطرا - أى: متشققا ﴿به﴾ أى: فيه ، والضمير يعود إلى اليوم ..
وصدر - سبحانه - الحديث عن يوم القيامة ، بلفظ الاستفهام ((كيف )) للإِشعار بشدة
هوله . وأنه أمر يعجز الواصفون عن وصفه .
ووصف - سبحانه - هذا اليوم بأنه يشيب فيه الولدان ، ثم وصفه بأن السماء مع عظمها
تتشقق فيه ، للارتقاء فى الوصف من العظيم إلى الأعظم ، إذ أن تحول شعر الأطفال من السواد
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٤١ .

١٦٤
المجلد الخامس عشر
إلى البياض - مع شدته وعظمه - أشد منه وأعظم ، انشقاق السماء فى هذا اليوم .
قال صاحب الكشاف : وقوله (يجعل الولدان شيبا﴾ مثل فى الشدة، يقال فى اليوم
الشديد ، يوم يشيب نواصى الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان ، إذا تفاقمت على
الإِنسان ، أسرع فيه الشيب ، كما قال أبو الطيب :
والهُمُ يَخْتَرِمِ الجسيمَ نحافةً ويُشِيبُ ناصيةَ الصبى وُهْرِمِ
ويجوز أن يوصف اليوم بالطول ، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب .
وقوله: ﴿ السماء منفطر به ﴾ وصف لليوم بالشدة - أيضا - وأن السماء على عظمها
وإحكامها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق .. (١) .
ووصف - سبحانه - السماء بقوله : ﴿ منفطر ) بصيغة التذكير ، حيث لم يقل منفطرة،
لأن هذه الصيغة ، صيغة نسب. أى: ذات انفطار، كما فى قولهم : امرأة مرضع وحائض ،
أى : ذات إرضاع وذات حيض . أو على تأويل أن السماء بمعنى السقف، كما فى قوله
- تعالى -: ﴿ وجعلنا السماء سقفا محفوظا﴾ أو على أن السماء اسم جنس واحده سماوة،
فيجوز وصفه بالتذكير والتأنيث ..
وقوله: ﴿ كان وعده مفعولا﴾ الضمير فيه يعود إلى الخالق - عز وجل - والوعد مصدر
مضاف لفاعله . أى : كان وعد ربك نافذا ومفعولا ، لأنه - سبحانه - لا يخلف موعوده .
ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة ثالثة لليوم ، والضمير فى وعده يعود إليه ، ويكون من
إضافة المصدر لمفعوله . أى : كان الوعد بوقوع يوم القيامة نافذا ومفعولا .
ثم ختم - سبحانه - هذه التهديدات بقوله: ﴿ إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه
سبيلا ﴾ .
واسم الإشارة ((هذه)) يعود إلى الآيات المتقدمة ، المشتملة على الكثير من القوارع
والزواجر .
والتذكرة: اسم مصدر بمعنى التذكير والاتعاظ والاعتبار. ومفعول ((شاء)) محذوف .
والمعنى : إن هذه الآيات التى سقناها لكم تذكرة وموعظة ، فمن شاء النجاة من أهوال يوم
القيامة ، فعليه أن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وأن يتخذ بسبب إيمانه وعمله الصالح ،
طريقا وسبيلا إلى رضا ربه ورحمته ومغفرته .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٤٢ .

١٦٥
سورة المزمل
والتعبير بقوله: ﴿فمن شاء اتخذ ... ﴾ ليس من قبيل التخبير، وإنما المقصود به الحض
والحث على سلوك الطريق الموصل إلى الله - تعالى - بدليل قوله - تعالى - قبل ذلك :
﴿إن هذه تذكرة﴾ أى: هذه الآيات تذكرة وموعظة، فمن ترك العمل بها ساءت عاقبته،
ولم يكن من الذين سلكوا طريق النجاة .
٠
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر ) هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، - من أول السورة إلى هنا - ، يراها قد
نادت الرسول - * - نداء فيه ما فيه من الملاطفة والمؤانسة ، وأمرته بأن يقوم الليل إلا
قليلا متعبدا لربه ، كما أمرته بالصبر على أذى المشركين ، حتى يحكم الله - تعالى - بينه
وبينهم .
كما يراها قد هددت المكذبين بأشد أنواع التهديد . وذكرتهم بأهوال يوم القيامة ، وبما حل
بالمكذبين من قبلهم ، وحرضتهم على سلوك الطريق المستقيم .
وبعد هذه الإِنذارات المتعددة للمكذبين ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن قيام الليل
لعبادة الله - تعالى - وطاعته .. فقال - سبحانه - :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُأَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِنْ تُلُفِى الَِّلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ, وَطَابِفَةٌ
مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ وَاللهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنََّ عَلِمَأَنْ لَنْ تُخْصُوهُ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ فَاقْرَهُ وَأَمَاتَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْمَرْضَ
وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الَّهِ وَءَاخَرُونَ
يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ وَأَغْرِ ضُواْاللَّهَ قَرََّّا حَسَنَّا وَمَا تُقَدِّمُ واْلِأَنْفُسِكُ مِنْخَيْرٍ تَجِدُوهُ
٠".
عِنْدَاللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرَوَأَسْتَغْفِرُواْلَهَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٠
والمراد بالقيام فى قوله - تعالى -: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه
وثلثه ... ﴾ التهجد بالليل عن طريق الصلاة تقربا إلى الله - تعالى - .
وقوله: ﴿ أدنى) بمعنى أقرب، من الدنو بمعنى القرب، تقول: رأيت فلانا أدنى إلى فعل .

