Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سورة الطلاق قال صاحب الكشاف: خُصَّ النبى - وَله - بالنداء، وعُمَّ بالخطاب، لأن النبى - - إمام أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان: افعلوا كيت وكيت ، وإظهارا لتقدمه ، واعتبارا لترؤسه ، وأنه مِدْرة قومه ولسانهم - والمدرة : القرية . أى : أنه بمنزلة القرية لقومه، وأنه الذى يصدرون عن رأيه ، ولا يستبدون بأمر دونه ، فكان هو وحده فى حكم كلهم ، وساد مسد جميعهم(١) . وهذا التفسير الذى اقتصر عليه صاحب الكشاف ، هو المعول عليه ، وهو الذى يناسب بلاغة القرآن وفصاحته، ويناسب مقام النبى - * - . وقيل : الخطاب له ولأمته : والتقدير : يأيها النبى وأمته إذا طلقتم ، فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه . وقيل : هو خطاب لأمته فقط ، بعد ندائه - عليه السلام - وهو من تلوين الخطاب ، خاطب أمته بعد أن خاطبه . وقيل : إن الكلام على إضمار قول ، أى: يأيها النبى قل لأمتك إذا طلقتم(٢) . والحق أن الذى يتدبر القرآن الكريم ، يرى أن الخطاب والأحكام المترتبة عليه ، تارة تكون خاصة به - * - كما فى قوله - تعالى - : ﴿ يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ . وتارة يكون شاملا له - ليزر - ولأمته كما فى هذه الآية التى معنا، وكما فى قوله - تعالى - : ﴿ يأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾. وتارة يكون - ولي - خارجا عنه كما فى قوله - تعالى -: ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ، ولا تنهرهما ، وقل لهما قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ، وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا ﴾(٣). فصيغة الخطاب هنا وإن كانت موجهة إلى النبى - * - إلا أنه ليس داخلا فيها ، لأن والديه لم يكونا موجودين عند نزول هاتين الآيتين . والمراد بقوله : ﴿إذا طلقتم النساء﴾ أى: إذا أردتم تطليقهن، لأن طلاق المطلقة من باب تحصيل الحاصل . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٥٢ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٥٥ . ( ٣) سورة الإسراء: ٢٣، ٢٤. ٤٤٢ المجلد الرابع عشر وهذا الأسلوب يرد كثيرا فى القرآن الكريم ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. ﴾ أى: إذا أردتم القيام للصلاة فاغسلوا . والمراد بالنساء هنا : الزوجات المدخول بهن ، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، فمالكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾(١). واللام فى قوله - سبحانه - : فطلقوهن لعدتهن ، هى التى تسمى بلام التوقيت ، وهى بمعنى عند ، أو بمعنى فى ، كما يقول القائل : كتبت هذا الكتاب لعشر مضين من شهر كذا . ومنه قوله - تعالى -: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس .. ﴾: أى عند أو فى وقت دلوكها . وقوله : ﴿وأحصوا العدة ﴾ من الإحصاء بمعنى العد والضبط، وهو مشتق من الحصى، وهى من صغار الحجارة ، لأن العرب كانوا إذا كثر عدد الشىء ، جعلوا لكل واحد من المعدود حصاة ، ثم عدوا مجموع ذلك الحصى . والمراد به هنا : شدة الضبط ، والعناية بشأن العد ، حتى لا يحصل خطأ فى وقت العدة . والمعنى : يأيها النبى ، أخبر المؤمنين ومرهم ، إذا أرادوا تطليق نسائهم المدخول بهن ، من المعتدات بالحيض . فعليهم أن يطلقوهن فى وقت عدتهن . أى : فى طهر لم يجامعوهن فيه ، ثم يتركوهن حتى تنقضى عدتهن. وعليهم كذلك أن يضبطوا أيام العدة ضبطا تاما حتى لا يقع فى شأنها خطأ أو ليس . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: خوطب النبى - وَله - أولا تشريفا وتكريما، ثم خاطب الأمة تبعا ، فقال: ﴿ يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ... ﴾. روى ابن أبى حاتم عن أنس قال: طلق النبى - وَل﴿ - حفصة، فأتت أهلها ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية . وقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة ، وهى من أزواجك فى الجنة . وروى البخارى أن عبد الله بن عمر، طلق امرأة له وهى حائض ، فذكر عمر لرسول الله - وَ * - ذلك، فتغيظ - * - ثم قال: فليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدة التى أمر الله - تعالى - . (١) سورة الأحزاب : الآية ٤٩ . ٤٤٣ سورة الطلاق ثم قال - رحمه الله - : ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق ، وقسموه إلى طلاق سنة ، وطلاق بدعة . فطلاق السنة : أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، أو حاملا قد استبان حملها . والبدعى : هو أن يطلقها فى حال الحيض ، - وما يشبهه كالنفاس - ، أو فى طهر قد جامعها فيه ، ولا يدرى أحملت أم لا؟ .. (١) . وتعليق ﴿ طلقتم ﴾ بإذا الشرطية، يشعر بأن الطلاق خلاف الأصل، إذ الأصل فى الحياة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة ، وعلى الدوام والاستقرار . قال - تعالى -: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ... ﴾ . قال القرطبى: روى الثعلبى من حديث ابن عمر قال: قال رسول - وَلهو - ((إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق)). وعن أبى موسى قال رسول الله - وب عليه -: ((لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله - عز وجل - لا يجب الذواقين ولا الذواقات )). وعن أنس قال: قال رسول الله - ول -: ((ما حلف بالطلاق ، ولا استحلف به إلا منافق)) (٢). والمراد بالأمر فى قوله - تعالى -: ﴿ فطلقوهن لعدتهن﴾ إرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم اتباعه إذا ما أرادوا مفارقة أزواجهم ، ونهيهم عن إيقاع