Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة الحشر
المهاجرين والأنصار ، أن يذكر السابقين ، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة ، فمن لم يكن
كذلك، بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين ، بحسب نص هذه الآية .. (١).
وبعد أن رسمت السورة الكريمة ، تلك الصورة الوضيئة للمهاجرين والأنصار والذين
اتبعوهم بإحسان .. بعد كل ذلك أخذت فى رسم صورة أخرى ، متباينة تمام المباينة مع صورة
هؤلاء الصادقين ، ألا وهى صورة المنافقين ، الذين انضموا إلى كل مناوئ للدعوة الإِسلامية ،
فقال - تعالى - :
◌َ أَمْ قََّإِلَى
الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيَكُ
أَحَدَّا أَبَدًّا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنْصُرَ تَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
١١
﴿ لَيِنْ أُخْرِجُوْ لَا يَخُْعُونَ مَعَهُمْ وَلَيِن قُوْتِلُواْ لَا يَصُرُونَهُمْ
وَلَبِنِ نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَّ الْأَدْبَرَ ثُمَّلَا يُصَرُونَ
١٢
لَأَنْتُمْ أَشَدُّرَهْبَةً فِ صُدُورِهِم مِّنَ اَللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ
لَّا يَفْقَهُونَ ﴿ لَا يُقَدِلُونَكُمْ حَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَى
◌ُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدٍُّ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ
جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتََّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
١٤
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيبًا ذَا فُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ
قَالَ إِنِّى بَرِىٌّ مِّنكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
١٦
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٩ ص ٢٨٩ .

٣٠٢
المجلد الرابع عشر
فَكَانَ عَقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَاْ وَذَلِكَ جَزَّ ؤأ
١٧
الظَّالِمِينَ
قال الآلوسي : قوله - تعالى - : ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ... ﴾ حكاية لما جرى بين
الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة وتعجب منها بعد حكاية محاسن أحوال
المؤمنين على اختلاف طبقاتهم، والخطاب لرسول الله - وَليه - أو لكل أحد ممن يصلح
للخطاب .
والآية - كما روى عن ابن عباس - نزلت فى رهط من بنى عوف منهم عبد الله بن أبى بن
سلول ... بعثوا إلى بنى النضير بما تضمنته الجمل المحكية ، بقوله - تعالى - : ﴿ يقولون
لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ... ﴾(١).
والمراد بالأخوة فى قوله - سبحانه -: ﴿يقولون لإِخوانهم ﴾ : أخوة فى الكفر
والفسوق والعصيان ... ﴾ .
والمعنى : ألم يصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين الذين أظهروا
الإِسلام ، وأبطنوا الكفر ، وهم يقولون لإِخوانهم فى الكفر من أهل الكتاب ، وهم : يهود بنى
النضير ، أثناء محاصرتكم - أيها المؤمنون - لهم .
يقولون لهم: ((والله لئن أخرجتم)) من دياركم ﴿لنخرجن معكم ﴾ أى: لنخرجن من
ديارنا معكم ، لنكون مصاحبين لكم حيثما سرتم .
ويقولون لهم : - أيضا - ﴿ ولا نطيع فيكم أحدا أبدا .. ﴾ أى: ولا نطيع فى شأنكم أحدا
أبدا ، يريد العدوان عليكم ، أو يريد منعنا من الخروج معكم ومؤازرتكم ..
ويقولون لهم - كذلك -: ﴿وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ أى: وإن قاتلكم المسلمون،
لنقفن إلى جواركم ، ولنقدمن العون الذى يؤدى إلى نصركم .
وقوله - سبحانه -: ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ رد عليهم، وإبطال لمزاعمهم.
أى : والله - تعالى - يشهد بأن هؤلاء المنافقين لكاذبون فى أقوالهم ، وفى عهودهم ..
ثم أبطل - سبحانه - أقوالهم بصورة أكثر تفصيلا فقال : ﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون
معهم ، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ، ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ﴾.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٥٦ .