١٦٦
المجلد الخامس عشر
الخير من فلان . أى: أقرب ، واستعير هنا للأقل ، لأن المسافة التى بين الشىء والشىء إذا
قربت كانت قليلة، وهو منصوب على الظرفية بالفعل (« تقوم)).
وقوله : ﴿ونصفه وثلثه﴾ قرأه بعض القراء السبعة بالجر عطفا على ﴿ ثلثى الليل
وقرأه الجمهور بالنصب عطفا على أدنى .
والمعنى على قراءة الجمهور : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يعلم أنك تقوم من الليل ،
مدة قد تصل تارة إلى ثلثى الليل ، وقد تصل تارة أخرى إلى نصفه أو إلى ثلثه .. على حسب
ما يتيسر لك ، وعلى حسب أحوال الليل فى الطول والقصر .
والمعنى على قراءة غير الجمهور : إن ربك يعلم أنك تقوم تارة أقل من ثلثى الليل وتارة أقل
من نصفه ، وتارة أقل من ثلثه .. وذلك لأنك لم تستطع ضبط المقدار الذى تقومه من الليل ،
ضبطا دقيقا ، ولأن النوم تارة يزيد وقته وتارة ينقص، والله - تعالى - قد رفع عنك المؤاخذة
بسبب عدم تعمدك القيام أقل من ثلث الليل ..
فالآية الكريمة المقصود منها بيان رحمة الله - تعالى - بنبيه - ﴿ - حيث قبل منه قيامه
بالليل متهجدا ، حتى ولو كان هذا القيام أقل من ثلث الليل ..
وافتتاح الآية الكريمة بقوله - سبحانه - ﴿ إن ربك يعلم ... ) يشعر بالثناء عليه
- وَ * - . وبالتلطف معه فى الخطاب، حيث إنه - ◌َ﴿ - كان مواظبا على قيام الليل . على
قدر استطاعته ، بدون تقصير أو فتور .
وفى الحديث الشريف: أنه - وَّج - قام الليل حتى تورمت قدماه .
والتعبير بقوله - تعالى - : ﴿ أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه) يدل على أن قيامه
- وَل ﴿ - كان متفاوتا فى طوله وقصره، على حسب ما تيسر له - رولز - ، وعلى حسب طول
الليل وقصره .
وقوله - سبحانه - : ﴿وطائفة من الذين معك ﴾ معطوف على الضمير المستتر فى قوله :
تقوم
٠
أى : أنت أيها الرسول الكريم - تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه ، وتقوم
طائفة من أصحابك للصلاة معك ، أما بقية أصحابك فقد يقومون للتهجد فى منازلهم .
روى البخارى فى صحيحه عن عائشة، أن رسول الله - وي ليه - صلى ذات ليلة فى
المسجد ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا فى الليلة الثالثة

١٦٧
سورة المزمل
أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله - وَ له - فلما أصبح قال: ((قد رأيت الذى صنعتم ،
ولم يمنعنى من الخروج إليكم ، إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم)).
قال بعض العلماء : قوله: ﴿وطائفة من الذين معك ﴾ معطوف على الضمير المستكن فى
تقوم ﴾ .
وهو - وإن كان ضمير رفع متصل - ، قد سوغ العطف عليه الفصل بينه وبين المعطوف .
والمعنى : أن الله يعلم أنه كان يقوم كذلك جماعة من الذين آمنوا بك ، واتبعوا هداك ..
وقد يقال : إن هذا يدل على أن قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة ، وهو خلاف
ما تقرر تفسيره فى أول السورة ، ويخالف - أيضا - ما دلت عليه الآثار المتقدمة هناك ..
والجواب : أنه ليس فى الآية ما يفيد أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا جميعا
يصلون مع النبى - 9 - صلاة التهجد فى جماعة واحدة ، فلعل بعضهم كان يقيمها فى بيته ،
فلا ينافى ذلك فرضية القيام على الجميع .. (١).
وقوله - سبحانه -: ﴿والله يقدر الليل والنهار) بيان لشمول علمه - تعالى - ولنفاذ
إرادته . أى: والله - تعالى - وحده، هو الذى يعلم مقادير ساعات الليل والنهار، وهو الذى
يحدد زمانهما - طولا وقصرا - على حسب ما تقتضيه مشيئته وحكمته .
والآية الكريمة تفيد الحصر والاختصاص ، عن طريق سياق الكلام ، ودلالة المقام .
وقوله - تعالى -: ﴿ علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ مؤكد لما قبله ، وإحصاء
الأشياء ، عدها والإِحاطة بها .
والضمير المنصوب فى قوله: ﴿ تحصوه﴾ يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿يقدر ﴾
فى الجملة السابقة .
والتوبة فى قوله - سبحانه -: ﴿ فتاب عليكم ﴾ يصح أن تكون بمعنى المغفرة ، وعدم
المؤاخذة ، أو بمعنى قبولها منهم ، والتيسير عليهم فى الأحكام . وتخفيفها عنهم .
أى : والله - تعالى - هو الذى يقدر أجزاء الليل والنهار ، وهو الذى يعلم - دون غيره -
أنكم لن تستطيعوا تقدير ساعاته تقديرا دقيقا .. ولذلك خفف الله عنكم فى أمر القيام ، ورفع
عنكم المقدار المحدد ، وغفر لكم ما فرط منكم من تقصير غير مقصود ، ورخص لكم أن
تقوموا المقدار الذى تستطيعون قيامه من الليل ، مصلين ومتهجدين ..
(١) تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ٢٠٠ للشيخ محمد السايس.

