Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة الرحمن
والمراد باليوم هنا : مطلق الوقت مهما قل زمنه ، والشأن : الأمر العظيم ، والحدث الهام ..
أى : أنه - سبحانه - يسأله من فى السموات والأرض ، سؤال المحتاج إلى رزقه ،
وفضله ، وستره ، وعافيته .. وهو - عز وجل - فى كل وقت من الأوقات ، وفى كل لحظة من
اللحظات ، فى شأن عظيم . وأمر جليل ، حيث يحدث ما يحدث من أحوال فى هذا الكون ،
فيحيى ويميت ، ويعز ويذل ، ويغنى ويفقر ، ويشفى ويمرض .. دون أن يشغله شأن عن شأن ...
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله : ﴿ كل يوم هو فى شأن﴾ أى: كل وقت من الأوقات ،
هو فى شأن من الشئون ، التى من جملتها إعطاء ما سألوا . فإنه - تعالى - لايزال ينشىء
أشخاصا ، ويفنى آخرين ، ويأتى بأحوال ، ويذهب بأحوال ، حسبما تقتضيه إرادته المبنية على
الحكم البالغة ..
أخرج البخارى فى تاريخه ، وابن ماجه، وجماعة عن أبى الدرداء، عن النبى - صل 1 - أنه
قال فى هذه الآية: (( من شأنه : أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ، ويخفض
آخرين)».
وسأل بعضهم أحد الحكماء ، عن كيفية الجمع بين هذه الآية ، وبين ما صح من أن القلم قد
جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال: ((شئون يبديها لا شئون يبتديها)) ..
وانتصب ((كل يوم)) على الظرفية، والعامل فيه هو العامل فى قوله - تعالى -: ﴿فى
شأن) وهو ثابت المحذوف، فكأنه قيل: هو ثابت فى شأن كل يوم .. (١).
ثم هدد - سبحانه - الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا ، فقال : ﴿ سنفرغ لكم أيها
الثقلان . فبأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ .
وجىء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإِشعار بتحقق ما أخبر به
- سبحانه - .
وقوله : ﴿ نفرغ﴾ من الفراغ، وهو الخلو عما يشغل ..
والمراد به هنا : القصد إلى الشىء والإِقبال عليه ، يقال : فلان فرغ لفلان وإليه ، إذا قصد
إليه لأمر ما ..
والثقلان : تثنية ثقل - بفتحتين - ، وأصله كل شىء له وزن وثقل ، والمراد بهما هنا :
الإِنس والجن .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١١٠.

١٤٢
المجلد الرابع عشر
والمعنى : سنقصد يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بما
تستحقون ، وسيكون هذا شأننا - أيها الثقلان - فى هذا اليوم العظيم .
قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ سنفرغ لكم﴾ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده،
سأفرغ لك ، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلنى عنك ، حتى لا يكون لى شغل
سواه ، والمراد : التوفر على النكاية فيه ، والانتقام منه .
ويجوز أن يراد ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها ، وتنتهى عند ذلك شئون الخلق التى أرادها
بقوله - تعالى -: ﴿ كل يوم هو فى شأن﴾، فلا يبقى إلا شأن واحد ، وهو جزاؤكم ،
فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل .. (١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ يا معشر الجن والإِنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار
السموات والأرض فانفذوا ... ﴾ مقول لقول محذوف، دل عليه ما قبله.
والمعشر - برنة مفعل - اسم للجمع الكثير الذى يعد عشرة فعشرة .
وقوله : ﴿ تنفذوا﴾ من النفاذ بمعنى الخروج من الشىء، والأمر منه وهو قوله:
فانفذوا﴾ مستعمل فى التعجيز. والأقطار: جمع قطر - بضم القاف وسكون الطاء - وهو
الناحية الواسعة ..
والمعنى : سنقصد إلى محاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة ، وسنقول لكم على
سبيل التعجيز والتحدى . يا معشر الجن والإنس ، إن استطعتم أن تنفذوا وتخرجوا من جوانب
السموات والأرض ومن نواحيهما المتعددة .. فانفذوا واخرجوا ، وخلصوا أنفسكم من المحاسبة
والمجازاة ..
وجملة : ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان﴾ بيان للتعجيز المتمثل فى قوله - تعالى - ؛
فانفذوا ﴾، والسلطان المراد به هنا : القدرة والقوة .
أى : لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذى أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة ، وقوة خارقة ،
تزيد على قوة خالقكم الذى جعلكم فى هذا الموقف ، وأنى لكم هذه القوة التى أنتم أبعد
ما تكونون عنها ؟ .
فالمقصود بالآية الكريمة ، تحذير الفاسقين والكافرين ، من التمادى فى فسقهم وكفرهم ،
وبيان أنهم سيكونون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سلطانه ، وأنهم لن يستطيعوا الهروب من
قبضته وقضائه فيهم بحكمه العادل .
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤٧ .

١٤٣
سورة الرحمن
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ فإذا برق البصر . وخسف القمر . وجمع الشمس
والقمر . يقول الإِنسان يومئذ أين المفر. كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ﴾ استئناف فى
جواب سؤال مقدر عما سيصيبهم إذا ما حاولوا الفرار .
والشواظ : اللهب الذى لا يخالطه دخان ، لأنه قد تم اشتعاله فصار أشد إحراقا .
والنحاس : المراد به هنا الدخان الذى لا لهب فيه ، ويصح أن يراد به : الحديد المذاب .
أى : أنتم لا تستطيعون الهرب من قبضتنا بأى حال من الأحوال ، وإذا حاولتم ذلك ، أرسلنا
عليكم وصيبنا على رءوسكم لهبا خالصا فأحرقكم ، ودخانا لا لهب معه فكتم أنفاسكم ، وفى
هذه الحالة لا تنتصران . ولا تبلغان ماتبغيانه ، ولا تجدان من يدفع عنكم عذابنا وبأسنا .
هذا والمتأمل فى تلك الآيات الكريمة . يراها قد صورت بأسلوب بديع تفرد الله - تعالى -
بالملك والبقاء ، وافتقار الخلائق جميعا إلى عطائه ، وأنهم جميعا فى قبضته ، ولن يستطيعوا
الهروب من حكمه فيهم ..
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن العذاب الذى يحيط
بالمجرمين ، وينزل بهم ، فقال - تعالى - :
فَإِذَا أَنشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانٍ
﴾ فَبِأَتِّءَالَآءِ رَيُّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴿، فَوَمَِّذٍ لََّ يُعَلُ عَنْ ذَنْيِهِ ..
٣٧
إِنسٌِّ وَلَاجَانٌّ ، فَأَتِّءَ الَآءِرَبِّحِكُ مَا تُكَّذِّبَانٍ
٤٠
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاءِ ، فَأَتِّ
ءَالَآءِ رَبَّكُمَاتُكَذِّبَانِ ﴿ هَذِهِ جَهَنَُّ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ
﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ ﴿) فَأَتِّءَالَآءِرَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٣
(١) سورة القيامة الآيات ٧، ١٢ .
٤٥
١٠ ۔ ۔۔۔۔

١٤٤
المجلد الرابع عشر
وجواب ((إذا)) فى قوله - سبحانه -: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان
محذوف لتهويل أمره ..
وقوله - سبحانه -: ﴿ فكانت وردة ﴾ تشبيه بليغ ، أى : فكانت كالوردة فى الحمرة .
والوردة جمعها ورود ، وهى زهرة حمراء معروفة ذات أغصان شائكة . والدهان : ما يدهن
به الشىء .. أى : فإذا انشقت السماء ، فصارت حين انشقاقها وتصدعها ، كالوردة الحمراء فى
لونها ، وكالدهان الذى يدهن به الشىء فى ذوبانها وسيلانها ، رأيت ما يفزع القلوب ، ويزلزل
النفوس من شدة الهول .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا .
الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة ، وحملت الأرض والجبال فدكتا
دكة واحدة ، فيومئذ وقعت الواقعة . وانشقت السماء فهى يومئذ واهية .. ﴾(٢).
وقوله - عز وجل -: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن ، ولا يسأل
حميم حميا﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - ما يترتب على هذا الانشقاق والذوبان للسماء من أهوال فقال :
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ . أى : ففى هذا اليوم العصيب ، وهو يوم
الحشر ، لا يسأل عن ذنبه أحد ، لا من الإِنس ولا من الجن .
أى : أنهم لا يسألون عن ذنوبهم عند خروجهم من قبورهم ، وإنما يسألون عن ذلك فى
موقف آخر ، وهو موقف الحساب والجزاء ، إذ فى يوم القيامة مواقف متعددة .
وبذلك يجاب عن الآيات التى تنفى السؤال يوم القيامة ، والآيات التى تثبته ، كقوله
- تعالى -: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾.
وبعضهم يرى أن السؤال المنفى فى بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام ،
والسؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع .. عن الأسباب التى جعلتهم ينحرفون عن
الطريق المستقيم ، ويسيرون فى طريق الفسوق والعصيان ..
(١) سورة الفرقان الآيتان ٢٥، ٢٦.
(٢) سورة الحاقة الآيات ١٣ - ١٦ .
(٣) سورة المعارج الآيات ٨ - ١٠ .