٣٠٣
سورة الحشر
أى : والله لئن أخرج المؤمنون اليهود من ديارهم ، فإن هؤلاء المنافقين لا يخرجون معهم ،
ولئن قاتل المؤمنون اليهود ، فإن المنافقين لن ينصروا اليهود ، ولئن نصروهم - على سبيل
الفرض والتقدير - ليولين المنافقون الأدبار فرارا منكم - أيها المؤمنون - ، ثم لا ينصرون
بعد ذلك ، لاهم ولا من قاموا بنصرهم ، لأن الفريقين اجتمعوا على الباطل واتحدت قلوبهم فى
الجبن والخور والحرص على الحياة ..
فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين ، قد وصفتا المنافقين ، بالكفر والعصيان . وبالتحالف
مع كل محارب للدعوة الإسلامية ، وبنقض العهود ، وخلف الوعود ، وبالجبن الخالع ،
والكذب الواضح ...
وقد تحقق ما أخبرت عنه الآيتان عن هؤلاء المنافقين . فإن يهود بنى النضير عندما جد
الجد ، وحالت ساعة رحيلهم .. أرسلوا إلى المنافقين يطلبون عونهم ، فما كان من المنافقين إلا
أن خذلوهم ، وتحللوا من وعودهم لهم ..
قال صاحب الكشاف: فإن قلت : كيف قيل: ﴿ولئن نصروهم .. ﴾ يعد الإِخبار بأنهم لا
ينصرونهم ؟ قلت : معناه ، ولئن نصروهم على سبيل الفرض والتقدير .. كقوله ﴿ لئن
أشركت ليحبطن عملك ﴾ وكما يعلم - سبحانه - ما يكون فهو يعلم مالا يكون .
والمعنى : ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ینصرون بعد ذلك . أی یهلكم
الله - تعالى - ولا ينفعهم نفاقهم، لظهور كفرهم ، أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصر
المنافقين لهم .
وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب .. (١).
وبعد أن بشر الله - تعالى - المؤمنين بهزيمة أعدائهم أمامهم ، أتبع ذلك ببشارة أخرى ،
وهى أن هؤلاء المنافقين وإخوانهم فى الكفر ، يخشون المؤمنين خشية شديدة ، فقال
- سبحانه -: ﴿ لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من الله ... ﴾.
والرهبة : مصدر رهب ، بمعنى خاف ، يقال : رهب فلان فلانا ، إذا خافه خوفا شديدا من
داخل نفسه ..
أى : لأنتم - أيها المؤمنون - أشد خوفا فى نفوس هؤلاء المنافقين واليهود ، من ربهم الذى
خلقهم وأوجدهم .
(١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٨ .

٣٠٤
المجلد الرابع عشر
وقوله: ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ تعليل لسبب جبنهم وخوفهم، واسم الإشارة
يعود إلى كون المؤمنين أشد رهبة فى صدور المنافقين واليهود من الله - تعالى - .
أى : أنتم أشد رهبة فى قلوبهم من الله - تعالى - : بسبب أنهم قوم لا يفقهون الحق ،
ولا يعلمون شيئا عن عظمة الله - سبحانه - وجلاله وقدرته ..
والمقصود من هذه الآية الكريمة ، تهوين أمر هؤلاء الأعداء فى نفوس المؤمنين وبيان أن
هؤلاء الاعداء قد بلغ الجبن والخور فيهم مبلغا كبيرا ، لدرجة أن خشيتهم لكم ، أشد من
خشيتهم لله - تعالى - .
والتعبير بالرهبة للإِشعار بأنها رهبة خفية لا يعلمها إلا الله - تعالى - وأن هؤلاء المنافقين
واليهود ، مهما تظاهروا أمام المؤمنين بالبأس والقوة . فهم فى قرارة نفوسهم يخافون المؤمنين
خوفا شديدا ..
قال صاحب الكشاف : رهبة مصدر رهب المبنى للمفعول ، كأنه قيل أشد مرهوبية .
وقوله : ﴿ فى صدورهم﴾ دلالة على نفاقهم . يعنى: أنهم يظهرون لكم فى العلانية خوف الله ،
وأنتم أهيب فى صدورهم من الله - تعالى - .
فإن قلت : كأنهم كانوا يرهبون من اللّه حتى تكون رهبتهم منهم أشد ؟.
قلت : معناه أن رهبتهم فى السر منكم ، أشد من رهبتهم من اللّه التى يظهرونها لكم .
وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله ... (١).
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد قررت حقيقة راسخة فى نفوس المنافقين وأشباههم ، وإن
كانوا يحاولون إخفاءها وسترها ، وهى أن خشيتهم من الناس أشد من خشيتهم من الله
- تعالى - .
ثم يقرر - سبحانه - حقيقة أخرى ، أيدتها التجارب والمشاهد الواقعية ، فقال
- تعالى - : ﴿ لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدر ، بأسهم بينهم شديد ،
تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ... ﴾ .
والآية الكريمة بدل اشتمال من التى قبلها ، لأن شدة الخوف من المؤمنين جعلت اليهود
وحلفاءهم ، لا يقاتلون المسلمين ، إلا من وراء الخنادق والحصون ..
والجدر : جمع جدار ، وهو بناء مرتفع يحتمى به من يقاتل من خلفه . و﴿ جميعا ﴾ بمعنى
مجتمعين كلهم ..
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٨٥ .