١٦٨
المجلد الخامس عشر
فالجملة الكريمة تقرر جانبا من فضل الله - تعالى - على عباده ، ومن رحمته بهم ..
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ للإفصاح، والمراد بالقراءة
الصلاة ، وعبر عنها بالقراءة ، لأنها من أركانها .. أى : إذا كان الأمر كما وضحت لكم ،
فصلوا ما تيسر لكم من الليل .
قال الألوسى: قوله: ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ أى: فصلوا ما تيسر لكم من
صلاة الليل ، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها ، وقيل : الكلام على
حقيقته ، من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق .
ومن ذهب إلى الأول قال: إن الله - تعالى - افترض قيام مقدار معين من الليل ، لقوله :
قم الليل إلا قليلا ، نصفه ...
، الخ . ثم نسخ بقيام مقدار ما منه، فى قوله : ﴿ فتاب
عليكم . فاقرءوا ماتيسر من القرآن ... ﴾ فالأمر فى الموضعين للوجوب ، إلا أن الواجب أولا
كان معينا من معينات . وثانيا كان بعضا مطلقا ، ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقا
بالصلوات الخمس .
ومن قال بالثانى. ذهب إلى أن الله - تعالى - رخص لهم فى ترك جميع القيام للصلاة ، وأمر
بقراءة شىء من القرآن ليلا ، فكأنه قيل : فتاب عليكم ورخص لكم فى الترك ، فاقرءوا
ما تيسر من القرآن، إن شق عليكم القيام .. (١) .
وقال الإِمام ابن كثير : وقوله : ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ أى: من غير تحديد
بوقت ، أى : لكن قوموا من الليل ما تيسر ، وعبر عن الصلاة بالقراءة ، كما قال فى آية
أخرى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ أى: بقراءتك ﴿ولا تخافت بها﴾.
وقد استدل الاحناف بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة فى الصلاة ، بل لو قرأ بها أو
بغيرها من القرآن ، ولو بآية . أجزأه واعتضدوا بحديث المسىء صلاته الذى فى الصحيحين ،
وفيه: (( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)).
وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ، وهو فى الصحيحين - أيضا- أن رسول
الله - - قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة ،
أن رسول الله - صل﴿ - قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج .. غير تمام)»
وفى صحيح ابن خزيمة عن أبى هريرة مرفوعا: (( لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة
الكتاب)»(٢) .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١١١.
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٨٤ .

١٦٩
سورة المزمل
وقوله - سبحانه - بعد ذلك: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ، وآخرون يضربون فى
الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون فى سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه ... ﴾ بدل
اشتمال من جملة : ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ... ﴾، أو هو كلام مستأنف لبيان الحكمة
التى من أجلها خفف الله على المسلمين قيام الليل .
أى : صلوا من الليل على قدر استطاعتكم من غير تحديد بوقت ، فالله - تعالى - يعلم
أنكم لا تستطيعون ضبط ساعات الليل ولا أجزائه ، فخفف عنكم لذلك ، ولعلمه - أيضا -
أن منكم المرضى الذين يعجزون عن قيام ثلثى الليل أو نصفه أو أقل من ذلك بقليل .
ومنكم - أيضا - الذين ﴿ يضربون فى الأرض ﴾ أى : يسافرون فيها للتجارة
وللحصول على مطالب الحياة ، وهم فى كل ذلك يبتغون ويطلبون الرزق من فضله
- تعالى - . ومنكم - أيضا - الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله ، ويجاهدون من أجل
نشر دينه ومادام الأمر كذلك ، فقد أبحت لكم - بفضلى وإحسانى - أن تصلوا من الليل
ما تيسر لكم .
وقد جمع - سبحانه - بين السعى فى الأرض لطلب الرزق ، وبين الجهاد فى سبيله ،
للإشعار بأن الأول لا يقل فى فضله عن الثانى ، متى توفرت فيه النية الطيبة ، وعدم الانشغال
· به عن ذكر الله - تعالى - .
قال الإِمام القرطبى: سوى الله - تعالى - فى هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين
المال الحلال ، للنفقة على النفس والعيال .. فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد فى
سبيل الله .
وفى الحديث الشريف : ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد ، فيبيعه بسعر يومه ، إلا
كانت منزلته عند الله كمنزلة الشهداء. ثم قرأ - * - هذه الآية .. (١).
وأعيدت جملة ﴿ فاقرءوا ما تيسر منه ﴾ لتأكيد التيسير والتخفيف وتقريره ، وليعطف
عليه ما بعده من بقية الأوامر ، وهى قوله - تعالى -: ﴿وأقيموا الصلاة ﴾ أى: وأدوها
كاملة الأركان والخشوع والسنن .. فى وقتها بدون تأخير .
وآتوا الزكاة ﴾ أى : قدموها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهما .
قال ابن كثير : أى : أقيموا الصلاة الواجبة عليكم ، وآتوا الزكاة المفروضة ، وهذا يدل
(١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٥٥ .