١٤٥
سورة الرحمن
ثم بين - سبحانه - ما يحل بالمجرمين فى هذا اليوم من عذاب فقال: ﴿ يعرف المجرمون
بسيماهم ، فيؤخذ بالنواصى والأقدام . فبأی آلاء ربكما تكذبان . هذه جهنم التی یکذب بها
المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن . فبأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ .
وقوله: ﴿ بسيماهم﴾ أى: بعلاماتهم التى تدل عليهم ، وهى زرقة العيون . وسواد
الوجوه، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على اللّه وجوههم
مسودة ... ﴾(١) .
وكما فى قوله - سبحانه -: ﴿ يوم ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ... ﴾(٢).
والنواصى : جمع ناصية، وهى مقدم الرأس . والأقدام: جمع قدم ، وهو ظاهر الساق ،
و(( أل)) فى هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه .
والمراد بالطواف فى قوله: ﴿يطوفون بينها .. ﴾ كثرة التردد والرجوع إليها بين وقت
وآخر .
والحميم : الماء الشديد الغليان والحرارة .
و﴿ آن﴾ : أى: قد بلغ النهاية فى شدة الحرارة ، يقال : أُنی الحميم ، أى انتھی حره إلى
أقصى مداه، فهو آن وبلغ الشىء أناه - بفتح الهمزة وكسرها - إذا وصل إلى غاية نضجه
وإدراكه ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن
لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ أى : نضجه ..
أى : فى هذا اليوم ، وهو يوم الحساب والجزاء ﴿ يعرف المجرمون﴾ بسواد وجوههم،
وزرقة عيونهم ، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ترهقها فترة . فتأخذ الملائكة بالشعر الذى فى
مقدمة رءوسهم ، وبالأمكنة الظاهرة من سيقانهم ، وتقذف بهم فى النار ، وتقول لهم على سبيل
الإهانة والإِذلال : هذه جهنم التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا أيها المجرمون ، فترددوا بين مائها
الحار ، وبين سعيرها البالغ النهاية فى الشدة .
وفى قوله : ﴿ فيؤخذ بالنواصى والأقدام ﴾ إشارة إلى التمكن منهم تمكنا شديدا ، بحيث
لا يستطيعون التفلت أو الهرب .
وقد ختمت كل آية من هذه الآيات السابقة بقوله - تعالى -: ﴿ فبأى آلاء ربكما
تكذبان ) لأن عقاب العصاة المجرمين ، وإثابة الطائعين المتقين ، يدل على كمال عدله
(١) سورة الزمر الآية ٦٠ .
(٢) سورة طه الآية ١٠٢ .

١٤٦
المجلد الرابع عشر
- سبحانه - ، وعلى فضله ونعمته على من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى .
قال الإِمام ابن كثير : ولما كان معاقبة العصاة المجرمين ، وتنعيم المتقين ، من فضله .
ورحمته ، وعدله ، ولطفه بخلقه ، وكان إنذاره لهم من عذابه وبأسه ، مما يزجرهم عما هم فيه من٦٠
الشرك والمعاصى وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته ﴿فبأى آلاء ربكما تكذبان﴾(١).
وكعادة القرآن الكريم فى قرن أحوال الأخيار، بأحوال الأشرار ، أو العكس : جاء
. الحديث عما أعده - سبحانه - للمتقين من جزيل الثواب ، بعد الحديث عما سينزل بالمجرمين
من عقاب فقال - تعالى - :
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَّنَانِ ، فَأَمِّءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ
ذَوَاتَا أَقْنَانٍ ﴿٢) فَأَتِّءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ فِهِمَا عَيْنَانِ
٤٧
تَجْرِيَانِ ٥) فَأَتِيّءَالَآءِ رَبِّكْمَاتُكَّذِّبَنِ (٥) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَكِهَةٍ
زَوْجَانِ ، فَأَيّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَنِ ﴿٥) مُتَكِمِينَ عَلَى فُرْشِ
بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَحَى الْجَنَّنَيْنِ دَانٍ ﴿ فَأَمِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ ، فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَوْ يَطْمِنْهُنَّ إِسْرُ قَبْلَهُمْ
وَلَ جَنٌّ (٦) فَأَقِّءَ الَاءِ رَيَّكُمَاتُكَذِّبَانٍ ﴿٦) كَنَهُنَّ الْيَاقُونُ
هَلْ جَزَآءُ
وَاُلْمَرْمَانُ ﴿ فَأَتِّءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ
اُلْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ نْ فَأَِّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ
قال الآلوسى: قوله - تعالى -: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان ... ﴾ شروع فى تعدید
الآلاء التى تفاض فى الآخرة على المتقين ، بعد بيان سوء عاقبة المكذبين .
و ﴿ مقام﴾ مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل. أى: ولمن خاف قيام ربه عليه
وكونه مراقبا له ، ومهيمنا عليه فالقيام هنا مثله فى قوله - تعالى - ﴿أفمن هو قائم على كل
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٨٧ .