٣٠٥
سورة الحشر
أى : أن هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين ، لا يقاتلونكم مجتمعين كلهم فى موطن من
المواطن إلا فى قرى محصنة بالخنادق وغيرها ، أو يقاتلونكم من وراء الجدران التى يتسترون
بها ، لأنهم يعجزون عن مبارزتكم ، وعن مواجهتكم وجها لوجه ، لفرط رهبتهم منكم ..
قال ابن كثير : يعنى أنهم فى جبنهم وهلعهم ، لا يقدرون على مواجهة جيش الإِسلام ،
بالمبارزة والمقاتلة ، بل إما فى حصون ، أو من وراء جدر محاصرين ، فيقاتلونكم للدفع عنهم
ضرورة .. (١) .
وقوله - تعالى -: ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ جملة مستأنفة ، كأن قائلا قال : ولماذا
لا يقاتلون المؤمنين إلا على هذه الصورة ؟ فكان الجواب : بأسهم بينهم شديد. أى : عداوتهم
فيما بينهم عداوة شديدة ، بحيث لا يتفقون على رأى ، وقوتهم يستعملونها فيما بينهم استعمالا
واسعا ، فإذا ما التقوا بكم تحولت هذه القوة إلى جبن وهلع ..
قال صاحب الكشاف : يعنى أن البأس الشديد الذى يوصفون به ، إنما هو فيما بينهم إذا
اقتتلوا ، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ، لأن الشجاع يجبن والعزيز يذل ، عند
محاربة اللّه ورسوله .. (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿ تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ﴾ استئناف آخر للإجابة عما يقال : من
أنه كيف تكون عداوتهم فيما بينهم شديدة ، ونحن نراهم متفقين ؟ .
فكان الجواب : ليس الأمر كما يظهر من حالهم من أن بينهم تضامنا وترابطا .. بل الحق
أنهم متدابرون مختلفون متباغضون .. وإن كانت ظواهرهم تدل على خلاف ذلك ..
أى : تحسبهم أيها الناظر إليهم مؤتلفين .. والحال أن قلوبهم متفرقة ، ومنازعهم مختلفة
وبواطنهم تباين ظواهرهم .. وما دام الأمر كذلك فلا تبالوا بهم - أيها المؤمنون - ، بل
أغلظوا عليهم ، وجاهدوهم بكل قوة وجسارة ..
واسم الإشارة فى قوله : ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ يعود إلى ما سبق ذكره ، من شدة
عداوتهم فيما بينهم ، ومن مخالفة بواطنهم لظواهرهم .
أى : ذلك الذى ذكرناه لكم من شدة بأسهم فيما بينهم ، ومن مخالفة بواطنهم لظواهرهم ،
سببه أنهم قوم لا يعقلون الحق والهدى والرشاد .. وإنما هم ينساقون وراء أهوائهم بدافع من
الأحقاد والمطامع والشهوات ، بدون إدراك لعواقب الأمور، أو للفهم الصحيح ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٤٠.
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٨٥ .

٣٠٦
المجلد الرابع عشر
ثم ساق - سبحانه - مثلين زيادة فى تثبيت المؤمنين ، وفى التهوين من شأن أعدائهم فقال
- تعالى - : ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ﴾.
وقوله: ﴿ كمثل ... ﴾ خبر لمبتدأ محذوف. والمراد بالذين من قبلهم: يهود بنى قينقاع،
وكفار قريش الذين حل بهم ما حل من هزائم فى غزوة بدر .
والوبال : المرعى الضار الذى ترعاه الماشية ، دون أن تدرك سوء عاقبته .
أى : مثل هؤلاء اليهود والمنافقين ، وحالهم العجيبة .. كمثل الذين من قبلهم ، وهم يهود
بنى قينقاع ، الذين أخرجوا من المدينة بسبب غدرهم ، وكان خروجهم قبل خروج بنى النضير
بزمن ليس بالطويل ، وكمثل مشركى قريش الذين حلت بهم الهزيمة فى غزوة بدر ، فإن هؤلاء
وهؤلاء قد ذاقوا فى الدنيا سوء عاقبة كفرهم بدون إمهال ..
أما فى الآخرة فلهم عذاب شديد الألم والإِهانة .
ووجه الشبه بين السابقين واللاحقين ، أن الجميع قد اغتروا بمالهم وقوتهم ، فتطاولوا على
المؤمنين ، ونقضوا عهودهم معهم .. فكانت عاقبتهم جميعا أن أذلهم الله - تعالى - فى الدنيا ،
ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ..
وأما المثل الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - : ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ،
فلما كفر قال إنى برىء منك .. ﴾ .
أى : مثل المنافقين فى تزيينهم الشر والفساد ليهود بنى النضير .. كمثل الشيطان إذ قال
للإنسان فى الدنيا اكفر بالله - تعالى - فلما كفر ذلك الإِنسان ومات على الكفر ، وبعث يوم
القيامة ، ووجد مصيره السيئ .. ندم وألقى التبعة على الشيطان الذى قال له : إنى برىء منك
ومن كفرك ، إنى أخاف الله رب العالمين ، ووجه الشبه : أن المنافقين تبرأوا من معاونتهم ومن
مناصرتهم .. عندما حانت ساعة الجد .. كما يتبرأ الشيطان من كفر الكافر يوم القيامة .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ وقال الشيطان لما قضى الأمر
إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن
دعوتكم فاستجبتم لى، فلا تلومونى ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم
بمصرخى .. ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فكان عاقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها .. ﴾ من تمام المثل الذى
ضربه اللّه - تعالى - للمنافقين واليهود ..
(١) سورة إبراهيم الآية ٢٢ .