١٧٠
المجلد الخامس عشر
لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة ، لكن مقادير النصاب لم تبين إلا بالمدينة .. (١).
وقوله : ﴿وأقرضوا اللّه قرضا حسنا﴾. والقرض: ما قدمته لغيرك من مال، على أن
يرده إليك بعد ذلك . والمراد من إقراض الله - تعالى - : إعطاء الفقراء والمساكين
ما يحتاجونه على سبيل المعاونة والمساعدة .
وشبه - سبحانه - إعطاء الصدقة للمحتاج ، بقرض يقدم له - تعالى - ، للإِشعار بأن
ما سيعطى لهذا المحتاج ، سيعود أضعافه على المعطى . لأن الله - تعالى - قد وعد أن يكافىء
على الصدقة بعشر أمثالها ، وهو - سبحانه - بعد ذلك يضاعف لمن يشاء الثواب والعطاء .
ووصف القرض بالحسن ، لحض النفوس على الإِخلاص وعلى البعد عن الرياء والأذى ..
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير ﴾ أى :
أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأقرضوا اللّه قرضا حسنا ، وافعلوا ما تستطيعونه - بعد ذلك -
من وجوه الخير ، وما تقدموا لأنفسكم من هذا الخير الذى يحبه - سبحانه - ﴿ تجدوه عند
الله﴾. أى: تجدوا ثوابه وجزاءه عند الله - تعالى -، ففى الكلام إيجاز بالحذف، وقد
استغنى عن المحذوف بذكر الجزاء عليه . والهاء فى قوله ﴿تجدوه ﴾ هو المفعول الأول.
والضمير المنفصل فى قوله: ﴿ هو خيرا وأعظم أجرا﴾ هو ضمير الفصل .. و﴿ خيرا﴾
هو المفعول الثانى . أى : كل فعل موصوف بأنه خير ، تقدمونه عن إخلاص لغيركم ، لن
يضيع عند الله - تعالى - ثوابه، بل ستجدون جزاءه وثوابه مضاعفا عندالله - تعالى - .
واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ أى: وواظبوا على الاستغفار وعلى التوبة
النصوح ، وعلى التضرع إلى الله - تعالى - أن يغفر لكم ما فرط منكم ، فإنه - سبحانه -
واسع المغفرة والرحمة ، لمن تاب إليه وأناب ..
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((المزمل)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده .
الاسكندرية - العجمى
ظهر الاثنين ٦ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ هـ الموافق ١٩٨٦/٨/١١ م.
الراجي عفو ربه
د. محمد سيد طنطاوى
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٨٦ .

١٧١
سورة المدثر
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ
٠
تفسير
سورة المدثر
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((المدثر)) من أوائل السور التى نزلت على النبى - وَليه - ويغلب على الظن
أن نزولها كان بعد نزول صدر سورة ((اقرأ)).
ويشهد لذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة - رضى الله عنها - : أن النبى
- رَّم - جاءه الوحى وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال له: ﴿ اقرأ باسم ربك الذى
خلق ، خلق الإنسان من علق . ﴾
وروى الشيخان - أيضا - وغيرهما ، عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن
عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن ؟ فقال: يأيها المدثر . قلت : يقولون : اقرأ باسم
ربك ..
فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك ، فقال: يأيها المدثر لا أحدثك إلا
ما حدثنا رسول الله - ليزر - قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جوارى: هبطت الوادى ،
فنوديت عن يمبنى فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا .. فرفعت رأسى ، فإذا الملك
الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض ، فرجعت على أهلى فقلت :
دثرونى، دثرونى . فنزلت ﴿يأيها المدثر، قم فأنذر. ﴾
قال الآلوسى ما ملخصه : وظاهر هذا الحديث يقتضى نزول هذه السورة قبل سورة اقرأ ،
مع أن المروى فى الصحيحين عن عائشة أن سورة ((اقرأ)) أول ما نزل على الإطلاق ، وهو
الذى ذهب إليه أكثر الأمة ، حتى قال بعضهم وهو الصحيح .
وللجمع بين هذين الحديثين وجوه منها : أن مراد جابر بالأولية أولية مخصوصة ، بما نزل بعد

١٧٢
المجلد الخامس عشر
فترة الوحى، لا أولية مطلقة كما هو الحال بالنسبة لسورة اقرأ . أو أن السؤال فى حديث
جابر ، كان عن نزول سورة كاملة ، فبين أن سورة المدثر نزلت بكمالها . أو أن جابرا قد قال
ذلك باجتهاده ، ويقدم على هذا الاجتهاد ما ذكرته عائشة من أن أول ما نزل على الإطلاق ،
هو صدر سورة اقرأ .. (١) .
أقول: وفى هذا الحديث ما يدل على أن الملك قد جاء رسول الله - وص له - بحراء قبل رؤيته
فى هذه المرة، وفى غار حراء بدأ الوحى ونزل قول الله تعالى: ((اقرأ باسم ربك الذى
خلق .... )) وذلك يدل على أن ((اقرأ)) أول مانزل على الإطلاق ، وهو ماجاء فى الصحيحين
عن السيدة عائشة رضى الله عنها .
وعلى أية حال فسورة المدثر تعتبر من أوائل ما نزل على النبى - صل * - من قرآن ،
كما يرى ذلك من تدبر آياتها التى تحض الرسول - * - على إنذار الناس بدعوته .
وعدد آياتها : ست وخمسون آية فى المصحف الكوفى ، وخمس وخمسون فى البصرى .
٢ - ومن أهم مقاصدها: تكريم النبى - وَالله - ، وأمره بتبليغ ما أوحاه الله - تعالى -
إليه الى الناس ، وتسليته عما أصابه من أذى ، وتهديد أعدائه بأشد ألوان العقاب ، وبيان
حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ، والرد عليهم بما يبطل دعاواهم ..
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٨٩ تفسير الآلوسى ج ٢٩ ص ١١٥.

