Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ سورة القمر وَفَجِّنَاُلْأَرْضَ عُونَا فَالْفَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ عُدِرَ ١٢ وَخَلْتَهُ عَلَى ذَاتِ أَلَّوَحِ وَدُسُرٍ (٢) تَجْرِىِبِأَعْيُنِنَا جَزَآءَ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ ا، وَلَقَد تَرَكْتَهَاَ ءَايَةٌ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ : ١٧ وقصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سور أخرى . كسورة هود ، والمؤمنون ، ونوح ، والأعراف . ولكنها جاءت هنا - كغيرها من القصص - بصورة حاسمة قاصمة ، تزلزل النفوس ، وتفتح العيون على مصارع الغابرين ، لكى يعتبر الكافرون ، وينتهوا عن كفرهم . قال الآلوسى : قوله : ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ... ﴾ شروع فى تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للانزجار ، ونوع تفصيل لها ، وبيان لعدم تأثرهم بها ، تقريرا لفحوى قوله : فما تغن النذر والفعل ((كذبت)) منزل منزلة اللازم. أى: فَعل التكذيب قبل قومك قوم نوح .. (١). وفى هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول - والله - لأن المصيبة إذا عمت خفت ، وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - : ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ... ﴾. وأسند - سبحانه - التكذيب إلى جميع قوم نوح - عليه السلام - . لأن الذين آمنوا به منهم عدد قليل ، كما قال - تعالى -: فى سورة هود: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾. وقوله - تعالى -: ﴿ فكذبوا عبدنا﴾ تأكيد لتكذيبهم له - عليه السلام - ، فكأنه - سبحانه - يقول : إن قول نوح - عليه السلام - قد أصروا على تكذيبهم لعبدنا ونبينا ، وتواصوا بهذا التكذيب فيما بينهم، حتى لكأن الكبار قد أوصوا به الصغار . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ما معنى قوله : ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله : كذبت ﴾ ؟ قلت معناه : كذبوا فكذبوا عبدنا . أى : كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب ، كلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعهم قرن مكذب . أو معناه : كذبت قوم نوح الرسل ، فكذبوا عبدنا ، أى : لما كانوا مكذبين بالرسل ، (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٨١ . ٠ ١٠٢ المجلد الرابع عشر جاحدين للنبوة رأسا، كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل .. (١). وقوله - سبحانه -: ﴿وقالوا مجنون وازدجر ﴾ بيان لما كانوا عليه من انطماس بصيرة، ومن سوء خلق .. أى : أنهم لم يكتفوا بتكذيب نبيهم ومرشدهم وهاديهم إلى الخير . بل أضافوا إلى ذلك وصفه بالجنون ، والاعتداء عليه بأنواع الأذى والترهيب . فقوله: ﴿وازدجر ﴾ معطوف على قوله ﴿قالوا﴾ وهو مأخوذ من الزجر بمعنى المنع والتخويف ، وصيغة الافتعال للمبالغة فى زجره وإيذائه . وقد حكى القرآن فى آيات أخرى ألوانا من هذا الزجر والإِيذاء ومن ذلك قوله - تعالى - كما حكى عنهم: ﴿ قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ﴾. ثم حكى - سبحانه - ما فعله نوح - عليه السلام - بعد أن صبر على إيذاء قومه فقال : فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر ﴾ . أى : وبعد أن يئس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه .. تضرع إلى ربه قائلا : يارب إن قومى قد غلبونى بقوتهم وتمردهم .. فانتصر لى منهم ، فأنت أقوى الأقوياء ، وأعظم نصير للمظلومين والمغلوبين على أمرهم من أمثالى . وحذف متعلق ((فانتصر)) للإِيجاز. أى: فانتقم لى منهم . ولقد كانت نتيجة هذا الدعاء ، الإِجابة السريعة ، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾. أى : فأجبنا لنوح دعاءه ، ففتحنا أبواب السماء بماء كثير منهمر ، أى : منصب على الأرض بقوة وبكثرة وتتابع . يقال : همر فلان الماء يهمر - بكسر الميم وضمها - إذا صبه بكثرة . وقراءة الجمهور ﴿ ففتحنا﴾ بتخفيف التاء ، وقرأ ابن عامر بتشديدها على المبالغة. قال الجمل : والمراد من الفتح والأبواب والسماء : حقائقها فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق . والباء فى قوله: ﴿ بماء﴾ للتعدية على المبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التى يفتح بها ، كما تقول: فتحت بالمفتاح .. (٢) . وقوله: ﴿وفجرنا الأرض عيونا ... ﴾ معطوف على قوله: ﴿ ففتحنا﴾ وتفجير الماء: إسالته بقوة وشدة وكثرة ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٧ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٤٣ . ١٠٣ سورة القمر وقوله: ﴿ عيونا﴾ تمييز محول عن المفعول به، والأصل: وفجرنا عيون الأرض، ولكن جىء به على هذا الأسلوب المشتمل على التمييز للمبالغة ، حتى لكأن الأرض جميعها قد تحولت إلى عيون متفجرة . وقوله - سبحانه -: ﴿ فالتقى الماء على أمر قد قدر ﴾ بيان لكمال حكمته - تعالى - بعد بيان مظاهر قدرته . أى : فاجتمع الماء النازل من السماء ، مع الماء المتفجر من الأرض ، على أمر قد قدره الله - تعالى - وقضاه أزلا ، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان . فالمراد بالماء : ماء السماء وماء الأرض . وقال - سبحانه - ﴿ فالتقى الماء ﴾ بالإِفراد ، لتحقيق أن التقاء الماءين لم يكن بطريقة المجاورة ، بل كان بطريق الاتحاد والاختلاط ، حتى لكأن الماء النازل من السماء . والمتفجر من الأرض ، قد التقيا فى مكان واحد كما يلتقى الجيشان المعدان لإهلاك غيرهما . و﴿ على﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿ على أمر قد قدر﴾ للاستعلاء المفيد لشدة التمكن والمطابقة . أى : التقى الماء بعضه ببعض على الحال والشأن الذى قدرناه وقضيناه له ، دون أن يحيد على ذلك قيد شعرة ، إذ كل شىء عندنا بمقدار . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عبده نوح - عليه السلام - فقال : وحملناه على ذات ألواح ودسر ، تجرى بأعيننا ... ﴾ . والدُّسُر : جمع دسار - ككتاب وكتب - أى : مسامير تربط بعض الخشب ببعض ، وأصل الدُسْر : الدفع الشديد بقوة ، سمى به المسمار، لأنه يدق فى الخشب فيدفع بقوة . وقيل : الدسر : الخيوط التى تشد بها ألواح السفينة ، وقيل الدسر : صدرها ومقدمتها ، وقوله : ﴿ ذات ألواح ودسر ﴾ صفة لموصوف محذوف. أى : وحملنا نوحا ومن معه من المؤمنين ، على سفينة ذات ألواح من الخشب ومسامير يشد بها هذا الخشب ويربط .. قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾ أراد السفينة، وهو من الصفات التى تقوم مقام الموصوفات ، فتنوب منابها ، وتؤدى مؤداها ، بحيث لا يفصل بينها وبينها . وهذا من فصيح الكلام وبديعه .. (١) . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٨. ١٠٤ المجلد الرابع عشر وعدى فعل ﴿ وحملناه ﴾ إلى نوح وحده، مع أن السفينة حملت معه المؤمنين ، لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته ، وقد جاءت آيات أخرى أخبرت بأن المؤمنين كانوا معه فى السفينة، ومن هذه الآيات ، قوله - تعالى - : ﴿ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ، فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين ... ﴾. وقوله ﴿ تجرى بأعيننا﴾ أى تجرى هذه السفينة بمرأى منا، وتحت رعايتنا وقدرتنا . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت قوم نوح محل غضب الله - تعالى - ونقمته قال: ﴿ جزاء لمن كان ◌ُفِر﴾. وقوله : ﴿ جزاء﴾ مفعول لأجله ، لقوله: ﴿ فتحنا) وما عطف عليه، أى : فعلنا ما فعلنا من فتح السماء بماء منهمر ، جزاء لكفرهم بالله - تعالى - وبنبيه نوح - عليه السلام - الذى كان نعمة لهم ، ولكنهم كفروها ولم يشكروا الله عليها ، فاستحقوا الغرق والدمار . وحذف - سبحانه - متعلق ﴿ كفر ﴾ لدلالة الكلام عليه ، أى : كفر به . قال الآلوسى . وقوله: ﴿جزاء لمن كان كفر﴾ أى: فعلنا ذلك جزاء لنوح - عليه السلام - ، فإنه كان نعمة أنعمها الله - تعالى - على قومه فكفروها ، وكذا كل نبى نعمة من الله - تعالى - على أمته . وجوز أن يكون على حذف الجار ، وإيصال الفعل إلى الضمير ، واستتاره فى الفعل ، بعد انقلابه مرفوعا . أى: لمن كفر به ، وهو نوح - عليه السلام - أى : جحدت نبوته . فالكفر عليه ضد الإِيمان ، وعلى الأول كفران النعمة .. (١). والضمير المنصوب فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد تركناها آية ... ﴾ يعود إلى الفعلة المهلكة التى فعلها الله - تعالى - بقوم نوح - عليه السلام - . أى : ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح ، وإهلاكنا لهم ، آية وعلامة لمن بعدهم . وعظة وعبرة لمن يعتبر ويتعظ بها . ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ... ﴾(٢) ويصح أن يكون الضمير بعود إلى السفينة. أى: ولقد أبقينا هذه السفينة من بعد إهلاك قوم نوح ، علامة وعبرة لمن يشاهدها . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٨٣ . (٢) سورة الفرقان الآية ٣٧ . 1 ١٠٥ سورة القمر ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة ، وجعلناها آية للعالمين قال القرطبى : قوله : ﴿ولقد تركناها آية ... ﴾ يريد هذه الفعلة عبرة . وقيل : أراد السفينة ، تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل .. قال قتادة : أبقاها الله - تعالى - بِبَاقِرْدَى، من أرض الجزيرة - قرب الموصل بالعراق - لتكون عبرة وآية ، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة ، وكم من سفينة صارت بعدها رمادا .. (٣) . ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للرأيين فهذه العقوبة التى أنزلها - سبحانه - بقوم نوح - عليه السلام - بقيت عبرة لمن بعدهم لينزجروا ، ويكفوا عن تكذيب الرسل ، كما أن السفينة قد أبقاها - سبحانه - بعد إغراقهم إلى الزمن الذى قدره وأراده ، لتكون - أيضا - عبرة وعظة لغيرهم . والاستفهام فى قوله : ﴿ فهل من مذكر ﴾ للحض على التذكر والاعتبار، ولفظ مذكر ﴾ أصله مذتكر من الذَّكْر الذى هو ضد النسيان، فأبدلت التاء دالا مهملة ، وكذا الذال المعجمة ثم أدغمت فيها ، ومنه قوله - تعالى - : ﴿وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة ... ﴾ أى : وتذكر بعد نسيان . أى : ولقد تركنا ما فعلناه بقوم نوح عبرة ، فاعتبروا بذلك - أيها الناس - ، وأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة ، لتنجوا من غضبه وعقابه . والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿ فكيف كان عذابى ونذر ﴾ للتهويل والتعجيب من شدة هذا العذاب الذى حاق بقوم نوح - عليه السلام - . أى : فكيف كان عذابى لهم ، وإنذارى إياهم ؟ لقد كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف ، ولا تحدها العبارة . والنذر : مفرده نذير ، وجمع لتكرار الإِنذار من نوح - عليه السلام - لقومه . قال الجمل : وقرى فى السبع بإثبات الياء وحذفها . وأما فى الرسم فلا تثبت لأنها من ياءات الزوائد ، وكذا يقال فى المواضع الآتية كلها .. (٣) . (١) سورة العنكبوت الآية ١٥ . (٢) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٣٣ . (٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٨٤ . اے ١٠٦ المجلد الرابع عشر ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله ورحمته على هذه الآمة ، حيث جعل كتابه ميسرا فى حفظه وفهمه ، فقال - تعالى -: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ، فهل من مدكر ﴾ . أى: والله لقد سهلنا القرآن ﴿ للذكر﴾ أى: للتذكر والحفظ ، بأن أنزلناه فصيحا فى ألفاظه ، بليغا فى تراكيبه ، واضحا فى معانيه ، سهل الحفظ لمن أراد أن يحفظه .. فهل من معتبر ومتعظ ، بقصصه ، ووعده ، ووعيده ، وأمره ، ونهبه ؟ . وقد وردت هذه الآية فى أعقاب قصة نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام - ، لتأكيد مضمون ما سبق فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر . حكمة بالغة فما تغن النذر وللتنبيه والإِشعار بأن كل قصة من تلك القصص جديرة بإيجاب الاتعاظ ، وكافية فى الاعتبار والازدجار ﴿ لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد ﴾. والمقصود بالآية الكريمة التحضيض على حفظ القرآن الكريم والاعتبار بمواعظه ، والعمل بما فيه من تشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ، وهدايات سامية .. ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قبيلة عاد مع نبيهم هود - عليه السلام - فذكرت ما حل بهم من عقاب بسبب كفرهم وطغيانهم ، فقال - تعالى - : كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴿) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيَحَاصَرْ صَرً فِ يَوْمِ غَحْسٍ مُّسْتَمِرٍ (٨) تَزِعُ النَّاسَ كَنَهُمْ أَعْجَازُ ◌َخْلٍ مُّنْقَعِرٍ ® ، فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ ، وَلَقَدْ يَسِّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرِهِ ٢٢ والمراد بعاد ، تلك القبيلة التى ينتهى نسبها إلى جدهم عاد ، وكانت مساكنهم بالأحقاف فى جنوب الجزيرة العربية . وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - لكى يأمرهم بعبادة الله - تعالى - وحده ، وينهاهم عن عبادة غيره .. وقد جاء الحديث عنهم بصورة أكثر تفصيلا ، فى سور : الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والأحقاف ... ولم تعطف قصتهم هنا على قصة نوح التى قبلها ، للإِشعار بأنها قصة مستقلة جديرة بأن يعتبر بها المعتبرون ، ويتعظ بها المتعظون .. ١٠٧ سورة القمر وحذف المفعول فى قوله: ﴿ كذبت عاد) للعلم به وهو نبيهم هود - عليه السلام - أى : كذبت قبيلة عاد نبيها هودا - عليه السلام - . والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿ فكيف كان عذابى ونذر ﴾ للتهويل ، ولتشويق السامعين إلى معرفة العذاب الشديد الذى حل بهم . أى : كذبت قبيلة عاد نبيها ، فهل علمتم ما حل بها من دمار وهلاك ؟ إن كنتم لم تعلموا ذلك فهاكم خبره .. إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ... ﴾ أى: إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة البرودة والقوة ، ذات صوت هائل . ﴿ فى يوم نحس مستمر﴾ أى: فى يوم مشئوم عليهم، وشؤمه دائم ومستمر لم ينقطع عنهم حتى دمرهم . قال ابن كثير: قوله: ﴿ مستمر ﴾ أى: مستمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوى بالأخروى .. (١) . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى أيام نحسات ، لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ﴾(٢). وإضافة (( يوم)) إلى ((نحس)) من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه، كقولهم : يوم فتح خيبر .. والمراد أنه يوم منحوس ومشئوم بالنسبة لهؤلاء المهلكين ، وليس المراد أنه يوم منحوس بذاته ، لأن الأيام يداولها الله - تعالى - بين الناس ، بمقتضى إرادته وحكمته . وقوله : ﴿ تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ بيان لقوة هذه الريح وشدتها .. والنزع : الإِزالة للشىء بعنف ، حتى يزول عن آخره ، وينفصل عما كان متصلا به . والمراد بالناس : هؤلاء المهلكين من قوم هود - عليه السلام - . والأعجاز : جمع عجز ، وهو مؤخر الشىء وأسفله . وأعجاز النخل : أصولها التى تقوم عليها . والمراد بها هنا : النخل بتمامه ما عدا الفروع . وقوله : ﴿ منقعر﴾ اسم فاعل انقعر، مطاوع قَعَره أى: بلغ قعره بالحفر ، يقال: قعر فلان البئر إذا بلغ قعرها فى الحفر ، وهو صفة للنخل . أى : أن الريح لشدتها وقوتها ، كانت (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٦٤ . (٢) سورة فصلت الآية ١٦ . ١٠٨ المجلد الرابع عشر تقتلعهم من أماكنهم ، وتلقى بهم بعيدا وهم صرعى ، فكأهم وهم ممددون على الأرض هلكى ، أعجاز نخل قد انقلع عن أصوله ، وسقط على الأرض .. قال ابن كثير : وذلك أن الريح كانت تأتى أحدهم ، فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار . ثم تنكسه على أم رأسه ، فيسقط على الأرض ، فتنخلع رأسه فيبقى جثة بلا رأس ، ولهذا قال : كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾(١) . فالآية الكريمة فيها ما فيها من التفظيع لما أصابهم من هلاك واستئصال . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية . سخرها عليهم سبع ليال ، وثمانية أيام حسوما ، فترى القوم فيها صرعى ، كأنهم أعجاز نخل خاوية ﴾(٢) .. ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء الطغاة ، بمثل ما ختم به قصة قوم نوح ، من تذكير للناس بما أصاب هؤلاء الظالمين من عذاب أليم ، ومن دعوتهم إلى الاعتبار بقصص القرآن ، وزواجره ووعده ووعيده .. فقال - تعالى - : ﴿ فكيف كان عذابى ونذر . ولقد يسرنا القرآن للذكر ، فهل من مذكر ﴾ . ثم جاءت بعد قصة قوم هود ، قصة قوم صالح - عليهما السلام - فقال - سبحانه - : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ) فَقَالُواْأَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا تََّّعُهُ إِنَّ إِذَا لَِّىِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ لاَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَّهِ مِنْ يَكْتِنَابَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ٥ سَيَعْلَمُونَ غَدَّا مَنِ الْكَذَّابُ اُلْأَشِرُ ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْالنَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَيِرْه ٢٧ وَبِغْهُمْ أَنَّالْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرُ لَافَادَ وْصَاِجَهْ فَعَاطَى فَعَقَرَ ﴿) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ فَ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٦٤. ( ٢) سورة الحاقة الآيتان ٦، ٧ . ١٠٩ سورة القمر صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمٍ الْمُخْتَظِرِ ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ ٣٢ لِلذَّكْرِفَهَلْ مِنْ مُذَّكِرِ وقصة قبيلة ثمود مع نبيهم صالح - عليه السلام - قد وردت فى سور متعددة منها سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة الشعراء ، وسورة النمل . وينتهى نسبهم إلى جدهم ثمود ، وقيل سموا بذلك لقلة ماء المكان الذى كانوا يعيشون فيه ، لأن التمد هو الماء القليل . وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وهو مكان يقع بين الحجاز والشام ، ومازال معروفا إلى الآن . ونبيهم صالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - . وقوله : ﴿ كذبت ثمود بالنذر ﴾ أى: كذبت قبيلة ثمود بالنذر التى جاءتهم عن طريق رسولهم صالح - عليه السلام - فالنذر بمعنى الإِنذارات التى أنذرهم بها صالح - عليه السلام - ثم حكى - سبحانه - مظاهر تكذيبهم فقال : ﴿ فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ... ﴾ . و((بشرا)) منصوب على المفعولية بالفعل ((نتبعه)) على طريقة الاشتغال ، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام، لأن حقها التصدير ، والاستفهام للإِنكار ، وواحدا صفة لقوله بشرا﴾. أى: أن قوم صالح - عليه السلام - حين جاءهم برسالته التى تدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ، أنكروا ذلك ، وقالوا: أنتبع واحدا من البشر جاءنا بهذا الكلام الذى يخالف ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا ؟ . إنا إذا لفى ضلال وسعر ﴾ أى: إنا إذا لو اتبعناه لصرنا فى ضلال عظيم ، وفى سعر ﴾ أى وفى جنون واضح ، ومنه قولهم: ناقة مسعورة، إذا كانت لا تستقر على حال ، وتفرط فى سيرها كالمجنونة . أو المعنى: إنا لو اتبعناه لكنا فى ضلال ، وفى نيران عظيمة . فالسعر بمعنى النار المسعرة ، ثم أخذوا فى تفنيد دعوته ، فقالوا: ﴿ أألقى الذكر عليه من بيننا .. ﴾ والاستفهام للإِنكار والنفى. والمراد بالإلقاء : الإِنزال. وبالذكر : الوحى الذى أوحاه الله - تعالى - إليه ، وبلغه لهم . أى : أأنزل الوحى على صالح وحده دوننا ؟ لا لم ينزل عليه الوحى دوننا ، فهو واحد من أفنائنا ، وليس من أشرافنا .. ١١٠ المجلد الرابع عشر بل هو كذاب أشر﴾ أى: بل صالح فيما يدعونا إليه كذاب ﴿أشر﴾ أى: بطر ١ متكبر ، معجب بنفسه ، يقال : أشر فلان ، إذا أبطرته النعمة ، وصار مغرورا متكبرا على غيره ، ولا يستعمل نعم الله فيما خلقت له . وهكذا الجاهلون الجاحدون ، يقلبون الحقائق ، وتصير الحسنات فى عقولهم سيئات ، فصالح - عليه السلام - الذى جاءهم بما يسعدهم ، أصبح فى نظرهم كذابا مغرورا ، لا يليق بهم أن يتبعوه .. وقد رد - سبحانه - عليهم ردا يحمل لهم التهديد والوعيد ، فقال - تعالى - : سيعلمون غداً من الكذاب الأشر ﴾ . أى : سيعلم هؤلاء الكافرون ، فى الغد القريب يوم ينزل بهم العذاب المبين ، من هو الكذاب فى أقواله ، ومن هو المغرور المتكبر على غيره ، أصالح - عليه السلام - أم هم ؟! والتعبير بالسين فى قوله ﴿ سيعلمون﴾ لتقريب مضمون الجملة وتأكيده . والمراد بقوله : ﴿ غدا ﴾ الزمن المستقبل القريب الذى سينزل فيه العذاب عليهم .. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، ما أمر به نبيه صالحا - عليه السلام - فقال: ﴿ إنا مرسلو الناقة فتنة لهم ، فارتقبهم واصطبر ، ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر ﴾ . وقوله : ﴿ مرسلو الناقة﴾ أى: مخرجوها وباعثوها، لأنهم اقترحوا على نبيهم صالح أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقه ، لكى يتبعوه ، فأخرج الله - تعالى - لهم تلك الناقة ، من مكان مرتفع قريب منهم . وإلى هذا المعنى أشار - سبحانه - فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - : ﴿ قالوا إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا بشر مثلنا . فأت بآية إن كنت من الصادقين . قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾(١) . وقوله ﴿ فتنة﴾ أى : اختبارا وامتحانا لهم ، فهو مفعول لأجله . وقوله: ﴿ فارتقبهم ﴾ من الارتقاب بمعنى الانتظار، ومثله ﴿واصطبر ﴾ فهو من الاصطبار، وأل فى