Indexed OCR Text

Pages 1-20

البَفْسِيرُ الوَسِط
لِلِقُرآن الكْرِيم
تفسيرسور
النجم
الطور
الذاريات
القمر
الحديد
الحشر
الجمعة
الممتحنة
المنافقون
الطلاق
الواقعة
الرحمن
المجادلة
الصف
التغابن
التحريم
الدكور محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
المجلد الرابع عشر
دار المعارف
.:

مراجعة
د. عبدالرحمن العَدَوى
الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية
الناشر: دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.

بِسْمِاللَّهِالرّحمنِ الرَّحِيم
رَبَّنَا فَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١٢٧١٩)
صدق الله العظيم

نفسیر
سُورَةِ الزّارَيَاتْ

٧
مقدمة
بِسْم اللهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ﴿ الذاريات﴾ من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ستون آية. وكان
نزولها بعد سورة ((الأحقاف)).
٢ - وقد افتتحت هذه السورة بقسم من اللّه - تعالى - ، ببعض مخلوقاته ، على أن البعث
حق ، وعلى أن الجزاء حق .
قال - تعالى -: ﴿ والذاريات ذروا . فالحاملات وقرا . فالجاريات يسرا . فالمقسمات
أمرا. إنما توعدون لصادق . وإن الدين لواقع ﴾.
٣ - ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك، ما أعده - سبحانه - لعباده المتقين ، فقال -
تعالى -: ﴿إن المتقين في جنات وعيون. آخذين ما آتاهم ربهم ، إنهم كانوا قبل ذلك
محسنين . كانوا قليلا من الليل ما يهجعون . وبالأسحار هم يستغفرون . وفى أموالهم حق
للسائل والمحروم ﴾ .
٤ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك طرفا من قصة إبراهيم ولوط وهود وصالح وموسى
ونوح - عليهم السلام - مع أقوامهم ، ليكون فى هذا البيان ما يدعو كل عاقل إلى الاتعاظ
والاعتبار ، بحسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار .
٥ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما يدل على كمال قدرته ، وعلى سعة
رحمته ، ودعا الناس جميعا إلى إخلاص العبادة والطاعة له ، لأنه - سبحانه - ما خلقهم إلا
لعبادته .
قال - تعالى -: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما
أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين . فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب
أصحابهم فلا يستعجلون . فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون
٦ - هذا ، والمتدبر فى هذه السورة الكريمة ، يراها - كغيرها من السور المكية - قد
ركزت حديثها على إقامة الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله الواحد القهار ، وعلى أن

٨
المجلد الرابع عشر
البعث حق ، والجزاء حق ، وعلى أن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة الطيبة
لأنبيائه وأتباعهم ، والعاقبة السيئة للمكذبين لرسلهم ، وعلى أن الوظيفة التى من أجلها خلق
الله - تعالى - الجن والإنس ، إنما هى عبادته وطاعته .
نسأل الله - تعالى - أن يهدينا جميعا إلى صراطه المستقيم . وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم .
د . محمد سيد طنطاوى
١٨ من جمادى الأولى ١٤٠٦ هـ
٢٩/ ١/ ١٩٨٦ م

٩
سورة الذاريات
التفسير
قال الله - تعالى - :
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحْمِ
3.1
وَاُلَّرِيَتِ ذَرْوَا فَلْحَمِلَتِ وِقْرًا ؟ فَالْحَرِيَتِ يُسْرَان)
فَأْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا ن ◌َِّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ، وَإِنَّالِينَ لَوَقٌ ))
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ، إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْقَكُ عَنْهُ مَنْ
أُفِكَ أَ قُئِلَ الْخَرَّصُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَةِسَاهُونَ
يَسْتَلُونَ أَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴿١) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِيُفْنَنُونَ (٣) ذُوقُواْ
١٤
فِنْتَتَّكُمْ هَذَا الَّذِى كُم بِهِ تَسْتَعِْلُونَ
والمراد بالذاريات : الرياح التى تذرو الشىء ، أى تسوقه وتحركه وتنقله من مكانه .
فهذا اللفظ اسم فاعل من ذرا المعتل ، بمعنى فرَّق وبدّد . يقال : ذَرَت الرياح التراب
تذروه ذَرْوًّا، وتَذْرِيه ذَرْيًا - من بابى عدا ورمى - إذا طيرته وفرقته .
ومنه قوله - تعالى -: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ، كماء أنزلناه من السماء فاختلط
به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح .. ﴾(١). أى: تنقله وتحركه من مكان إلى آخر.
والمفعول محذوف، و(( ذروا)» مصدر مؤكد ، وناصبه لفظ الذاريات ، أى: وحق الرياح
التى تذروا التراب وغيره ذروا ، وتحركه تحريكا شديدا .
والمراد بالحاملات : السحب التى تحمل الأمطار الثقيلة ، فتسير بها من مكان إلى آخر .
(١) سورة الكهف الآية ٤٥ .