١٧٣
سورة المدثر
تفسير
قال الله - تعالى - :
نسـ
مِاللَّهِ الرَّحْمَنِالرَّحْيِ
يَأَيُّهَا الْمُدَّتِرُ ﴿ قُرْفَنَذِرْ ن وَرَبَّكَ فَكَّتِرْ لَ وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ
وَالرُّجْزَفَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ، وَلِرَبِّكَ فَأَصْبِ
فَإِذَا تُفِرَ فِالنَّاقُوِ فَذَلِكَ يَوْمَيٍِ يَوْمٌ عَسِيرُ ) عَلَى الْكَفِرِينَ
غَيْرُ بَسِيرِ ﴿ ذَرْنِ وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ، وَجَعَلْتُ لَهُمَالَا
مَّمْدُودًا ﴿ وَبَنِينَ شُهُوَدَّا() وَمَهَدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ، ثُمَ يَطْمَعُ
أَنْ أَزِيدَ ة كَلَّ إِنَّةٌ كَانَ لَبَتِنَا عَنِيدًاآ سَأَزْهِقُهُ صَعُودًّا لَآ
إِنَّهُ فَّكََّ وَقَدَّرَ (٧) فَقُئِلَ كَفَ قَدَّرَ سُمَّقُيِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّنَظَرَ
ث ◌ُمَّعَسَ وَبَسَرَ ١ ) ثُمَّ ◌َدْبَرَوَأَسْتَكْبَ ®) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِرٌ
يُؤْثَرُ الْ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(٥)، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَذْرَكَ
مَا سَقَرُ (٧) لَا تُبْقِي وَلَا نَذَرُ نَّالَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ، عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَه
٣٠
قد افتتح الله - تعالى - سورة المدثر، بالملاطفة والمؤانسة فى النداء والخطاب ، كما افتتح
سورة المزمل . والمدثر اسم فاعل من تدثر فلان ، إذا ليس الدثار ، وهو ما كان من الثياب
فوق الشعار الذى يلى البدن، ومنه حديث: ((الأنصار شعار والناس دثار)).
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿يأيها المدثر) ملاطفة فى الخطاب من الكريم إلى
الحبيب ، إذ ناداه بحاله ، وعبر عنه بصفته ، ولم يقل يا محمد ويافلان ، ليستشعر اللين

١٧٤
المجلد الخامس عشر
والملاطفة من ربه، كما تقدم فى سورة المزمل. ومثله قول النبى - صل * - لِعَلىٌّ إذ نام فى
المسجد (( قم أبا تراب)).
وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة - رضى الله عنها - ، فسقط رداؤه وأصابه التراب . ومثله .
قوله - 18 - لحذيفة بن اليمان ليلة الخندق ((قم يانومان))(١).
والمراد بالقيام فى قوله - تعالى - : قم فأنذر ، المسارعة والمبادرة والتصميم على تنفيذ
ما أمره - سبحانه - به ، والإِنذار هو الإِخبار الذى يصاحبه التخويف .
أى: قم - أيها الرسول الكريم - وانهض من مضجعك ، وبادر بعزيمة وتصميم ، على
إنذار الناس وتخويفهم من سوء عاقبتهم ، إذا ما استمروا فى كفرهم ، وبلغ رسالة ربك إليهم
دون أن تخشى أحدا منهم ، ومرهم بأن يخلصوا له - تعالى - العبادة والطاعة .
والتعبير بالفاء فى قوله: ﴿ فأنذر ﴾ للإشعار بوجوب الإسراع بهذا الإنذار بدون تردد .
وقال : فأنذر ، دون فبشر ، لأن الإِنذار هو المناسب فى ابتداء تبليغ الناس دعوة الحق حتى
يرجعوا عما هم فيه من ضلال .
ومفعول أنذر محذوف . أى: قم فأنذر الناس ، ومرهم بإخلاص العبادة لله .
وقوله: ﴿وربك فكبر﴾ أمر آخر له - وَليزر - ولفظ ﴿وربك) منصوب على التعظيم.
الفعل ﴿ كبر﴾ قدم على عامله لإفادة التخصيص .
أى: يأيها المدثر بثيابه لخوفه مما رآه من ملك الوحى، لا تخف ، وقم فأنذر الناس من
عذاب الله ، إذا ما استمروا فى شركهم ، واجعل تكبيرك وتعظيمك وتبجيلك لربك وحده ،
دون أحد سواه ، وصفه بما هو أهله من تنزيه وتقديس .
والمراد بتطهير الثياب فى قوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾ تطهيرها من النجاسات.
والمقصود بالثياب حقيقتها ، وهى ما يلبسه الإِنسان لستر جسده ..
ومنهم من يرى أن المقصود بها ذاته ونفسه - ويل ز - أى: ونفسك فطهرها من كل ما يتنافى
مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم .
وقال صاحب الكشاف: قوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر ﴾ أمر بأن تكون ثيابه طاهرة
من النجاسات ، لأن طهارة الثياب شرط فى الصلاة ، ولا تصح إلا بها . وهى الأولى والأحب
فى غير الصلاة . وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبتا .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٦١ .