الطلاق فى حال الحيض أو ما يشبهها كالنفاس ، لأن ذلك يكون طلاقا بدعيا محرما ، إذ يؤدى إلى تطويل عدة المرأة لأن بقية أيام الحيض لا تحسب من العدة ، ويؤدى - أيضا - إلى عدم الوفاء لها ، حيث طلقها فى وقت رغبته فيها فاترة .. ولكن الطلاق مع ذلك يعتبر واقعا ونافذا عند جمهور العلماء . قال القرطبى : من طلق فى طهر لم يجامع فيه ، نفذ طلاقه وأصاب السنة ، وإن طلقها وهى حائض نفذ طلاقه وأخطأ السنة . وقال سعيد بن المسبب : لا يقع الطلاق فى الحيض لأنه خلاف السنة ، وإليه ذهبت الشيعة . (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٦٩ . (٢) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٤٩. ٤٤٤ المجلد الرابع عشر وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتى وهى حائض ، فذكر ذلك لرسول الله - * - فتغيظ وقال : فليراجعها ثم فليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التى طلقها فيها . وكان عبد الله بن عمر قد طلقها تطليقة ، فحسبت من طلاقها ، وراجعها عبد الله بن عمر كما أمره رسول الله - اَ لخ - . وفى رواية أن الرسول - و 18 - قال له: ((هى واحدة)) وهذا نص. وهو يرد على الشيعة قولهم(١) . وقد بسط الفقهاء وبعض المفسرين الكلام فى هذه المسألة فليرجع إليها من شاء .. (٢). والمخاطب بقوله ﴿وأحصوا العدة﴾ الأزواج على سبيل الأصالة ، لأنهم هم المخاطبون بقوله ﴿طلقتم﴾ وبقوله ﴿فطلقوهن﴾، ويدخل معهم الزوجات على سبيل التبع، وكذلك كل من له صلة بهذا الحكم، وهو إحصاء العدة . ثم أمر - سبحانه - بتقواه فقال: ﴿واتقوا الله ربكم﴾ أى، واتقوا الله ربكم ، بأن تصونوا أنفسكم عن معصيته ، التى من مظاهرها إلحاق الضرر بأزواجكم ، بتطليقهن فى وقت حيضهن . أو فى غير ذلك من الأوقات المنهى عن وقوع الطلاق فيها . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التحذير من التساهل فى أحكام الطلاق والعدة ، كما كان أهل الجاهلية يفعلون . وجمع - سبحانه - بين لفظ الجلالة ، وبين الوصف بربكم ، لتأكيد الأمر بالتقوى ، وللمبالغة فى وجوب المحافظة على هذه الأحكام . ثم بين - سبحانه - حكما آخر يتعلق بالأزواج والزوجات فقال : ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ، ولا يخرجن ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾. والجملة الكريمة مستأنفة ، أو حال من ضمير ﴿وأحصوا العدة﴾ أى: حالة كون العدة فى بيوتهن، والخطاب للأزواج ، والزوجات ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأساليب . والفاحشة : الفعلة البالغة الغاية فى القبح والسوء، وأكثر إطلاقها على الزنا . وقوله : ﴿ مبينة﴾ صفة للفاحشة، وقراءة الجمهور - بكسر الياء - أى: بفاحشة توضح لمن تبلغه أنها فاحشة لشدة قبحها . (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٥١ . (٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٣٠. وتفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ١٥٦ . للشيخ السايس. ٤٤٥ سورة الطلاق وقرأ ابن كثير ﴿ مبينة ) بفتح الياء - أى : بفاحشة قامت الحجة على مرتكبيها قياما لا مجال معه للمناقشة أو المجادلة . أى : واتقوا الله ربكم - أيها المؤمنون - فيما تأتون وتذرون ، ومن مظاهر هذه التقوى ، أنكم لا تخرجون زوجاتكم المطلقات من مساكنهن إلى أن تنقضى عدتهن ، وهن - أيضا - لا يخرجن منها بأنفسهن فى حال من الأحوال ، إلا فى حال إتيانهن بفاحشة عظيمة ثبتت عليهن ثبوتا واضحا . فالمقصود بالجملة الكريمة نهى الأزواج عن إخراج المطلقات المعتدات من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنتهى عدتهن ، ونهى المعتدات عن الخروج منها إلا عند ارتكابهن الفاحشة الشديدة القبح . وأضاف - سبحانه - البيوت إلى ضمير النساء فقال: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ للإِشعار بأن استحقاقهن للمكث فى بيوت أزواجهن مدة عدتهن كاستحقاق المالك لما يملكه ، ولتأكيد النهى عن الإِخراج والخروج . وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن المطلقة لا يصح إخراجها أو خروجها من بيت الزوجية مادامت فى عدتها ، إلا لأمر ضرورى . قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ أى: من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنقضى عدتهن .. وعدم العطف للإيذان باستقلاله بالطلب اعتناء به ، والنهى عن الإِخراج يتناول بمنطوقه عدم إخراجهن غضبا عليهن ، أو كراهة لمساكنتهن .. ويتناول بإشارته عدم الإذن لهن بالخروج ، لأن خروجهن محرم ، لقوله - تعالى -: ﴿ولا يخرجن﴾ فكأنه قيل : لا تخرجوهن ، ولا تأذنوا لهن فى الخروج إذا طلبن ذلك ، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ، فهناك دلالة على أن سكونهن فى البيوت حق للشرع مؤكد ، فلا يسقط بالإِذن .. وهذا رأى الأحناف . ومذهب الشافعية أنها لو اتفقا على الانتقال جاز. إذ الحق لا يعدوهما ، فيكون المعنى : لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن . والاستثناء فى قوله: ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ يرى بعضهم أنه راجع إلى ﴿ولا يخرجن﴾ فتكون الفاحشة المبينة هى نفس الخروج قبل انقضاء العدة ، أى: لا يطلق لهن فى الخروج ، إلا فى الخروج الذى هو فاحشة ، ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه ، فيكون ذلك منعا من الخروج على أبلغ وجهٍ .. كما يقال لا تزن إلا أن تكون فاسقا .. (١). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٣٣. ٤٤٦ المجلد الرابع عشر وقال بعض العلماء : والذى تخلص لى أن حكمة السكنى للمطلقة ، أنها حفظ للأعراض ، فإن المطلقة يكثر التفات العيون لها ، وقد يتسرب سوء الظن إليها ، فيكثر الاختلاف عليها ، ولا تجد ذا عصمة يذب عنها ، فلذلك شرعت لها السكنى ، فلا تخرج إلا لحاجياتها الضرورية .. ومن الحكم - أيضا - فى ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكنا ، لأن غالب النساء لم تكن لهن أموال ، وإنما هن عيال على الرجال .. ويزاد فى المطلقة الرجعية ، قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها ، لعله يتوب إليه رشده فيراجعها .. فهذا مجموع علل ، فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم ، لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها .. (١). واسم الإشارة فى قوله: ﴿وتلك حدود الله ﴾ يعود إلى الأحكام التى سبق الحديث عنها ، . والحدود : جمع حد، وهو مالا يصح تجاوزه أو الخروج عنه . أى : وتلك الأحكام التى بيناها لكم ، هى حدود الله - تعالى - التى لا يصح لكم تعديها أو تجاوزها ، وإنما يجب عليكم الوقوف عندها ، وتنفيذ ما اشتملت عليه من آداب وهدايات . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يتجاوز حدوده فقال : ﴿ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ أى : ومن يتجاوز حدود الله التى حدها لعباده ، بأن أخل بشىء منها، فقد حمل نفسه وزرا ، وأكسبها إثما ، وعرضها للعقوبة والعذاب . وقوله - تعالى -: ﴿ لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ ترغيب فى امتثال الأحكام السابقة ، بعد أن سلك فى شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها ، ودعوة إلى فتح باب المصالحة بين الرجل وزوجه ، وعدم السير فى طريق المفارقة حتى النهاية .. والخطاب لكل من يصلح له ، أو هو للمتعدى بطريق الالتفات ، والجملة الكريمة مستأنفة ، مسوقة لتعليل مضمون ما قبلها ، وتفصيل لأحواله . أى: اسلك - أيها المسلم - الطريق الذى أرشدناك إليه فى حياتك الزوجية ، وامتثل ما أمرناك به ، فلا تطلق امرأتك وهى حائض ، ولا تخرجها من بيتها قبل تمام عدتها .. ولا تقفل باب المصالحة بينك وبينها ، بل اجعل باب المصالحة مفتوحا ، فإنك لا تدرى لعل الله - تعالى - يحدث بعد ذلك النزاع الذى نشب بينك وبين زوجك أمرا نافعا لك ولها ، بأن يحول البغض إلى حب، والخصام إلى وفاق ، والغضب إلى رضا .. (٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٨ ص ٣٠٤ لفضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. ٤٤٧ سورة الطلاق فالجملة الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الإِرشاد لحمل النفوس المتجهة نحو الطلاق .. إلى التريث والتعقل ، وفتح باب المواصلة بعد المقاطعة والتقارب بعد التباعد ، لأن تقليب القلوب بيد الله - عز وجل - وليس بعيدا عن قدرته - تعالى - تحويل القلوب إلى الحب بعد البغض . قال القرطبى : الأمر الذى يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه ، فيراجعها . وقال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة فى الرجعة .. (١) . ثم بين - سبحانه - حكما يتعلق بما بين الزوجين من حقوق فقال - تعالى - : ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ، أو فارقوهن بمعروف .. ﴾ . والفاء فى قوله ﴿ فإذا بلغن .. ﴾ للتفريع على ما تقدم من أحكام تتعلق بالعدة . والمراد ببلوغ أجلهن ، مقاربة نهاية مدة العدة بقرينة ما بعده ، لأن الرجل لا يؤمر بإمساك زوجه بعد انقضاء عدتها ، لأن الإمساك يكون قبل انقضائها . فالكلام من باب المجاز، لمشابهة مقاربة الشىء، بالحصول فيه ، والتليس به . والمراد بالإمساك المراجعة وعدم السير فى طريق مفارقتها . والمعروف : ما أمر به الشرع من حسن المعاملة بين الزوجين ، وحرص كل واحد منهما على أداء ما عليه لصاحبه من حقوق . والمعنى : لقد بينت لكم جانبا من الأحكام التى تتعلق بعدة النساء ، فإذا قاربن وشارفن آخر عدتهن ، فأمسكوهن وراجعوهن بحسن معاشرة ، أو فارقوهن بمعروف بأن تعطوهن حقوقهن كاملة غير منقوصة ، بأن تكفوا ألسنتكم عن ذكرهن بسوء .. والأمر فى قوله: ﴿فأمسكوهن وفارقوهن﴾ للإباحة، و((أو)) للتخيير. والتعبير بالإمساك للإشعار بأن المطلقة طلاقا رجعيا لها حكم الزوجة ، ما عدا الاستمتاع بها ، فعليه أن يستمسك بها ، ولا يتسرع فى فراقها، فهى مازالت فى عصمته . وقدم - سبحانه - الإمساك على الفراق ، للإشارة إلى أنه هو الأولى رعاية لحق الزوجية ، وإبقاء للمودة والرحمة . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٥٦ . ٤٤٨ المجلد الرابع عشر وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وإذا طلقتم النساء فيلغن أجلهن ، فأمسكوهن بمعروف ، أو فارقوهن بمعروف ... ثم قال - سبحانه -: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ أى: وأشهدوا عند المراجعة. لأزواجكم وعند مفارقتكم لهن رجلين تتوفر فيهما العدالة والاستقامة لان الإشهاد يقطع التنازع ، ويدفع الريبة ، وينفى التهمة . والأمر فى قوله: ﴿ وأشهدوا﴾ للندب والاستحباب فى حالتى المراجعة والمفارقة، فهو كقوله - تعالى -: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ وهذا رأى جمهور العلماء. قال الآلوسى: قوله: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ أى: عند الرجعة إن اخترتموها، أو الفرقة إن اخترتموها ، تبريا عن الريبة ، وقطعا للنزاع . وهذا أمر ندب كما فى قوله - تعالى - : ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾. وقال الشافعى فى القديم : إنه للوجوب فى الرجعة . وزعم الطبرسى أن الظاهر أنه أمر بالإشهاد على الطلاق ، وأنه مروى عن أئمة أهل البيت ، وأنه للوجوب ، وشرط