١٠
المجلد الرابع عشر
min mim al EHE
NE THE IRHE
'۔۔
والوقر - بكسر الواو - كالحمل وزنا ومعنى ، وهو مفعول به .
أى : فالسحب الحاملات للأمطار الثقيلة ، وللمياه الغزيرة ، التى تنزل على الأرض .
اليابسة ، فتحولها - بقدرة الله - تعالى - إلى أرض خضراء .
وهذا الوصف للسحاب بأنه يحمل الأمطار الثقيلة ، قد جاء ما يؤيده من الآيات القرآنية ،
ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته ، حتى إذا أقلت
(١)
سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ..
.
وقوله - سبحانه -: ﴿ هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب
الثقال .. ﴾(٢).
والمراد بالجاريات : السفن التى تجرى فى البحر ، فتنقل الناس وأمتعتهم من بلد إلى بلد .
وقوله : ﴿ يسرا) صفة المصدر محذوف بتقدير مضاف، أى: فالجاريات بقدرة الله -
تعالى - فى البحر جريا ذا يسر وسهولة ، إلى حيث يسيرها ربانها .
ويصح أن يكون قوله ﴿ يسرا﴾ حال. أى. فالجاريات فى حال كونها ميسرة مسخرا لها
البحر .
ومن الآيات التى تشبه فى معناها هذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ومن آياته الجوار فى البحر
کالأعلام
والمراد بالمقسمات فى قوله - سبحانه - ﴿ فالمقسمات أمرا﴾ الملائكة، فإنهم يقسمون
أرزاق العباد وأمورهم وشئونهم .. على حسب ما يكلفهم الله - تعالى - به من شئون مختلفة .
و﴿ أمرا﴾ مفعول به ، للوصف الذى هو المقسمات ، وهو مفرد أريد به الجمع ، أى:
المقسمات لأمور العباد بأمر الله - تعالى - وإرادته .
وهذا التفسير لتلك الألفاظ ، قد ورد عن بعض الصحابة ، فعن أبى الطفيل أنه سمع
عليا - رضى الله عنه - يقول - وهو على منبر الكوفة - : لا تسألونى عن آية فى كتاب
اللّه، ولا عن سنة رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير
المؤمنين. ما معنى قوله - تعالى -: ﴿ والذاريات ذروا﴾ قال: الريح. ﴿فالحاملات
وقرا﴾ قال: السحاب. ﴿فالجاريات يسرا﴾ قال: السفن، ﴿ فالمقسمات أمرا﴾ قال:
الملائكة .
(١ ) سورة الأعراف الآية ٥٧ .
( ٢) سورة الرعد الآية ١٢ .
(٣) سورة الشورى الآية ٣٢ .