٣٠٧
سورة الحشر
أى : فكان عاقبة ذلك الشيطان وذلك الإِنسان ، أنهما فى النار ، حالة كونهما خالدين فيها
خلودا أبديا ، وكذلك حال المنافقين واليهود ..
وذلك ﴾ الخلود فى النار ﴿جزاء الظالمين) الذين تجاوزوا حدود الله - تعالى -
وحاربوا أولياءه - سبحانه - .
والمراد بالشيطان والإِنسان جنسهما ، وقد ذكر بعضهم هنا قصصا تدل على أن المراد
بالإِنسان شخص معين ، وقد أضربنا عنها صفحا لضعفها .. (١) .
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت المنافقين واليهود ذما شنيعا ، وأضعفت من شأنهم ،
وساقت لهم من الأمثلة ما يجعل المؤمنين يستخفون بهم ، ويجاهدونهم بغلظة وشدة .
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه وبتقديم العمل الصالح الذى ينفعهم يوم
يلقونه ، ونهاهم عن التشبه بالقوم الفاسقين .. فقال - تعالى - :
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْاللَّهَ وَلْتَنْظُرْ
نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
﴿ وَلَا تَكُنُوْ كَالَّذِينَ نَسُواْاللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَكَ
هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ لَا يَسْتَوِىَّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ
الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ ، لَوْ أَنْنَا هَذَا
الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَ أَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّ عًا مِّنْ خَشْيَةِ
اَللَّهِ وَتِلْكَ اْلْأَمْثَلُ نَضْرِ بُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ
٢١
والمراد بالغد فى قوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت
لغد .. ﴾ يوم القيامة ..
أى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ﴿اتقوا الله ﴾ أى صونوا أنفسكم عن كل
ما يغضب الله - تعالى - ، وراقبوه فى السر والعلن . وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٤١، وتفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٣٨ .

٣٠٨
المجلد الرابع عشر
ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ أى : ولتنظر كل نفس ، ولتتأمل فى الاعمال التى عملتها
فى الدنيا . والتى ستحاسب عليها فى يوم القيامة ، فإن كانت خيرا ازدادت منها ، وإن كانت :
غير ذلك أقلعت عنها .
وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة بالغد ، للإشعار بقربه ، وأنه آت لا ريب فيه ، كما يأتى
اليوم الذى يلى يومك . والعرب تخبر عن المستقبل القريب بالغد كما فى قول الشاعر :
فإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غدا لناظره قريب
وقال - سبحانه -: ﴿ولتنظر نفس﴾ الإفادة العموم، أى : كل نفس عليها أن تنظر
نظرة محاسبة ومراجعة فى أعمالها بحيث لا تقدم إلا على ما كان صالحا منها .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى تنكير النفس والغد ؟ قلت : أما تنكير النفس
فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة ، كأنه قيل : ولتنظر نفس واحدة فى ذلك ، وأما
تنكير الغد ، فلتعظيمه وإبهام أمره ، كأنه قيل : لغد لا يعرف كنهه لعظمه .
وعن مالك بن دينار : مكتوب على باب الجنة : وجدنا ما عملنا ، وربحنا ما قدمنا ،
وخسرنا ما خلفنا .. (١).
وكرر - سبحانه - الأمر بالتقوى فقال: ﴿واتقوا الله ﴾ للتأكيد . أى: اتقوا الله بأن
تؤدوا ما كلفكم به من واجبات ، وبأن تجتنبوا ما نهاكم عنه من سيئات .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إن الله خبير بما تعملون﴾ تعليل للحض على التقوى أى :
اتقوه فى كل ما تأتون وما تذرون ، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، بل هو
- سبحانه - محيط بها إحاطة تامة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون يوم القيامة .
وقد جاء الأمر بتقوى الله - تعالى - فى عشرات الآيات من القرآن الكريم ، لأن تقوى
الله - تعالى - هى جماع كل خير، وملاك كل بر ، ومن الأدلة على ذلك. أننا نرى القرآن
يبين لنا أن تقوى الله قد أمر بها كل نبى قومه ، قال - تعالى -: ﴿كذبت قوم نوح
المرسلين . إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون. إنى لكم رسول أمين . فاتقوا الله وأطيعون .. ﴾.
وتارة نجد القرآن الكريم يبين لنا الآثار الطيبة التى تترتب على تقوى الله فى الدنيا
والآخرة ، فيقول: ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء
..
والأرض
(١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٠٨ .

