Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة الطلاق والظاهر أن الذكر هو القرآن، والرسول هو محمد - وَالله - ورسولا منصوب بمقدر، أى : وأرسل رسولا .. (١). ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين الصادقين فقال : ﴿ ومن يؤمن بالله ﴾ إيمانا حقا : ويعمل﴾ عملا ﴿ صالحا يدخله) - سبحانه - بفضله وإحسانه ﴿ جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا ﴾ خلودا أبديا .. وقوله : ﴿ قد أحسن الله له رزقا﴾ حال من الضمير المنصوب فى قوله ﴿يدخله﴾، والجمع فى الضمائر باعتبار معنى ﴿ من﴾ كما أن الأفراد فى الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها : والرزق : كل ما ينتفع به الإِنسان ، وتنكيره للتعظيم . أى : قد وسع الله - تعالى - لهذا المؤمن الصادق فى إيمانه رزقه فى الجنة، وأعطاه من الخير والنعيم ، ما يشرح صدره ، ويدخل السرور على نفسه . ويصلح باله .. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على كمال قدرته ، وسعة علمه فقال: ﴿اللّه الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن .. ﴾ . أى: الله - تعالى - وحده هو الذى خلق سبع سماوات طباقا وخلق من الأرض مثلهن، أى : فى العدد فهى سبع كالسماوات . والتعدد قد يكون باعتبار أصول الطبقات الطينية والصخرية والمائية والمعدنية ، وغير ذلك من الاعتبارات التى لا يعلمها إلا الله - تعالى - . قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية يقول - تعالى - مخبرا عن قدرته التامة ، وسلطانه العظيم ، ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين القويم : ﴿اللّه الذى خلق سبع سموات ﴾ كقوله - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال لقومه: ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ... ﴾ وقال - تعالى - ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ﴾ . وقوله: ﴿ومن الأرض مثلهن) أى: سبعا - أيضا - كما ثبت فى الصحيحين: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه مع سبع أرضين )). وفى صحيح البخارى: ((خسف به إلى سبع أرضين .. )) ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم ، فقد أبعد النجعة ، وأغرق فى النزع ، وخالف القرآن والحديث بلا مستند .. (٢) (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٤١ . (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٨٢ . ٤٦٢٠ المجلد الرابع عشر وقال الآلوسى : الله الذى خلق سبع سماوات مبتدأ وخبر ﴿ومن الأرض مثلهن ﴾ أى: وخلق من الأرض مثلهن ، على أن ﴿ مثلهن﴾ مفعول لفعل محذوف ، والجملة معطوفة على الجملة قبلها . والمثلية تصدق بالاشتراك فى بعض الأوصاف ، فقال الجمهور : هى هنا فى كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض ، وفى كل أرض سكان من خلق الله، لا يعلم حقيقتهم أحد إلا الله - تعالى - . وقيل : المثلية فى الخلق لا فى العدد ولا فى غيره ، فهى أرض واحدة مخلوقة كالسموات السبع . ورد هذا القيل بأنه قد صح من رواية البخاري وغيره، قوله - ويلز -: ((اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن .. ))(١). والذى نراه أن كون المثلية فى العد ، هو المعول عليه ، لورود الأحاديث الصحيحة التى صرحت بأن الأرضين سبع ، فعلينا أن نؤمن بذلك ، وأن نرد كيفية تكوينها ، وهيئاتها ، وأبعادها ، ومساحاتها ، وخصائصها .. إلى علم الله - تعالى - . وقوله : ﴿ يتنزل الأمر بينهن﴾ أى: يجرى أمر الله - تعالى - وقضاؤه وقدره بينهن، وينفذ حكمه فيهن ، فالمراد بالأمر : قضاؤه وقدره ووحيه . واللام فى قوله - تعالى -: ﴿ لتعلموا أن الله على كل شىء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شىء علما ﴾ متعلقة بقوله ﴿ خلق ﴾ ... أى : خلق - سبحانه - سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ، وأخبركم بذلك ، لتعلموا علما تاما أن الله - تعالى - على كل شىء قدير ، وأن علمه - تعالى - قد أحاط بكل شىء سواء أكان هذا الشىء جليلا أم حقيرا ، صغيرا أم كبيرا .. وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الطلاق)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. الاسكندرية - العجمى:٢٤ من شوال سنة ١٤٠٦ هـ ٣٠ من يونيو سنة ١٩٨٦ م كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٤٣. تفسير سُورَة التََّيْ ٤٦٥ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((التحريم)) من السور المدنية الخالصة، وتسمى - أيضا - بسورة تحرم﴾ وبسورة ((النبى)) - ﴿ - وعدد آياتها اثنتا عشرة آية . ٢ - وكان نزولها بعد سورة ((الحجرات)) وقبل سورة ((الجمعة)) فهى السورة الخامسة بعد المائة بالنسبة لترتيب نزول السور القرآنية ، أما ترتيبها فى المصحف ، فهى السورة السادسة والستون . ٣ - والسورة الكريمة فى مطلعها تحكى جانبا مما دار بين النبى - وَ ط9 - وبين بعض زوجاته فتعرض صفحة من حياته - 383 - فى بيته ، ومن عتاب الله - تعالى - له ومن فضله عليه ، ودفاعه عنه . ٤ - ثم وجهت نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يداوموا على العمل الصالح الذى ينجيهم من عذاب الله - تعالى - وحرضتهم على التسلح بالتوبة النصوح لأنها على رأس الأسباب التى تؤدى إلى تكفير سيئاتهم . ٥ - ثم ختمت السورة الكريمة بضرب مثلين أحدهما للذين آمنوا ، ويتمثل فى امرأة فرعون وفى مريم ابنة عمران ، والآخر للذين كفروا ويتمثل فى امرأة نوح وامرأة لوط - عليهما السلام - والغرض من ذلك العظة والاعتبار . ٤٦٦ المجلد الرابع عشر التفسير وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسـ ◌َيُّهَا النَِّىُّلِمَ تُحُرِّمُ مَاأَحَلَ اللهُلَكِّ ◌َغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُمْ تِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللّهُ مَوَكُ وَهُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ نْ وَإِذْأَسَرَّالنَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِسَمَدِينًا فَلَمَّانَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ, وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَمَّانَّأَ هَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ تَبَنِى الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ نْ عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّمَكُنَّأَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَجًا خَيْر ◌ٌ مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَئِنَاتٍ تَفِيَتٍ عَبِدَاتٍ سَِّحَدٍ ثَيِّبَتٍ وَأَنْكَارًا﴾ وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، منها ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: كان رسول الله - صَل * - يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير ؟ - والمغافير : صمغ حلو له رائحة كريهة - إنى أجد منك ريح مغافير . فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ، فقال : بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود إليه ، وقد حلفت ، فلا تخبرى بذلك أحدا ، فنزلت هذه الآيات . ٤٦٧ سورة التحريم وفى رواية أن التى شرب عندها العسل : حفصة بنت عمر ، وأن القائلة له ذلك : سودة بنت زمعة ، وصفية بنت حيى . قالوا : والاشتباه فى الاسم لا يضر ، بعد ثبوت أصل القصة . وأخرج النسائى والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس، أن رسول الله - وَله - كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما ، فأنزل الله - تعالى - ﴿ يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك .. الآيات .. ﴾. وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم: أن رسول الله - وَله - أصاب أم إبراهيم مارية، فى بيت بعض نسائه - وفى رواية فى بيت حفصة فقالت : يا رسول الله فى بيتى وعلى فراشى ؟ فجعلها أى مارية - عليه حراما ، وحلف بهذا .. فأنزل الله هذه الآيات(١) . قال القرطبى ما ملخصه: ((وأصح هذه الأقوال أولها .. والصحيح أن التحريم كان فى العسل ، وأنه شربه عند زينب ، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه ، فجرى ما جرى فحلف أن لا يشربه وأسر ذلك، ونزلت الآية فى الجميع)) (٢). وقال الإِمام ابن كثير - بعد أن ساق عددا من الروايات فى هذا الشأن : والصحيح أن ذلك كان فى تحريمه - رَلي - للعسل(٣). وقال الألوسى : قال النووى فى شرح مسلم : الصحيح أن الآية فى قصة العسل ، لا فى قصة مارية المروية فى غير الصحيحين ، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح . والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش .. (٤) . وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - وَالله - فقال : يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك ﴾. وفى توجيه النداء إليه - 1843 - تنبيه إلى أن ما سيذكر بعد النداء ، شىء مهم ، بالنسبة له ولسائر المسلمين . والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك .. ﴾ للنفى المصحوب بالعتاب منه - سبحانه - لنبيه - والله - . (١) راجع تفسير القرطبى جـ١٨ ص ١٧٧ وتفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٨٥، وتفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٤٦ . ( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٧٩ . ( ٣) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٨٧ . ( ٤) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٤٧ . . ٤٦٨ المجلد الرابع عشر وجملة ﴿ تبتغى مرضاة أزواجك﴾ حال من فاعل ﴿تحرم﴾، والعتاب واقع على مضمون هذه الجملة والتى قبلها ، وهى قوله ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك﴾. والمعنى: يا أيها الرسول الكريم ، لماذا حرمت على نفسك ما أحله الله - تعالى - لك من شراب أو غيره ؟ أفعلت ذلك من أجل إرضاء أزواجك ؟ . إنه لا ينبغى لك أن تفعل ذلك ، لأن ما أباحه الله - تعالى - لك ، لا يصح أن تحرمه على نفسك أو أن تمتنع عن تعاطيه ، فتشق على نفسك من أجل إرضاء غيرك . قال بعض العلماء: ((ناداه بلفظ ((النبى)) إشعارا بأنه الذى نُبىٍّ بأسرار التحليل والتحريم الإِلهى، والمراد بتحريمه ما أَحِل له ، امتناعه منه ، وحظره إياه على نفسه . وهذا المقدار مباح ، ليس فى ارتكابه جناح ، وإنما قيل له ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ رفقا به ، وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه - وَ يج - أن يراعى مرضاة أزواجه بما يشق عليه ، جريا على ما ألف من لطف الله - تعالى - به ، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه .. ))(١). وقوله - سبحانه -: ﴿والله غفور رحيم﴾ تسلية للرسول - وله - عما أصابه من وقع هذا اللوم، ومن أثر هذا العتاب، وإرشاد له - عليه - بأن ما فعله داخل تحت مغفرة الله - تعالى - ورحمته . أى: والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة وقد غفر لك - بفضله وكرمه ما فعلته بسبب بعض أزواجك ، وجعلك على رأس من تظلهم رحمته . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته فقال : ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) . وقوله ﴿ فرض﴾ هنا بمعنى شرع، والتحلة: مصدر بمعنى التحليل، والمراد بها الكفارة ، وهى مصدر حلّل كالتكرمة مصدر كرْم، من الحل الذى هو ضد العقد . أى : قد شرع الله - تعالى - لكم تحليل الايمان التى عقد تموها ، عن طريق الكفارة ، لأن اليمين إذا كانت فى أمر لا يحبه الله - تعالى - فالعدول عنها أولى وأفضل . وفى الحديث الشريف يقول - 18 - (( إنى والله لا أحلف علی یمین فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى وفعلت الذى هو خير)). وقد اختلف العلماء فى التحريم الذى كان من النبى - وَلجر - أكان بيمين أم لا. (١) راجع تفسير القاسمى جـ ١٦ ص ٥٨٥٢ . ٤٦٩ سورة التحريم وظاهر الآية يؤيد القول بالإيجاب لقوله - تعالى -: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) لأن هذه الجملة الكريمة تشعر بأن هناك يمينا تحتاج إلى كفارة . وقد جاء فى بعض الروايات الصحيحة أنه قال: (( بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له ، وقد حلفت . لا تخبرى بذلك أحدا .. )). قال الآلوسى ما ملخصه: واختلفوا هل كفر النبى - وَالله - عن يمينه هذه أولا ؟ فعن الحسن أنه - وَ﴾ - لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنما هو تعليم للمؤمنين . وعن مقاتل: أنه - ﴿ - أعتق رقبة .. ونقل مالك عن زيد بن أسلم انه - واله - أعطى الكفارة(١). وقوله - سبحانه -: ﴿والله مولاكم﴾ أى: وهو - سبحانه - سيدكم ومتولى أموركم وناصركم . وهو - تعالى -: ﴿ العليم الحكيم ﴾ أى: العليم بجميع أحوالكم وشئونكم، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله وتدبير شئون عباده . والظرف فى قوله - تعالى - ﴿وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا﴾ متعلق بمحذوف تقديره اذكر ، وقوله: ﴿ أسر﴾ من الإسرار بالشىء بمعنى كتمانه وعدم إشاعته. والمراد ببعض أزواجه : حفصة - رضى الله عنها - . والمراد بالحديث قوله لها - كما جاء فى بعض الروايات -: (( بل شربت عسلا عند زينب ، ولن أعود ، وقد حلفت فلا تخبرى بذلك أحدا .. )). أو قوله لها فى شأن مارية: ((إنى قد حرمتها على نفسى ، فاكتمى ذلك فأخبرت بذلك عائشة)). أى: واذكر - أيها العاقل لتعتتبر وتتعظ - وقت أن أسر النبى - صل * - إلى زوجه حفصة حديثا ، يتعلق بشربه العسل فى بيت زينب بنت جحش ، وقوله - اصالة - لحفصة لا تخبرى بذلك أحدا)». فلما نبأت به ﴾ أى : فلما أخبرت حفصة عائشة بهذا الحديث الذى أمرت بكتمانه وأظهره الله عليه﴾ أى: وأطلع الله - تعالى - نبيه - وَليه - على ماقالته حفصة لعائشة . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٤٨ . ٤٧٠ المجلد الرابع عشر فالمراد بالإظهار : الاطلاع ، وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب . وعبر بالإِظهار عن الاطلاع ، لأن حفصة وعائشة كانتا حريصتين على عدم معرفة ما دار بينهما فى هذا الشأن ، فلما أطلع الله - تعالى - نبيه على ذلك كانتا بمنزلة من غلبتا على أمرهما . وقوله - سبحانه -: ﴿ عرف بعضه وأعرض عن بعض ﴾ بيان للمسلك السامى الذى سلكه - رَله - فى معاتبته لحفصة على إنشائها لما أمرها أن تكتمه والمفعول الأول لعرف محذوف أى : عرفها بعضه . أى: فحين خاطب - وَله - حفصة فى شأن الحديث الذى أفشته، اكتفى بالإشارة إلى جانب منه، ولم يذكر لها تفاصيل ما قاله لها سابقا. لسمو أخلاقه - وَعليه - إذ فى ذكر التفاصيل مزيد من الخجل والإِحراج لها . قال بعضهم : ما زال التغافل من فعل الكرام وما استقصى كريم قط وقال الشاعر : ليس الغبى بسيد فى قومه لكن سيد قومه المتغابى وإنما عرفها - ◌َليه - ببعض الحديث ، ليوقفها على خطئها وعلى أنه كان من الواجب عليها أن تحفظ سره - زَلي - . قالوا: ولعل حفصة رضى الله عنها - قد فعلت ذلك ، ظنا منها أنه لا حرج فى إخبار عائشة بذلك ، أو أنها اجتهدت فأخطأت ، ثم تابت وندمت على خطئها . ثم حكى - سبحانه - ما قالته حفصة للرسول - 1953 - وما رد به عليها فقال: ﴿ فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأنى العليم الخبير ﴾ . أى: فلما سمعت من الرسول - وسلو - ما يدل على أنه قد اطلع على ما قالته لعائشة، قالت له: من أخبرك بما دار بينى وبينها؟ فأجابها - وَله - بقوله: أخبرنى بذلك الله - تعالى - العليم بجميع أحوال عباده وتصرفاتهم .. الخبير بما تكنه الصدور ، وبما يدور فى النفوس من هواجس وخواطر . وإنما قالت له - وَالله -: ﴿من أنبأك هذا﴾ لتتأكد من أن عائشة لم تخبره - ال﴾ - بما دار بينهما فى هذا الشأن .. فلما قال لها - رَله -: ﴿نبأنى العليم الخبير) تحقق ظنها فى كتمان عائشة لما قالته لها ، وتيقنت أن الذى أخبره بذلك هو الله - عز وجل - . وفى تذييل الآية الكريمة بقوله: ﴿ العليم الخبير﴾ إشارة حكيمة وتنبيه بليغ، إلى أن من الواجب على كل عاقل ، أن يكون ملتزما لكتمان الأسرار التى يؤتمن عليها ، وأن إذاعتها - ولو فى أضيق الحدود - لا تخفى على الله - عز وجل - لأنه - سبحانه - عليم بكل معلوم ، ٤٧١ سورة التحريم ومحيط بخبايا النفوس وخلجاتها . ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك خطابه إلى حفصة وعائشة ، فأمرهما بالتوبة عما صدر منهما . فقال: ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ولفظ ﴿ صغت﴾ معنى مالت وانحرفت عن الواجب عليهما . يقال صغا فلان يصغو ويصغى صغوا ، إذا مال نحو شىء معين . ويقال : صغت : الشمس ، إذا مالت نحو الغروب ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ . وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : إن تتوبا إلى اللّه ، فلتوبتكما موجب أو سبب ، فقد مالت قلوبكما عن الحق، وانحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول - وَل * - من كتمان السره ، ومن حرص على راحته ، ومن احترام لكل تصرف من تصرفاته .. وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، مبالغة فى المعاتبة ، فإن المبالغ فى ذلك يوجه الخطاب إلى من يريد معاتبته مباشرة . وقال - سبحانه - ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ بصيغة الجمع للقلوب ، ولم يقل قلبا كما بالتثنية ، لكراهة اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة ، مع ظهور المراد ، وأمن اللبس . ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد فى التحذير والتأديب فقال: ﴿وإن تظاهرا عليه فإن اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ، والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾. وقوله ﴿ تظاهرا﴾ أصله تتظاهرا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. والمراد بالتظاهر: التعاون والتآزر ، يقال : ظاهر فلان فلانا إذا أعانه على ما يريده ، وأصله من الظهر ، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره ، ويقوى أمره . قال - تعالى - : ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين، ثم لم ينقصوكم شيئا ، ولم يظاهروا عليكم أحدا، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾(١) . وجواب الشرط - أيضا - محذوف - أى : وإن تتعاونا عليه بما يزعجه ، ويغضبه ، من الإفراط فى الغيرة ، وإفشاء سره . فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر الذى ينصره عليكما ، فإن الله - تعالى - ﴿ هو مولاه ﴾ أى: ناصره ومعينه ﴿ وجبريل ﴾ كذلك ناصره ومعینہ علیکما . وصالح المؤمنين ﴾ أى : وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره وأعوانه . (١) سورة التوبة الآية ٣ . ٤٧٢ المجلد الرابع عشر والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ أى: والملائكة بعد نصر الله - تعالى - له ، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له ، مؤيدونه ومناصرونه وواقفون فى صفه ضدكما . وفى هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد للرسول - وَله - وأسمى ما يتصوره الإِنسان من تكريم الله - تعالى - لنبيه - 14 - ومن غيرته - عز وجل - عليه ، ومن دفاعه عنه - رَلي - . وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول - 1 - فإنه لا يكون من صالح المؤمنين . وقوله : ﴿وجبريل) مبتدأ، وقوله: ﴿وصالح المؤمنين والملائكة﴾ معطوف عليه. وقوله : ﴿ بعد ذلك﴾ متعلق بقوله ﴿ظهير) الذى هو خبر عن الجميع. وقد جاء بلفظ المفرد ، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره . فكأنه - تعالى - قال: والجميع بعد ذلك مظاهرون له ، واختير الإِفراد للإِشعار بأنهم جميعا كالشىء الواحد فى تأييده ونصرته ، وبأنهم يد واحدة على من يعاديه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : ﴿ بعد ذلك ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم ، وقد تقدمت نصرة اللّه وجبريل وصالح المؤمنين ، ونصرة الله - تعالى - أعظم وأعظم ؟ قلت : مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله ، فكأنه فضل نصرته - تعالى - بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته ، لفضلهم .. ))(١). وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة ، للتنويه بمزيد فضله ، فهو أمين الوحى ، والمبلغ عن الله - تعالى - إلى رسله . هذا ، ومما يدل على أن الخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿إن تتوبا إلى الله ﴾، لحفصة وعائشة ، ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله - وَليه - اللتين قال الله - تعالى - فيهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما فلما كان ببعض الطريق .. قلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبى - وال ليزر - اللتان قال اللّه تعالى - فيها: ﴿ إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما ﴾. فقال عمر : واعجبا لك يا ابن عباس .. هما حفصة وعائشة .(٢). ( ١ ) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٦٧ . (٢) راجع الحديث بتمامه فى تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٨٨ فهو حديث ممتع وطويل. ٤٧٣ سورة التحريم ثم أضاف - سبحانه - إلى تكريمه لنبيه تكريما آخر ، وإلى تهديده لمن تسىء إليه من أزواجه تهديدا آخر فقال - تعالى - : ﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ﴾ . قال الجمل ما ملخصه : سبب نزولها أنه - وَلجر - لما أشاعت حفصة ما أسرها به ، اغتم - * - وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة لهن . ولما بلغ عمر - رضى الله عنه - أن النبى - وَ ليزر - قد اعتزل نساءه .. قال له يا رسول الله: لا يشق عليك أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك . قال عمر: وقلما تكلمت بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولى الذى أقوله فنزلت هذه الآية . فاستأذن عمر النبى - ﴾ - أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له فقام على باب المسجد، ونادى بأعلى صوته: لم يطلق النبى - * - نساءه(١). و﴿ عسى﴾ كلمة تستعمل فى الرجاء ، والمراد بها هنا التحقيق، لأنها صادرة عن الله - عز وجل - . قال الآلوسي: ﴿ عسى ﴾ فى كلامه - تعالى - للوجوب ، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق الشرط وقيل : هى كذلك إلا هنا، والشرط معترض بين اسم ﴿ عسى﴾ وخبرها . والجواب محذوف. أى: إن طلقكن فعسى .. و ﴿ أزواجا﴾ مفعول ثان لـ ﴿ يبدل﴾ خيرا ﴾ صفته .(٢) . و أى: عسى إن طلقكن رسولنا محمد - وَ له - بإذن ربه ومشيئته ، أن يبدله - سبحانه - أزواجا خيرا منكن . ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بقوله ﴿ مسلمات﴾ منقادات ومطيعات لله ولرسوله ، ومتصفات بكل الصفات التى أمر بها الإِسلام . مؤمنات﴾ أى: مذعنات ومصدقات بقلوبهن لكل ما جاء به النبى - وَله - من عند . ر به قانتات﴾ أى. قائمات بالطاعة لله ولرسوله على أكمل وجه . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٦٧. ( ٢ ) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٥٥ . ٤٧٤ المجلد الرابع عشر تائبات﴾ أى : مقلعات عن الذنوب والمعاصى ، وإذا مسهن شىء منها ندمن وتبن إليه - تعالى - توبة صادقة نصوحا . عابدات ﴾ أى : مقبلات على عبادته - تعالى - إقبالا عظيما. سائحات ﴾ أى: ذاهبات فى طاعة الله أى مذهب، من ساح الماء: إذا سال فى انحاء متعددة ، وقيل معناه : مهاجرات . وقيل : صائمات . تشبيها لهن بالسائح الذى لا يصحب معه الزاد غالبا فلا يزال ممسكا عن الطعام حتى يجده . ثيبات ﴾ جمع ثيب - بوزن سيد - وهى المرأة التى سبق لها الزواج ، من ثاب يثوب ثوبا ، إذا رجع ، وسميت المرأة التى سبق لها الزواج بذلك . لأنها ثابت إلى بيت أبويها بعد زواجها ، أو رجعت إلى زوج آخر غير زوجها الأول . وأبكارا ﴾ جمع بكر، وهى الفتاة العذراء التى لم يسبق لها الزواج، وسميت بذلك لأنها لا تزال على أول حالتها التى خلقت عليها . وهذه الصفات جاءت