سورة الذاريات
وروى مثل هذا التفسير عن عمر بن الخطاب ، وعن ابن عباس .(١) .
ومن العلماء من يرى أن هذه الألفاظ جميعها صفات للرياح .
قال الإِمام الرازى . هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات : هى الرياح التى تنشىء
السحاب أولا . والحاملات : هى الرياح التى تحمل السحب التى هى بخار الماء .. والجاريات :
هى الرياح التى تجرى بالسحب بعد حملها . والمقسمات : هى الرياح التى تفرق الأمطار على
الأقطار (٢) .
ومع وجاهة رأى الإمام الرازى فى هذه المسألة ، إلا أننا نؤثر عليه الرأى السابق ، لأنه
ثابت عن بعض الصحابة ، ولأن كون هذه الألفاظ الأربعة لها معان مختلفة ، أدل على قدرة
الله - تعالى - وعلى فضله على عباده .
وقد تركنا أقوالا ظاهرة الضعف والسقوط . كقول بعضهم : الذاريات هن النساء ، فإنهن
يذرين الأولاد ، بمعنى أنهن يأتين بالأولاد بعضهم فى إثر بعض ، كما تنقل الرياح الشىء من
مكان إلى مكان .
قال الآلوسى : ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات - كما هو الرأى
المعول عليه - فالفاء للترتيب فى الأقسام ذكرا ورتبة ، باعتبار تفاوت مراتبها فى الدلالة على
كمال قدرته - عز وجل - وهذا التفاوت إما على الترقى أو التنزل ، لما فى كل منها من الصفات
التى تجعلها أعلى من وجه وأدنى من آخر .
وإن حملت على واحد وهو الرياح ، فهى لترتيب الأفعال والصفات ، إذ الريح تذرو
الأبخرة إلى الجو أولا ، حتى تنعقد سحابا ، فتحمله ثانيا ، وتجرى به ثالثا ناشرة وسائقة له إلى
حيث أمرها الله - تعالى - ثم تقسم أمطاره(٣) .
وقوله: ﴿ إنما توعدون الصادق﴾ جواب القسم. و((ما)) موصولة والعائد محذوف،
والوصف بمعنى المصدر . أى : وحق هذه الأشياء التى ذكرتها لكم إن الذى توعدونه من الجزاء
والحساب والبعث .. لصدق لا يحوم حوله كذب أوشك .
ويجوز أن تكون (( ما)) مصدرية . أى : إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق .
وقوله: ﴿وإن الدين لواقع﴾ تأكيد وتقرير لما قبله. أى: وإن الجزاء على الأعمال لواقع
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٩١.
( ٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٦٢٨ .
( ٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٣.

١٢
المجلد الرابع عشر
وقوعا لا ريب فيه . فالمراد بالدين هنا: الجزاء، كما فى قوله - سبحانه - ﴿ يومئذ يوفيهم
اللّه دينهم الحق .. ﴾.
ومنه قولهم: (( كما تدين تدان)) أى: كما تعمل تجازى ، ومعنى وقوعه : حصوله .
ثم أقسم - سبحانه - قسما آخر بالسماء ذات الحبك فقال: ﴿ والسماء ذات الحبك . إنكم
لفى قول مختلف . يؤفك عنه من أفك ﴾ .
والحبك: جمع حَبِيكة ، كطريقة - وزنا ومعنى - ، أو جمع حِبَاك - كُمُثُل ومِثَال - ،
والحبيكة والحباك . الطريقة فى الرمل وما يشبهه . أى : وحق السماء ذات الطرق المتعددة ،
والتى لا ترونها بأعينكم لبعدها عنكم .
ويرى بعضهم أن معنى ذات الحبك : ذات الخلق الحسن المحكم .. أو ذات الزينة والجمال .
قال القرطبى : وفى الحبك أقوال : الأول : قال : ابن عباس : ذات الخلق الحسن المستوى
يقال ، حبَك فلان الثوب يحبِكُه - بكسر الباء - إذا أجاد نسجه .
الثانى : ذات الزينة . الثالث : ذات النجوم ، الرابع : ذات الطرائق . ولكنها تبعد من
العباد فلا يرونها . الخامس: ذات الشدة ... (١).
وقوله: ﴿ إنكم لفى قول مختلف﴾ جواب القسم. وقوله: ﴿يؤفك عنه .. ﴾ من
الأفْك - بفتح الهمزة وسكون الفاء - بمعنى ألصرف للشئ عن وجهه الذى يجب أن يكون
عليه .
والضمير فى ((عنه)) يعود إلى النبى - صل1 - أو إلى القرآن الكريم.
فيكون المعنى : وحق السماء ذات الطرق المتعددة ، وذات الهيئة البديعة المحكمة الجميلة ..
إنكم - أيها المشركون - ((لفى قول مختلف )) أى : متناقض متخالف ، فمنكم من يقول عن
القرآن الكريم إنه: أساطير الأولين، ومنكم من يقول عن الرسول - وَله - : إنه ساحر أو
مجنون .
والحق أنه يصرف عن الإيمان بهذا القرآن الكريم الذى جاء به الرسول - وَلقة - من
صرفه الله - تعالى - عنه ، بسبب إيثاره الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية ، والكفر
على الإِيمان .
والتعبير بقوله: ﴿ من أفك) للإشعار بأن هذا الشقى الذى آثر الكفر على الإِيمان، قد
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٣١ .
:

١٣
٠
سورة الذاريات
صرف عن الرشاد وعن الخير صرفا ، ليس هناك ما هو أشد منه فى سوء العاقبة .
فهذا التعبير شبيه فى التهويل بقوله - تعالى - : ﴿ فغشيهم من اليم ما غشيهم ﴾.
. قال الجمل: ﴿يؤفك﴾ يصرف ﴿عنه﴾ عن النبى - وَ الله - والقرآن الكريم. أى:
عن الإِيمان به ﴿ من أفك﴾ أى: من صرف عن الهداية فى علم الله - تعالى - .
وقيل : الضمير للقول المذكور . أى : يرتد ، أى : يصرف عن هذا القول من صرف عنه
فى علم الله - تعالى - وهم المؤمنون (١).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المكذبين فقال : ﴿ قتل الخراصون . الذين هم فى غمرة
ساهون . يسألون أيان يوم الدين . يوم هم على النار يفتنون ﴾.
والخراصون : جمع خرَّاص، وأصل الخَرْص : الظن والتخمين ، ومنه الخارص الذى
يخرص النخلة ليقدر ما عليها من ثمر ، والمراد به هنا : الكذب ، لأنه ينشأ غالبا عن هذا
الخرص ، والمراد بالآية الدعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة الله - تعالى - .
أى: لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - هؤلاء الكذابون ، الذين قالوا فى
الرسول - * - ما هو منزه عنه .. والذين هم ﴿فى غمرة ساهون﴾ أى: فى جهالة
تغمرهم كما يغمر الماء الأرض . فهم ساهون وغافلون عن كل خير .
فالغمرة : ما يغمر الشىء ويستره ويغطيه ، ومنه قولهم: نهر غَمْر ، أى : يغمر من دخله .
والمراد : أنهم فى جهالة غامرة لقلوبهم . وفى غفلة تامة عما ينفعهم .
وهذا التعبير فيه ما فيه من تصوير ما هم عليه من جهالة وغفلة ، حيث يصورهم -
سبحانه - وكأن ذلك قد أحاط بهم وغمرهم حتى لكأنهم لا يحسون بشىء مما حولهم .
ثم بين - سبحانه - ما كانوا عليه من سوء أدب فقال : ﴿ يسألون أيان يوم الدين ﴾.
و ((أيان)) بمعنى متى . أى: يسألون سؤال استهزاء واستخفاف فيقولون: متى يكون هذا
البعث الذى تحدثنا عنه يا محمد ، ومتى يوم الجزاء والحساب الذى تهددنا به ؟
وهنا يأتيهم الجواب الذى يردعهم ويبين لهم سوء مصيرهم . فيقول - سبحانه - : ﴿ يوم
هم على النار يفتنون ﴾ أى يقع هذا اليوم الذى تسألون عنه وهو يوم البعث والحساب
والجزاء .. يوم تحرقون بالنار - أيها الكافرون - ، وتعذبون فيها عذاب أليما .
و ((يفتنون)) مأخوذ من الفَتْنِ بمعنى الاختبار والامتحان، يقال: فتنتُ الذهب بالنار ، إذا
(١) تفسير الجلالين وحاشيته جـ ٤ ص ٢٠٢ .