٣٠٩
سورة الحشر
ويقول : ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
ويقول - سبحانه -: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
ويقول - عز وجل - : ﴿ إن المتقين في جنات ونهر ، فى مقعد صدق عند مليك مقتدر
وبعد هذا الأمر المؤكد بالتقوى ، جاء النهى عن التشبه بمن خلت قلوبهم من التقوى ، فقال
- تعالى - : ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ... ﴾.
أى : تمسكوا - أيها المؤمنون - بتقوى الله - تعالى - ومراقبته والبعد عن كل مالا
يرضيه . واحذروا أن تكونوا كأولئك الذين تركوا التكاليف التى كلفهم الله - تعالى - بها ،
فتركهم - سبحانه - إلى أنفسهم ، بأن جعلهم ناسين لها ، فلم يسعوا إلى ما ينفعها ، بل
سعوا فيما يضرها ويرديها .
فالمراد بالنسيان هنا: الترك والإهمال ، والكلام على حذف مضاف . أى : نسوا حقوق الله
- تعالى - وما أوجب عليهم من تكاليف .
والفاء فى قوله: ﴿ فأنساهم﴾ للسببية ، أى: أن نسيانهم لما يجب عليهم نحو أنفسهم من
تهذيب وتأديب .. كان سببه نسيانهم لما يجب عليهم نحو خالقهم من طاعته وخشيته .
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ أى : أولئك الذين
تركوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ، هم الفاسقون عن أمره ، الخارجون على
شريعته ودينه ، الخالدون يوم القيامة فى العذاب المهين .
ثم حذر - سبحانه - المؤمنين من نسيان طاعته ، وخشيته بأسلوب آخر فقال :
لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة ، أصحاب الجنة هم الفائزون ... ﴾.
أى : لا يستوى فى حكم الله - تعالى - وفى جزائه ﴿ أصحاب النار ﴾ الذين استحقوا الخلود فيها
وأصحاب الجنة ) الذين ظفروا برضوانه - تعالى - بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ..
أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ بالسعادة التى ليس بعدها سعادة، وبالنعيم الذى لا
يقاربه نعيم .
وقال - سبحانه -: ﴿ لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة ... ﴾ بدون بيان مالا
يستويان فيه ، للإِشعار بالبون الشاسع بين الفريقين ، فى سلوكهم وفى أعمالهم ، وفى تفكيرهم ،
وفى نظرتهم إلى الحياة ، وفى العاقبة التى ينتهى إليها كل فريق ..
قال صاحب الكشاف : هذا تنبيه للناس ، وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم ، وقلة فكرهم فى
العاقبة ، وتهالكهم على إيثار العاجلة ، واتباع الشهوات : كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة

٣١٠
المجلد الرابع عشر
والنار ، والبون العظيم بين أصحابهما ، وأن الفوز مع أصحاب الجنة ، فمن حقهم أن يعلموا
ذلك وينبهوا عليه ، كما تقول لمن يعق أباه ، هو أبوك ، تجعله بمنزلة من لا يعرفه ، فتنبهه بذلك
على حق الأبوة ، الذى يقتضى البر والتعطف .. (١).
ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى معناها ، قوله - تعالى -: ﴿ ومايستوى
الأعمى والبصير ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ولا المسىء قليلا ما تتذكرون ﴾(٢).
ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم ، المشتمل على ألوان من الهدايات والمواعظ ،
والآداب والأحكام ، التى فى اتباعها سعادة الناس وفوزهم فقال: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على
جبل ، لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ... ﴾.
والمراد بالجبل : حقيقته والكلام على سبيل الفرض والتقدير ، واختير الجبل ، لأنه أشد
الأشياء صلابة ، وقلة تأثر بما ينزل به .
أى : لو أنزلنا - على سبل الفرض والتقدير - هذا القرآن العظيم الشأن على جبل من
الجبال العالية الشامخة الصلبة وخاطبناه به .. لرأيت - أيها العاقل - هذا الجبل الذى هو مثال
فى الشدة والغلظة والضخامة وعدم التأثر . لرأيته ﴿خاشعا متصدعا من خشية الله
أى : لرأيته متذللا متشققا من شدة خوفه من الله - تعالى - ومن خشيته .
قال الآلوسى : وهذا تمثيل لعلو شأن القرآن ، وقوة تأثيره ، والغرض - من هذه الآية -
توبيخ الإِنسان على قسوة قلبه ، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن الكريم ، وتدبر ما فيه من
القوارع ، وهو الذى لو أنزل على جبل - وقد ركب فيه العقل - لخشع وتصدع .
ويشير إلى كونه تمثيلا ، قوله - تعالى -: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم
يتفكرون ﴾(٣) .
أى : وتلك الأمثال الباهرة التى اشتمل عليها هذا القرآن العظيم ، نضربها ونسوقها
للناس ، لكى يتفكروا فيها ، ويعملوا بما تقتضيه من توجيهات حكيمة ومن مواعظ سديدة ،
ومن إرشادات نافعة .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته - تعالى - وببيان بعض أسمائه
الحسنى فقال - تعالى - :
( ١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٠٨ .
( ٢) سورة غافر الآية ٥٨ .
(٣) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٦٢ .
:

٣١١
سورة الحشر
هُوَ اللَّهُالَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
: هُوَ اللهُ الَّذِى لَا إِلَهَإِلَّ هُوَ
٢٢
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
اَلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْسِرُ الْعَزِيزُ
الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
؟ هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ اَلْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
٢٣
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٢٤
قال الجمل : لما وصف - تعالى - القرآن بالعظم ، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم
الموصوف ، أتبع ذلك بوصف عظمته - تعالى - فقال: ﴿ هو الله الذى لا إله إلا هو ﴾
أى: هو الله الذى وجوده من ذاته، فلا عدم له بوجه من الوجوه ، فلا شىء يستحق الوصف
بهذا غيره ، لأنه هو الموجود أزلا وأبدا ، فهو حاضر فى كل ضمير ، غائب بعظمته عن كل
حس ، فلذلك تصدع الجبل من خشيته .
أى : هو المعبود الذى لاتنبغى العبادة والألوهية إلا له ، الذى لا إله إلا هو ، فإنه لا
مجانس له، ولا يليق ولا يصح، ولا يتصور، أن يكافئه أو يدانيه شىء .. (١).
وقوله : ﴿ عالم الغيب والشهادة﴾ أى: هو - سبحانه - العليم علما تاما بما غاب عن
أذهان الخلائق وعقولهم ، وبما هو حاضر ومشاهد أمام أعينهم .
فالمراد بالغيب : كل ما غاب عن إحساس الناس وعن مداركهم ..
والمراد بالشهادة : ما يشاهدونه بعيونهم ، ويدركونه بعقولهم ..
والتعريف فيهما للاستغراق الحقيقى، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء فى هذا
الكون .
وقوله - تعالى -: ﴿ هو الرحمن الرحيم﴾ أى: هو العظيم الرحمة الدائمها، لأن لفظ
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٢١ .

٣١٢
المجلد الرابع عشر
: الرحمن ) صيغة مبالغة لكثرة الشىء وعظمته، ولفظ ﴿الرحيم ﴾ صيغة تدل على الدوام
والاستمرار .
وقوله - سبحانه -: ﴿هو اللّه الذى لا إله إلا هو ... ﴾ تأكيد لأمر التوحيد لأن مقام
التعظيم يقتضى ذلك .
ثم عدد - سبحانه - بعد ذلك بعض أسمائه الحسنى ، وصفاته الجليلة فقال : ﴿ الملك ﴾
أى : المالك لجميع الأشياء ، والحاكم على جميع المخلوقات والمتصرف فيها تصرف المالك فى
ملكه .
القدوس﴾ أى: المنزه عن كل نقص، البالغ أقصى ما يتصوره العقل فى الطهارة وفى
البعد عن النقائص والعيوب ، وعن كل مالا يليق .
من القدس بمعنى الطهارة ، والقدس - بفتح الدال - اسم للإِناء الذى يتطهر به ومنه
القادوس .
وجاء لفظ القدوس بعد لفظ الملك ، للإشعار بأنه - تعالى - وإن كان مالكا لكل شىء ،
إلا أنه لا يتصرف فيما يملكه تصرف الملوك المغرورين الظالمين ، وإنما يتصرف فى خلقه تصرفا
منزها عن كل ظلم ونقص وعيب ..
السلام﴾ أى: ذو السلامة من كل ما لا يليق، أو ذو السلام على عباده فى الجنة، كما
قال - تعالى -: ﴿ سلام قولا من رب رحيم ﴾.
المؤمن﴾ أى : الذى وهب لعباده نعمة الأمان والاطمئنان ، والذى صدق رسله بأن
أظهر على أيديهم المعجزات التى تدل على أنهم صادقون فيما يبلغونه عنه .
﴿ المهيمن ﴾ أى: الرقيب على عباده، الحافظ لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، من الأمن ،
ثم قلبت همزته هاء ، وقيل أصله هيمن بمعنى رقب ، فهاؤه أصلية .
العزيز ﴾ أى : الذى يغلب غيره ، ولا يتجاسر على مقامه أحد ..
الجبار ﴾ أى: العظيم القدرة ، القاهر فوق عباده .
قال القرطبى : قال ابن عباس : الجبار: هو العظيم . وجبروت اللّه عظمته . وهو على هذا
القول صفة ذات ، من قولهم : نخلة جبارة ..
وقيل هو من الجبر وهو الإصلاح ، يقال : جبرت العظم فجبر ، إذا أصلحته بعد الكسر ،
فهو فعال من جبر، إذا أصلح الكسير وأغنى الفقير .. (١) .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٤٦.

٣١٣
سورة الحشر
المتكبر ﴾ أى: الشديد الكبرياء، والعظمة والجلالة. والتنزه عما لا يليق بذاته .
وهاتان الصفتان - الجبار المتكبر - صفتا مدح بالنسبة لله - تعالى - ، وصفتا ذم بالنسبة
لغيره - تعالى -، وفى الحديث الصحيح عن أبى هريرة أن رسول الله - وَ الز - ، قال فيما
يرويه عن ربه: ((الكبرياء ردائى. والعظمة إزارى. فمن نازعنى فى واحد منهما قصمته . ثم
قذفته فى النار)) .
سبحان الله عما يشركون﴾ أى: تنزه - سبحانه وتقدس عن إشراك المشركين. وكفر
الكافرين .
﴿هو اللّه الخالق) لكل شىء الموجد لهذا الكون على مقتضى حكمته ..
﴿ البارىء﴾ أى: المبدع المخترع للأشياء. والمبرز لها من العدم إلى الوجود.
المصور﴾ أى: المصور للأشياء والمركب لها ، على هيئات مختلفة ، وأنواع شتى من
التصوير ، وهو التخطيط والتشكيل ..
له الأسماء الحسنى ﴾ والحسنى تأنيث الأحسن. أى: له الأسماء التى هى أحسن
الأسماء لدلالتها على أفضل المعانى . من تحميد . وتقديس . وقدرة . وسمع .. وغير ذلك من
الأسماء الكريمة ، والصفات الجليلة .
﴿ يسبح له﴾ - تعالى - وينزهه عن كل سوء ﴿ما فى السموات والأرض﴾ من
مخلوقات ..
وهو العزيز الحكيم ﴾ أى: وهو - عز وجل - الغالب لغيره . الحكيم فى كل
تصرفاته .
قال الإِمام ابن كثير: وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله - صل﴿ه - قال: ((إن
لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - من أحصاها دخل الجنة ، وهو وتر يحب الوتر ..
ثم ذكر - رحمه الله - هذه الأسماء نقلا عن سنن الترمذى فقال: هو الله الذى لا إله إلا
هو ، الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ،
المتكبر ، الخالق ، البارىء ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ،
القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ،
اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور، الشكور، العلى ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ،
الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ،
الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوى ، المتين ، الولى ، الحميد ، المحصى ، المبدى ،
المعيد ، المحيى ، المميت ، الحى ، القيوم ، الواحد ، الماجد ، الواجد ، الصمد ، القادر ،