منصوبة على أنها نعت لقوله ﴿ أزواجا ﴾ أو حال . ولم يعطف بعضها على بعض بالواو ، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن . وعطف - سبحانه - ﴿ وأبكارا ﴾ على ما قبله لتنافى الوصفين ، إذ الثيبات لا يوصفن بالأبكار ، وكذلك الأبكار لا يوصفن بالثيبات ، ولا يجتمع الوصفان فى ذات واحدة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف تكون المبدلات خيراً منهن ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين ؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله - وَل18 - لعصيانهن له، وإبذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله - روايته - - والنزول على هداه ورضاه خيرا منهن . فإن قلت : لم أخليت الصفات كلها من العاطف ، ووسط بين الثيبات والأبكار ؟ قلت : لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن ، فلم يكن بد من الواو(١). هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول - صل98 - مع ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٦٧ . ٤٧٥ سورة التحريم أزواجه ، وهذا الجانب فيه ما فيه من العظات التى من أبرزها تكريم الله - تعالى لنبيه - * - وإرشاده إلى ما هو أهدى وأقوم، وسمو أخلاقه - وَالز - فى معاملته لأهله، وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أى تصرف لا يرغب فيه ، ولا يميل إليه : وتعليم المؤمنين والمؤمنات - فى كل زمان ومكان - كيف تكون العلاقة الطيبة بين الرجال والنساء . ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداءين إلى المؤمنين ، أمرهم فى أولهما أن يؤدوا واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم ، حتى ينجو من عذاب النار ، وأمرهم فى ثانيهما بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح ، ووجه نداء إلى الكافرين بين لهم فيه سوء عاقبة كفرهم ، ثم وجه - سبحانه - نداء إلى النبى - وَالله - أمره فيه بأن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا مصحوبا بالغلظة والخشونة .. فقال - تعالى - : يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْقُواْأَنفُسَكُمْوَأَهْلِيَكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةُ غِلَاظُ شِدَاءٌ لَّا يَعْضُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنَعْنَذِرُواْالْيَوْمِ إِنَّا تُجْزَّوْنَ مَاَ كُمْ تَعْمَلُونَ ٧ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو أَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوْحَا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِّهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَةِّ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَبْدِ يهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآَ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَاْ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٨ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ آلْحِكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّهُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٩ ٠ ٤٧٦ المجلد الرابع عشر وقوله - تعالى -: ﴿قوا﴾ أمر من الوقاية، يقال: وقى يَقِى، كضرب يضرب. والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات . واجتناب السيئات ، وأبعدوا أهليكم - أيضا - عنها ، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف . ونهيهم عن المنكر . قال القرطبى ، قال قتادة ومجاهد : قوا أنفسكم بأفعالكم ، وقوا أهليكم بوصيتكم . ففى الحديث الصحيح أن النبى - وَ ل18 - قال: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإِمام الذى على الناس راع وهو مسئول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم)) . وقال - وَّلة -: (( ما نحل والد ولدا، أفضل من أدب حسن)). وقال - ول -: ((مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم فى المضاجع». وقد روى مسلم فى صحيحه أن النبى - * - كان إذا أوتر يقول : قومى فأوترى يا عائشة . وذكر القشيرى أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله : نقى أنفسنا فكيف بأهلينا ؟ فقال: ((تنهونهم عما نهاكم اللّه عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به))(١). وجاء لفظ النار منكراً، للتهويل . أى : نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله - تعالى - . وقوله : ﴿ وقودها الناس والحجارة﴾ أى: هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها ، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا فى الدنيا يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، ومن الحجارة التى كانت تعبد من دونه - تعالى - . ثم أضاف - سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال: ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾. والغلاظ : جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التى هى ضد الرقة . وهذا اللفظ صفة مشبهة ، وفعله غلظ ككرم . - (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٩٤ . ٤٧٧ سورة التحريم وشداد : جمع شديد ، وهو المتصف بالقوة والشدة ، يقال : فلان شديد على فلان ، أى : قوى عليه ، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب . أى: هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها ، ملائكة قساة فى أخذهم أهل النار ، أقوياء عليهم ، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم ، أو أن يعصوا لهم أمرا . وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون الله - تعالى - أمرا . وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما . قال صاحب الكشاف : فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون .. ويفعلون فى معنى واحد ؟ قلت : لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها ، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به ، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه . ثم بين - سبحانه - ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال : ﴿ يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ﴾ والمراد باليوم، يوم القيامة فأل فيه للعهد. أى : تقول الملائكة لهم فى هذا اليوم العسير على سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم ، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا ، أو بأننا ما كنا مشركين .. فإن هذه الأعذار لن تنفعكم ، وأنتم فى هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم فى الدنيا ، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت . فالآية الكريمة توبيخ للكافرين ، وتيئيس لهم من قبول أعذارهم الكاذبة . ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين ، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول : ﴿ يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا .. ﴾. والتوبة : العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها فى الماضى ، والنصوح صيغة مبالغة من النصح ، وصفت بها التوبة على سبيل الإِسناد المجازى ، والمقصود وصف التائبين بها ، من نصح فلان التوب إذا خاطه ، فكأن التائب يرفع ما مزقه بالمعصية . أو من قولهم : عسل ناصح . وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجهاً . قال القرطبى ما ملخصه : اختلفت عبارة العلماء ، وأرباب القلوب ، فى التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا ، فقيل : هى التى لا عودة بعدها ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع . وقال قتادة : النصوح الصادقة الناصحة .. الخالصة . ٤٧٨ المجلد الرابع عشر وقال القرطبى : التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سىء الإِخوان . وقال الفقهاء : التوبة التى لا تعلق لها بحق آدمى لها ثلاثة شروط : احدها أن يقلع عن المعصية ، وثانيها : أن يندم على ما فعله ، وثالثها : أن يعزم على أن لا يعود إليها . فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كانت نصوحا . وإن كانت تتعلق بحق آدمى ، فشروطها أربعة ، هذه الثلاثة المتقدمة ، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه ، وإن كانت حد قذف ونحوه مکنه من نفسه ، أو طلب العفو منه ، وإن كانت غيبة استحله منها . وهى واجبة من كل معصية على الفور، ولا يجوز تأخيرها .. (١). وقوله - سبحانه - ﴿ عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ، ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ﴾. والرجاء المستفاد من فعل ﴿ عسى ﴾ مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل ، فقد قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما . أى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، توبوا إلى الله - تعالى - ((توبة صادقة)» بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب ، وتعزمون على عدم العودة إليها ، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم .. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله - تعالى - لكم ذنوبكم : وكفر عنكم سيئاتكم ، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار . قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿عسى ربكم﴾: إطاع من الله لعباده. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإِجابة بعسى ولعل ، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت . والثانى : أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء .. (٢). والظرف فى قوله - سبحانه -: ﴿ يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ) منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿يدخلكم﴾، أو بفعل مضمر تقديره : اذكر . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٩٤ . ( ٢ ) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٧٠ . ٤٧٩ سورة التحريم وقوله : ﴿ لا يخزى﴾ من الخزى بمعنى الافتضاح: يقال أخزى اللّه فلانا إذا فضحه، والمراد به هنا : عذاب النار . وقوله : ﴿ والذين آمنوا معه﴾ معطوف على النبى، وجملة (نورهم يسعى﴾ مستأنفة. أى : يدخلكم الله - بفضله وكرمه - ﴿جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ يوم القيامة، يوم ينجى - سبحانه - النبى - * - وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار، ومن خزى هذا اليوم العصيب . وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول - وَل ليه - نورهم وهم على الصراط، يسعى ويمتد وينتشر بين أيديهم ﴾ أى أمامهم ﴿ وبأيمانهم ﴾ أى : وعن أيمانهم . ويقولون - على سبيل الحمد والشكر لله - تعالى - ياربنا ﴿أتم لنا نورنا ﴾ بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك . ﴿ واغفر لنا﴾ ياربنا ذنوبنا ﴿ إنك﴾ ياربنا، ﴿على كل شىء قدير﴾. وفى عطف الذين آمنوا على النبى - وَله - إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم ، هو إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وصحبتهم الكريمة للنبى - الفيوم - . والضمير فى قوله ﴿ نورهم﴾ يعود إلى النبى - رولز - والذين آمنوا معه. WA وخص - سبحانه - الأمامَ واليمين بالذكر ، لفضل هذين المكانين ، إذالنور عندما يكون من الأمام يستمتع الإِنسان بمشاهدته ، وعندما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به . والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم ، وهو نور حقيقى يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين. وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - : ﴿ إنك على كل شىء قدير ﴾ للإشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم ، لأنهم يسألون ويدعون الله - تعالى - الذى لا يقف أمام قدرته شىء . ثم أمر - سبحانه - نبيه - رول ز - أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال : يأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ . وخص النبى - * - بالأمر بالجهاد ، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه ، لأنه - رولز - هو قائدهم ورائدهم . ٤٨٠ المجلد الرابع عشر وجهاده - * - للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا ، فإذا لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم . وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم ، حتى يأمن المؤمنون شرهم ، وحتى يشعروا بأن النبى والمؤمنين لهم بالمرصاد . والغلظة فى الأصل : تطلق على الشىء الصلب الغليظ ، والمراد بها هنا : معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة .. حتى يأمن المؤمنون جانبهم ، ويتقوا شرهم . أى : يا أيها النبى الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين ، الكفار والمنافقين . وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة .. حتى يهابوك أنت ومن معك ، وحتى تكونوا فى مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لابد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه . وقوله - تعالى -: ﴿ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة. أى : أن هؤلاء الكافرين والمنافقين ، حالهم فى الدنيا المجاهدة والمعاملة التى لا تسامح معها ولا تساهل ، حتى تكون كلمتهم السفلى ، وكلمة الله - تعالى - هى العليا . أما حالهم فى الآخرة ، فالإِلقاء بهم فى جهنم ، وبئس المأوى والمسكن جهنم ، فالمخصوص بالذم محذوف ، وهو جهنم ، أو المأوى . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبى - صل﴿ - والمؤمنين ، إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم . وبعد هذه النداءات، للمؤمنين، وللكافرين وللنبى - صل - ضرب - سبحانه - مثلين لنساء كافرات فى بيوت أنبياء ، ولنساء مؤمنات فى بيوت كفار ، لتزداد الموعظة وضوحا ، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وليشعر الجميع - ولا سيما أزواج النبى - وَ ل﴿ه - أنهم مسئولون أمام الله - تعالى - عن أعمالهم .. فقال - تعالى - : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِ نَاصَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اْللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْ خُلَا النَّارَ مَعَ الَّا ◌ِخِلِينَ ١٠