١٤
المجلد الرابع عشر
أذبته لتظهر جودته من غيرها . والمراد به هنا : الإِحراق بالنار .
وعدى ((يفتنون)) بعلى، لتضمنه معنى يعرضون ، أوعلى بمعنى فى .
وقوله : ﴿ ذوقوا فتنتكم .. ﴾ مقول القول محذوف .
أى : هذا اليوم الذى يسألون عنه واقع يوم الجزاء .. يوم يقال لهم وهم يعرضون على
النار : ذوقوا العذاب المعد لكم ، أو ذوقوا سوء عاقبة كفركم .
هذا﴾ العذاب المهين، هو ﴿ الذى كنتم به تستعجلون﴾ فى الدنيا، وتقولون - على
سبيل الاستهزاء والإِنكار - للنبى - * - ولأصحابه: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم
صادقين ﴾.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أكدت بأقوى الأساليب وأحكمها ، أن يوم البعث والجزاء
والحساب حق ، وان المكذبين بذلك سيذوقون أشد العذاب .
وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب أو العكس ، جاء الحديث عن حسن
عاقبة المتقين بعد الحديث عن سوء مصير المكذبين فقال - سبحانه - :
إِنَّالْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ
وَعُيُونٍ ﴿٥ ◌َلِذِينَ مَآءَانَمُهُمْ رَبُهُمْ إَِهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ
كَانُوْقَلِيلًاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿ وَبِالْأَسْمَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
﴾ وَفِي أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَآئِلِ وَالْمَخْرُومِ ، وَفِ اْأَرْضِءَايٌَ
١٨
لِلْمُوقِنِينَ ، وَ فِى أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ، وَ فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ
وَمَا تُوعَدُونَ ﴿ فَوَرَبِّ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ
نَنطِقُونَ
٢٢
والمعنى: ﴿إن المتقين﴾ وهم الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى الله - تعالى - .
﴿فى جنات وعيون﴾ أى: مستقرين فى جنات وبساتين فيها عيون عظيمة ، لا يبلغ
وصفها الواصفون .

سورة الذاريات
آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ أى: هم منعمون فى الجنات وما اشتملت عليه من عيون
جارية ، حالة كونهم آخذين وقابلين لما أعطاهم ربهم من فضله وإحسانه .
وقوله : ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ بمثابة التعليل لما قبله. أى : هم فى هذا الخير
العميم من ربهم لأنهم ، كانوا قبل ذلك - أى : فى الدنيا - محسنين لأعمالهم ، ومؤدين لكل
ما أمرهم به - سبحانه - بإتقان وإخلاص .
ثم بين - سبحانه - مظاهر إحسانهم فقال: ﴿ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ﴾ أى
كانوا ينامون من الليل وقتا قليلا ، أما أكثره فكانوا يقضونه فى العبادة والطاعة . .
والهجوع : النوم ليلا ، وقيده بعضهم بالنوم القليل ، إذ الهجعة هى النومة الخفيفة ، تقول :
أتيت فلانا بعد هجعة ، أى بعد نومة قليلة .
عن الحسن قال : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله ، كابدوا قيام الليل .
ثم مدحهم - سبحانه - بصفة أخرى فقال: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ والأسحار
جمع سحر ، وهو الجزء الأخير من الليل .
أى ، وكانوا فى أوقات الأسحار يرفعون أكف الضراعة إلى الله - تعالى - يستغفرونه مما
فرط منهم من ذنوب ، ويلتمسون منه - تعالى - قبول توبتهم وغسل حوبتهم .
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : وفى الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتھجدون ويجتهدون، ثم
يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك ، وأخلص منه ، ويستغفرون من التقصير ، وهذه سيرة
الكريم : يأتى بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ، ويعتذر من التقصير ، واللئيم يأتى بالقليل
ويستكثره .
وفيه وجه آخر ألطف منه : وهو أنه - تعالى - لما بين أنهم يهجعون قليلا ، والهجوع
مقتضى الطبع . قال ﴿ يستغفرون ﴾ أى : من ذلك القدر من النوم القليل.
ومدحهم بالهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر .. للإشارة إلى أن نومهم عبادة ، حيث مدحهم
بكونهم هاجعين قليلا ، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى ، وهو الاستغفار .. فى
وجوه الأسحار، ومنعهم من الإِعجاب بأنفسهم ومن الاستكبار .. (١).
ثم مدحهم - سبحانه - للمرة الثالثة فقال: ﴿وفى أموالهم حق للسائل والمحروم ﴾.
والسائل : هو من يسأل غيره العون والمساعدة . والمحروم : هو المتعفف عن السؤال مع
أنه لا مال له لحرمان أصابه ، بسبب مصيبة نزلت به ، أو فقر كان فيه .. أو ما يشبه ذلك .
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٦٣٥.