قوله: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم .. ﴾ للعهد. أى : الماء المعهود لهم، وهو ماء قريتهم الذى يستعملونه فى حوائجهم المتنوعة . وقوله : ﴿قسمة﴾ بمعنى المقسوم ، وعبر عنه بالمصدر للمبالغة. (١) سورة الشعراء الآيات ١٥٣ - ١٥٥ . ١١ سورة القمر والضمير فى ((بينهم)) يعود عليهم وعلى الناقة ، وجىء بضمير العقلاء على سبيل التغليب . . وقوله: ﴿ محتضر﴾ اسم مفعول من الحضور الذى هو ضد الغيبة ، وحذف المتعلق لظهوره . : أى : محتضر عنده صاحبه . والشِّرْب : النصيب والمرة من الشُّرب. أى : وقلنا لنبينا صالح على سبيل الإِرشاد والتعليم ، بعد أن طلب منه قومه معجزة تدل على صدقه . قلنا له . أخبرهم أننا سنرسل الناقة ، وسنخرجها لهم أمام أعينهم ، لتكون دليلا على صدقك ، ولتكون امتحانا واختبارا لهم ، حتى يظهر لك وللناس أيؤمنون أم يصرون على کفرهم . فارتقبهم ﴾ - أيها الرسول الكريم - ، وانتظر ماذا سيصنعون بعد ذلك واصطبر﴾ على أذاهم صبرا جميلا، حتى يحكم الله بينك وبينهم . ونبئهم﴾ أى. وأخبرهم خبرا هاما، هذا الخبر هو ﴿ أن الماء﴾ الذى يستقون منه قسمة بينهم ﴾ وبين الناقة ، أى : مقسوم بينهم وبينها ، فهم لا يشاركونها فى يوم شربها ، وهى لا تشاركهم فى يوم شربهم . ﴿ كل شرب محتضر﴾ أى: كل نصيب من الماء يحضره من هوله، فالناقة تحضر إلى الماء فى يومها ، وهم يحضرون إليه فى يوم آخر . ففى هاتين الآيتين تعليم حكيم من الله - تعالى - لنبيه صالح ، وإرشاد له إلى ما يجب أن يسلكه معهم ، بيقظة واعية يدل عليها قوله - تعالى -: ﴿ فارتقبهم ﴾ وبصبر جميل لا يأس معه ولا ضجر، كما يشير إليه قوله - تعالى -: ﴿ واصطبر ﴾. وسياق القصة ينبئ عن كلام محذوف ، يعلم من سياقها ، والتقدير : أرسلنا الناقة ، وقلنا له أخبرهم ، أن الماء مقسوم بينهم وبين الناقة واستمروا على ذلك فترة من الزمان ، ولكنهم ملوا هذه القسمة ، ولم يرتضوها ، وأجمعوا على قتل الناقة .. فنادوا صاحبهم﴾ وهو ((قدار بن سالف)) وهو المعبر عنه بقوله - تعالى - فى آية أخرى : ﴿ إذ انبعث أشقاها ﴾. وعبر عنه - سبحانه - بصاحبهم ، لأنه كان معروفا ، وزعيما من زعمائهم .. والمقصود بندائهم إياه : إغراؤه بعقر الناقة وقتلها ، مخالفين بذلك وصية نبيهم لهم بقوله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ فتعاطى فعقر ﴾ مفرع على ما قبله ، وقوله: ﴿تعاطى ﴾ مطاوع بچ ی ١١٢ المجلد الرابع عشر للفعل عاطاه ، وهو مشتق من عطا يعطو ، إذا تناول الشىء . وهذه الصيغة (( تعاطى)) تشير إلى تعدد الفاعل ، فكأن هذا النداء بقتل الناقة ، تدافعوه فيما بينهم ، وألقاه بعضهم على بعض ، فكان كل واحد منهم يدفعه إلى غيره ، حتى استقر عند ذلك الشقى الذى ارتضى القيام به وتولى كبره، حيث عقر الناقة، فمفعول ((عقر)) محذوف للعلم به . قال الآلوسى: قوله: ﴿ فتعاطى﴾ العقر، أى: فاجترأ على تعاطيه مع عظمه غير مکترث به . فعقر﴾ أى : فأحدث العقر بالناقة ، وجوز أن يكون فتعاطى الناقة فعقرها . أو: فتعاطى السيف فقتلها ، وعلى كل فمفعول تعاطى محذوف .. (١) . ولا تعارض بين هذه الآية التى تثبت أن الذى عقر الناقة هو هذا الشقى ، وبين الآيات الأخرى التى تصرح بأنهم هم الذين عقروها ، كما فى قوله - تعالى - ﴿ فعقروها فقال تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام ... ﴾. لأن المقصود أن القوم قد اتفقوا على هذا القتل للناقة ، فنادوا واحدا منهم لتنفيذه ، فنفذه وهم له مؤيدون ، فصاروا كأنهم جميعا عقروها ، لرضاهم بفعله ، والعقر . يطلق على القتل والذبح والجرح ، والمراد هنا : قتلها ونحرها . والتعبير بقوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ فكيف كان عذابى ونذر ﴾ يشير إلى هول العقوبة التى نزلت بهم ، بسبب مافعلوه من عقر الناقة ، ومن تكذيبهم لنبيهم . أى : انظر وتدبر - أيها العاقل - كيف كان عذابى وإنذارى لهؤلاء القوم ؟ لقد كان شيئا هائلا لا تحيط به العبارة . ثم فصل - سبحانه - هذا العقاب فقال : ﴿ إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ﴾ . والهشيم : ما تهشم وتفتت وتكسر من الشجر اليابس ، مأخوذ من الهشم بمعنى الكسر للشىء اليابس ، أو الأجوف . والمحتظر : هو الذى يعمل الحظيرة التى تكون مسكنا للحيوانات . أى : إنا أرسلنا عليهم - بقدرتنا ومشيئتنا - صيحة واحدة صاحها بهم جبريل - عليه (١) تفسير الآلوسى ج ٢٧ ص ٧٩ . ١١٣ سورة القمر السلام - فصاروا بعدها كغصون الأشجار اليابسة المكسرة ، يجمعها إنسان ليعمل منها حظيرة لسكنی حيواناته . والمقصود بهذا التشبيه ، بيان عظم ما أصابهم من عقاب مبين ، جعلهم ، كالأعواد الجافة حين تتحطم وتتكسر ويجمعها الجامع ليصنع منها حظيرته ، أو لتكون تحت أرجل. مواشيه . وهذا العذاب عبر عنه هنا وفى سورة هود بالصيحة فقال : ﴿ وأخذ الذين ظلموا الصيحة ... ﴾ . وعبر عنه فى سورة الأعراف بالرجفة فقال : ﴿ فأخذتهم الرجفة ... ﴾ وعبر عنه فى سورة فصلت بالصاعقة فقال: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى . فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ﴾ وعبر عنه فى سورة الحاقة بالطاغية ، فقال : ﴿ فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ... ﴾. ولا تعارض بين هذه التعبيرات لأنها متقاربة فى معناها ، ويكمل بعضها بعضا ، وهى تدل على شدة ما أصابهم من عذاب . فكأنه - سبحانه - يقول : لقد نزل بهؤلاء المكذبين الصيحة التى زلزلت كيانهم ، فصعقتهم وأبادتهم ، وجعلتهم كعيدان الشجر اليابس .. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة بما ختم به سابقتها فقال: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدکر وجاءت بعد قصة قوم صالح ، قصة قوم لوط - عليهما السلام - فقال - تعالى - : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِالنُّذُرِ ) إِنَآَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَّخَيْنَهُمْ بِسَخَرِ نِعْمَةٌ مِنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ تَجْزِى مَن شَكَرَ ®)، وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ٦)، وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ ) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ٣٨ فَذُ وقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِفَهَلْ مِنْ مُذَّكِرِ ٤٠ ١١٤ المجلد الرابع عشر وقصة لوط - عليه السلام - قد وردت فى سور متعددة ، منها : سور الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والنمل ، والعنكبوت .. ولوط - عليه السلام - هو - على الراجح - ابن أخى إبراهيم - عليه السلام - ، وكان قد آمن به وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله - تعالى - إلى أهل سدوم . وهى قرية بوادى الأردن وكالوا يأتون الفواحش التى لم يسبقهم إليها أحد .. وقوله - تعالى - ﴿ كذبت قوم لوط بالنذر ﴾ أى : كذبوا بالإنذارات والتهديدات التى هددهم بها نبيهم لوط ، إذا لم يستجيبوا لإِرشاداته وأمره ونهيه ... . فكانت نتيجة هذا التكذيب والفجور الذى انغمسوا فيه الهلاك والدمار كما قال - تعالى - : ﴿ إنا أرسلنا عليهم حاصبا ... ﴾. والحاصب : الريح التى تحصب ، أى: ترمى بالحصباء ، وهى الحجارة الصغيرة التى تهلك من تصيبه بأمر الله - تعالى - . فقوله: ﴿ حاصبا﴾ صفة لموصوف محذوف وهو الريح ، وجىء به مذكرا لكون موصوفه وهو الريح فى تأويل العذاب ، أى : إنا أرسلنا عليهم عذابا حاصبا أهلكهم .. والاستثناء فى قوله - سبحانه - : ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر ﴾ استثناء متصل، لأنهم من قومه . والسحر : هو الوقت الذى يختلط فيه سواد آخر الليل ، ببياض أول النهار وهو قبيل مطلع الفجر بقليل . أى: إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة ترميهم بالحصباء فتهلكهم ، إلا آل لوط ، وهم من آمن به من قومه ، فقد نجيناهم من هذا العذاب المهلك فى وقت السحر ، فالباء فى قوله : بسحر﴾ بمعنى ((فى)) الظرفية . أو هى للملابسة، أى : حال كونهم متلبسين بسحر. وقوله - تعالى - ﴿ نعمة من عندنا ... ) علة الإيحاء ، والنعمة بمعنى الإِنعام ، أى: انجينا آل لوط من العذاب الذى نزل بقومه على سبيل الإِنعام الصادر من عندنا عليهم لا من عند غيرنا . وقوله - تعالى -: ﴿ كذلك نجزى من شكر﴾ بيان لسبب هذا الإنعام والإيحاء .. أى : مثل هذا الجزاء العظيم ، المتمثل فى إيحائنا للمؤمنين من آل لوط وفى إنعامنا عليهم .. نجازى كل شاكر لنا ، ومستجيب لأمرنا ونهينا . فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين الشاكرين حتى يزدادوا من الطاعة لربهم ، وتعريض بسوء مصير الكافرين الذين لم يشكروا الله - تعالى - على نعمه . ١١٥ سورة القمر وفى قوله - تعالى -: ﴿ من عندنا﴾ تنويه عظيم بهذا الإِنعام ، لأنه صادر من عنده - تعالى - الذى لا تعد ولا تحصى نعمه . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بقوم لوط إلى الدمار والهلاك فقال: ﴿ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر .. ﴾ . والبطشة : المرة من البطش ، بمعنى الأخذ بعنف وقوة ، والمراد بها هنا : الإِهلاك الشديد . والتمارى : تفاعل من المراء بمعنى الجدال ، والمراد به هنا : التكذيب والاستهزاء ، ولذا عدى بالباء دون فى . أى : والله لقد أنذرهم لوط - عليه السلام - وخوفهم من عذابنا الشديد الذى لا يبقى ولا يذر ، ولكنهم كذبوه واستهزءوا به ، وبتهديده وبتخويفه إياهم . ثم يحكى - سبحانه - صورة أخرى من فجورهم فقال : ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ، فطمسنا أعينهم ، فذوقوا عذابى ونذر ﴾. والمراودة : مقابلة ، من راد فلان يرود ، إذا جاء وذهب ، لكى يصل إلى ما يريده من غيره عن طريق المحايلة والمخادعة . والمراد بضيفه ضيوفه من الملائكة الذين جاءوا إلى لوط - عليه السلام - لإِخباره بإهلاك قومه ، وبأن موعدهم الصبح .. أى : ووالله لقد حاول هؤلاء الكفرة الفجرة المرة بعد المرة ، مع لوط - عليه السلام - أن يمكنهم من فعل الفاحشة مع ضيوفه .. فكانت نتيجة محاولاتهم القبيحة أن ﴿ طمسنا أعينهم ﴾ أى حجبناها عن النظر ، فصاروا لا يرون شيئا أمامهم . قال القرطبى : يروى أن جبريل - عليه السلام - ضربهم بجناحه فعموا ، وقيل : صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق . كما تطمس الريح الأعلام بما تسفى عليها من التراب . وقيل : طمس اللّه على أبصارهم فلم يروا الرسل(١) . وعدى - سبحانه - فعل المراودة بعن . لتضمينه معنى الإِبعاد والدفع . أى : حاولوا دفعه عن ضيوفه ، ليتمكنوا منهم . وأسند المراودة إليهم جميعا : لرضاهم عنها ، بقطع النظر عمن قام بها . وقوله : ﴿ فذوقوا عذابى ونذر ﴾ مقول لقول محذوف ، أى طمسنا أعينهم وقلنا لهم: ذوقوا عذابى الشديد الذی سینزل بكم ، بسبب تكذيبكم لرسولی ، واستخفافكم بما وجه إلیکم من تخويف وإنذار . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٤٤ . ١١٦ المجلد الرابع عشر والمراد من هذا الأمر : الخبر . أى : فأذقتهم عذابى الذى أنذرهم به لوط - عليه السلام - . ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب فقال : ﴿ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ... ﴾. والبكرة : أول النهار وهو وقت الصبح، وجىء بلفظ بكرة للإِشعار بتعجيل العذاب لهم ، أى : والله لقد نزل بهم عذابنا فى الوقت المبكر من الصباح نزولا دائما ثابتا مستقرا لا ينفك عنهم ، ولا ينفكون عنه .. وقلنا لهم : ذوقوا عذابى ، وسوء عاقبة تكذيبكم الرسولى لوط - عليه السلام - . ثم ختم - سبحانه - قصتهم بما ختم به القصص السابقة فقال: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ﴾ . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة تكرير قوله : ﴿ فذوقوا عذابى ونذر . ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ﴾؟. قلت : فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا ، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه ، وأن يقرع لهم العصا مرات ، ويقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم السهو ، ولا تستولى عليهم الغفلة ، وهذا حكم التكرير ، كقوله : فبأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ عند كل نعمة عدها فى سورة الرحمن . وكقوله: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ عند كل آية أوردها فى سورة المرسلات، وكذلك تكرير الأنباء والقصص فى أنفسها ، لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب ، مصورة للأذهان ، مذكورة غير منسية فى كل أوان .. (١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان ما حل بفرعون وقومه ، وبتحذير مشركى قريش من سوء عاقبة كفرهم ، وببيان ما أعد لهم من عذاب يوم القيامة ، وبتبشير المتقين بحسن العاقبة فقال - تعالى - : وَلَقَدْجَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿ كَذَّبُواْبِثَايَتِنَكُلِهَا فَخَذْتَهُمْ أَخْذَ عَزِزٍ مُقْنَدِرٍ ، أَكْفَارُ كُمْ خَرٌ مِنْ أُوْلَبِكُمْأَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنَصِرٌ (١٥) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤١ . ١١٧ سورة القمر وَيُّوَلُّونَ الدُّبْرَ (٥)، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ٤َيَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ ﴿﴿ إِنَّالْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٦) عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَفَرَ (٢٥) إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَفْتَهُ بِقَدَرٍ لا وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ وَمَا أَمْرُ نَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ ٥ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ ﴾ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ ® إِنَّالْنَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَنَهَرِ ﴿ فِ مَقْعَدِ صِدَّقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ و ٥٥ وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة ، منها سور : الأعراف ، ويونس ، وهود ، وطه ، والشعراء ، والقصص . وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين ، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب ، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى - ، فقال - سبحانه -: ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر والمراد بآل فرعون : أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه . والنذر : جمع نذير ، اسم مصدر بمعنى الإِنذار ، وجىء به بصيغة الجمع ، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم . أى : والله لقد جاء إلى فرعون وآله ، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له .. بل ﴿ كذبوا بآياتنا كلها ﴾ أى : بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها ، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقه فيما يدعوهم إليه . وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله ، كلها للإِشعار بكثرتها ، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا . وقوله : ﴿ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴾ بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ ١١٨ المجلد الرابع عشر مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب ﴿ أخذ ... ﴾ على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى ((عزيز مقتدر)) من إضافة المصدر إلى فاعله . والعزيز : الذى لا يغلبه غالب ، والمقتدر : الذى لا يعجزه شيء يريده. أى : فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا ، بل أهلكناهم جميعا ، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب ، ولا يعجزه شىء. ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار ، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه ، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى .. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، يحق الحق ويبطل الباطل . وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين ، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة ، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين ، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار ، فقال - تعالى -: ﴿ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة فى الزبر والاستفهام للنفى والإِنكار ، والمراد بالخيرية ، الخيرية الدنيوية ، كالقوة والغنى والجاه ، والسلطان ، والخطاب لأهل مكة . والبراءة من الشىء : التخلص من تبعاته وشروره ، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين ، والسلامة منه . والزبر : جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه . والمعنى : أكفاركم - ياأهل مكة - خير من أولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض .. ؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا ، بأن لا تؤاخذكم على كفركم وشرككم .. ؟ كلا ، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط ، أو من فرعون وملئه ، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم .. وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإصرار على الكفر والجحود ؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم . ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال : ﴿ أم يقولون نحن جميع منتصر ﴾. أى . بل أيقولون نحن جميع يد واحدة ، وسننتصر على من خالفنا وعادانا ؟ ولقد توهموا ذلك فعلا ، وجاهروا به . وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ والتعريف فى ﴿ الجمع﴾ للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام. ١١٩ سورة القمر ٠٠ أى : سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم .. والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب ، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ . والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب ، الدال على إعجاز القرآن الكريم . قال الآلوسى : والآية من دلائل النبوة ، لأن الآية مكية ، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد ، ولا كان قتال ، ولذا قال عمر يوم نزلت : أى جمع يهزم ، أى : من جموع الكفار . فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - 183 - يثب فى الدرع وهو يقول ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ فعرفت تأويلها يومئذ .. (١). ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها ، وأنكى فقال: ﴿بل الساعة موعدهم ، والساعة أدهى وأمر ﴾ . والمراد بالساعة، يوم القيامة ((وأدهى)): اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه . وقوله ﴿وأمر ﴾ أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من . هزائم نهاية عقوباتهم ، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيئ ، ويوم القيامة هو أعظم داهية ، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى . ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال : ﴿إن المجرمين فى ضلال وسعر ﴾. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد ، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم . ويقال لهم ﴿ يوم يسحبون فى النار على وجوههم﴾ أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم ، على سبيل الإِهانة والإِذلال . : ذوقوا مس سقر ﴾ أى : ويقال لهم : ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها ، وقاسوا آلامها وعذابها . فقوله - تعالى -: ﴿ سقر) علم على جهنم ، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته ، إذا غيرت معالمه وأذابته ، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٩٢ . ، ١٢٠ المجلد الرابع عشر ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال : ﴿ إنا كل شىء خلقناه بقدر . وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ . وقوله : ﴿ كل﴾ منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده ، حسب ماتقتضيه حكمته ومشيئته . أى : إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون ، بتقدير حكيم ، وبعلم شامل ، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب ، كما قال - تعالى -: ﴿ وكل شىء عنده بمقدار﴾، وكما قال - سبحانه -: ﴿وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾، وكما قال - عز وجل -: ﴿وخلق كل شىء فقدره تقديرا ﴾. قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة ، على إثبات قدر الله السابق لخلقه ، وهو علمه بالأشياء قبل كونها . وردوا بهذه الآية وبما شاكلها ، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية ، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة . ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن أبى هريرة قال : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - رصد - فى القدر، فنزلت: ﴿ يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر، إنا كل شىء خلقناه بقدر ﴾(١). والباء فى قوله ﴿ بقدر ﴾ للملابسة. أى : خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم ، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا .. وقوله - سبحانه -: ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ بيان لكمال قدرته - تعالى - . واللمح : النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار ، يقال : لمح فلان الشىء إذا : أبصره بنظر سريع .. وقوله: ﴿واحدة ﴾ صفة لموصوف محذوف. أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: (( كن)) فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾. والمراد بهذه الآية وأمثالها : بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٦٧ .