٣١٤
المجلد الرابع عشر
المقتدر ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالى ، المتعالى ، البر ، التواب ،
المنتقم ، العفو ، الرءوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغنى ،
المغنى ، المانع ، الضار، النافع ، النور، الهادى ، البديع ، الباقى ، الوارث ، الرشيد
الصبور .
ثم قال الإِمام ابن كثير : وسياق ابن ماجه - لهذا الحديث - بزيادة ونقصان ، وتقديم
وتأخير .. والذى عول عليه جماعة من الحفاظ ، أن سرد الأسماء فى هذا الحديث مدرج فيه -
أى : ذكر الراوى فى الحديث كلاما لنفسه أو لغيره من غير فصل بين ألفاظ الحديث وألفاظ
الراوى - وأن أهل العلم جمعوا هذه الأسماء من القرآن الكريم .
ثم ليعلم أن الاسماء الحسنى ليست منحصرة فى التسعة والتسعين ، بدليل ما رواه الإِمام
أحمد عن ابن مسعود، عن رسول الله - وَ﴾ - أنه قال: (( ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن
فقال : اللهم إنى عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فى حكمك ، عدل
فى قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو أعلمته أحدا من خلقك ، أو
أنزلته فى كتابك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبى ، ونور صدرى . وجلاء حزنى ، وذهاب همى ،
إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا )).
فقيل يارسول الله، أفلا نتعلمها ؟ فقال: ((بلى ، ينبغى لكل من سمعها أن يتعلمها))
وذكر أبو بكر بن العربى أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة ألف اسم الله - تعالى -(١).
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الحشر)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا
لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مساء الخميس ٢٢ من شعبان ١٤٠٦ هـ
كتبه الراجي عفو ربه
د. محمد سيد طنطاوى
١٩٨٦/٥/١ م
( ١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥١٥ وجـ ٨ ص ١٠٦.

تفسير
سُوْدَّة المُتَنَّةُ

٣١٧
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الممتحنة)) هى السورة الستون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول
فكان بعد سورة الأحزاب ، وقبل سورة النساء ، وهى من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها
ثلاث عشرة آية .
واشتهرت بهذا الاسم منذ العهد النبوى ، إلا أن منهم من يقرؤها بفتح الحاء ، على أنها
صفة للمرأة التى نزلت فيها ، ومنهم من يقرؤها بكسر الحاء على أنها صفة للسورة .
قال القرطبى : الممتحنة - بكسر الحاء - أى : المختبرة ، أضيف الفعل إليها محازا ، كما
سميت سورة براءة بالفاضحة ، لما كشفت من رذائل المنافقين ، ومن قال فى هذه السورة
الممتحنة - بفتح الحاء - فإنه أضافها إلى المرأة التى نزلت فيها . وهى أم كتلوم بنت عقبة بن
أبي معيط . قال الله - تعالى -: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن) وهى امرأة
عبد الرحمن بن عوف ، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن(١) .
وقال صاحب الإِتقان: وتسمى ((سورة الامتحان)) و((سورة المودة)).
٢ - وقد افتتحت هذه السورة بتوجيه نداء إلى المؤمنين ، نهتهم فيه عن اتخاذ أعداء الله
وأعدائهم أولياء ، وبينت لهم ما جبل عليه هؤلاء الأعداء من كراهية للحق ، كما بينت لهم سوء
عاقبة من يوالى هؤلاء الأعداء .
قال - تعالى - ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم
بالمودة ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ، إن
كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى . وابتغاء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة ، وأنا أعلم بما أخفيتم وما
أعلنتم ، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل
٣ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى دعوتهم إلى الاقتداء بأبيهم إبراهيم - عليه السلام -
الذى قطع صلته بأقرب الناس إليه ، عندما رآه مصرا على كفره ، وأعلن أنه عدو لكل من
أشرك مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة أخرى .
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٤٩.