١٦
المجلد الرابع عشر
قال ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى المراد من المحروم هنا : والصواب من
القول فى ذلك عندى : أنه الذى قد حرم الرزق واحتاج ، وقد يكون ذلك بذهاب ماله وثمره
فصار ممن حرمه الله . وقد يكون بسبب تعففه وتركه المسألة . وقد يكون بأنه لا سهم له فى
الغنمية لغيبته عن الواقعة (١).
أى: أنهم بجانب قيامهم الليل طاعة لله - تعالى - واستغفارا لذنوبهم .. يوجبون على
أنفسهم فى أموالهم حقا للسائل والمحروم ، تقربا إلى الله - سبحانه - بمقتضى ما جبلوا عليه
من كرم وسخاء .
فالمراد بالحق هنا : ما يقدمونه من أموال للمحتاجين على سبيل التطوع وليس المراد به
الزكاة المفروضة ، لأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت فى السنة الثانية من الهجرة .
قال الآلوسى: ﴿وفى أموالهم حق ﴾ هو غير الزكاة كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وقال منذر بن سعيد : هذا الحق هو الزكاة المفروضة ، وتعقب بأن السورة مكية . وفرض
الزكاة بالمدينة . وقيل : أصل فريضة الزكاة كان بمكة والذى كان بالمدينة القدر المعروف
اليوم .. والجمهور على الأول(٢).
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى أن هؤلاء المتقين، قد مدحهم الله - تعالى - هذا
المدح العظيم ، لأنهم عرفوا حق الله عليهم فأدوه بإحسان وإخلاص ، وعرفوا حق الناس
عليهم فقدموه بكرم وسخاء .
ثم لفت - سبحانه - الأنظار إلى ما فى الأرض من دلائل على قدرته ووحدانيته فقال :
وفى الأرض آيات للموقنين﴾. أى: وفى الأرض آيات عظيمة وعبر وعظات بليغة، تدل
على وحدانية الله وقدرته ، كصنوف النبات ، والحيوانات ، والمهاد ، والجبال، والقفار ،
والأنهار ، والبحار . وهذه الآيات والعبر لا ينتفع بها إلا الموقنون بأن المستحق للعبادة إنما هو
الله - عز وجل - .
ثم لفتة أخرى إلى النفس البشرية ، قال - تعالى -: ﴿وفى أنفسكم أفلا تبصرون ﴾.
أى: وفى أنفسكم وذواتكم وخلقكم ... أفلا تبصرون إبصار تذكر واعتبار ، فإن فى خلقكم
من سلالة من طين ، ثم جعلكم نطفة فعلقة فمضغة فخلقا آخر ، ثم فى رعايتكم فى بطون
أمهاتكم . ثم فى تدرجكم من حال إلى حال ، ثم فى اختلاف ألسنتكم وألوانكم ، ثم فى
.( (١) تفسير ابن جرير جـ ٢٦ ص ١٢٦.
( ٢ ) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٩ .

١٧
سورة الذاريات
التركيب العجيب الدقيق لأجسادكم وأعضائكم . ثم فى تفاوت عقولكم وأفهامكم واتجاهاتكم .
فى كل ذلك وغيره ، عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين .
ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ﴿وفى الأرض آيات
تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره ، حيث هى مدحوّة كالبساط .. وفيها المسالك
والفجاج للمتقلبين فيها ، والماشين فى مناكبها .
وهى مجزأة : فمن سهل وجبل ، وبر وبحر ، وقطع متجاورات : من صلبة ورخوة ، وطيبة
وسبخة ، وهى كالطروقة تلقح بألوان النبات .. وتسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض
فى الأكل ، وكلها موافقة لحوائج ساكنيها .
فى كل ذلك آيات ﴿ للموقنين ﴾ أى: للموحدين الذين سلكوا الطريق السوى ..
فازدادوا إيمانا على إيمانهم .
وفى أنفسكم ﴾ فى حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال ، وفى بواطنها وظواهرها،
من عجائب الفطر . وبدائع الخلق ، ما تتحير فيه الأذهان ، وحسبك بالقلوب ، وماركز فيها
من العقول ، وخصت به من أصناف المعانى ، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف ، وما فى
تركيبها وترتيبها ولطائفها : من الآيات الدالة على حكمة المدبر .. فتبارك الله أحسن
الخالقين(١).
ثم لفتة ثالثة للأنظار إلى الأسباب الظاهرة للرزق ، تراها فى قوله - تعالى -: ﴿وفى
السماء رزقكم وما توعدون ﴾ .
أى : أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة عنده - سبحانه - وهى تنزل إليكم من جهة السماء ، عن
طريق الأمطار التى تنزل على الأرض الجدباء . فتنبت بإذن الله من كل زوج بهيج .
كما قال - تعالى -: ﴿هو الذى يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا ﴾ (٢).
وقال - سبحانه -: ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إليه فى يوم كان
مقداره ألف سنة مما تعدون ﴾(٣).
قال القرطبى : قوله: ﴿ وفى السماء رزقكم ﴾ الرزق هنا: ما ينزل من السماء من مطر
(١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٩٩ .
(٢) سورة غافر آية ١٣ .
( ٣) سورة السجدة الآية ٥ .