١٧٥
سورة المدثر
وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ، ويستهجن من العادات . يقال :
فلان طاهر الثياب ، وطاهر الجيب والذيل والأردان ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، ومدانس
الأخلاق . ويقال : فلان دنس الثياب : للغادر - والفاجر - ، وذلك لأن الثوب يلابس
الإِنسان ، ويشتمل عليه .. (١) .
وسواء أكان المراد بالثياب هنا معناها الحقيقى ، أو معناها المجازى المكنى به عن النفس
والذات، فإن الرسول - 14 - كان مواظبا على الطهارة الحسية والمعنوية فى كل شئونه
وأحواله ، فهو بالنسبة لثيابه كان يطهرها من كل دنس وقذر ، وبالنسبة لذاته ونفسه ، كان
أبعد الناس عن كل سوء ومنكر من القول أو الفعل .
إلا أننا نميل إلى حمل اللفظ على حقيقته ، لأنه لا يوجد ما يوجب حمله على غير ذلك .
ثم أمره - سبحانه - بأمر رابع فقال: ﴿ والرجز فاهجر ﴾ والأصل فى كلمة الرجز أنها
تطلق على العذاب ، قال - تعالى - : ﴿ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ، إذا هم
ینکتون
والمراد به هنا : الأصنام والأوثان ، أو المعاصى والمآثم التى يؤدى اقترافها إلى العذاب .
أى: وداوم - أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه من ترك عبادة الأصنام والأوثان ،
ومن هجر المعاصى والآثام .
فالمقصود بهجر الرجز: المداومة على هجره وتركه، لأنه - وَ - لم يلتبس بشىء من
ذلك .
ثم نهاه - سبحانه - عن فعل، لا يتناسب مع خلقه الكريم - وَالز - فقال: ﴿ ولا تمنن
تستكثر﴾ والمن: أن يعطى الإِنسان غيره شيئا، ثم يتباهى به عليه ، والاستكثار: عد
الشىء الذى يعطى كثيرا .
أى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تبذل الكثير من مالك وفضلك لغيرك ، ولا تظن
أن ما أعطيته لغيرك كثيرا - مهما عظم وجل - فإن ثواب الله وعطاءه أكثر وأجزل ...
ويصح أن يكون المعنى : ولا تعط غيرك شيئا ، وأنت تتمنى أن يرد لك هذا الغير أكثر مما
أعطيته ، فيكون المقصود من الآية : النهى عن تمنى العوض .
قال ابن كثير : قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس
أكثر منها .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٤٥ .

١٧٦
المجلد الخامس عشر
وقال الحسن البصرى : لا تمنن بعملك على ربك تستكثره ، وعن مجاهد : لا تضعف أن
تستكثر من الخير .
وقال ابن زيد : لا تمنن بالنبوة على الناس : تستكثرهم بها ، تأخذ على ذلك عوضا من
الدنيا .
فهذه أربعة أقوال ، والأظهر القول الأول - المروى عن ابن عباس وغيره - (١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ولربك فاصبر﴾ أى: وعليك - أيها الرسول الكريم - أن
توطن نفسك على الصبر، على التكاليف التى كلفك بها ربك، وأن تتحمل الآلام والمشاق فى
سبيل دعوة الحق ، بعزيمة صادقة ، وصبر جميل ، وثبات لا يخالطه تردد أو ضعف .
فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلى بالعقيدة السليمة ، والأخلاق
الكريمة .
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة فقال : ﴿ فإذا نقر فى الناقور .
فذلك يومئذ يوم عسير . على الكافرين غير يسير ﴾ .
والفاء فى قوله : ﴿ فإذا نقر فى الناقور ﴾ للسببية. والناقور - بزنة فاعول: من النقر،
وهو اسم لما ينقر فيه ، أى : لما ينادى فيه بصوت مرتفع . والمراد به هنا : الصور أو القرن
الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - النفخة الثانية التى يكون بعدها الحساب والجزاء .
والفاء فى قوله: ﴿ فذلك﴾ واقعة فى جواب ﴿إذا﴾ واسم الإشارة يعود إلى مدلول
النقر وما يترتب عليه من حساب وجزاء. وقوله ﴿يومئذ﴾ بدل من اسم الإشارة.
والتنوين فيه عوض عن جملة وقوله: ﴿عسير﴾ و﴿ غير يسير﴾ صفتان لليوم.
أى: أنذر - أيها الرسول الكريم - الناس ، وبلغهم رسالة ربك ، واصبر على أذى
المشركين ، فإنه إذا نفخ إسرافيل بأمرنا النفخة الثانية ، صار ذلك النفخ وما يترتب عليه من
أهوال ، وقتا وزمانا عسير أمره على الكافرين ، وغير يسير وقعه عليهم .
ووصف اليوم بالعسير ، باعتبار ما يقع فيه من أحداث يشيب من هولها الولدان .
وقوله: ﴿ غير يسير﴾ تأكيد لمعنى ﴿عسير) كما يقال: هذا أمر عاجل غير آجل.
قال صاحب الكشاف فإن قلت : ما فائدة قوله: ﴿ غير يسير) وقوله: ﴿ عسير ﴾
مغن عنه ؟ قلت : لما قال ﴿ على الكافرين﴾ فقصر العسر عليهم قال: ﴿ غير يسير ﴾
ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ، ليجمع بين وعيد الكافرين
( ١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٩٠ .

