Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((المجادلة)) - بفتح الدال وكسرها والثانى أظهر ، لأن افتتاح السورة فى المرأة التى جادلت النبى - وَلّ - فى شأن زوجها - . وهذه السورة : هى السورة الثامنة والخمسون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فكان بعد سورة ((المنافقون))، وقبل سورة ((التحريم)). وعدد آياتها ثنتان وعشرون آية فى المصحف الكوفى والبصرى والشامى ، وإحدى وعشرون آية فى المصحف المكى والمدنى . ٢ - وهى من السور المدنية الخالصة . ومن قال بأن فيها آيات مكية ، لم يأت بدليل يعتمد عليه فى ذلك . قال القرطبى: ((هذه السورة مدنية فى قول الجميع ، إلا رواية عن عطاء : أن العشر الأول منها مدنى ، وباقيها مكى . وقال الكلبى : نزل جميعها بالمدينة . غير قوله - تعالى - : ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ نزلت بمكة)(١). ٣ - وقد افتتحت سورة ((المجادلة)) بالحديث عن المرأة التى جادلت النبى - وَلجه - فى شأن زوجها ، وقد أصدر - سبحانه - حكمه العادل فى مسألتها ، مبينا حكم الظهار فقال - تعالى - : ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، ذلكم توعظون به ، والله بما تعملون خبير ، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتلك حدود اللّه، وللكافرين عذاب أليم ) . ٤ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن الذين يحادون الله ورسوله فبينت سوء عاقبتهم ، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فهو - سبحانه - ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو (١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٦٩. ٢٤٢ المجلد الرابع عشر معهم أين ما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ، إن اللّه بكل شىء عليم ﴾ ٥ - ثم وجه - سبحانه - ثلاثة نداءات إلى المؤمنين ، أمرهم فى أول نداء بأن يتناجوا بالبر والتقوى .. وأمرهم فى النداء الثانى أن يفسح بعضهم لبعض فى المجالس .. وأمرهم فى النداء الثالث إذا ما ناجوا الرسول - وَ﴿ - أن يقدموا بين يدى نجواهم صدقة . قال - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ، فقدموا بين يدى نجواكم صدقة ، ذلك خير لكم وأطهر ، فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ﴾. ٦ - وبعد أن عجبت السورة الكريمة من أحوال المنافقين ، وبينت سوء عاقبتهم ، وكيف أن الشيطان قد استحوذ عليهم ، فأنساهم ذكر الله . بعد كل ذلك ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين وببيان صفاتهم الكريمة ، فقال - عز وجل - ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ، يوادون من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، أولئك كتب فى قلوبهم الإِيمان ، وأيدهم بروح منه ، ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضى الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون ٧ - هذا ، والمتأمل فى سورة المجادلة ، يراها قد بينت حكم الظهار ، وأبطلت ما كان شائعا من أن الرجل إذا ظاهر من زوجته لا تحل له .. وساقت جانبا من فضل الله - تعالى - على عباده ، حيث أجاب دعاء امرأة قد اشتكت إليه ، وقضى فى مساءلتها قبل أن تقوم من مكانها، وهى بجانب النبى - وَل * - تجادله فى شأن زوجها. كما يراها قد كشفت القناع عن المنافقين ، وفضحتهم على أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الذميمة ، وموالاتهم لأعداء الله ورسوله . كما يراها قد ساقت ألوانا متعددة من الآداب التى يجب على المؤمنين أن يتحلوا بها ، وبشرتهم برضا الله - تعالى - عنهم ، متى أخلصوا له - سبحانه - العبادة والطاعة . والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . د . محمد سيد طنطاوى الدوحة - قطر صباح الأحد : ٢٧ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ ٦/ ٤ / ١٩٨٦ م .... ٢٤٣ سورة المجادلة التفسير قال الله - تعالى - : مِاللهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمَةِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاُرَّكُمَ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُمْ مِّن ذِسَاءِهِمِ مَاهُنَّ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّ الَّتِى وَلَدْ نَهُمَّ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَ إِنَّ اللهُلَعَفُوُ غَفُورٌ ، وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَنَمَآسَأْ ذَ لِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَفِرِ ينَ عَذَابٌ أَلِيُ ٤ ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت: فيَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة . قالت : كنت عنده ، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه ، قالت : فدخل على يوما فراجعته بشىء فغضب ، فقال : أنت على كظهر أمى . ذ ٢٤٤ المجلد الرابع عشر قالت : ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة ، ثم رجع ، فإذا هو يريدنى عن نفسى ، فقالت له : كلا والذى نفس خولة بيده لا تخلص إلىَّ، وقلت ما قلت ، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه .. قالت : فواثبنى ، فامتنعت عنه ، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى . ثم خرجت إلى بعض جاراتى ، فاستعرت منها ثيابا ، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - وَج1 - فجلست بين يديه، فذكرت له - هو - ما لقيت من زوجى، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه . قالت: فجعل رسول الله - 18 - يقول: (( يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير فاتقى الله فيه)) . قالت: فو الله ما برحت حتى نزل فىّ قرآن، فتغشى رسول الله - * - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لى: (( يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا)». ثم قرأ على هذه الآيات . وفى رواية: أنها أتت النبى - وَّل ◌َه - فقالت له: يا رسول الله، إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى ، فلما خلا سنى ، ونثرت بطنى ، جعلنى عليه كأمه ، وتركنى إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول اللّه فحدثنى بها . فقال - ٤ -: ((ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن)) وفى رواية أنه قال لها: ((ما أراك إلا قد حرمت عليه)). فقالت: يا رسول الله، إنه ما ذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبى - وَلر - ثم قالت : اللهم إنى أشكو إليك فافتى ، وشدة حالى ، وإن لى من زوجى أولاداً صغاراً ، إن ضمَّهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلى جاعوا . قالت: وما برحت حتى نزل القرآن، فقال - وَال ول -: ((يا خولة أبشرى)) ثم قرأ على هذه الآيات(١). و ((قد)» فى قوله - تعالى -: ﴿قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى اللّه﴾ للتحقيق ولتوقع الإجابة من الله - تعالى - على ما جادلت فيه تلك المرأة النبى . - 戀 - قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت ما معنى ((قد)) فى قوله : ﴿ قد سمع .. ﴾ ؟ (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣١٨، وتفسير ابن جرير جـ ٢٨ ص ٢. - ٢٤٥ سورة المجادلة قلت: ((معناه التوقع، لأن رسول الله - وَ له - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها ، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها))(١). والسماع فى قوله - تعالى -: ﴿سمع﴾ بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة، وبين الرسول - وَليه - واستجابته - سبحانه - لشكواها، وحكمه فى تلك المسألة، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية . وقوله: ﴿ تجادلك ﴾ من المجادلة، وهى المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة، وأصلها من جدلت الحبل : إذا أحكمت فتله . وقوله: ﴿ تشتكى﴾ من الشكو، وأصله فتح الشّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها ، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإِنسان لما يؤلمه ويؤذيه ، وطلب إزالته . والمعنى : قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما ، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها ، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار ، وسمع - سبحانه - شكواها إليه ، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها ، وتفريج كربتها ، وإزالة ما نزل بها من مكروه . وقال - سبحانه - ﴿ التى تجادلك ﴾ بأسلوب الاسم الموصول للإِشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى ، وفى أقصى درجات التوكل على ربها ، والأمل فى تفريج كربتها ، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها . وقوله - سبحانه -: ﴿ والله يسمع تحاوركما﴾ جملة حالية ، والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين . يقال : حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله . أى : والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة ، من مراجعة فى الكلام ، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها . والمقصود بذلك ، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور ، والتنويه بأهميته ، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية . وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع ، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور ، واستحضار صورته فى ذهن السامع ، ليزداد عظة واعتبارا . وجملة : ﴿ إن الله سميع بصير﴾ تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق. ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٠ . ٢٤٦ المجلد الرابع عشر أى : أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات ، ويبصر كل المبصرات ، على أتم وجه وأكمله ، ومن مقتضيات ذلك ، أن يسمع تحاوركما ، ويبصر ما دار بينكما . قال القرطبى: ((أخرج ابن ماجه أن عائشة - رضى الله عنها - قالت: )) تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى على بعضه ، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - 19 - وهى تقول: يا رسول الله !! أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبر سنى .. ظاهر منى !! اللهم إنى أشكو إليك . وفى البخارى عن عائشة قالت : الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - بصل - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى -: ﴿ قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها﴾(١). ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته ، وفى بيان حكمه المترتب عليه شرعا فقال : ﴿ الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم ﴾ . وقوله : ﴿ يظاهرون﴾ من الظهار، وهو لغة مصدر ظاهر ، وهو مفاعلة من الظهر. قال الآلوسى : والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض ، فيقال : ظاهر زيد عمراً، أى : قابل ظهره بظهره حقيقة ، وكذا إذا غايظه .. وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال : قوى ظهره إذا نصره))(٢). والمراد به هنا : أن يقول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه . وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدى إلى طلاقها منه ، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، وقيل: إلى طلاقها منه طلاقاً مؤبدا لا تحل له بعده . وقيل : إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه ، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة ، فلا هى مطلقة ، ولا هى غير مطلقة . و ((من)) فى قوله ﴿ من نسائهم﴾ بيانية، لإفادة أن هذا تشريع عام ، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة ، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات . وجملة : ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ قائمة مقام الخبر ، ودالة عليه . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٧٠ . ( ٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٤. . ٢٤٧ سورة المجادلة والمعنى : الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن : أنتن علينا كظهر أمهاتنا ، مخطئون فيما يقولون ، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم . إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم ﴾ أى: ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللاتى ولدنهم وأرضعنهم ، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب . ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزوراً ﴾. أى : وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم : أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة ، ليتفوهون بما هو منكر من القول ، فى حكم الشرع وفى حكم العقل ، وفى حكم الطبع . وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها ، كما حرم عليه أمه . فعلاقة الأزواج بأمهاتهم ، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم . وإذاً فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التوبيخ على هذا القول ، وهو قول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، وذم من ينطق به ، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام والتبجيل - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام . وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب ، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله ، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى - . فقال: ﴿وإن الله لعفو غفور﴾ أى: وإن الله - تعالى - لكثير العفو والمغفرة، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه - . ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار ، بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا ، فقال - تعالى - : ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ، ثم يعودون لما قالوا ، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ . وقد اختلف العلماء فى معنى قوله - تعالى -: ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾. فمنهم من يرى أن المراد منه ، ثم يرجعون عما قالوا ، قاصدين معاشرة زوجاتهم .. أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار . ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : العودة إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية ، بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الإِسلام، فيكون المعنى : ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار، التى يبغضها الله - تعالى - . وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة : جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو ﴿ يظاهرون﴾، بمعنى الماضى المنقطع، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإِسلام ، كان ٠٠٠ ٢٤٨ المجلد الرابع عشر قد ظاهر فى الجاهلية، مع أن هذا ليس بلازم. إذ لم يثبت أن ((أوس بن الصامت)» كان قد ظاهر من زوجته فى الجاهلية ، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الإِسلام . ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : تكرار لفظ الظهار ، فمعنى ثم يعودون لما قالوا : ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى . وكان أصحاب هذا القول يرون ، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار ، وهو قول لا يؤيده دليل ، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة، بل الثابت أنه عندما قال لها: أنت على كظهر أمى، ذهبت إلى الرسول - القيم - وقصت عليه ما جرى بينها وبين زوجها . وقد رجح الإِمام ابن جرير الرأى الأول فقال : والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : معنى اللام فى قوله: ﴿ لما قالوا﴾ بمعنى إلى أو فى ، لأن معنى الكلام : ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه ، وإن قيل : ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا ، أو فى تحليل ما حرموا فصواب ، لأن كل ذلك عود له ، فتأويل الكلام : ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم(١) . والمعنى : والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم ، ثم يندمون على ما فعلوا ، ويريدون أن يعودوا عما قالوه ، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم . فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ أى: من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر ، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير . والمراد بالرقبة : المملوك ، من تسمية الكل باسم الجزء . واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ﴿ ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير ﴾ يعود إلى الحكم بالكفارة . أى : ذلكم الذى شرعنا لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به ، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار ، والله - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال ، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا . وما دام الأمر كذلك ، فافعلوا ما أمركم به ، واجتنبوا ما نهاكم عنه . - ( ١ ) تفسير ابن جرير جـ ٢٨ ص ٨ . ٢٤٩ سورة المجادلة ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال : ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ﴾ . أى ، فمن لم يحد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها ، أو يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها .. فعليه فى هذه الحالة ، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر . ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ﴾ أى : فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا ، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة . واسم الإشارة فى قوله: ﴿ ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ إشارة إلى ما سبق الحديث عنه ، من تشريع يتعلق بالظهار . ومحله إما الرفع على الابتداء ، أو النصب بمضمر معلل بما بعده . أى: ذلك واقع ، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله، وعملكم بشريعة الإِسلام، وتنفيذكم للتكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها . وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾ أى: وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها ، فالزموها وقفوا عندها ، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها ، عذاب شديد الألم على من ينزل به . هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : ١ - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق ، وعن قلب عامر باليقين .. أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه - . والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة ، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - بالدعاء ، أن يكشف كربها ، وأن يحل قضيتها .. أجاب - سبحانه - دعاءها ، وأنزل قرآنا يتلى ، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار . ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسوله الله - والله - وأنا فى ناحية البيت. ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ قد سمع اللّه قول التى تجادلك فى زوجها ... ﴾ الآيات. وقال القرطبى: ((المرأة التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة .. وقد مر بها عمر بن الخطاب فی خلافته ، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عمیرا ، ثم قيل لك يا عمر ، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين ، فاتق الله يا عمر ، فإن من أيقن بالموت خاف ٢٥٠ المجلد الرابع عشر الفوت ، ومن أيقن الحساب خاف العذاب . فقيل له : يا أمير المؤمنين ، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال: والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا الصلاة المكتوبة . أتدرون من هذه ؟ إنها خولة بنت ثعلبة ، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات ، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر)) (١) . ٢ - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: ﴿ الذين يظاهرون منكم من نسائهم .. ﴾ أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء .. لأن الحل والعقد ، والتحليل والتحريم فى النكاح ، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة . ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين ، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها . كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية ، أن الظهار خاص بالمسلمين ، لأنهم هم المخاطبون ، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة . وقال الشافعية : كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه ، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه .. كذلك أخذ العلماء من هذه الآية : صحة ظهار العبد من زوجته ، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة، وإذا تعذر عليه العتق والإِطعام . فإنه قادر على الصوم . ٣ - يؤخذ من قوله - تعالى -: ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ أن الظهار حرام ، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول ، وبأنه زور . والفعل الذى يوصف بهذا الوصف، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه . ٤ - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت كافرة ، لأن الله - تعالى - يقول: ﴿ فتحرير رقبة﴾ ولو كان الإيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل . فوجب أن يطلق ما أطلقه ، وأن يقيد ما قيده ، ويعمل بكل منهما فى موضعه . ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإِيمان فى الرقبة ، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه ، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤمنة فى بعض الآيات ، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك . ٥ - دل قوله - تعالى - ﴿ من قبل أن يتماسا﴾ على حرمة الجماع قبل التكفير . وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه ، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها ، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم . (١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٦٩. ٢٥١ سورة المجادلة ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط ، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح ، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه ، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه . قال القرطبى : ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يُكَفِّر ، خلافا للشافعى فى أحد قوليه .. فإن وطئها قبل أن يكفر ، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة . وقال مجاهد وغيره : عليه كفارتان(١). ٦ - قوله - تعالى -: ﴿ فصيام شهرين متتابعين .. ﴾ صريح فى وجوب تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام ، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع التتابع ، ولزمه استئناف الصوم من جديد . أما الإِفطار بعذر - كمرض ونحوه - فيرى بعضهم وجوب الاستئناف ، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية . ويرى فريق آخر من العلماء ، أن الإفطار بعذر لا يمنع التتابع . ٧ - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ﴾ أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم فى الغداء والعشاء ، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة ، فأيهما وقع من المكفر أجزأه ، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين . وأوجب الشافعية تمليك المساكين .. بأن يملك لكل مسكين مُدًّا أو صاعا من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة . أما حكم من عجز عن الكفارة ، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه ، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها ، كسائر الديون والحقوق ، فإنها لا تسقط ، وإنما تبقى فى ذمة من عليه ، حتى يتمكن من أدائها . قال القرطبى: ((وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة ، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة ، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام))(٢) .. (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٧٨ . ( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٨٥ . ٢٥٢ المجلد الرابع عشر هذا ، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية ، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير(١) . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله ، ولا يدركون أنه - سبحانه - معهم أينما كانوا، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان ومعصية للرسول - * - فقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكُبِتُواْ كَمَاكُنْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتِ بَتِنَتٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيْنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ شَهِيدُ (@) أَلَمَّرَأَنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّهُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَ سَادِ سُهُمْ وَلَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ تُمَ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ أَلَ قَرَإِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ التَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوَأُعَنْهُ وَيَتَنَجُوْنَ بِآلْإِثْمِـ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُ ولَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَوْتُحيِّكَ ج ◌ِهِ اللّهُ وَيَقُولُونَ فِ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّ بُنَا اللَّهُ بِمَانَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٨ وقوله - سبحانه -: ﴿يحادون﴾ من المحادة بمعنى المعاداة والمباغضة، وأصلها أن تكون أنت فى حد - أى : فى جانب - وعدوك فى حد آخر ، فكنى بها عن المعاداة لأنها لا زمة لها . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٣ وما بعدها . ٢٥٣ سورة المجادلة وقوله: ﴿ كبتوا﴾ من الكبت بمعنى الخزى والذل، يقال: كبت اللّه العدو كبتاً - من باب ضرب - إذا أهانه وأذله وأخزاه . قال الجمل : والذين يحادون اللّه هم الكافرون ، وهذه الآية وردت فى غزوة الأحزاب. والمقصود منها البشارة لرسول الله - وَالله - والمؤمنين ، بأن أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم ، سيصيبهم الكبت والذل ، وسيتفرق جمعهم .. (١) . والمعنى : إن الذين يحاربون دين الإِسلام الذى شرعه الله - تعالى - . وجاء به رسوله - وَل - ﴿كبتوا﴾ وأصابهم الخزى والذل ﴿ كما كبت الذين من قبلهم﴾ من أعداء الحق . وأوثر هنا الفعل ﴿ يحادون﴾ لوقوعه عقب الكلام عن حدود الله - تعالى - فى قوله - عز وجل - وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم . وقوله - تعالى -: ﴿ كبتوا﴾ بمعنى سيكبتون، وعبر عن ذلك بالماضى، للإشعار بتحقق الذل والخسران ، لأولئك المتحزيين الذين جمعوا جموعهم لمحاربة الله ورسوله . وقد حقق الله - تعالى - وعده ، إذ ردهم بغيظهم دون أن ينالوا خيرا . وجملة: ﴿وقد أنزلنا آيات بينات ... ﴾ حال من الضمير فى ﴿ كبتوا .. ﴾ أى: كبتوا المجادلتهم للحق، والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات، تدل على صدق الرسول - صل19 - فيما جاء به من عند ربه ، وتشهد بأن أعداءه على الباطل والضلال . وللكافرين﴾ الذين أعرضوا عن دعوة الرسول - * - وحلربوها ﴿ عذاب مهين ﴾ أى عذاب يهينهم وبذلهم ويخزبهم . وقوله - تعالى -: ﴿ يومٍ يبعثهم الله جميعاً﴾ يصح أن يكون متعلقاً بقوله: ﴿مهين﴾ كما يصح أن يكون منصوباً بفعل مقدر . أى : اذكر - أيها العاقل - لتتعظ وتعتبر ، يوم يبعث الله - تعالى - هؤلاء الكافرين جميعا من قبورهم ، فينبثهم ويخبرهم بما عملوا من أعمال سيئة . والمراد بالإِنباء فى قوله: ﴿ فينبئهم بما عملوا﴾ المجازاة والمحاسبة وإنزال حكمه بهم. وجملة : ﴿ أحصاه الله﴾ مستأنفة، لأنها بمنزلة الجواب عما قبلها، فكأن سائلا سأل وقال : كيف ينبئهم اللّه بأعمالهم ؟ فكان الجواب : أحصى الله - تعالى - عليهم عملهم ، وسجله عليهم تسجيلا تاما . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٠١ . : ٢٥٤ المجلد الرابع عشر وجملة ﴿ونسوه﴾ حال من مفعول ﴿ أحصى﴾ أى: والحال أنهم قد نسوا ما عملوه ، لتهاونهم به حين اقترفوه ، ولاعتقادهم بأنهم لن يسألوا عنه يوم القيامة ، فهم قد أنكروا البعث والحساب والثواب والعقاب . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ واللّه على كل شىء شهيد﴾ أى: والله - تعالى - مشاهد لكل شىء فى هذا الكون ، ولا تخفى عليه خافية من أحوال خلقه . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ، ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحدا﴾(١) . ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال: ﴿ ألم تر أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ﴾ . والاستفهام فى قوله: ﴿ ألم تر .. ﴾ للتقرير، والرؤية بمعنى العلم والإِدراك القلبى .. والخطاب لكل من هو أهل له . والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة ، يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة ، أى : ساررته بكلام على انفراد . وأصله : ان تخلو بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من الأرض ، أى : فى مكان مرتفع منفصل عما حوله . وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإِسرار بالشىء فيه معاونة على النجاة . وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما فى الآية التى معنا . قال الآلوسي: وقوله - تعالى -: ﴿ مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ﴾ استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه - تعالى -، و((يكون)) من كان التامة. و ((من)) مزيدة و ((نجوى)) فاعل، وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر إلى فاعله .. والاستثناء فى قوله ﴿إلا هو رابعهم﴾ مفرغ من أهم الأحوال ... (٢) . والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك أو تردد ، أن الله - تعالى - يعلم علما تاما ، ما فى السموات وما فى الأرض من كائنات مختلفة الأجناس والأنواع .. وأنه - سبحانه - ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو تعالى - يعلمه ، كأنه حاضر معهم ، ومشاهد لهم ، كما يعلمه الرابع حين يكون معهم فى التناجى . ولا خمسة إلا هو سادسهم ﴾ أى: ولا يكون التناجى بين خمسة إلا وهو - سبحانه - معهم ، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان التناجى بين ستة . (١) سورة الكهف الآية ٤٩ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٢٣ . ٢٥٥ سورة المجادلة وقوله - تعالى - ﴿ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ﴾ بيان لشمول علمه لجميع الأحداث . أى : ولا يقع التناجى بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر - كالاثنين والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما تاما ما يجرى بينهم فى أى مكان كانوا ، وعلى أية حالة وجدوا . ﴿ ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ﴾ أى: ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة بما عملوه فى الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة ، ويجازهم عليها بما يستحقونه من ثواب أو عقاب . إن الله بكل شىء عليم﴾ فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء . والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم ، المشاهد لهم ، الذى لا يعزب عنه شىء من حركاتهم أو سكناتهم ، ولذا افتتح - سبحانه - الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم - أيضا - . قال الإِمام الرازى ما ملخصه : ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه : أحدها : أن هذه إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان فى التناجى والمشاورة بقى الواحد ضائعا وحيداً ، فيضيق قلبه فيقول الله - تعالى - له : أنا جليسك وأنيسك . وثانيها : أن العدد الفرد أشرف من الزوج ، لأن الله وتر يحب الوتر ، فخص الأعداد . الفردية بالذكر للتنبيه على شرفها . وثالثها : أن الآية نزلت فى قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجى مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : أى كانوا فى مرة ثلاثة وفى مرة أخرى خمسة - فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع (١). ويبدو لنا أن ذكر العدد إنما هو من باب التمثيل ، وأن المقصود الأصلى من الآية الكريمة ، بيان أن علم الله - تعالى - يشمل كل كبير وصغير ، وكثير وقليل ، ولذا قال - سبحانه - : ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ﴾ . قال القرطبى : قال الفراء : المعنى غير مقصود ، والعدد غير مقصود ، لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سراً وجهراً ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد ، دون بعض .. (٢) . (١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٢٨ ص ٢٢٦ . ( ٢) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٩٠ . ٢٥٦ المجلد الرابع عشر ثم عجَّب الله - تعالى - نبيه - وَل - من حال قوم يؤثرون الغى على الرشد ، ويُنصحون فلا يستجيبون للنصيحة ، ويُنهون عن الشرور فيأبون إلا الانغماس فيها ، فقال - تعالى -: ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه، ويتناجون بالإِثم ﴾ . والعدوان ومعصية الرسول قال الآلوسى : قال ابن عباس: نزلت فى اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون دون المؤمنين ، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم ، يوهمونهم عند أقاربهم أنهم أصابهم شر ، فلما كثر ذلك منهم. شكا المؤمنون إلى الرسول - 18 - فنهاهم عن التناجى دون المؤمنين ، فعادوا لمثل فعلهم . والخطاب للرسول - وَير - والهمزة للتعجب من حالهم، وصيغة المضارع للدلالة على تكرار فعلهم ، وتجدده ، واستحضار صورته الغريبة (١). والمعنى : إن شئت أن تعجب - أيها الرسول الكريم - فاعجب من حال هؤلاء اليهود والمنافقين الذين نهيتهم أنت عن التناجى فيما بينهم ، بما يقلق المؤمنين ويغيظهم .. ولكنهم لم يستجيبوا لنصحك ونهيك ، بل استمروا على تناجيهم بما هو إثم وعدوان ومعصية لك ، ولما جئتهم به من عند الله - تعالى - . وعبر بقوله - تعالى -: ﴿ ثم يعودون لما نهوا عنه ﴾ للإشعار بأنهم قوم لا تؤثر فيهم النصائح وإنما هم يستمعون إليها ، ثم يهجرون العمل بها . ويعودون إلى فجورهم وفسقهم . ووصف تناجيهم بأنه كان مشتملا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول، لا على الإِثم فقط أو على العدوان فقط .. لبيان أن تناجيهم مشتمل على كل أنواع السوء والفحشاء ، فهم يتناجون بكلام هو إثم وشر فى ذاته ، وبأقوال مشتملة على ظلم المؤمنين والاعتداء على دينهم وعلى أعراضهم، وبأفعال هى معصية للرسول - وَل﴿ - ، لأنهم لم يستجيبوا لنهيه إياهم عن المناجاة بما يؤذى المؤمنين ويحزنهم .. بل استمروا فى طغيانهم يعمهون . والباء فى قوله: ﴿ بالإِثم ﴾ للملابسة ، أى يتناجون متلبسين بالإِثم وبالعدوان وبمعصية الرسول - ◌َ﴾ - . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم من اليهود ، لم يكتفوا بتلك المناجاة القبيحة التى كانوا يديرونها فيما بينهم ، لإِغاظة المؤمنين ، بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام الرسول - * - بالكلام السيئ وبالعبارات التى تدل على سوء طويتهم ، فقال - تعالى - : (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٢٥ . ٢٥٧ سورة المجادلة وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله أى : وإذا جاء هؤلاء المنافقون واليهود إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم - ألقوا إليك بتحية ، هذه التحية لم يأذن بها الله - تعالى - ولم يخاطبك بها . وقد كان المنافقون عندما يدخلون على الرسول - 18 - لا يقولون له كلمة: ((السلام عليكم )) - وهى تحية الإِسلام ، إنما يقولون له : أنعم صباحا أو مساء .. متجنبين النطق بتحية الإِسلام ، ومستعملين تحية الجاهلية . روى الشيخان عن عائشة: أن ناسا من اليهود، دخلوا على رسول الله - وَلية - فقالوا: السام - أى: الموت - عليك يا أبا القاسم. فقال - رَالجز - ((وعليكم)). قالت عائشة : وقلت : عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم . فقال - اَلر - يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش. فقلت: ألا تسمعهم يقولون: السام؟ فقال - رَ - ((أو سمعت قولى: عليكم)) فأنزل الله - تعالى - ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾(١). ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال: ﴿ ويقولون فى أنفسهم لولا يعذبنا اللّه بما نقول ﴾. والمراد بأنفسهم هنا : أى فيما بينهم وفى مجامعهم ، أو فيما بينهم وبين أنفسهم . أى: إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم فى الضلال ، نطقوا أمامك بتحية لم يحيك بها الله - تعالى - ولا يكتفون بذلك، بل يقولون فيما بينهم على سبيل التباهى والجحود للحق ﴿ لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ أى: هلا يعذبنا الله بسبب ما قلناه لو كان محمدا - والخير - رسولا من عنده - تعالى - أى: أنهم ينكرون نبوته - * - لأنها - فى زعمهم لو كانت حقا ، لعذبهم الله - تعالى - بسبب إساءتهم إليه، وإعراضهم عن نهيه لهم . وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يكبتهم، وبما يسلى نبيه - ◌َطير - فقال: ﴿ حسبهم ﴾ . جهنم يصلونها فبئس المصير أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لمسالك هؤلاء المنافقين معك ومع أصحابك ، فإن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم ، كافيهم من العذاب جهنم يصلونها ويقاسون حرها ، فبئس المصير جهنم لو كانوا يعلمون . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٢٦. ٢٥٨ المجلد الرابع عشر وبعد أن فضح الله - تعالى - المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال ، وبين سوء عاقبتهم بسبب مسالكهم الخبيثة .. بعد كل ذلك وجه الله - تعالى - ثلاث نداءات إلى . المؤمنين ، أدبهم فيها بأدبه السامى .. فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَتَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْبِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْأ بِأَلِّوَالنَّقْوَىِّ وَأَتَّقُواْ اللّهُ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُ خْشَرُونَ ) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ اَلْمُؤْمِنُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَاقِيلَ لَكُمْ نَفَسَحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُوا يَفْسَح اَللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ آَنْشُرُ واْ فَانشُزُ واْيَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْوَ دَرَحَتَّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّ مُواْبَيْنَ يَدَىْ نَجْوَدَكُمْ صَدَقَّةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرٌ فَإِنْ لَّمْ تَجِدُ واْفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ﴿، أَشْفَقْتُ أَن تُقَدِّمُوْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْصَدَقٍَ، فَإِذْلَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْاللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٣ فقوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ﴾ تعليم وإرشاد منه - سبحانه - . للمؤمنين ، لكى يكون حديثهم فيما بينهم ، يقوم على الخير لا على الشر ، وعلى الطاعة لا على المعصية ، وعلى البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان ، حتى لا يتشبهوا بالمنافقين ، الذين كانوا على النقيض من ذلك . ٢٥٩ سورة المجادلة أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، ﴿إذا تناجيتم﴾ بأن أسر بعضكم إلى بعض حديثا ﴿ فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول ﴾ كما هو شأن المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال . وتناجوا﴾ فيما بينكم ﴿بالبر والتقوى﴾ والبر ضد الإثم والعدوان، وهو يعم جميع أفعال الخير التى أمر الله - تعالى - بها . والتقوى : الامتثال لأمر الله - تعالى - وصيانة النفس عن كل مالا يرضاه . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿واتقوا الله الذى إليه تحشرون ﴾ أى : وراقبوا الله - تعالى - فى كل أحوالكم ، فإنه وحده يكون مرجعكم يوم القيامة ، وسيبعثكم ويجمعكم للحساب والجزاء . والمراد بالنجوى فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا .. ﴾ : نجوى المنافقين فيما بينهم ، وهى التى عبر عنها - سبحانه - قبل ذلك بقوله : ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ٠ فأل فى قوله - تعالى -: ﴿ النجوى﴾ للعهد ، أى: إنما النجوى المعهودة التى كان يتناجى المنافقون بها فيما بينهم ، كائنة من الشيطان لا من غيره ، لأنه هو الذى حرضهم وأغراهم ، بأن يتساروا بالإِثم والعدوان . وقوله : ﴿ ليحزن الذين آمنوا﴾ قرأ الجمهور: ﴿لَيَحْزُنَ﴾ - بفتح الياء وضم الزاى - مضارع حزن ، فيكون ﴿ الذين آمنوا﴾ فاعل، والحزن : الهم والغم . أى : زين الشيطان للمنافقين هذه النجوى السيئة ، لكى يحزن المؤمنون ويغتموا ، بسبب ظنهم أن من وراء هذه النجوى أخبارا سيئة تتعلق بهم أو بذوهم . وقرأ نافع ﴿ لِيُحِزِن﴾ - بضم الياء وكسر الزاى - فيكون ﴿الذين آمنوا﴾ مفعولا. أى : فعل الشيطان ما فعل مع المنافقين ، لكى يدخل الحزن والغم على المؤمنين . وأسند - سبحانه - النجوى إلى الشيطان ، باعتبار أنه هو الذى يوسوس بها ، ويزينها فى قلوب هؤلاء المنافقين وأشباههم . وجملة : ﴿ وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله﴾ معترضة لتثبيت المؤمنين، وتسليتهم عما أصابهم من المنافقين . واسم ليس: الشيطان أو التناجى، والاستثناء مفرغ من أهم الأحوال، و((شيئا)» منصوب على المفعول المطلق . ٢٦٠ المجلد الرابع عشر أى : لا تحزنوا - أيها المؤمنون - لمسالك المنافقين معكم ، ولا تخافوا من تناجيهم فيما بينهم ، فإنها نجوى زينها لهم الشيطان ، واعلموا أن كيد الشيطان لن يضركم شيئا من الضرر فى حال من الأحوال إلا فى حال إرادة الله - تعالى - ومشيئته . وما دام الأمر كما بينت لكم ، فاجعلوا توكلكم - أيها المؤمنون - على الله - تعالى - وحده ، ولا تبالوا بالمنافقين ، ولا بتناجيهم ، ولا بما يسوله الشيطان لهم من قبائح ، فإن كل شىء بقضاء الله وقدره . قال الآلوسى ما ملخصه : وحاصل هذا الكلام أن ما يتناجى المنافقون به مما يحزن المؤمنين . إن وقع فهو إرادة الله - تعالى - ومشيئته ، ولا دخل للمنافقين فيه ، وما دام الأمر كذلك، فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم، وليتوكلوا على الله - عز وجل - ولا يخافوا من تناجيهم . ثم إن التناجى بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله - وَ ل - قال: ((إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه)). ومثل التناجى فى ذلك ، أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث ، إن كان يحزنه ذلك(١) . وروى الإمام مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - رضي -: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه ، فإن ذلك يحزنه))(٢) . والخلاصة أن تعاليم الإسلام ، تنهى عن التناجى فى الحالات التى توقع الريبة فى القلوب ، وتزعزع الثقة بين الأفراد والجماعات . وهذا النهى لون من الأدب الحكيم الذى يحفظ للمؤمنين مودتهم ومحبتهم ويبعد عن نفوسهم الشكوك والريب ، ويطرد عن قلوبهم نزغات الشيطان الذى يجرى من ابن آدم مجرى الدم . ثم لفت - سبحانه - أنظار المؤمنين إلى أدب رفيع فقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسح اللّه لكم﴾ . وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن قتادة أنه قال : نزلت (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٢٧ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٢٤ .