١٤٧
سورة الرحمن
نفس بما كسبت ... ) أو هو اسم مكان . والمراد به مكان وقوف الخلق فى يوم القيامة
: للحساب .. إذ الخلق جميعا قائمون له - تعالى - كما فى قوله - سبحانه -: ﴿ يوم يقوم
الناس لرب العالمين ﴾(١).
والمعنى : ولكل من خاف القيام بين يدى ربه للحساب ، وخشى هيمنته - سبحانه -
عليه ، ومجازاته له ... لكل من خاف ذلك وقدم فى دنياه العمل الصالح، ﴿جنتان ﴾ يتنقل
بينها ، ليزداد سروره ، وحبوره .
٠
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: ﴿جنتان﴾؟ قلت الخطاب للثقلين، فكأنه
قيل لكل خائفين منكما جنتان . جنة للخائف الإِنسى ، وجنة للخائف الجنى .
ويجوز أن يقال : جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصى ، لأن التكليف دائر عليها ،
وأن يقال: جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل ، كقوله - تعالى - : ﴿ للذين
أحسنوا الحسنى وزيادة
﴾(٢) .
وقوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ صفة للجنتين . والأفنان جمع فنن - بفتحتين - وهو الغصن .
أى : جنتان صاحبتا أغصان عظيمة . تمتاز بالجمال واللين والنضرة .
ثم وصفهما - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال: ﴿فيهما عينان تجريان﴾ أى: فى
كل جنة منهما عين تجرى بالماء العذب الفرات ..
﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أى : وفيهما كذلك من كل نوع من أنواع الفاكهة
صنفان ، ليتفكه المتقون ويتلذذوا بتلك الفواكه الكثيرة ، التى لا هى مقطوعة ، ولا هى
ممنوعة .
ثم بين - سبحانه - حسن مجلسهم فقال : ﴿ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ،
وجنى الجنتين دان ﴾ .
والجملة الكريمة حال من قوله - تعالى -: ﴿ولمن خاف مقام ربه .. ﴾.
وعبر - سبحانه - بالاتكاء لأنه من صفات المتنعمين الذين يعيشون عيشة راضية ، لاهم
معها ولا حزن .
والفرش : جمع فراش - ككتب وكتاب - وهو ما يبسط على الأرض للنوم أو :
الاضطجاع .
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١١٥ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤٩ .

١٤٨
المجلد الرابع عشر
والبطائن : جمع بطانة ، وهى ما قابل الظهارة من الثياب ، ومشتقة من البطن المقابلة
للظهر ، ومن أقوالهم : أفرشنى فلان ظهره وبطنه ، أى : أطلعنى على سره وعلانيته .
والاستبرق : الديباج المصنوع من الحرير السميك ، وهو من أجود أنواع الثياب .
والمعنى : أن هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ، يعيشون فى الجنات
حالة كونهم ، متكئين فى جلستهم على فرش بطائنها الداخلية من الديباج السميك . ﴿وجنى
الجنتين دان ﴾ أى: وما يجنى ويؤخذ من الجنتين قريب التناول ، دانى القطاف .
فالمراد بقوله - تعالى - : ﴿ وجنى الجنتين﴾ ما يجتنى من ثمارهما و﴿ دان﴾ من الدنو
بمعنى القرب .
أى : أنهم لا يتعبون أنفسهم فى الحصول على تلك الفواكه ، وإنما يقطفون ما يشاءون منها ،
وهم متكئون على فراشهم الوثير .
ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من نعيمهم فقال: ﴿ فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن
إنس قبلهم ولا جان . فبأى آلاء ربكما تكذبان ، كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ .
وقوله - سبحانه -: ﴿قاصرات الطرف ﴾ صفة لموصوف محذوف . والطمث : كناية
عن افتضاض البكارة . يقال : طمث الرجل امرأته - من باب ضرب وقتل - ، إذا أزال .
بكارتها . وأصل الطمث : الجماع المؤدى إلى خروج دم الفتاة البكر ، ثم أطلق على كل جماع
وإن لم يكن معه دم .
أى : فى هاتين الجنتين اللتين أعدهما - سبحانه - لمن خاف مقامه .. نساء قاصرات
عيونهن على أزواجهن ، ولا يلتفتن إلى غيرهم . وهؤلاء النساء من صفاتهن - أيضا- أنهن
أبكار ، لم يلمسهن ولم يزل بكارتهن أحد قبل هؤلاء الأزواج .. وكأن هؤلاء النساء فى صفائهن
وجمالهن وحمرة خدودهن .. الياقوت والمرجان .
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله : ﴿ هل جزاء الإحسان إلا الإِحسان ﴾
والاستفهام لنفى أن يكون هناك مقابل لعمل الخير ، سوى الجزاء الحسن ، فالمراد بالإِحسان
الأول ، القول الطيب ، والفعل الحسن ، والمراد بالإِحسان الثانى : الجزاء الجميل الكريم على
فعل الخير .
أى: ما جزاء من آمن وعمل صالحا ، وخاف مقام ربه ، ونهى نفسه عن الهوى .. إلا أن
يجازى الجزاء الحسن ، ويقدم له العطاء الذى يشرح صدره وتقر به عينه .
وقد عقب - سبحانه - بعد كل آية من تلك الآيات السابقة بقوله: ﴿ فبأى آلاء ربكما

