Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة القلم أى : وإنك - أيها الرسول الكريم - لعلى دين عظيم ، وعلى خلق كريم ، وعلى سلوك قويم ، فى كل ما تأتيه وما تتركه من أقوال وأفعال .. والتعبير بلفظ ((على)) يشعر بتمكنه - اله - ورسوخه فى كل خلق كريم . وهذا أبلغ رد على أولئك الجاهلين الذين وصفوه بالجنون ، لأن الجنون سفه لا يحسن معه التصرف . أما الخلق العظيم ، فهو أرقى منازل الكمال، فى عظماء الرجال . وإن القلم ليعجز عن بيان ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة ، من ثناء من الله - تعالى :- على نبيه - 13 - . قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : قال قتادة : ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل السيدة عائشة عن معنى هذه الآية فقالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قال : بلى . قالت : فإن خلق رسول الله - * - كان القرآن .. ٤ ومعنى هذا، أنه - * - صار امتثال القرآن أمرا ونهيا، سجية له وخلقا وطبعا ، فمهما أمره القرآن فعله ، ومهما نهاه عنه تركه ، هذا مع ما جبله اللّه عليه من الخلق الكريم ، كالحكمة ، والعفة، والشجاعة، والعدالة .. (١). وكيف لا يكون - ﴿ - جماع كل خلق عظيم وهو القائل: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). ثم بشره - سبحانه - ببشارات أخرى فقال: ﴿ فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين ﴾ . والفاء فى قوله: ﴿ فستبصر ... ﴾ للتفريع على ما تقدم من قوله: ﴿ ما أنت بنعمة ربك مجنون والفعل (تبصر ويبصرون)) من الإبصار الذى هو الرؤية بالعينين ، وقيل : بمعنى العلم .. والسين فى ﴿ فستبصر ... ﴾ للتأكيد . والباء فى قوله ﴿ بأيكم ... ﴾ يرى بعضهم أنها بمعنى فى . والمفتون: اسم مفعول، وهو الذى أصابته فتنة . أدت إلى جنونه ، والعرب کانوا یقولون للمجنون : فتنته الجن . أو هو الذى اضطرب أمره واختل تكوينه وضعف تفكيره .. كأولئك المشركين الذين قالوا فى النبى - * - أقوالا لا يقولها عاقل .. (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٣١٢. ٤٢ المجلد الخامس عشر أى : لقد ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - أنك بعيد عما اتهمك به الكافرون ، وأن لك عندنا المنزلة التى ليس بعدها منزلة .. وما دام الأمر كذلك فسترى وستعلم ، وسيرى وسيعلم هؤلاء المشركون ، فى أى فريق منكم الإصابة بالجنون ؟ أفى فريق المؤمنين أم بفريق الكافرين .. قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : قوله : ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال ابن عباس: فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل ، وقيل فى الدنيا بظهور عاقبة أمرك .. بأيكم المفتون ﴾ الباء مزيدة فى المبتدأ ، والتقدير: أيكم المفتون ، فزيدت الياء كزيادتها فى نحو : بحسبك درهم .. وقيل: الباء بمعنى (( فى)) الظرفية، كقولك : زيد بالبصرة . أى: فيها . والمعنى : فى أى فرقة منكم المفتون . وقيل : المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور. أى ، بأيكم الفتون .. (١) وجملة : ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ... ﴾ تعليل لما ينبىء عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد، وتأكيد لوعده - ◌َلي - بالنصر ، ولوعيدهم بالخيبة والخسران . أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك ، هو أعلم بمن ضل .عن سبيله ، وبمن أعرض عن طريق الحق والصواب .. وهو - سبحانه - أعلم بالمهتدين الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ويسعدهم فى دنياهم وآخرتهم .. وما دام الأمر كذلك : فذرهم فى طغيانهم يعمهون ، وسر فى طريقك ، فستكون العاقبة لك ولأتباعك . ثم أرشده - سبحانه - إلى جانب من مسالكهم الخبيثة ، وصفاتهم القبيحة ، وحذره من الاستجابة إلى شىء من مقترحاتهم، فقال: ﴿ فلا تطع المكذبين ، ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ . وقوله: ﴿ ودوا﴾ من الود بمعنى المحبة. وقوله: ﴿تدهن﴾ من الإدهان وهى المسايرة والمصانعة والملاينة للغير . وأصله أن يجعل على الشىء دهنا لكى يلين أو لكى يحسن شكله ، ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٨٣. ٤٣ سورة القلم أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - لا يخفى عليه شىء من أحوالك وأحوالهم ، وما دام الأمر كذلك، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين فى شىء مما يقترحونه عليك ، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقترحاتهم ، وأن تلاينهم وتطاوعهم فيما يريدون منك .. وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملاينة والمصانعة .. حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك ، وترك إيذائك وإيذاء أصحابك . فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التى عرضها المشركون على النبى - 3# - وما أكثرها ، ومنها : ما ذكره ابن إسحاق فى سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبى -* - : يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعيد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت فى الأمر ، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه، فنزلت سورة ((الكافرون )). ومنها ما دار بينه -* - وبين الوليد بن المغيرة تارة ، وبينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى .. مما هو معروف فى كتب السيرة . ولقد قال الرسول - * - لعمه أبى طالب عندما