١٧٧
سورة المدثر
وزيادة غيظهم ، وبين بشارة المؤمنين وتسليتهم . ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع
يسيرا . كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا(١).
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة زعيم من زعماء المشركين . افترى الكذب على الله
- تعالى - وعلى رسوله - ﴿ - فكانت عاقبته العذاب المهين ، فقال - تعالى - : ﴿ ذرنى
ومن خلقت وحيدا . وجعلت له مالا ممدودا . وبنين شهودا . ومهدت له تمهيدا . ثم يطمع أن
أزيد. كلا ... ﴾.
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت فى شأن الوليد بن المغيرة المخزومى ، وذكروا فى
ذلك روايات منها : أن المشركين عندما اجتمعوا فى دار الندوة ، ليتشاوروا فيما يقولونه فى شأن
الرسول - * - وفى شأن القرآن الكريم - قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج . فقال
بعضهم : هو شاعر ، وقال آخرون بل هو كاهن .. أو مجنون .. وأخذ الوليد يفكر ويرد
عليهم، ثم قال بعد أن فكر وقدر: ما هذا الذى يقوله محمد - وَ له - إلا سحر يؤثر ، أما
ترونه يفرق بين الرجل وامرأته ، وبين الأخ وأخيه .. (٢).
قال الآلوسى : نزلت هذه الآيات فى الوليد بن المغيرة المخزومی ، كما روى عن ابن عباس
وغيره . بل قيل : كونها فيه متفق عليه .. وقوله: ﴿وحيدا﴾ حال من الياء فى ﴿ ذرنى ﴾
أى : ذرنى وحدى معه فأنا أغنيك فى الانتقام منه ، أو من التاء فى خلقت أى : خلقته وحدى ،
لم يشركنى فى خلقه أحد ، فأنا أهلكه دون أن أحتاج إلى ناصر فى إهلاكه ، أو من الضمير
المحذوف العائد على « مَن)» أى: ذرنى ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد .. وكان
الوليد يلقب فى قومه بالوحيد .. لتفرده بمزايا ليست فى غيره - فتهكم الله - تعالى - به
وبلقبه ، أو صرف هذا اللقب من المدح إلى الذم(٣) .
أى : اصبر - أيها الرسول الكريم - على ما يقوله أعداؤك فيك من كذب وبهتان ،
واتركنى وهذا الذى خلقته وحيدا فريدا لامال له ولا ولد ثم أعطيته الكثير من النعم ، فلم
جـ
يشكرنى على ذلك .
والتعبير بقوله ﴿ ذرنى﴾ للتهديد والوعيد، وهذا الفعل يأتى منه الأمر والمضارع
فحسب ، ولم يسمع منه فعل ماض .
وقوله : ﴿وجعلت له مالا ممدودا﴾ أى: وجعلت له مالا كثيرا واسعا ، يمد بعضه بعضا،
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٤٧ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٩٢ .
(٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٢٢ .

١٧٨
المجلد الخامس عشر
فقوله: ﴿ ممدودا﴾ اسم مفعول من ((مدَّ)) الذى بمعنى أطال بأن شبهت كثرة المال، بسعة
مساحة الجسم .
أو من («مدَّ)» الذى هو بمعنى زاد فى الشىء من مثله ، ومنه قولهم : مد الوادى النهر ، أى :
مده بالماء زيادة على ما فيه .
قالوا : وكان الوليد من أغنى أهل مكة ، فقد كانت له أموال كثيرة من الإِبل والغنم
والعبيد والبساتين وغير ذلك من أنواع الأموال .
·وبنين شهودا﴾ أى: وجعلت له - بجانب هذا المال الممدود - أولادا يشهدون
مجالسه ، لأنهم لا حاجة بهم إلى مفارقته فى سفر أو تجارة ، إذ هم فى غنى عن ذلك بسبب وفرة
المال فى أيدى أبيهم .
فقوله : ﴿ شهودا﴾ جمع شاهد بمعنى حاضر، وهو كناية عن كثرة تنعمهم وائتناسه بهم.
قيل : كانوا عشرة ، وقيل ثلاثة عشر، منهم : الوليد ، وخالد ، وعمارة ، وهشام ،
والعاصى ، وعبد شمس .
وقد أسلم منهم ثلاثة ، وهم : خالد ، وهشام ، وعمارة .(١)
﴿ ومهدت له تمهيدا ﴾ والتمهيد مصدر مهد، بمعنى سوى الشىء، وأزال منه ما يجعله
مضطر با متنافرا، ومنه مهد الصبى . أى : المكان المعد لراحته . والمراد بالتمهيد هنا : تيسير
الأمور ، ونفاذ الكلمة ، وجمع وسائل الرياسة له .
أى : جعلت له مالا كثيرا ، وأولادا شهودا ، وفضلا عن ذلك ، فقد هيأت له وسائل
الراحة والرياسة تهيئة حسنة ، أغنته عن الأخذ والرد مع قومه ، بل صار نافذ الكلمة فيهم
بدون عناء أو تعب .
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أن الله - تعالى - قد أعطى الوليد بن
المغيرة ، جماع ما يحتاجه الإِنسان فى هذه الحياة ، فقد أعطاه المال الوفير ، والبنين الشهود ،
والجاه التام الذى وصل إليه بدون جهد أو تعب .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ثم يطمع أن أزيد ) بيان لما جبل عليه هذا الانسان من طمع
وشره .. أى: مع إمدادى له بكل هذه النعم ، هو لا يشبع ، بل يطلب المزيد منها لشدة حرصه
وطمعه. و ((ثم)) هنا للاستبعاد والاستنكار والتأنيب ، فهى للتراخى الرتبى ، والجملة
(١) راجع حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٣٧ .