٠
سورة الرحمن
١٤٩
تكذبان ﴾ لأن كل آية قد اشتملت على نعمة أو نعم عظيمة من شأن العاقل أن يشكر الله
- تعالى - عليها شكرا جزيلا .
ثم واصلت السورة حتى نهايتها ، حديثها عن النعم التى منحها - سبحانه - لمن خاف
مقام ربه ، فقال - تعالى - :
وَمِن دُونِ مَا جَنَّنَانٍ ﴿، فَأَتِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ
(٣) مُدْهَامَتَانِ ) فَأَمِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ) فِيهِمَا
عَيْنَانِ نَضَّا خَتَانِ ، فَأَمِّ ءَالَآءِرَبُّكُمَاتُكَذِّبَانِ
٦٧
فِيِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرَُّانٌ ﴿َ، فَبِأَيّءَالَآءِ رَبِّكُمَاتُكَذِّبَانِ
٦٩
فِيِنَ خْرَتُّ حِسَانٌ ﴿ فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، حُرٌ
، فَأَمِّءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
مَّقْصُورَاتُ فِى الِخِيَامِ
(٧٣
لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسُ قَبْلَهُمْ وَلَاَجَنٌ ﴿ فَأَمِّءَالَآءِرَّكُمَاتُكَذِّبَانِ
مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ ﴿ فَبِأَتِّ
٧٥
ءَالَاءِرَيَّكُمَا تُكَّذِّبَنِ ، فَ اسْمُ رَّكَ ذِى الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ
٧٨٠
وقوله - سبحانه -: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك:
﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾.
ولفظ دون هنا يحتمل أنه بمعنى غير . أى : ولمن خاف مقام ربه جنتان ، وله - أيضا -
جنتان أخريان غيرهما ، فهو من باب قوله - سبحانه - ﴿ للذين أحسنوا الحسنى
وزيادة
قالوا : ويشهد لهذا الاحتمال . أن الله - تعالى - قد وصف هاتين الجنتين بما يقارب وصفه
للجنتين السابقتين ، وأن تكرير هذه الاوصاف من باب الحض على العمل الصالح الذى يوصل
الى الظفر بتلك الجنات ، وما اشتملت عليه من خيرات .

١٥٠
..-
المجلد الرابع عشر
ويحتمل أن لفظ ﴿ دون﴾ هنا: بمعنى أقل، أى: وأقل من تلك الجنتين فى المنزلة والقدر،
جنتان أخريان ..
وعلى هذا المعنى سار جمهور المفسرين ، ومن المفسرين الذين ساروا على هذا الرأى الإِمام
ابن كثير ، فقد قال - رحمه الله - هاتان الجنتان دون اللتين قبلها فى المرتبة والفضيلة
والمنزلة ، بنص القرآن، فقد قال - تعالى -: ﴿ومن دونهما جنتان ﴾ ..
فالأوليان للمقربين ، والأخريان : لأصحاب اليمين ..
والدليل على شرف الأولين على الأخريين وجوه :
أحدها : أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء ، ثم قال: ﴿ومن
دونهما جنتان﴾ وهذا ظاهر فى شرف المتقدم، وعلوه على الثانى .
وقال هناك ﴿ ذواتا أفنان) وهى الأغصان، أو الفنون فى الملاذ: وقال ههنا
مدهامتان﴾ أى: سوداوان من شدة الرى من الماء .. (١).
وقال الإِمام القرطبى : فإن قيل : كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين ، كما ذكر أهل الجنتين
الأوليين ؟ .
قيل : الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه . إلا أن الخائفين مراتب ، فالجنتان الأوليان لأعلى
العباد منزلة فى الخوف من الله - تعالى - ، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله فى الخوف من
الله - تعالى -(٢).
وقال الآلوسى: قوله - تعالى -: ﴿ ومن دونهما جنتان﴾ مبتدأ وخبر أى: ومن دون
تينك الجنتين فى المنزلة والقدر جنتان أخريان والأكثرون على أن الأوليين للسابقين ، وهاتين
لأصحاب اليمين ..
وقوله: ﴿ مدهامتان﴾ صفة للجنتين .. أى: هما شديدتا الخضرة، والخضرة إذا اشتدت
ضربت إلى السواد من كثرة الرى .. (٣).
ثم فصل - سبحانه - أوصاف هاتين الجنتين فقال: ﴿ فيها عينان نضاختان﴾ أى:
فوارتان بالماء الذى لا ينقطع منها من النضخ وهو فوران الماء من العيون مع حسنه وجماله .
فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ وعطف - سبحانه - النخل والرمان على الفاكهة مع أنها
منها ، لفضلهما ، فكأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٧٩ .
( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٨٤ .
(٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٢١ .