نصحه بأن يترك المشركين وشأنهم، وقال له : يا ابن أخى أشفق على نفسك وعلى ، ولا تحملنى من الأمر مالا أطيق . قال له - * -: يا عماه، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى . على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه .. )) والتعبير بقوله: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ يشير إلى أن الملاينة والمصانعة كانت منهم ، لا منه -* - ، فهم الذين كانوا يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم ، لكى يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على صلة طيبة به وبأصحابه . قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ فلا تطع المكذبين) تهييج وإهاب للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة ، وآلهتهم مدة ، ويكفوا عن غوائلهم . وقوله: ﴿لو تدهن﴾ لو تلين وتصانع ﴿ فيدهنون فإن قلت: لماذا رفع ((فيدهنون)) ولم ينصب بإضمار ((أن)) وهو جواب التمنى؟ . قلت : قد عدل إلى طريق آخر ، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف . أى : فهم يدهنون ، كقوله : ﴿ فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا﴾ على معنى: ودوا لو تدهن فهم بدهنون .. (١). ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٨٦ . ٤٤ المجلد الخامس عشر ثم يكرر - سبحانه - النهى للنبى - عليه - عن طاعة كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم .. فيقول: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم ﴾ . وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآيات الكريمة ، نزلت فى الوليد بن المغيرة .. وقيل : إنها نزلت فى الأخنس بن شريق .. والآيات الكريمة يشمل النهى فيها كل من هذه صفاته ، ويدخل فيها الوليد بن المغيرة ، والأخنس بن شريق .. دخولا أوليا . أى : ولا تطع - أيها الرسول الكريم - كل من كان كثير الحلف بالباطل ، وكل من كان مهينا ، أى : حقيرا ذليلا وضيعا . من المهانة ، وهى القلة فى الرأى والتمييز . هماز﴾ أى: عياب للناس، أو كثير الاغتياب لهم، من الهمز، وأصله: الطعن فى الشىء بعود أو نحوه ، ثم استعير للذى يؤذى الناس بلسانه وبعينه وبإشارته ، ويقع فيهم بالسوء ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ويل لكل همزة لمزة ﴾. مشَّاء بنميم﴾ أى: نقَّال للحديث السَّيِّئ لكى يفسد بين الناس .. والنميم والنميمة مصدران بمعنى السعاية والإِفساد . يقال : نَمَّ فلان الحديث - من بابى قتل وضرب - إذا سار بين الناس بالفتنة . وأصل النم : الهمس والحركة الخفيفة ثم استعملت فى السعى بين الناس بالفساد على سبيل المجاز . مناع للخير معتد أثيم ﴾ أى : هو شديد المنع لكل ما فيه خير ، ولكل من يستحقه ، خصوصا إذا كان من يستحقه من المؤمنين . ثم هو بعد ذلك ﴿ معتد﴾ أى: كثير العدوان على الناس ﴿أثيم﴾ أى: مبالغ فى ارتكابه للآثام ، لا يترك سيئة دون أن يرتكبها . وقد جاءت صفات الذم السابقة بصيغة المبالغة ، للإِشعار برسوخه فيها ، وباقترافه لها بسرعة وشدة . عُتْلُ بعد ذلك زنيم ﴾ والعتل: هو الجاف الغليظ ، القاسى القلب: الفظ الطبع ، الأكول الشروب .. بدون تمييز بين حلال وحرام . مأخوذ من عتله يعتَلِه - بكسر التاء وضمها - إذا جره بعنف وغلظة .. والزنيم ﴾ هو اللصيق بالقوم دون أن يكون منهم، وإنما هو دعى فيهم، حتى لكأنه ٤٥ سورة القلم فيهم كالزمة ، وهى ما يتدلى من الجلد فى حلق المعز أو الشاة .. وقيل : الزنيم ، هو الشخص الذى يعرف بالشر واللؤم بين الناس ، كما تعرف الشاة بزغتها . أى : بعلامتها . ومعنى: ((بعد ذلك)): كمعنى ((ثم)) أى: ثم هو بعد كل تلك الصفات القبيحة السابقة : جاف غليظ ، ملصق بالقوم ، دعى فيهم .. فهذه تسع صفات ، كل صفة منها قد بلغت النهاية فى القبح والسوء ، ساقها - سبحانه - لذم الوليد بن المغيرة وأشباهه فى الكفر والفجور. وقوله : ﴿ أن كان ذا مال وبنين .... ﴾ متعلق بقوله قبل ذلك ﴿ولا تطع كل حلاف ... ﴾ أى: ولا تطع من كانت هذه صفاته لكونه ذا مال وبنين ، فإن ماله وولده لن يغنى عنه من الله - تعالى - شيئا . وقوله : ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾ كلام مستأنف جار مجرى التعليل للنهى عن طاعته ، والأساطير جمع أسطورة بمعنى أكذوبة . أى : لا تطعه - لأنه فضلا عما اتسم به من صفات قبيحة - تراه إذا تتلى عليه آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا .. وعلى صدقك يا محمد فيما تبلغه عنا ، قال هذا العتل الزنيم ، هذه الآيات أكاذيب الأولين وترهاتهم . ثم ختم هذه الآيات بأشد أنواع الوعيد لمن هذه صفاته فقال - تعالى - ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ . ... .............. أى : سنبين أمره ونوضحه توضيحا يجعل الناس يعرفونه معرفة تامة لاخفاء معها ولا لبس ولا غموض ، كما لا تخفى العلامة الكائنة على الخرطوم ، الذى يراد به هنا الأنف . والوسم عليه يكون بالنار . أو سنلحق به عارا لا يفارقه ، بل يلازمه مدى الحياة ، وكان العرب إذا أرادوا أن يسبوا رجلا سبة قبيحة .. قالوا : قد وُسِمَ فلان مِيسَمَ سوء .. أى : التصق به عار لا يفارقه ، كالسمة التى هى العلامة التى لا يمحى أثرها .. وذكر الوسم والخرطوم فيه ما فيه من الذم ، لأن فيه جمعا بين التشويه الذى يترتب على الوسم السَّيِّئُ ، وبين الإِهانة ، لأن كون الوسم فى الوجه بل فى أعلى جزء من الوجه وهو الأنف .. دليل على الإِذلال والتحقير . ومما لاشك فيه أن وقع هذه الآيات على الوليد بن المغيرة وأمثاله ، كان قاصما لظهورهم ، ٤٦ المجلد الخامس عشر ممزقا لكيانهم ، هادما لما كانوا يتفاخرون به من أمجاد زائفة ، لأنه ذم لهم من رب الأرض والسماء ، الذى لا يقول إلا حقا وصدقا . كذلك كانت هذه الآيات تسلية للرسول - - ولأصحابه ، عما أصابهم من أذى ، من هؤلاء الحلافين بالباطل والزور ، المشائين بين الناس بالنميمة ، المناعين لكل خير وبر . وبمناسبة الحديث السابق الذى فيه إشارة إلى المال والبنين ، اللذين كانا من أسباب بطر هؤلاء الكافرين وطغيانهم .. ساق القرآن بعد ذلك قصة أصحاب الجنة ، لتكون موعظة وعبرة لكل عاقل ، فقال - تعالى - : إِنَّابَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْأَقَسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَابِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآَبِعُونَ ﴿ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِحِ ﴿ فَنَادَ وْأْمُصْبِحِينَ آ أَنِ أَغْدُ واْعَلَى حَرْئِّكُمْ إِنْ كُنُمُ صَرِمِينَ ﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ ٢٣ أَنْلَّا يَدْخُلَهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌّ وَغَدَوْ عَلَى حَرْرٍ قَدِرِينَ آ ◌َمَا رَأَوْ هَاقَالُوَ إِنَّالَضَلُونَ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ ) قَالَ أَوْسَطْعُمْ أَقُلُ لَكُلَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٨) قَالُوَأْ سُبْحَنَ رَبِنَا إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَوَمُونَ ﴿ قَالُوْيَوْتِلَآ إِنَّا كُنَّ ◌َغِينَ (٦) عَسَى رَبِّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْر ◌ٌمِّنْهَا ◌ِنَّا إِلَى رَبِنَانَغِبُونَ (٦) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَعَذَابُ اَلْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَكَانُوا يَعْلَمُونَ ٣٢ قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا مثل ضربه الله - تعالى - لكفار قريش ، فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة ، وأعطاهم من النعم الجسيمة ، وهو بعثه محمدا - وَلـ - إليهم فقابلوه بالتكذيب والمحاربة .. ٤٧ سورة القلم وقد ذكر بعض السلف : أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا من أهل اليمن كانوا من قرية يقال لها: ((ضَرَوان)) على ستة أميال من صنعاء .. وكان أبوهم قد ترك لهم هذه الجنة ، وكانوا من أهل الكتاب ، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليه ، ويدخر لعياله قوت سنتهم ، ويتصدق بالفاضل . فلما مات وورثه أولاده ، قالوا : لقد كان أبونا أحمق ، إذ كان يصرف من هذه الجنة شيئا للفقراء ، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك لنا ، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم ، فقد أذهب الله ما بأيديهم بالكلية: أذهب رأس المال، والربح .. فلم يبق لهم شىء .. (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ بلوناهم ﴾ أى: اختبرناهم وامتحناهم ، مأخوذ من البلوى ، التى تطلق على الاختبار ، والابتلاء قد يكون بالخير وقد يكون بالشر ، كما قال - تعالى - : كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ .. وكما فى قوله - سبحانه - : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ﴾ . والمراد بالابتلاء هنا : الابتلاء بالشر بعد جحودهم لنعمة الخير . أى : إنا امتحنا مشركى قريش بالقحط والجوع . حتى أكلوا الجيف ، بسبب كفرهم بنعمنا، وتكذيبهم لرسولنا - * - كما ابتلينا من قبلهم أصحاب الجنة ، بأن دمرناها تدميرا ، بسبب بخلهم وامتناعهم عن أداء حقوق الله منها .. ويبدو أن قصة أصحاب الجنة ، كانت معروفة لأهل مكة ، ولذا ضرب الله - تعالى - المثل بها . حتى يعتبروا ويتعظوا .. ووجه المشابهة بين حال أهل مكة ، وحال أصحاب الجنة .. يتمثل فى أن كلا الطرفين قد منحه الله - تعالى - نعمة عظيمة ، ولكنه قابلها بالجحود وعدم الشكر . و﴿ إذ﴾ فى قوله: ﴿إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين .. ﴾ تعليلية . والضمير فى ﴿ أقسموا﴾ يعود لمعظمهم، لأن الآيات الآتية بعد ذلك، تدل على أن أوسطهم قد نهاهم عما اعتزموه من حرمان المساكين ، ومن مخالفة ما يأمرهم شرع الله - تعالى - به .. قال - تعالى -: ﴿ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ... ﴾ وقوله: ﴿ ليصرمنها﴾ من الصرم وهو القطع. يقال: صرم فلان زرعه - من باب ضرب - إذا جَزّه وقطعه ، ومنه قولهم : انصرم حبل المودة بين فلان وفلان ، إذا انقطع . (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٢٣ . ٤٨ المجلد الخامس عشر وقوله : ﴿مصبحين﴾ أى: داخلين فى وقت الصباح المبكر . أى: إنا امتحنا أهل مكة بالبأساء والضراء ، كما امتحنا أصحاب البستان الذين كانوا قبلهم ، لأنهم أقسموا بالأيمان المغلظة ، ليقطعن ثمار هذا البستان فى وقت الصباح المبكر . ﴿ ولا يستثنون﴾ أى: دون أن يجعلوا شيئا - ولو قليلا - من ثمار هذا البستان للمحتاجين ، الذين أوجب الله - تعالى - لهم حقوقا فى تلك الثمار. وقيل معنى ﴿ولا يستثنون) ولم يقولوا إن شاء الله، كما قال - تعالى -: ﴿ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ... ﴾ والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى -: ﴿ ليصرمنها﴾، وهى فى الوقت نفسه مقسم عليه . أى : أقسموا ليصرمنها فى وقت الصباح المبكر ، وأقسموا كذلك على أن لا يعطوا شيئا منها للفقراء أو المساكين . ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا القسم الذى لم يقصد به الخير ، وإنما قصد به الشر فقال: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت كالصريم ﴾. والطائف : مأخوذ من الطواف ، وهو المشى حول الشىء من كل نواحيه ومنه الطواف حول الكعبة . وأكثر ما يستعمل لفظ الطائف فى الشر كما هنا، ومنه قوله - تعالى - : ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ . وعدى لفظ ((طائف)) بحرف ((على)) لتضمينه معنى: تسلط أو نزل . والصريم - كما يقول القرطبى - : الليل المظلم .. أى : احترقت فصارت كالليل الأسود . وعن ابن عباس : كالرماد الأسود . أو : كالزرع المحصود . فالصريم بمعنى المصروم ، أى : المقطوع ما فيه .. (١). أى : أقسم هؤلاء الجاحدون على أن لا يعطوا شيئا من جنتهم للمحتاجين ، فكانت نتيجة نيتهم السيئة ، وعزمهم على الشر .. أن نزل بهذه الحديقة بلاء أحاط بها فأهلكها ، فصارت كالشىء المحترق الذى قطعت ثماره ، ولم يبق منه شىء ينفع . ولم يعين - سبحانه - نوع هذا الطائف ، أو كيفية نزوله ، لأنه لا يتعلق بذكره غرض ، وإنما المقصود ما ترتب عليه من آثار توجب الاعتبار . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٤١ . ٤٩ سورة القلم وتنكير لفظ ﴿ طائف﴾ للتهويل. و﴿من﴾ فى قوله ﴿ من ربك ) للابتداء، والتقييد بكونه من الرب - عز وجل - لإفادة أنه بلاء لا قبل لأحد من الخلق بدفعه . قال القرطبى : فى هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان ، لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم. ومثله قوله - تعالى -: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم). وفى الحديث الصحيح: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول فى النار . قيل: يارسول اللّه، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه)) .. (١) . ثم يصور - سبحانه - أحاسيسهم وحركاتهم ، وقد خرجوا لينفذوا ما عزموا عليه من سوء .. فيقول: ﴿ فتنادوا مصبحين﴾ أى: فنادى بعضهم بعضا فى وقت الصباح المبكر، حتى لا يراهم أحد . فقالوا فى تناديهم: ﴿ أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين﴾ أى: قال بعضهم لبعض : هيا بنا لنذهب إلى بستاننا لكى نقطع ما فيه من ثمار فى هذا الوقت المبكر ، حتى لا يرانا أحد، إذ الغدو هو الخروج إلى المكان فى غدوة النهار. أى : فى أوله . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى ((على))؟. قلت : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه : كان غدوا عليه ، كما تقول : غدا عليهم العدو. ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال، كقولهم : يغدى عليه بالجفئة ويراح . أى : فأقبلوا على حرثكم باكرين .. (٢). وجواب الشرط فى قوله : ﴿إن كنتم صارمين) محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى: إن كنتمٍ صارمين فاغدوا ﴿ فانطلقوا وهم يتخافتون ﴾ أى: فانطلقوا مسرعين نحو جنتهم وهم يتسارَّون فيما بينهم ، إذ التخافت : تفاعل من خفت فلان فى كلامه ، إذا نطق به بصوت منخفض لا يكاد يسمع . وجملة : ﴿ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين﴾ مفسرة لما قبلها لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه أى : انطلقوا يتخافتون وهم يقولون فيما بينهم : احذروا أن يدخل جنتكم اليوم وأنتم تقطعون ثمارها أحد من المساكين . (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٤١ . ( ٢ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٩٠ . ٥٠ المجلد الخامس عشر وجملة: ((وغدوا على حرد قادرين)» حالية. والحرد: القصد . يقال: فلان حرد فلان - من باب ضرب - أى : قَصَد قَصْدَه . قال الإِمام الشوكانى : الحرد يكون بمعنى المنع والقصد .. لأن القاصد إلى الشىء حارد . يقال: حرد يجرد إذا قصد .. وقال أبو عبيدة: ﴿ على حرد﴾ أى: على منع ، من قولهم: حردت الإِبل حردا ، إذا قلت ألبانها . والحرود من الإِبل : القليلة اللبن .. وقال السدى : على حرد ﴾: أى: على غضب .. وقال الحسن : على حرد، أى : على حاجة وفاقة . وقيل: ﴿ على حرد﴾ أى: على انفراد. يقال: حرد يحرد حردا، إذا تنحى عن قومه، ونزل منفردا عنهم دون أن يخالطهم .. أى : أن أصحاب الجنة ساروا إليها غدوة ، على أمر قد قصدوه وبيتوه .. موقنين أنهم قادرون على تنفيذه ، لأنهم قد اتخذوا له جميع وسائله ، من الكتمان والتبكير والبعد عن أعين المساكين . أو : ساروا إليها فى الصباح المبكر ، وهم ليس معهم أحد من المساكين أو من غيرهم ، وهم فى الوقت نفسه يعتبرون أنفسهم قادرين على قطع ثمارها ، دون أن يشاركهم أحد فى تلك الثمار . ثم صور - سبحانه - حالهم تصويراً بديعا عندما شاهدوا جنتهم، وقد صارت كالصريم، فقال: ﴿ فلما رأوها قالوا إنا لضالون أى : فحين شاهدوا جنتهم - وهى على تلك الحال العجيبة - قال بعضهم لبعض : إنا لضالون عن طريق جنتنا ، تائهون عن الوصول إليها .. لأن هذه الجنة الخاوية على عروشها ليست هى جنتنا التى عهدناها بالأمس القريب ، زاخرة بالثمار . ثم اعترفوا بالحقيقة المرة ، بعد أن تأكدوا أن ما أمامهم هى حديقتهم فقالوا : ﴿ بل نحن محر ومون﴾ أى: لسنا بضالين عن الطريق إليها، بل الحقيقة أن الله - تعالى - قد حرمنا من ثمارها .. بسبب إصرارنا على حرماننا المساكين من حقوقهم منها . وهنا تقدم إليهم أوسطهم رأيا ، وأعدلهم وأمثلهم تفكيرا .. فقال لهم: ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون والاستفهام للتقرير. و﴿ لولا ﴾ حرف تحضيض بمعنى هلا. والتسبيح هنا بمعنى : الاستغفار والتوبة ، وإعطاء كل ذى حق حقه . أى : قال لهم - أعقلهم وأصلحهم - بعد أن شاهد ما شاهد من أمر الحديقة . قال لهم : لقد قلت لكم عندما عزمتم على حرمان المساكين حقوقهم منها .. اتقوا الله ولا تفعلوا ذلك ، : ٥١ سورة القلم وسيروا على الطريقة التى كان يسير عليها أبوكم ، وأعطوا المساكين حقوقهم منها ، ولكنكم خالفتمونى ولم تطيعوا أمرى ، فكانت نتيجة مخالفتكم لنصحى ، ما ترون من خراب الجنة ، التى أصابنى من خرابها ما أصابكم . وكعادة كثير من الناس الذين : لا يقدرون النعمة إلا بعد فوات الأوان .. قالوا لأعقلهم وأصلحهم: ﴿ سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ﴾. أى: قالوا وهم يعترفون بظلمهم وجرمهم .. ﴿سبحان ربنا﴾ أى: ننزه ربنا ونستغفره عما حدث منا، فإننا كنا ظالمين لأنفسنا حين منعنا حق الله - تعالى - عن عباده . ثم حكى - سبحانه - مادار بينهم بعد أن أيقنوا أن حديقتهم قد دمرت فقال: ﴿ فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ﴾ . أى: يلوم بعضهم بعضا، وكل واحد منهم يلقى التبعة على غيره ، ويقول له : أنت الذى كنت السبب فيما أصابنا من حرمان .. قالوا ياويلنا﴾ أى: ياهلاكنا وياحسرتنا .. ﴿إنا كنا طاغين﴾ أى: إنا كنا متجاوزين لحدودنا ، وفاسقين عن أمر ربنا ، عندما صممنا على البخل بما أعطانا - سبحانه - من فضله. ﴿ عسى ربنا﴾ بفضله وإحسانه ﴿ أن يبدلنا خيرا منها﴾ أى: أن يعطينا ما هو خير منها ﴿ إنا إلى ربنا﴾ لا إلى غيره ﴿راغبون﴾ أى: راغبون فى عطائه، راجعون إليه بالتوبة والندم .. قال الآلوسى : قال مجاهد: إنهم تابوا فأبد لهم الله - تعالى - خيرا منها. وحكى عن. الحسن : التوقف . وسئل قتادة عنهم : أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ فقال للسائل : لقد كلفتنى تعبا .. (١) . ثم ختم - سبحانه - قصتهم بقوله : ﴿ كذلك العذاب ﴾ أى : مثل الذى بلونا به أصحاب الجنة ، من إهلاك جنتهم بسبب جحودهم لنعمنا .. يكون عذابنا لمن خالف أمرنا من كبار مكة وغيرهم . فقوله: ﴿ كذلك) خبر مقدم، و﴿ العذاب﴾ مبتدأ مؤخر. والمشار إليه هو ما تضمنته القصة من إتلاف تلك الجنة ، وإذهاب ثمارها . وقدم المسند وهو الخبر ، على المسند إليه وهو المبتدأ ، للاهتمام بإحضار تلك الصورة العجيبة فى ذهن السامع . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٣٢. ٥٢ المجلد الخامس عشر وقوله : ﴿ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ يدل على أن المراد بالعذاب السابق عذاب الدنيا . أى : مثل ذلك العذاب الذى أنزلناه بأصحاب الجنة فى الدنيا ، يكون عذابنا لمشركى قريش ، أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى وأعظم .. ولو كانوا من أهل العلم والفهم ، لعلموا ذلك ، ولأخذوا منه حذرهم عن طريق الإِيمان والعمل الصالح . هذا ، والمتأمل فى هذه القصة ، يراها زاخرة بالمفاجآت ، وبتصوير النفس الإنسانية فى حال غناها وفى حال فقرها ، فى حال حصولها على النعمة وفى حال ذهاب هذه النعمة من بين يديها . كما يراها تحكى لنا سوء عاقبة الجاحدين لنعم الله، إذ أن هذا الجحود يؤدى إلى زوال النعم ، ورحم الله القائل : من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها . ثم تبدأ السورة بعد ذلك فى بيان حسن عاقبة المؤمنين ، وفى محاجة المجرمين ، وفى تحديهم بالسؤال تلو السؤال ، إلزاما لهم بالحجة ، وتقريعا لهم على غفلتهم ، وتذكيرا لهم بيوم القيامة الذى سيندمون عنده ، ولن ينفعهم الندم . قال - تعالى - : إِنَّ ◌ِلْمُتَّقِينَ عِندَرَبِهِمْ جَنَّتِ التَّعِيمِ ٦٠ أَفَجْعَلُ الْسُلِينَ كَلْتُجْرِ مِينَ آ مَا لَكُمْكَيْفَ تَحَّكُمُونَ ، أَمَ لَكُمْ كِتَبُّ فِيهِ تَدْرُونَ ﴿٦) إِنَّلَكُمْ فِيهِ مَا تَخَرُونَ (٢٦) أَمْ لَكُمْأَ يْمَنَّ عَلَيْنَابَلِغَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ إِنَّ لَكُوْلَا تَحْكُمُونَ ) سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِمُ قْ أَمْلَمْ شُرَكَةٌفَأْتُواْبِشُرَكَآَمِهِمْ إِن كَانُواأَ صَدِقِينَ ( ٤١ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِفَلَا يَسْتَطِيعُونَ ٤٢ خَشِعَةٌ أَبْصَرُ تَرْهَقُهُمْ فِلَّةٌ وَقَدْكَانُواْيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِوَهُمْ سَلِمُونَ ٤٣ وقوله - سبحانه -: ﴿إن للمتقين عند ربهم .. ) بيان لما وعد به - سبحا الصادقين ، بعد بيان وعيده للجاحدين المكذبين . ٥٣ سورة القلم أى: إن للذين اتقوا ربهم ، وصانوا أنفسهم عما حرمه .. جنات ليس لهم فيها إلا النعيم الخالص ، والسرور التام. والخير الذى لا ينقطع ولا يمتنع . واللام فى قوله : ﴿للمتقين ) للاستحقاق، وقال - سبحانه - ﴿ عندربهم ﴾ للتشريف والتكريم . أى : هذه الجنات اختص الرب - عز وجل - بها الذين اتقوه فى كل أحوالهم . وإضافة الجنات إلى النعيم ، للإشارة إلى أن النعيم ملازم لها لا يفارقها فلا يكون فيها ما يكون فى جنات الدنيا من تغير فى الأحوال ، فهى تارة مثمرة ، وتارة ليست كذلك . والاستفهام فى قوله: ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ للنفى والإنكار. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام . أى : أنحيف فى أحكامنا فنجعل الذين أخلصوا لنا العبادة . كالذين أشركوا معنا آلهة أخرى ؟ أو نجعل الذين أسلموا وجوههم لنا ، كالذين فسقوا عن أمرنا ؟ كلا ، لن نجعل هؤلاء كهؤلاء ، فإن عدالتنا تقتضى التفريق بينهم . قال الجمل : لما نزلت هذه الآية وهى قوله: ﴿إن للمتقين ... ﴾ قال كفار مكة للمسلمين إن اللّه فضلنا عليكم فى الدنيا ، فلابد وأن يفضلنا عليكم فى الآخرة ، فإذا لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة فأجابهم الله - تعالى - بقوله: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾(١). ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم توبيخا آخر فقال: ﴿ مالكم ، كيف تحكمون ﴾ . وقوله ﴿ مالكم﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وهى بمثابة تأنيب آخر لهم وقوله: ﴿كيف تحكمون ﴾ تجهيل لهم ، وتسفيه لعقولهم . أى: ما الذى حدث لعقولكم ، حتى ساويتم بين الأخيار والأشرار والأطهار والفجار ، ومن أخلصوا لله عبادتهم ، ومن كفروا به ؟ ثم انتقل - سبحانه - من توبيخهم على جهلهم ، إلى توبيخهم على كذبهم فقال : ﴿ أم لكم كتاب فيه تدرسون . إن لكم فيه لما تخيرون ﴾ . و﴿ أم﴾ هنا وما بعدها للإضراب الانتقالى، وهى بمعنى بل، والضمير فى قوله ﴿فيه ﴾ يعود على الكتاب . وقوله : ﴿ تدرسون﴾ أى: تقرأون بعناية وتفكير . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٨٨. ٥٤ المجلد الخامس عشر وقوله : ﴿تخيرون﴾ أصله: تتخيرون. والتخير: تطلب ما هو خير. يقال : فلان تخير الشىء واختاره ، إذا أخذ خيره وجيده . أى : بل ألكم - أيها المشركون - كتاب قرأتم فيه بفهم وتدبر المساواة بين المتقين والمجرمين ، وأخذتم منه ما اخترتموه من أحكام ؟ كلا ، إنه لا يوجد كتاب ساوى ، أو غير ساوى ، يوافقكم على التسوية بين المتقين والمجرمين . وأنتم إنما تصدرون أحكاما كاذبة . ما أنزل الله بها من سلطان . ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على لون آخر من مزاعمهم فقال : ﴿ أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة ، إن لكم لما تحكمون ﴾ . أى : وقل لهم - يا محمد - على سبيل إلزامهم الحجة: بل ألكم ﴿ أيمان﴾ أى: عهود ومواثيق مؤكدة ﴿ علينا﴾ وهذه العهود ﴿بالغة) أقصى مداها فى التوكيد، وثابتة لكم علينا ﴿ إلى يوم القيامة) بأننا قد سوينا بين المسلمين والمجرمين فى أحكامنا، كما زعمتم أنتم ؟ إن كانت لكم علينا هذه الأيمان والعهود ، فأظهروها للناس ، وفى هذه الحالة يكون من حقكم أن تحكموا ما حكمتم به . ومما لاشك فيه ، أنهم ليست لهم عهود عند اللّه بما زعموه من أحكام ، وإنما المقصود من. الآية الكريمة ، بيان كذبهم فى أقوالهم ، وبيان أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بجواب يثبتون به مدعاهم . وقوله : ﴿إن لكم لما تحكمون﴾ جواب القسم، لأن قوله: ﴿أم لكم أيمان علينا) بمعنى : أم أقسمنا لكم أيمانا موثقة بأننا رضينا بأحكامكم التى تسوون فيها بين المسلمين والمجرمين . ثم أمر - سبحانه - رسوله - ﴿ - أن يسألهم سؤال تبكيت وتأنيب فقال: ﴿ سلهم أيهم بذلك زعيم ﴾ . والزعيم : هو الضامن ، والمتكلم عن القوم ، والناطق بلسانهم .. واسم الإشارة يعود على الحكم الباطل الذى حكموه ، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين . أى : سل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، سؤال تقريع وتوبيخ ، أى واحد منهم سيكون يوم القيامة ، كفيلا بتحمل مسئولية هذا الحكم ، وضامنا بأن المسلمين سيكونون متساوين مع المجرمين فى الأحكام عند اقه - تعالى - . .٨ ٥٥ سورة القلم -- ثم انتقل - سبحانه - إلى إلزامهم الحجة عن طريق آخر فقال : ﴿ أم لهم شركاء ، فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ﴾ . أى : بل ألهم شركاء يوافقونهم على هذا الحكم الباطل ، إن كان عندهم ذلك ، فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين فى زعمهم التسوية بين المتقين والمجرمين . والمراد بالشركاء هنا : الأصنام التى يشركونها فى العبادة مع الله - عز وجل - . وحذف متعلق الشركاء لشهرته . أى : أم لهم شركاء لنا فى الألوهية يشهدون لهم بصحة أحكامهم . والأمر فى قوله: ﴿ فليأتوا .. ﴾ للتعجيز. والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة ، يرى أن الله - تعالى - قد وبخهم باستفهامات سبعة : أولها قوله - تعالى -: ﴿أفنجعل .... ﴾ الثانى: ﴿مالكم ... ) الثالث: ﴿ كيف تحكمون﴾ الرابع: ﴿ أم لكم كتاب﴾ الخامس: ﴿أم لكم أيمان﴾ السادس: ﴿أيهم بذلك زعيم﴾ السابع: ﴿ أم لهم شركاء ﴾ . قال الآلوسي : وقد نبه - سبحانه - فى هذه الآيات ، على نفى جميع ما يمكن أن يتعلقوا به فى تحقيق دعواهم ، حيث نبه - سبحانه - على نفى الدليل العقلى بقوله ﴿ ما لكم كيف تحكمون﴾. وعلى نفى الدليل النقلى بقوله ﴿أم لكم كتاب .. ﴾، وعلى نفى أن يكون الله وعدهم بذلك بقوله ﴿ أم لكم أيمان .. ﴾ وعلى نفى التقليد الذى هو أوهن من حبال القمر بقوله ﴿ أم لهم شركاء ... ﴾(١). ثم بين - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن حال الكافرين فيه ، فقال : يوم يكشف عن ساق ، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ . والظرف (( يوم)) يجوز أن يكون متعلقا بقوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ فليأتوا بشركائهم ... ﴾ ويصح أن يكون متعلقا بمحذوف تقديره . اذكر، والمراد باليوم ، يوم القيامة . والكشف عن الساق معناه التشمير عنها وإظهارها ، وهو مثل لشدة الحال ، وصعوبة الخطب والهول ، وأصله أن الإنسان إذا اشتد خوفه ، أسرع فى المشى ، وشعر عن ثيابه ، فينكشف ساقه . قال صاحب الكشاف : الكشف عن الساق ، والإِبداء عن الخِدَام . - أى : الخلخال الذى (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٣٤. ٥٦ المجلد الخامس عشر تلبسه المرأة فى رجلها - وهو جمع خَدَمة كرقاب جمع رقبة - مثل فى شدة الأمر ، وصعوبة الخطب ، وأصله فى الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن فى الهرب ، وإبداء خِدَامهن عند ذلك .. كما قال الشاعر : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن سوقها الحرب شمرا فمعنى يوم يكشف عن ساق : يوم يشتد الأمر ويتفاقم ، ولا كشف ولا ساق ، كما تقول للأقطع الشحيح : يده مغلولة ، ولايد ثّ ولا غل ، وإنما هو مثل فى البخل .. فإن قلت : فلم جاءت منكرة فى التمثيل ؟ قلت : للدلالة على أنه أمر مبهم فى الشدة ، فظيع خارج عن المألوف .. (١) . والمعنى : اذكر لهم - أيها الرسول الكريم - لكى يعتبروا ويتعظوا أهوال يوم القيامة ، يوم يشتد الأمر ، ويعظم الهول . ويدعون﴾ هؤلاء الذين فسقوا عن أمر ربهم فى هذا اليوم ﴿ إلى السجود﴾ الله - تعالى - على سبيل التوبيخ لهم ، لأنهم كانوا ممتنعين عنه فى الدنيا .. ﴿فلا يستطيعون﴾ أى: فلا يستطيعون ذلك، لأنه الله - تعالى - سلب منهم القدرة على السجود له فى هذا اليوم العظيم ، لأنه يوم جزاء وليس يوم تكليف والذين يدعونهم إلى السجود ، هم الملائكة بأمره - تعالى - . وقوله: ﴿ خاشعة أبصارهم ... ) حال من فاعل ﴿يدعون﴾ وخشوع الأبصار: كناية عن الذلة والخوف الشديد . ونسب الخشوع إلى الأبصار، لظهور أثره فيها . أى : هم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ذلك . لأنه - تعالى - سلب منهم القدرة عليه ، ثم يساقون إلى النار، حالة كونهم ذليلة أبصارهم ، منخفضة رءوسهم .. ﴿ترهقهم ذلة﴾ أى: تغشاهم وتعلوهم ذلة وانكسار .. وقد كانوا﴾ فى الدنيا ﴿يدعون إلى السجود﴾ لله - تعالى - ﴿وهم سالمون) أى : وهم قادرون على السجود له - تعالى - ، ومتمكنون من ذلك أقوى تمكن ... ، ولكنهم كانوا يعرضون عمن يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ، ويستهزئون به .. قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ... ) يعنى يوم القيامة. وما يكون فيه من الأهوال ، والزلازل ، والبلايا ، والامتحان ، والأمور العظام .. ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٩٤ . ٥٧ سورة القلم روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : سمعت النبى - ﴾﴾ے - يقول : یکشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد فى الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره ، طبقا واحدا - أى : يصير ظهره كالشىء الصلب فلا يقدر على السجود - . وعن ابن عباس قال: ﴿ يوم يكشف عن ساق): وهو يوم كرب وشدة .. (١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بالتهديد الشديد للكافرين ، وببيان جانب من تصرفه الحكيم معهم، وبتسلية الرسول - ﴿ - عما أصابه منهم ، ويأمره بالصبر على أذاهم ، وعلى أحقادهم التى تنبىء عنها نظراتهم المسمومة إليه ، فقال - تعالى - : فَذَرْ نِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَ يَعْلَمُونَ ﴿ وَأُمْلِلَمَُّإِنَّ كَيْدِى مَتِينُ ) أَمْ تَمْتَّلُهُمْ أَجْرَافَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴿ أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ() فَاصْبِرِ ◌ِّكْمِرَيِّكَ وَلَ تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْنَادَى وَهُوَمَكْظُومٌ أَوْلَا أَنْ تَدَارَ كَهُ نِعْمَةٌ مِّن ◌َّيِّهِ، لَنُبِذَ بِلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَهُ رَبُّهُ. فَجَعَهُ مِنَ الصَِّينَ * وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُو أَلَيْزِ لِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِ لَمَّا سَمِعُوْالذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ الَجُْونٌ ، وَمَا هُوَ إِلَّ ذِّكْرٌ لِلْعَلَمِينَ }) والفاء فى قوله : ﴿ فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث ... ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والفعل: ﴿ ذرنى﴾ من الأفعال التى يأتى منها الأمر والمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى اترك . يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه . ومنه قوله - تعالى - ﴿ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ﴾ . والمراد ﴿بهذا الحديث ... ) ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - * - من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة ، لكى يبلغها للناس . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٢٤ . ٥٨ المجلد الخامس عشر والاستدراج : استنزال الشىء من درجة إلى أخرى ، والانتقال به من حالة إلى أخرى ، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا : التمهل فى إنزال العقوبة . والإملاء : الإمداد فى الزمن ، والإِمهال والتأخير ، مأخوذ من الملاوة والملوة ، وهى الطائفة الطويلة من الزمن . والملوان . الليل : والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم .. يقال: أملى فلان لبعيره ، إذا أرخى له فى الزمام ، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى . والكيد كالمكر ، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره ، بحيث ينخدع الممكور به ، فلا يفطن لما يراد به ، حتى يقع عليه ما يسوؤه . وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه ، وكإمدادهم بالنعم . ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى - - عما أصابه من أعدائه . والمعنى : إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين ، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك ، ولا تشغل بالك بهم . فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ، بأن أسوق لهم النعم . حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج ، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة ، ليزدادوا إثما ، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وهذا أون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء .. وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ﴾(١). ظلموا . والحمد لله رب العالمين وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله -# - قال: ((إن الذ ليمل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ». وقال الحسن البصرى : كم من مستدرج بالإحسان ، وكم من مفتون بالثناء عليه ، وكم من مغرور بالستر عليه . استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد قال الآلوسى : وقوله ﴿ سنستدرجهم ... ﴾ من الكلام السابق إجمالا . (١) سورة الأنعام الآيتان ٤٤، ٤٥ . ٥٩ سورة القلم وقوله : ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج ، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم ، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم . وقوله: ﴿ وأملى لهم﴾ أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. ﴿إن كيدى متين﴾ أى: لا يُدفَع بشىء . ...------- وتسمية ذلك کیدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فی صورته ، حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا ، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم ، وتماديهم فى الكفر والجحود .. (١). ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم ، بأسلوب الاستفهام الإنكارى ، الذى تكرر فيها كثيرا ، فقال - تعالى -: ﴿ أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون . أم عندهم الغيب فهم يكتبون ﴾ ؟ والمغرم والغرامة : ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره . والمثقلون : جمع مثقل ، وهو من أثقلته الديون ، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها . والمراد بالغيب : علم الغيب ، وهو ما غاب عن علم البشر ، فالكلام على حذف مضاف . والمعنى : بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير ﴿ أجرا ﴾ دنيويا فهم ﴾ من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية ، وعاجزون عن دفعها لك .. فترتب على هذا الغرم الثقيل . أن أعرضوا عن دعوتك ، وتجنبوا الدخول فى دينك ؟. أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب ، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا .. فهم يكتبون ذلك ، ثم يصدرون أحكامهم . ويجادلونك فى شأنها . وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور !. الحق الذى لا حق سواه ، أن هؤلاء القوم ، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا ، ولا علم عندهم بشىء من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا ، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل .. وما دام الأمر كما ذكرنا لك ﴿فاصبر ﴾ أيها الرسول الكريم - لحكم ربك ، ولقضائه فيك وفيهم ، وسر فى طريقك التى كلفناك به ، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس .. وستكون العاقبة لك ولأتباعك . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٣٦. ۔۔ ٦٠ المجلد الخامس عشر ولا تكن﴾ - أيها الرسول الكريم - ﴿ كصاحب الحوت) وهو يونس - عليه السلام - . أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر ، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا ، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم .. والظرف فى قوله : ﴿ إذ نادى وهو مكظوم ) منصوب بمضاف محذوف، وجملة مكظوم)» فى محل نصب على الحال من فاعل ((نادى)) .. والمكظوم - بزنة مفعول - : المملوء غضبا وغيظا وكربا ، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه ، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلىء به . أى : لا يكن حالك كحال صاحب الحوت ، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه . ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت . وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا ، فظن أن لن نقدر عليه ، فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ... ﴾ استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام - . لولا﴾ هنا حرف امتناع لوجود، و﴿ أن﴾ يجوز أن تكون مخففة من ﴿ أن ﴾ الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، وهو ومحذوف ، وجملة ﴿ تداركه نعمة من ربه ﴾ خبرها. ويجوز أن تكون مصدرية . أى : لولا تدارك رحمة من ربه . والتدارك : تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير . والمقصود به هنا : المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - . قال الجمل : قرأ العامة: ﴿تداركه)، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة ، لأن تأنيثها غير حقيقى ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود : تداركته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم .. (٣) . والمراد بالنعمة : رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته ، وإجابة دعائه .. (١) سورة الأنبياء الآية ٨٧ ، ٨٨ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٩١ .