١٨
المجلد الرابع عشر
ينبت به الزرع ، ويحيى به الإِنسان .. أى : وفى السماء سبب رزقكم ، سمى المطر سماء لأنه
من السماء ينزل .
وقال سفيان الثورى: ﴿وفى السماء رزقكم﴾ أى: عند الله فى السماء رزقكم (١).
وقوله: ﴿ وما توعدون﴾ أى: وفى السماء محددة ومقدرة أرزاقكم. وما توعدون به من
ثواب أو عقاب ، ومن خير أو شر ، ومن بعث وجزاء .
و﴿ ما﴾ فى محل رفع عطف على قوله ﴿رزقكم﴾ أى: وفى السماء رزقكم والذى
توعدونه من ثواب على الطاعة ، ومن عقاب على المعصية .
فالآية الكريمة وإن كانت تلفت الأنظار إلى أسباب الرزق وإلى مباشرة هذه الأسباب ، إلا
أنها تذكر المؤمن بأن يكون اعتماده على خالق الأسباب ، وأن يراقبه ويطيعه فى السر والعلن
لأنه - سبحانه - هو صاحب الخلق والأمر .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بهذا القَسَم فقال: ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق
مثل ما أنكم تنطقون ﴾ .
والضمير فى قوله ﴿ إنه ﴾ يعود إلى ما سبق الإخبار عنه من أمر البعث والحساب والجزاء
والرزق .. وغير ذلك مما يدل على صدق الرسول - بَليه - فيما أخبر به عن ربه .
ولفظ ((مثل)) منصوب بنزع الخافض، و((ما)) مزيدة للتأكيد أى : فوحق رب السماء
والأرض ، إن جميع ما ذكرناه لكم فى هذه السورة ، أو فى هذا القرآن ، حق ثابت لامرية فيه ،
كمثل نطقكم الذى تنطقونه بألسنتكم دون أن تشكوا فى كونه قد صدر عنكم لا عن غيركم .
فالمقصود بالآية الكريمة ، تأكيد صدق ما أخبر به الله - تعالى - عباده فى هذه السورة
وغيرها ، لأن نطقهم بألسنتهم حقيقة لا يجادل فيها مجادل ، وكذلك ما جاء به
الرسول - 183 - من عند ربه ، وما تلاه عليهم فى هذه السورة وغیرها ، حق ثابت لا ريب
فيه .
وهكذا نرى هذه الآيات قد بشرت المتقين بألوان من البشارات ، ثم لفتت عقول الناس
إلى ما فى الأرض وإلى ما فى أنفسهم وإلى ما فى السماء من عظات وعبر .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء السابقين فبدأت بجانب
من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق ، فقال -
تعالى :
(١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٤١ .