١٥١
سورة الرحمن
أو - كما يقول صاحب الكشاف - : لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ..
ودواء ، فلم يخلصا للتفكه ، ولذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - إذا حلف لا يأكل فاكهة ،
فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث ... (١).
والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ فيهن خيرات حسان﴾ يعود إلى الجنات الأربع:
الجنتين المذكورتين فى قوله - تعالى -: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ والجنتين المذكورتين
هنا فى قوله - سبحانه - : ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾.
ولفظ ﴿ خيرات﴾ صفة لموصوف محذوف. أى : نساء خيرات حسان.
۔۔
أى : فى هذه الجنات نساء فاضلات الأخلاق ، حسان الخلق والخلق .
قال الجمل: قوله: ﴿ خيرات﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع خيرة بزنة فعلة بسكون
العين - يقال : امرأة خيرة ، وأخرى شرة ، والثانى. أنه جمع خيرة المخفف من خيرة
بالتشديد ، ويدل على ذلك قراءة خيرات - بتشديد الياء .. (٢) .
وقوله ﴿ حور مقصورات فى الخيام﴾ بدل من خيرات . والحور: جمع حوراء، وهى المرأة
ذات الحور، أى : ذات العين التى اشتد بياضها واشتد سوادها فى جمال وحسن ..
ومقصورات : جمع مقصورة أى : محتجبة فى بيتها . قد قصرت نفسها على زوجها .. فهى لا
تجرى فى الطرقات .. بل هى ملازمة لبيتها ، وتلك صفة النساء الفضليات اللاتى يزورهن من
يريدهن ، أما هن فكما قال الشاعر :
ويكرمها جاراتها فيزرنها وتعتل عن إتيانهن فَتُعُذر
أى : فى تلك الجنات نساء خيرات فضليات جميلات مخدرات . ملازمات لبيوتهن ، لا
يتطلعن إلى غير رجالهن ..
هؤلاء النساء ﴿لم يطمثهن﴾ أى: لم يلمسهن ويباشرهن ﴿إنس قبلهم ولا جان﴾.
أى: لم يجامعهن أحد لا من الإِنس ولا من الجن قبل الرجال الذين خصصهن الله
- تعالى - لهم ..
وقوله : ﴿ متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان ... ﴾ حال من قوله - تعالى - :
ولمن خاف مقام ربه ... ﴾ .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٠ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٦٦ :
ة

١٥٢
المجلد الرابع عشر
والرفرف : مأخوذ من الرَّف بمعنى الارتفاع ، وهو اسم جمع واحده رفرفة ، أو اسم جنس
جمعى و﴿ خضر﴾ صفة له ..
والعبقرى : وصف لكل ما كان ممتازا فى جنسه . نادر الوجود فى صفاته والمراد به هنا
الثوب الموشى بالذهب ، والبالغ النهاية فى الجودة والجمال ..
قال القرطبى : العبقرى : ثياب منقوشة تبسط .. قال القتيبى : كل ثوب وشى عند
العرب فهو عبقرى . وقال أبو عبيد : هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشى ..
ويقال : عبقر قرية باليمن تنسج فيها بسط منقوشة . وقال ابن الأنبارى : إن الأصل فيه
أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل، ومنه قول النبى - بصل - : فى عمر
ابن الخطاب : فلم أر عبقريا يفرى فريه .. (١) .
أى : هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ، قد أسكناهم بفضلنا الجنات العاليات حالة كونهم فيها
على الفرش الجميلة المرتفعة . وعلى الأبسطة التى بلغت الغاية فى حسنها وجودتها ودقة وشيها ..
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ﴿ تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام ﴾.
أى : جل شأن الله - تعالى - ، وارتفع اسمه الجليل عما لا يليق بشأنه العظيم ، فهو
- عز وجل - صاحب الجلال . أى : العظمة والاستغناء المطلق ، والإِكرام . أى : الفضل
التام ، والإِحسان الذى لا يقاربه إحسان .
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الرحمن)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا
لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
الدوحة - قطر
صباح الأحد ٦ من رجب ١٤٠٦ هـ
کتبه الراجی عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
١٦ من مارس ١٩٨٦ م .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٩٢ .

تفسير
سُورَةِ الوَاقِعَةُ

L

١٥٥
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الواقعة)) هى السورة السادسة والخمسون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها
فى النزول، فقد كان نزولها بعد سورة ((طه)) وقبل سورة ((الشعراء)).
وقد عرفت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ، فعن ابن عباس قال : قال أبو بكر - رضى الله
عنه - للنبى -+ - : يارسول اللّه قد شبت . قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات ،
وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت .
وعن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: سمعت رسول الله - * - يقول :
((من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا .. ))(١).
٢ - وعدد آياتها ست وتسعون آية عند الكوفيين . وسبع وتسعون عند البصريين ، وتسع
وتسعون عند الحجازيين والمدنيين .
٣ - وسورة ((الواقعة)) من السور المكية الخالصة ، واستثنى بعضهم بعض آياتها ، وعدها
من الآيات المدنية ، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين ﴾.
وقوله - سبحانه -: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ... ﴾ إلى قوله - تعالى - :
وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ .
والذى تطمئن إليه النفس أن السورة كلها مكية ، وأن ما استثنى منها لم يقم دليل يعتد به
على صحته .
٤ - وقد افتتحت سورة ((الواقعة)) بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أقسام الناس
فى هذا اليوم ..
قال - تعالى - : ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة ، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب
-
المشأمة ما أصحاب المشأمة ، والسابقون السابقون ... ﴾ .
٥ - وبعد أن فصل - سبحانه - الحديث عن كل قسم من هذه الأقسام ، وبين ما أعد له
...
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٨١ .
١
:

١٥٦
المجلد الرابع عشر
من جزاء عادل ... أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر قدرته ، وسعة رحمته ، وعظيم فضله ، فقال
- تعالى - : ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون . أفرأيتم ماتمنون ، أأنتم تخلقونه أم نحن
الخالقون ... ﴾ .
أفرأيتم ما تحرئون ، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ... ﴾
أفرأيتم الماء الذى تشربون ، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون
أفرأيتم النار التى تورون ، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ﴾ .
٦ - وكما افتتحت السورة الكريمة ببيان أهوال يوم القيامة ، وبيان أنواع الناس فى هذا
اليوم .. اختتمت - أيضا - بالحديث عن أقسام الناس يوم الحساب ، وعاقبة كل قسم ، قال
- تعالى -: ﴿ فأما إن كان من المقربين ، فروح وريحان وجنة ونعيم . وأما إن كان من
أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما إن كان من المكذبين الضالين ، فنزل من
حميم ، وتصلية جحيم ، إن هذا لهو حق اليقين ، فسبح باسم ربك العظيم ﴾ .
٧ - هذا والمتدبر فى هذه السورة الكريمة ، يراها قد ساقت بأسلوب بليغ مؤثر ، ما يحمل
الناس على حسن الاستعداد ليوم القيامة ، عن طريق الإيمان العميق ، والعمل الصالح ،
ومايبين لهم عن طريق المشاهدة مظاهر قدرة الله - تعالى - ووحدانيته ، وما يكشف لهم
النقاب عن أقسام الناس فى يوم الحساب ، وعن عاقبة كل قسم ، وعن الأسباب التى وصلت
بكل قسم منهم إلى ما وصل إليه من جنة أو نار ..
وما يريهم عجزهم المطلق أمام قدرة الله - تعالى - وأمام قضائه وقدره .. فهم يرون
بأعينهم أعز إنسان عندهم ، تنتزع روحه من جسده .. ومع ذلك فهم عاجزن عن أن يفعلوا
شيئا ..
وصدق الله إذ يقول: ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون ، ونحن أقرب إليه
منكم ولكن لا تبصرون . فلولا إن كنتم غير مدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين ﴾ ..
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المقربين .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم ..
الدوحة قطر
مساء الاثنين ٧ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ
١٧ من مارس سنة ١٩٨٦ م
د . محمد سيد طنطاوى

١٥٧
سورة الواقعة
التفسير
قال الله - تعالى - :
بِسـ
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ل ◌ِ لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةُ (١) خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ
﴿ إِذَارُبحَّتِ الْأَرْضُ رَجَّانَنٌ، وَبَُّتِ الْجِبَالُ بَسًا
فَكَانَتْ هَبَآءُ مُنْبَثًا ﴾ وَكُنُ أَزْوَجَا ثَلَاثَةً ، فَأَصْحَبُ
اُلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ﴿ وَأَصْحَبُ اَلْشِئَةِ مَا أَصْحَبُ
١١
الْشَمَةِ ﴿ وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ، أَوْلَئِكَ الْمُقَرَبُونَ ﴿
، ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ ﴿ وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ
فِي جَنَتِ النَّعِيمِ
١٤
١٦
◌َ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (٥ ) مُتَّكِينَ عَلَيْهَا مُتَّقَبِلِينَ
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنْ مُخْلَّدُونَ ﴿٦) بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِنْ فَعِينٍ
(٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ﴿، وَفَكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَُّونَ
﴿ وَمِ طَيْرٍ مِمَايَشْتَهُونَ ﴿ وَحُورُ عِينٌ ) كَأَ مْثَلِ الُْؤْلُوِ
اُلْمَكْتُونِ ، جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦ ، لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا وَلَا
تَأْثِيمَانَ إِلَّ قِيلًا سَلَمَا سَلَمَاَ
افتتحت سورة ((الواقعة)) بتقرير الحقيقة التى لاشك فيها ، وهى أن يوم القيامة حق وأن
الحساب حق ، وأن الجزاء حق ..

١٥٨
المجلد الرابع عشر
وقد اختير الافتتاح بالظرف المتضمن معنى الشرط ، لأنه ينبه الأذهان ويحرك النفوس
لترقب الجواب .
والواقعة من أسماء القيامة كالقارعة ، والحاقة ، والآزفة ..
قال الجمل : وفى ﴿ إذا﴾ هنا أوجه : أحدها: أنها ظرف محض ، ليس فيها معنى
الشرط ، والعامل فيها ليس ، من حيث ما فيها من معنى النفى ، كأنه قيل : ينتفى التكذيب
بوقوعها إذا وقعت .
والثانى : أن العامل فيها اذكر مقدرا . الثالث: أنها شرطية وجوابها مقدر ، أى: إذا وقعت
الواقعة كان ، كيت وكيت ، وهو العامل فيها .. (١) .
وقال بعض العلماء : والذى يظهر لى صوابه ، أن إذا هنا : هى الظرفية المتضمنة معنى
الشرط ، وأن قوله الآتى: ﴿إذا رجت الأرض رجا﴾ بدل من قوله: ﴿ إذا وقعت
الواقعة ﴾ وأن الجواب إذا هو قوله: ﴿ فأصحاب الميمنة .. ﴾.
وعليه فالمعنى : إذا قامت القيامة ، وحصلت هذه الأحوال العظيمة ، ظهرت منزلة أصحاب
الميمنة ، وأصحاب المشأمة .. (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ مؤكد لما قبله ، من أن وقوع يوم القيامة حق
لا ریب فیه .
وكاذبة : صفة لموصوف محذوف ، وهى اسم فاعل بمعنى المصدر ..
أى : عندما تقع القيامة ، لا تكذبها نفس من النفوس التى كانت تجحدها فى الدنيا ، بل كل
نفس حينئذ تكون مصدقة لها .
قال القرطبى : قوله: ﴿ ليس لوقعتها كاذبة﴾. الكاذبة مصدر بمعنى الكذب ، والعرب
قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر ، كقوله - تعالى -: ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ أى :
لغو ..
أى : ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف، بل هى واقعة يقينا ..
أو الكاذبة صفة والموصوف محذوف ، أى: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة .. (٣).
--
. (١) راجع حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٧٠ .
(٢) راجع أضواء البيان جـ ٧ ص ٧٦١ للشيخ الشنقيطى - رحمه الله.
(٣) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٩٤.
:
..
١٠