٣١٨
المجلد الرابع عشر
قال - تعالى -: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه ، إذ قالوا لقومهم
إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا
حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ، لأستغفرن لك، وما أملك لك من اللّه من
شىء ، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ، وإليك المصير ﴾ .
٤ - ثم بشر - سبحانه - المؤمنين ، بأنه - بفضله وكرمه - سيجمع شملهم بأقاربهم
الذين تشددوا فى عداوتهم ، بأن يهدى هؤلاء الأقارب إلى الحق ، فيتصل حبل المودة بينهم
جميعا، ببركة اجتماعهم تحت كلمة الإِسلام ، فقال - تعالى -: ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم
وبين الذين عاديتم منهم مودة ، والله قدير ، والله غفور رحيم ﴾.
٥ - وبعد أن رخص للمؤمنين فى مودة الكفار الذين لم يقاتلوهم ولم يلحقوا بهم أذى ..
ونهاهم عن مودة الكفار الذين قاتلوهم وآذوهم .. بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء ثانيا
إلى المؤمنين بين لهم حكم النساء اللائى أتين مؤمنات إليهم ، بعد أن تركن أزواجهن الكفار ،
وفصل - سبحانه - هذه الأحكام حرصا على النساء المؤمنات .
فقال - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، اللّه
أعلم بإيمانهن ، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ، لا هن حل لهم ، ولا هم
يحلون لهن ﴾ .
٦ - ثم أمر - سبحانه - نبيه - 18 - أن يبايع النساء المؤمنات على ما بايع عليه
الرجال ، وأن يأخذ عليهن العهود على الطاعة لله - تعالى - والبعد عن محارمه .
قال تعالى -: ﴿ يأيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا،
ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ،
ولا يعصينك فى معروف ، فبايعهن واستغفر لهن اللّه، إن الله غفور رحيم ﴾.
٧ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتوجيه نداء ثالث إلى المؤمنين نهاهم فيه مرة
أخرى عن موالاة أعداء الله وأعدائهم .. فقال - سبحانه -: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتولوا
قوما غضب الله عليهم، قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾.
٨ - هذا والمتأمل فى هذه السورة الكريمة ، يراها قد ساقت للمؤمنين ألوانا من التربية التى
تغرس العقيدة السليمة فى قلوبهم ، وتجعلهم يضحون من أجلها بكل شىء ، ويقدمونها فى
تصرفاتهم على محبة الآباء والأبناء والعشيرة والأموال ، وتكشف لهم عن سوء نيات الكافرين
نحوهم ، وعن حرصهم على إنزال الضرر بهم ، كما ضربت لهم الأمثال بإبراهيم - عليه
السلام - لكى يقتدوا به فى قوة إيمانه ، وفى إخلاصه لدينه ، كما بينت لهم من يجوز لهم مودتهم

٣١٩
مقدمة
من الكافرين ، ومن لا يجوز لهم ذلك منهم .. ثم ختمت ببيان بعض الأحكام التى تتعلق
بالنساء المؤمنات المتزوجات من الكافرين، وبالنساء اللائى جئن إلى الرسول - وصله - لكى
يبايعنه على الإِيمان والطاعة .
وسنفصل القول فى هذه الأحكام خلال تفسيرنا لهذه السورة الكريمة ، .
نسأل الله - تعالى - أن يلهمنا الرشد ، وأن يجنبنا الزلل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
القاهرة - مدينة نصر
٣ من شعبان سنة ١٤٠٦ هـ
د . محمد سيد طنطاوى
١٩٨٦/٥/٢ م

٣٢٠
المجلد الرابع عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُ واْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ
إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْكَفَرُ واْ بِمَا جَاءَ كُمْ مِنَ الْحَقِّ ◌ُخْرِجُونَ الرُّسُولَ
وَإِيَّاكُمْأَنْ تُؤْمِنُواْ بِلَّهِ رَّكُمْ إِنَ كُمُ خَرَحْتُمْ جِهَدَا فِى سَبِيلِي
وَأَبْغَآَ مَنْ ضَائِّ تُسِرُونَ إِلَيْهِمْ بِلْمَوَدَّةِ وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ
وَمَا أَعْلَنُ وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ إِن
يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْلَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْإِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُمِ
بِالسُّوءِ وَوَدُّواْلَوْتَكْفُرُونَ لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَا مُّكُرُ ولَا أَوْلَكُ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيدٌ)
افتتحت سورة ((الممتحنة)) بهذا النداء للمؤمنين ، وقد تضمن هذا النداء نهيهم عن موالاة
أعداء الله وأعدائهم .
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما ذكره الإِمام الآلوسى
فقال : نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة .. فقد أخرج الإِمام أحمد ، والبخارى ، ومسلم ، وأبو
داود ، والترمذى ، والنسائى ، وابن حبان ، وجماعة عن على بن أبى طالب - رضى الله
عنه - قال: بعثنى رسول الله - والله - أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة
خاخ - وهو مكان بين مكة والمدينة - فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها فأتونى به
فخرجنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها : أخرجى الكتاب . فقالت : ما معى