١٧٩
سورة المدثر
معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: ((جعلت ومهدت ... )) أى : أعطيته كل هذه النعم ،
ثم بعد ذلك هو شره لا يشبع ، وإنما يطلب المزيد منها ثم المزيد .
وقوله - تعالى -: ﴿ كلا ﴾ زجر وردع وقطع لرجائه وطمعه، وحكم عليه بالخيبة
والخسران . أى : كلا ، لن أعطيه شيئا مما يطمع فيه ، بل سأمحق هذه النعم من بين يديه ، لأنه
قابلها بالجحود والبطر ، ومن لم يشكر النعم يعرضها للزوال ، ومن شكرها زاده الله - تعالى -
منها ، كما قال - سبحانه -: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾.
وقوله: ﴿إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ تعليل للزجر والردع وقطع الرجاء. أى: كلا لن
أمكنه مما يريده ويتمناه .. لأنه كان إنسانا شديد المعاندة والإِبطال لآياتنا الدالة على
وحدانيتنا، وعلى صدق رسولنا فيما يبلغه عنا. ومن مظاهر ذلك أنه وصف رسولنا - والته -
بأنه ساحر ..
قال مقاتل : مازال الوليد بعد نزول هذه الآية فى نقص من ماله وولده حتى هلك .
ثم بين - سبحانه - ما أعده له من عذاب أليم فقال: ﴿سأرهقه صعودا﴾. والإِرهاق:
الإِتعاب الشديد ، وتحميل الإِنسان مالا يطيقه . يقال : فلان رَهِقَه الأمر يرهَقُه ، إذا حل به
بقهر ومشقة لا قدرة له على دفعها . ومنه قوله - تعالى - : ﴿ ولا ترهقنى من أمرى
عسرا ﴾
.
وقوله - سبحانه -: ﴿ والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من
اللّه من عاصم، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ... ﴾.
والصعود : العقبة الشديدة ، التى لا يصل الصاعد نحوها إلا بمشقة كبيرة ، وتعب قد يؤدى
إلى الهلاك والتلف . وهذه الكلمة صيغة مبالغة من الفعل صَعِد .
وهذه الآية الكريمة فى مقابل قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿ ومهدت له تمهيدا ﴾ أى : أن
هذا الجاه الذى أتاه فى الدنيا بدون تعب .. سيلقى فى الآخرة ما هو نقيضه من تعب وإذلال ..
قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿سأرهقه صعودا﴾ أى: سأغشيه عقبة شاقة المصعد.
وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذى لا يطاق. وعن النبى - 3 8 * - :
(( يكلف أن يصعد عقبة فى النار ، كلما وضع عليها يده ذابت ، فإذا رفعها عادت ، وإذا وضع
رجله عليها ذابت، فإذا رفعها عادت)). وعنه - وَ ل18 -: ((الصعود جبل من نار يصعد فيه
سبعين خريفا ثم يهوى فيه كذلك أبدا)).(١) .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٤٨ .
٠٠:

١٨٠
المجلد الخامس عشر
ثم صور - سبحانه - حال هذا الشقى تصويرا بديعا يثير السخرية منه ومن تفكيره
فقال: ﴿ إنه فكر وقدر﴾ أى: إن هذا الشقى ردد فكره وأداره فى ذهنه، وقدَّر وهيأ فى نفسه
كلاما شنيعا يقوله فى حق الرسول - صل﴿ - وفى حق القرآن الكريم.
يقال : قدَّر فلان الشىء فى نفسه ، إذا هيأه وأعده ..
والجملة الكريمة تعليل للوعيد والزجر ، وتقرير لاستحقاقه له ، أو بيان لمظاهر عناده ..
وقوله - سبحانه - : ﴿ فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر ﴾ تعجيب من تفكيره
وتقديره ، وذم شديد له على هذا التفكير السَّيِّئِ ...
أى: إنه فكر مليا، وهيأ نفسه طويلا للنطق بما يقوله فى حق الرسول - وَليزر - وفى حق
القرآن، ﴿ فقتل﴾ أى: فلعن، أو عذب، وهو دعاء عليه ﴿كيف قدر﴾ أي: كيف فكر
هذا التفكير العجيب البالغ النهاية فى السوء والقبح .
وقوله: ﴿ ثم قتل كيف قدر﴾ تكرير للمبالغة فى ذمه، والتعجيب من سوء تقديره ، وفى
الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمته - تعالى - .
والعطف بثم لافادة التفاوت فى الرتبة ، وأن الدعاء عليه والتعجيب من حاله فى الجملة
الثانية ، أشد منه فى الجملة الأولى .
وقوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ ثم نظر. ثم عبس ويسر. ثم أدبر واستكبر ... ﴾ تصوير
آخر لحالة هذا الشقى ، يرسم حركات جسده ، وخلجات قلبه ، وتقاطيع وجهه .. رسما
بديعا ، يثير فى النفوس السخرية من هذا الشقى .
أى: إنه فكر تفكيرا مليا ، وقدر فى نفسه ما سيقوله فى شأن النبى - { ال#1 - تقدیرا
طويلا .... ولم يكتف بكل ذلك ، بل فكر وقدر ﴿ ثم نظر﴾ أى: ثم نظر فى وجوه من حوله
نظرات يكسوها الجد المصطنع المتكلف ، حتى لكأنه يقول لهم : اسمعوا وعوا لما سأقوله لكم ..
ثم عبس وبسر ﴾ أى : ثم قطب ما بين عينيه حين استعصى عليه أن يجد فى القرآن
مطعنا ، وكلح وجهه ، وتغير لونه ، وارتعشت أطرافه ، حين ضاقت عليه مذاهب الحيل ، فى أن
يجد فى القرآن مطعنا .
يقال: عَبسَ فلان يَعْبِسُ عبوسا ، إذا قطب جبينه . وأصله من العبس وهو ما تعلق بأذناب
الإِبل من أبوالها وأبعارها بعد أن جف عليها .
ويقال : بسَر فلان يَبسُر بسورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشىء .
ومنه قوله - تعالى - : ﴿ووجوه يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها فاقرة .﴾.