١٥٩
سورة الواقعة
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ اللّه لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب
فيه ... ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، وكفرنا بما كنا به
مشركين ﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال : ﴿ خافضة رافعة
﴾
أى : هى خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات : وهى رافعة للسعداء إلى أعلى الدرجات .
والخفض والرفع يستعملان عند العرب فى المكان والمكانة . وفى العز والإِهانة .. ونسب
- سبحانه - الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل المجاز.
والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين فى الازدياد من العمل الصالح ، لترفع منزلتهم يوم
القيامة ، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذى ينتظرهم ، إذا ما استمروا فى فسقهم
وعصيانهم .
ويرى بعضهم أن المراد بالخفض والرفع فى هذا اليوم ، ما يترتب عليه من تناثر النجوم ،
ومن تبدل الأرض غير الأرض ، ومن صيرورة الجبال كالعهن المنفوش ..
وعلى هذا يكون المقصود بالآية : التهويل من شأن يوم القيامة ، حتى يستعد الخلق
لاستقباله ، بالإِيمان والعمل الصالح ، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب العصاة المفسدين ، من
خزى وهوان ..
والآية الكريمة تسع المعنيين ، لأن فى هذا اليوم يرتفع الأخيار وينخفض الأشرار ، ولأن فيه
- أيضا - ﴿ تبدل الأرض غير الأرض والسموات ... ﴾.
والمراد بالرج فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ إذا رجت الأرض رجا . وبست الجبال
بسا ... ﴾ التحريك الشديد، والاضطراب الواضح. يقال: رج فلان الشىء رجا، إذا حركه
بعنف وزلزله بقوة ..
وقوله ﴿وبست ﴾ من البس بمعنى التفتيت والتكسير الدقيق ، ومنه قولهم : بس فلان
السويق ، إذا فتته ولته وهيأه للأكل ..
أى: إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا شديدا ، وفتتت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق
(١) سورة النساء الآية ٨٧ .
( ٢) سورة غافر الآية ٨٤ .

١٦٠
المجلد الرابع عشر
الملتوت .. فكانت تلك الجبال كالهباء المنبث أى : المتفرق الذى يلوح من خلال شعاع الشمس
إذا ما دخل من نافذة ..
إذا ما حدث كل ذلك ، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر ، ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة
خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ .
فجواب الشرط ماذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء عاقبة
أصحاب المشأمة .
ومن الآيات الكثيرة ، التى وردت فى معنى هذه الآيات قوله - تعالى -: ﴿ يوم ترجف
الأرض والجبال وكانت الجبال كئيبا مهيلا ﴾(١) .
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ وكنتم أزواجا ثلاثة ﴾ للناس جميعا، وكان بمعنى صار،
والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع ..
أى : وصرتم - أيها الناس - فى هذا اليوم الهائل الشديد ، أصنافا ثلاثة ، على حسب
أحوالكم فى الدنيا ..
ثم فصل - سبحانه - الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال: ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب
الميمنة ، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة . والسابقون السابقون
والمراد بأصحاب الميمنة ، أولئك السعداء الذين يؤتون كتبهم يوم القيامة بأيمانهم ، أو لأنهم
يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة ..
أو سموا بذلك، لأنهم ميامين ، أى : أصحاب بركة على أنفسهم ، لأنهم أطاعوا ربهم .
وخالفوا أهواءهم .. فكانت عاقبتهم الجنة .
وسمى الآخرون بأصحاب المشأمة ، لأنهم مشائيم ، أى : أصحاب شؤم على أنفسهم ،
لأنهم طغوا وآثروا الحياة الدنيا ، فكانت عاقبتهم النار .
أو سموا بذلك ، لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم . أو لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار ..
والعرب تسمى الشمال شؤما ، كما تسمى اليمين يمنا .
والتعبير بقوله: ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ للتفخيم والإِعلاء من شأنهم ، كما أن التعبير
بقوله - تعالى -: ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ للتحقير والتعجيب من حالهم .
وجملة: ﴿ ما أصحاب الميمنة﴾ مكونة من مبتدأ - وهو ما الاستفهامية - ، وخبر وهو
(١ ) سورة المزمل الآية ١٤ .
٠