١٩
سورة الذاريات
هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُّكْرَمِينَ
٢٤
إِذْدَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُوْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُكَّرُونَ (٥) فَاغَ إلَّا
أَهْلِهِ، فَجَاءَبِعِجْلٍ سَمِينٍ (٦) فَقَرَُّ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُونَ
﴾ فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَّخَفْ وَكَشَّرُوهُ بِغُلَامِ عَلِيمٍ
٢٧
١٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِ صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوُ عَقِيمُ
﴾ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِّ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيِمُ وَ
٢٩
قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (١٦) قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ
تُجْرِمِينَ ﴿ لِتُسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ الْمُسَوَّمَةٌ عِندَ رَبِّكَ
لِلْمُسْرِفِينَ ﴿ فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٥)، فَذَا وَحَدْنَا
فِيَا غَيْرَبَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (٦)، وَتَرَكْتَافِيهَآءَايَّةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٣٧١
وهذه القصة التى تحكى لنا هنا ما دار بين إبراهيم - عليه السلام - وبين الملائكة الذين
جاءوا لبشارته بابنه إسحاق ، ولإخباره بإهلاك قوم لوط ، قد وردت قبل ذلك فى سورتى هود
والحجر .
وقد افتتحت هنا بأسلوب الاستفهام ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ للإشعار
بأهمية هذه القصة ، وتفخيم شأنها ، وبأنها لا علم بها إلا عن طريق الوحى ... وقيل إن هل
هنا بمعنى قد .
والمعنى : هل أتاك - أيها الرسول الكريم - حديث ضيف إبراهيم المكرمين ؟ إننا فيما
أنزلناه عليك من قرآن كريم ، نقص عليك قصتهم بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، على
سبيل التثبيت لك ، والتسلية لقلبك .
(*) أول الجزء السابع والعشرين .

٢٠
المجلد الرابع عشر
والضيف فى الأصل مصدر بمعنى الميل ، يقال ضاف فلان فلانا إذا مال كل واحد منهما نحو
الآخر ، ويطلق على الواحد والجماعة . والمراد هنا : جماعة الملائكة الذين قدموا على
إبراهيم - عليه السلام - وعلى رأسهم جبريل ، ووصفهم بأنهم كانوا مكرمين ، لإكرام الله -
تعالى - لهم بطاعته وامتثال أمره . ولإكرام إبراهيم لهم ، حيث قدم لهم أشهى الأطعمة
وأجودها .
قال الآلوسى : قيل : كانوا اثنى عشر ملكا وقيل : كانوا ثلاثة : جبريل وإسرافيل
وميكائيل . وسموا ضيفا لأنهم كانوا فى صورة الضيف ، ولأن إبراهيم - عليه السلام -
حسبهم كذلك ، فالتسمية على مقتضى الظاهر والحسبان .
وبدأ بقصة إبراهيم وإن كانت متأخرة عن قصة عاد ، لأنها أقوى فى غرض التسلية(١).
والظرف فى قوله : ﴿ إذا دخلوا عليه .. ﴾ متعلق بلفظ ﴿حديث﴾ السابق.
أى : هل بلغك حديثهم الواقع فى وقت دخولهم عليه .. أو بمحذوف تقديره : اذكر ، أى :
اذكر وقت أن دخلوا عليه ﴿ فقالوا سلاما﴾، أى: فقالوا نسلم عليك سلاما .
قال سلام قوم منكرون ﴾ أى : قال إبراهيم فى جوابه عليهم: عليكم سلام ، أنتم قوم
منكرون أى : غير معروفين لى قبل ذلك .
قال صاحب الكشاف : أنكرهم للسلام الذى هو علم الإِسلام ، أو أراد أنهم ليسوا من
معارفه ، أو من جنس الناس الذين عهدهم .. أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس
وشكلهم ، أو كان هذا سؤالا لهم، كأنه قال: أنتم قوم منكرون فعرفونى من أنتم .. (٢).
وقيل : إن إبراهيم قد قال ذلك فى نفسه ، والتقدير : هؤلاء قوم منكرون ، لأنه لم يرهم
قبل ذلك .
وقال إبراهيم فى جوابه عليهم ﴿ سلام﴾ بالرفع ، لإِفادة الدوام والثبات عن طريق
الجملة الاسمية ، التى تدل على ذلك ، وللإشارة إلى أدبه معهم ، حيث رد على تحيتهم بأفضل
منها.
ثم بين - سبحانه - ما فعله إبراهيم بعد ذلك فقال: ﴿ فراغ إلى أهله فجاء بعجل
سمين﴾ أى: فذهب إلى أهله فى خفية من ضيوفه . فجاء إليهم بعجل ممتلئ لحما وشحما .
يقال : راغ فلان إلى كذا ، إذا مال إليه فى استخفاء وسرعة .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١١ .
(٢ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤٠١ .