فى صحة الطلاق .. (١). وقوله : ﴿ وأقيموا الشهادة لله) معطوف على ما قبله، والخطاب لكل من تتعلق به الشهادة . والمراد بإقامة الشهادة : أداؤها بالعدل والصدق . أى: وعليكم - أيها المؤمنون - عند أدائكم للشهادة ، أن تؤدوها بالعدل والأمانة ، وأن تجعلوها خالصة لوجه الله - تعالى - وامتثالا لأمره . والجملة الكريمة دليل على أن أداء الشهادة على وجهها الصحيح عند الحكام وغيرهم ، أمر واجب ، لأن الشهادة هنا اسم للجنس، ولأن الله - تعالى - يقول فى آية أخرى: ﴿ ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ... ﴾ . والإشارة فى قوله - سبحانه -: ﴿ ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تعود إلى جميع ما تقدم من أحكام ، كإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيت الزوجية حتى تنتهى عدتها، والحث على أداء الشهادة بالحق والعدل . والوعظ معناه : التحذير مما يؤذى بطريقة تؤثر فى القلوب ، وتهدى النفوس إلى الرشد . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٣٥. ٤٤٩ سورة الطلاق أى : ذلك الذى ذكرناه لكم من أحكام إنما يتأثر به ، ويعمل بمقتضاه الذين يؤمنون بالله - تعالى - وباليوم الآخر إيمانا حقا . وخص - سبحانه - الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بهذه الأحكام ، وهم المنفذون لها تنفيذا صحيحا . ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يتقونه ويراقبونه ببشارات متعددة فقال : ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. والجملة الكريمة اعتراض بين قوله - تعالى -: ﴿وأقيموا الشهادة الله ﴾ وبين قوله - سبحانه - بعد ذلك: ﴿ واللائى يئسن من المحيض ﴾. وجىء بهذا الاعتراض بين هذه الأحكام لحمل النفوس على تقبل تشريعاته - تعالى - وآدابه ، ولحض الزوجين على مراقبته - سبحانه - وتقواه . ،٦ أى: ومن يتق الله - تعالى - فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته . يجعل له - سبحانه - مخرجا من هموم الدنيا وضوائقها ومتاعبها ، ومن شدائد الموت وغمراته ، ومن أهوال الآخرة وعذابها ، ويرزقه الفوز بخير الدارين ، من طرق لا تخطر له على بال ، ولا ترد له على خاطر ، فإن أبواب رزقه - سبحانه - لا يعلمها أحد إلا هو - عز وجل - . وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من البشارة للمؤمن ، حتى يثبت فؤاده ، ويستقيم قلبه ، ويحرص على طاعة الله - تعالى - فى كل أحواله . قال القرطبى: قال أبو ذر، قال رسول الله - ﴿ - : إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، ثم تلا: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. وعن جابر بن عبد الله قال: نزلت هذه الآية فى عوف بن مالك الأشجعى ، أسر المشركون ابنا له، فأتى النبي - - وأخبره بذلك. فقال له -* -: ((اتق الله واصبر، وآمرك وزوجك أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)). فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله -* - أمرنى وإياك أن نستكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله . فقالت : نعم ما أمرنا ، فجعلا يقولان ذلك ، فغفل العدو عن ابنه ، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه عوف ، فنزلت الآية .. (١) . ثم قال - تعالى -: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن القه بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٥٩ . ٤٥٠ المجلد الرابع عشر ولفظ ﴿ حسب﴾ بمعنى كاف وأصله اسم مصدر أو مصدر، ومعنى ﴿بالغ أمره ﴾ بإضافة الوصف إلى مفعوله ، أى : يبلغ ما يريده - سبحانه - ، وقرأ الجمهور ﴿ بالغ أمره ﴾ بتنوين الوصف ونصب أمره على المفعولية ، والمراد بأمره ، شأنه ومراده . وهذه الجملة تعليل لما قبلها . أى: ومن يفوض أمره إلى الله - تعالى - ويتوكل عليه وحده ، فهو - سبحانه - كافيه فى جميع أموره ، لأنه - سبحانه - يبلغ ما يريده ، ولا يفوته مراد ، ولا يعجزه شىء ، ولا يحول دون أمره حائل .. ومن مظاهر حكمه فى خلقه ، أنه عزوجل - قد جعل لكل شىء تقديرا قبل وجوده ، وعلم علما تاما مقاديرها وأوقاتها وأحوالها . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿إنا كل شىء خلقناه بقدر﴾. وقوله - سبحانه -: ﴿ وخلق كل شىء فقدره تقديرا ) وقوله - عز وجل - : وكل شىء عنده بمقدار قال بعض العلماء ما ملخصة : ولهذه الجملة ، وهى قوله - تعالى -: ﴿ قد جعل الله لكل شىء قدرا﴾ موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن، فى ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض .. فهذه الجملة لها موقع الاستئناف البيانى الناشىء عما اشتملت عليه جمل : ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا .. ﴾ إلى قوله: ﴿إن اللّه بالغ أمره) لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت ، فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله ، فيقول : أين أنا من تحصيل هذا الشىء .. ويتملكه اليأس .. فيقول الله - تعالى - له: ﴿ قد جعل الله لكل شىء قدرا﴾ أى: فلا تيأس أيها الإِنسان . ولها موقع التعليل لجملة ﴿وأحصوا العدة) فإن العدة من الأشياء التى تعد ، فلما أمر الله ﴿ قد جعل الله لكل شىء قدرا بإحصائها علل ذلك فقال : ولها موقع التذبيل لجملة ﴿وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ أى: الذى وضع تلك الحدود ، قد جعل الله لكل شىء قدرا لا يعدوه ، كما جعل الحدود . ولها موقع التعليل لجملة : ﴿ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ﴾ ، لأن المعنى إذا بلغن القدر الذى جعله الله لمدة العدة ، فقد حصل المقصد الشرعى ، الذى أشار إليه بقوله - تعالى -: ﴿ لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾. ولها موقع التعليل لجملة: ﴿وأقيموا الشهادة اللّه ) فإن الله - تعالى - جعل الشهادة قدرا لرفع النزاع . ٤٥١ سورة الطلاق فهذه الجملة جزء آية ، وهى تحتوى على حقائق من الحكمة .. (١). ثم ذكر - سبحانه - أحكاما أخرى تتعلق بعدة أنواع أخرى من النساء وأكد الأمر بتقواه - عز وجل - وأمر برعاية النساء والانفاق عليهن .. فقال - تعالى - : وَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْ تَبْتُمُّ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَئَةُ أَشْهُرِ وَِّى لَمْيَضْنَّ وَأُوْلَتُ الأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِ يُسْرَانُ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُرُوَمَنْ يَّقِ اللَّهَ يُكَفِرْعَنْهُ سَبِئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَخْرَاً أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّنْ وُجْدِّكُمْوَلَا تُضَارُ وهُنَّ ◌ِثُضَيِّقُواْ عَلَيَِّنَّ وَإِنَ كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَتِنَّ حَتَّ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُ واْبَتِنَّكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَسَرْ ثُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُأُخْرَى ل لِيُنْفِقْ ذُوسَعَةٍمِّنْ سَعَنِةِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنِفِقْ مِمَّآءَ ائَنَهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآءَ اتَّنِهَا سَيَ جْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرِ بُسْرً ا قال القرطبى : قوله - تعالى -: ﴿ واللاتى يئسن من المحيض من نسائكم ﴾ لما بين - سبحانه - أمر الطلاق والرجعة فى التى تحيض ، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء ، عرفهم - سبحانه - فى هذه السورة عدة التى لا ترى الدم . وقال أبو عثمان عمر بن سالم: لما نزلت عدة النساء فى سورة ((البقرة)» فى المطلقة والمتوفى عنها زوجها ، قال أبى بن كعب : يارسول الله، إن ناسا يقولون قد بقى من النساء من لم يذكر فيهن شىء ، الصغار وذوات الحمل ، فنزلت هذه الآية . (١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٨ ص ٣١٤ للشيخ ابن عاشور. ٤٥٢ المجلد الرابع عشر وقال مقاتل : لما ذكر - سبحانه - قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء .. ﴾ . قال خلاد بن النعمان : يارسول الله فما عدة التى لم تحض ، وما عدة التى انقطع حيضها ، وعدة الحبلى ، فنزلت هذه الآية .. (١) . وجملة : ﴿ واللائى يئسن من المحيض ... ﴾ معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: فطلقوهن لعدتهن .. ﴾ لبيان أحكام أخرى تتعلق بعدة نوع آخر من النساء بعد بيان عدة النساء ذوات الأقراء . والمراد باللائى يئسن من المحيض : النساء اللائى تقدمن فى السن ، وانقطع عنهن دم الحيض . وقوله: ﴿ يئسن﴾ من اليأس، وهو فقدان الأمل من الحصول على الشىء. والمراد بالمحيض : دم الحيض الذى يلفظه رحم المرأة فى وقت معين ، وفى حال معينة .. وقوله : ﴿ إن ارتبتم ﴾ من الريبة بمعنى الشك. قوله : ﴿ واللائى﴾ اسم موصول مبتدأ، وقوله ﴿يئسن﴾ صلته، وجملة الشرط والجزاء وهى قوله : ﴿إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ خبره . والمعنى : لقد بينت لكم - أيها المؤمنون - عدة النساء المعتدات بالمحيض ، أما النساء المتقدمات فى السن واللائى فقدن الأمل فى رؤية دم الحيض ، فعليكم إن ارتبتم ، وشككتم فى عدتهن أو جهلتموها ، أن تقدروها بثلاثة أشهر . هذا ، وقد قدر بعضهم سن اليأس بالنسبة للمرأة بستين سنة ، وبعضهم قدره بخمس وخمسين سنة . وبعضهم لم يحدده بسن معينة ، بل قال : إن هذا السن يختلف باختلاف الذوات والأفطار والبيئات .. كاختلاف سن ابتداء الحيض . وقوله - تعالى -: ﴿ واللائى لم يحضن﴾ معطوف على قوله: ﴿واللائى يئسن﴾ وهو مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه . والتقدير : واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ، إن إرتبتم فى عدتهن ، فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللاتى لم يحضن بعد لصغرهن ، وعدم بلوغهن سن المحيض .. فعدتهن - أيضا - ثلاثة أشهر . (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٦٢ . ٤٥٣ سورة الطلاق ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان عدة المرأة ذات الحمل ، فقال - تعالى -: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ... ﴾. وقوله: ﴿وأولات﴾: اسم جمع للفظ ذات. بمعنى صاحبة ، لأنه لا مفرد لكلمة أولات﴾ من لفظها، كما أنه لا مفرد من لفظها لكلمة ((أولو)» التى هى بمعنى أصحاب، وإنما مفردها (( ذو)). والأحمال : جمع حمل - بفتح الحاء - كصحب وأصحاب ، والمراد به : الجنين الذى يكون فى بطن المرأة . والأجل : انتهاء المدة المقدرة للشىء . وقوله: ﴿وأولات .. ﴾ مبتدأ، و﴿ أجلهن) مبتدأ ثان، وقوله: ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ خبر المبتدأ الثانى، والمبتدأ الثانى وخبره ، خبر الأول . والمعنى : والنساء ذوات الأحمال ﴿ أجلهن﴾ أى: نهاية عدتهن، أن يضعن ما فى بطونهن من حمل ، فمتى وضعت المرأة ما فى بطنها ، فقد انقضت عدتها ، لأنه ليس هناك ما هو أدل على براءة الرحم ، من وضع الحمل . وهذا الحكم عام فى كل ذوات الأحمال ، سواء أكن مطلقات ، أم كن قد توفى عنهن أزواجهن . وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى تؤيد ذلك ، ومن تلك الأحاديث مارواه الشيخان ، من أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة ، فخطبت فأنكحها رسول الله - ◌َ﴾ - لأحد أصحابه. وعن أبي بن كعب قال: قلت للنبى - -: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾: للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها زوجها ؟ فقال: هى للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها .. (١). قالوا : ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين قوله - تعالى - فى سورة البقرة ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ... ﴾ لأن آية سورة البقرة ، خاصة بالنساء اللائى توفى عنهن أزوجهن ولم يكن هؤلاء النساء من ذوات الأحمال . وفى هذه المسألة أقوال أخرى مبسوطة فى مظانها .. (٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٧٦ . (٢) راجع تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ١٦٦، وتفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٣٧. ٤٥٤ المجلد الرابع عشر ثم كرر - سبحانه - الأمر بتقواه ، وبشر المتقين بالخير العميم فقال: ﴿ومن يتق الله - تعالى - فينفذ ما كلف به . ويبتعد عمانهى عنه . يجعل له﴾ سبحانه ﴿ من أمره يسرا﴾ أى: يجعل له من الأمر العسير أمرا ميسورا. ويحول له الأمر الصعب إلى أمر سهل ، لأنه - سبحانه - له الخلق والأمر .. ذلك﴾ الذى ذكرناه لكم من أحكام ﴿أمر الله﴾ أى: حكمه وشرعه ﴿أنزله إليكم ﴾ لتعلموا به ، وتسيروا على هديه . ﴿ومن يتق الله) - تعالى - فى كل شئونه وأحواله .. ﴿يكفر عنه سيئاته﴾ أى: يمح عنه ذنوبه ، ولا يؤاخذه عليها، ﴿ ويعظم له أجرا﴾ أى: ويضاعف له حسناته ، ويجزل له العطاء والمثوبة يوم القيامة . ثم أمر - سبحانه - الرجال بأن يحسنوا معاملة النساء المطلقات ، ونهاهم عن الإساءة إليهن بأى لون من ألوان الإساءة فقال: ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ... ﴾ والخطاب للرجال الذين يريدون فراق أزواجهن ، والضمير المنصوب فى قوله ﴿ أسكنوهن ﴾ يعود إلى النساء المطلقات . للتبعيض ، والوجد : السعة والقدرة . من أى : أسكنوا المطلقات فى بعض البيوت التى تسكنونها والتى فى وسعكم وطاقتكم إسكانهن فيها . قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ أسكنوهن﴾ وما بعده: بيان لما شرط من التقوى فى قوله: ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ... ) كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى فى شأن المعتدات ؟ فقيل : ﴿ أسكنوهن ﴾. فإن قلت : فقوله : ﴿من وجدكم﴾ ما موقعه ؟ قلت : هو عطف بيان لقوله ﴿ من حيث سكنتم ﴾، وتفسير له ، كأنه قيل : أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه . والسكنى والنفقة : واجبتان لكل مطلقة . وعند مالك والشافعى : ليس للمبتونة إلا السكن ولا نفقه لها ، وعن الحسن وحماد : لا نفقه لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس : أن زوجها أبتّ طلاقها، فقال لها رسول الله - * - «لا سكنى لك ولا نفقة ... ))(١). ثم أتبع - سبحانه - الأمر بالإِحسان إلى المطلقات ، بالنهى عن إلحاق الأذى بهن فقال : ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن .. ﴾ . ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٥٨ . ٤ ٤٥٥ سورة الطلاق أى : ولا تستعملوا معهن ما يؤذيهن ويضرهن ، لكى تضيقوا عليهن ما منحه الله - تعالى - لهن من حقوق ، بأن تطيلوا عليهن مدة العدة ، فتصبح الواحدة منهن كالمعلقة ، أو بأن تضيقوا عليهن فى السكنى ، حتى يلجأن إلى الخروج ، والتنازل عن حقوقهن . وقوله - تعالى -: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن .. ﴾ أى: وإن كان المطلقات أصحاب حمل - فعليكم يامعشر الأزواج - أن تقدموا لهن النفقة المناسبة ، حتى يضعن حملهن . قال الإِمام ابن كثير : قال كثير من العلماء منهم ابن عباس ، وطائفة من السلف . هذه هى البائن ، إن كانت حاملا أنفق عليها حيت تضع حملها ، قالوا : بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء أكانت حاملا أم غير حامل . وقال آخرون : بل السياق كله فى الرجعيات ، وإنما نص على الإِنفاق على الحامل - وإن كانت رجعية - لأن الحمل تطول مدته غالبا . فاحتيج إلى النص على وجوب الإِنفاق إلى الوضع، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة .. (١). ولما كان الحمل ينتهى بالوضع ، انتقلت السورة الكريمة إلى بيان ما يجب للمطلقات بعد الوضع، فقال - تعالى -: ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ﴾. أى : عليكم - أيها المؤمنون - أن تقدموا لنسائكم ذوات الحمل اللائى طلقتموهن طلاقا بائنا ، عليكم أن تقدموا لهن النفقة حتى يضعن حملهن ، فإذا ما وضعن حملهن وأرادوا أن يرضعن لكم أولادكم منهن ، فعليكم - أيضا - أن تعطوهن أجورهن على هذا الإِرضاع ، وأن تلتزموا بذلك لهن . وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الأم المطلقة طلاقا بائنا ، إذا أرادت أن ترضع ولدها بأجر المثل ، فليس لأحد أن يمنعها من ذلك ، لأنها أحق به من غيرها ، لشدة شفقتها عليه .. وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ . كما أخذوا منها - أيضا - أن نفقة الولد الصغير على أبيه ، لأنه إذا لزمته أجرة الرضاع ، فبقية النفقات الخاصة بالصغير تقاس على ذلك . وقوله - سبحانه -: ﴿ وأتمروا بينكم بمعروف﴾ حض منه - سبحانه - للآباء والأمهات على التعاون والتناصح فى وجوه الخير والبر . والائتمار معناه : التشاور وتبادل الرأى ، وسمى التشاور بذلك لأن المتشاورين فى مسألة ، يأمر أحدهما الآخر بشىء فيستجيب لأمره ، ويقال : أنتمر القوم وتآمروا بمعنى واحد . (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٧٩ . ٤٥٦ المجلد الرابع عشر أى : عليكم - أيها الآباء والأمهات - أن تتشاوروا فيما ينفع أولادكم ، وليأمر بعضكم بعضا بما هو حسن ، فيما يتعلق بالإِرضاع والأجر وغيرهما . وقوله - تعالى -: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ إرشاد إلى ما يجب عليهما فى حالة عدم التراضى على الإِرضاع أو الأجر . والتعاسر مأخوذ من العسر الذى هو ضد اليسر والسماحة ، يقال تعاسر المتبايعان ، إذا تمسك كل واحد منهما برأيه ، دون أن يتفقا على شىء . أى: وإن اشتد الخلاف بينكم ، ولم تصلوا إلى حل ، بأن امتنع الأب عن دفع الأجرة للأم ، أو امتنعت الأم عن الإِرضاع إلا بأجر معين . فليس معنى ذلك أن يبقى المولود جائعا بدون رضاعة ، بل على الأب أن يبحث عن مرضعة أخرى ، لكى ترضع له ولده ، فالضمير فى قوله ﴿ له ﴾ يعود على الأب. قال صاحب الكشاف قوله: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ أى : فستوجد مرضعة غير الأم ترضعه ، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى : سيقضيها غيرك . تريد لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم . وقد علق المحشى على الكشاف بقوله : وخص الأم بالمعاتبة ، لأن المبذول من جهتها هو لبنها وهو غير متمول ولا مضنون به فى العرف ، وخصوصا فى الأم على الولد ، ولا كذلك المبذول من جهة الأب ، فإنه المال المضنون به عادة فالأم إذًا أجدى باللوم ، وأحق بالعتب .. (١) . قالوا : وفى هذه الجملة - أيضا - طرف من معاتبة الأب ، لأنه كان من الواجب عليه أن يسترضى الأم ، ولا يكون مصدر عسر بالنسبة لها ، حرصا على مصلحة الولد . ثم رسم - سبحانه - لعباده المنهج الذى لو اتبعوه لعاشوا آمنين مطمئنين فقال: ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ﴾ والإنفاق : بذل المال فى المصالح المتنوعة التى أحلها الله - تعالى - ، كالمأكل والمشرب، والملبس ، والمسكن ، وإعطاء كل ذى حق حقه .. والسعة : البسطة فى المال والرزق . أى: على كل من أعطاه الله - تعالى - سعة وبسطة فى المال والرزق ، أن ينفق مما أعطاه الله - تعالى - وأن لا يبخل ، فإن البخل صفة قبيحة ، ولاسيما فى الأغنياء . ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٥٩ . ٠ ٤٥٧ سورة الطلاق فعليكم - أيها الآباء - أن تعطوا بسخاء كل من يستحقون العطاء ، وعلى رأسهم الأمهات لأولادكم ، اللائى يقمن بإرضاعهم بعد مفارقتكم لهن ، وأن لا تبخلوا عليهن فى أجرة الرضاع ، أو فى النفقة على الأولاد . ثم قال - تعالى -: ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ... ﴾ أى: ومن كان رزقه ضيقا وليس واسعا .. فلينفق على قدر ماله ورزقه وطاقته ، مما آتاه الله - تعالى - من رزق. وقوله: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها .. ﴾ تعليل لما قبله، أى: فلينفق كل إنسان على نفسه وعلى زوجه ، وعلى أولاده ، وعلى أقاربه ، وعلى غيرهم . على حسب حاله ، فإن كان موسرا أنفق على حسب يسره ، وإن كان معسرا أنفق على حسب عسره .. لأن الله - تعالى - لا يكلف نفسا إلا بقدر ما أعطاها من طاقة أو رزق .. روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب سأل عن أبى عبيدة فقيل له : إنه يلبس الغليظ من الثياب ، ويأكل الخشن من الطعام ، فبعث إليه بألف دينار ، وقال للرسول : انظر ماذا يصنع إذا أخذها : فلما أخذها ، ما لبث أن لبس ألين الثياب ، وأكل أطيب الطعام .. فجاء الرسول فأخبره فقال عمر: رحم الله أبا عبيدة ، لقد عمل بهذه الآية: ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله .. ﴾(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببشارة لمن يتبع أمره فقال: ﴿ سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾ أى: سيجعل الله - تعالى - بفضله وإحسانه - اليسر بعد العسر، والسعة بعد الضيق ، والغنى بعد الفقر .. لمن شاء من عباده ، لأنه - سبحانه - هو الذى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وهو بعباده خبير بصير . قال الإِمام ابن كثير : وقد روى الإِمام أحمد عن أبى هريرة قال : دخل رجل على أهله . فلما رأى ما بهم من الفاقة خرج إلى البرية ، فلما رأت امرأته ذلك قامت إلى الرحى فوضعتها ، وإلى التنور فسجرته - أى أوقدته - ، ثم قالت : اللهم ارزقنا ، فنظرت ، فإذا الجفنة قد امتلأت .. قال : وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا ، قال : فرجع الزوج فقال لأهله : أأصبتم بعدى شيئا ؟ فقالت امرأته : نعم من ربنا .. فذكر الرجل ذلك للنبى -# - فقال: أما إنه لو لم ترفعها ، لم تزل تدور إلى يوم القيامة .. (٢). (١) تفسير ابن جرير جـ ٢٨ ص ١٤٩ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٨١ . ٤٥٨ المجلد الرابع عشر وبعد هذه التشريعات الحكيمة التى تتعلق بالطلاق وما يترتب عليه من آثار ، وبعد هذا التذكير المتكرر بوجوب تقوى الله - تعالى - والمحافظة على أداء تكاليفه ، وبعد هذا الوعظ المؤثر فى قلوب الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر .. بعد كل ذلك ساق - سبحانه- جانبا من سوء عاقبة الأقوام الذين فسقوا عن أمر ربهم ، وخالفوا رسله : وكرر الأمر بتقواه ، وذكر الناس بجانب من نعمه ، حيث أرسل إليهم رسوله - وَجه - ليتلوا عليهم آياته .. كما ذكرهم بعظيم قدرته - تعالى - وشمول علمه ، فقال - سبحانه - : وَكَّنْ مِّنْ قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْيِرَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَا بَا تُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْيِ هَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَعْرِ هَا خُتْرًا ) أَعَدَّاللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَأُوْلِ آلْأَلْبَبِ الَّذِينَ ءَآَمَوَأْ قَدْ أَنَزَّلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرَالْ رَسُولًا يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ الَّهِمُّبِيِّنَةٍّ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُواْالصَّالِحَتِ مِنَ الظّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِ حَايُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيَا أَبدَّا قَدْ أَ حْسَنَ اللهُ لَهُرِزْقًا آ اللّهُ الَّذِىِ خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ آلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّلِيَعْلَمُوَأْ أَنَّ اُللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّاللَّهَ قَدْ أَ حَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَّمَا أ) وكلمة ﴿ كأين﴾ اسم لعدد كثير منهم، يفسره ما بعده، فهى بمعنى ((كم)) الخبرية التى تفيد التكثير ، وهى مبتدأ ، وقوله ﴿ من قرية ﴾ تمييز لها . وجملة ﴿ عتت عن أمر ربها﴾ خبر للمبتدأ. والعتو: الخروج عن الطاعة، يقال: عنا فلان يعتو عتوا وعتيا . إذا تجبر وطغى وتجاوز الحدود فى الاستكبار والعناد . ٤٥٩ سورة الطلاق والمراد بالقرية : أهلها ، على سبيل المجاز المرسل ، من إطلاق المحل وإرادة الحال ، فهو كقوله - تعالى - : ﴿ واسأل القرية التى كنا فيها ﴾ والقرينة على أن المراد بالقرية أهلها، قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ أعد الله لهم عذابا شديدا ... ﴾ . والمراد بالمحاسبة فى قوله ﴿ فحاسبناها ... ﴾ المجازاة والمعاقبة الدنيوية على أعمالهم، بدليل قوله - تعالى - عن العذاب الأخروى بعد ذلك ﴿ أعد الله لهم عذابا شديدا ... ﴾. ويجوز أن يراد بالمحاسبة هنا : العذاب الأخروى ، وجىء بلفظ الماضى على سبيل التأكيد وتحقق الوقوع ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ... ﴾. ويكون قوله - سبحانه -: ﴿ أعد الله لهم عذابا شديدا .. ﴾ تكريرا للوعيد. والمعنى : وكثير من أهل القرى الماضية ، خرجوا عن طاعة ربهم ، وعصوا رسله ، فكانت نتيجة ذلك أن سجلنا عليهم أفعالهم تسجيلا دقيقا ، وجازيناهم عليها جزاء عادلا ، بأن عذبناهم عذابا فظيعا . وعاقبناهم عقابا نكرا .. والشىء النكر بضمتين وبضم فسكون - ما ينكره العقل من شدة كيفية حدوثه إنكارا عظيما . والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فذاقت وبال أمرها ... ﴾ للتفريع على ما تقدم. والوبال : الثقل ، ومنه الطعام الوبيل ، أى : الوخيم الثقيل على المعدة فيكون سببا فى فسادها ومرضها . والذوق : الإِحساس بالشىء إحساسا واضحا .. أى: فترتب على هذا الحساب والعقاب ، أن ذاق أهل تلك القرى سوء عاقبة بغيهم وجحودهم لنعم الله .. وكان عاقبة أمرها خسرا أى : وكانت نهايتهم نهاية خاسرة خسارة عظيمة ، كما يخسر التاجر صفقته التجارية التى عليها قوام حياته . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم فى الآخرة من عذاب ، بعد بيان ما حل بهم فى الدنيا فقال : ﴿ أعد الله لهم عذابا شديدا ... ﴾. أى : أن ما أصابهم فى الدنيا بسبب فسوقهم عن أمر ربهم ، ليس نهاية المطاف ، بل هيأ الله - تعالى - لهم عذابا أشد من ذلك وأبقى فى الآخرة .. وما دام الأمر كذلك ( فاتقوا الله ياأولى الألباب، الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا ... ﴾ . ٤٦٠ المجلد الرابع عشر والألباب جمع لب ، وهو العقل السليم الذى يرشد صاحبه إلى الخير والبر . وقوله ﴿الذين آمنوا﴾ منصوب بإضمار أعنى على سبيل البيان للمنادى، أو عطف بيان له . والمراد بالذكر : القرآن الكريم ، وقد سمى بذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ... ﴾ أى: فيه شرفكم وعزكم ، وفيه ما يذكركم بالحق ، وينهاكم عن الباطل . أى: فاتقوا الله - تعالى - يا أصحاب العقول السليمة، ويامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، فهو - سبحانه - الذى أنزل عليكم القرآن الكريم ، الذى فيه ما يذكركم عما غفلتم عنه من عقيدة سليمة ، ومن أخلاق كريمة ، ومن آداب قويمة .. وفى ندائهم بوصف (( أولى الألباب)» إشعار بأن العقول الراجحة هى التى تدعو أصحابها إلى تقوى الله وطاعته، وإلى كل كمال فى الطباع والسلوك . والمراد بالرسول فى قوله - تعالى -: ﴿رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات﴾ محمد - وَ * - وللمفسرين جملة من الأقوال فى إعرابه، فمنهم من يرى أنه منصوب بفعل مقدر ، ومنهم من يرى أنه بدل من ذكرا .. (١) . والمعنى : فاتقوا الله - أيها المؤمنون - فقد أنزلنا إليكم قرآنا فيه ما يذكركم بخير الدنيا والآخرة .. وأرسلنا إليكم رسولا هو عبدنا محمد - 18 - لكى يتلو عليكم آياتنا تلاوة تدبر وفهم ، يعقبهما تنفيذ ما اشتملت عليه هذه الآيات من أحكام وآداب وهدايات .. ولكى يخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الشرك الذى كانوا واقعين فيه ، إلى نور الإيمان الذى صاروا إليه . ومنهم من فسر الذكر بالرسول - * - .. قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: ﴿ قد أنزل الله إليكم ذكرا﴾ هو النبى - * - وعبر عنه بالذكر ، لمواظبته على تلاوة القرآن الذى هو ذكر .. وقوله - تعالى - ﴿رسولا﴾ بدل من ﴿ ذكرا﴾، وعبر عن إرساله بالإنزال ، لأن الإرسال مسبب عنه .. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٦١.