Indexed OCR Text

Pages 341-355

٣٤١
سورة ق
والمراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - : ﴿ ولقد خلقنا الإِنسان ونعلم ما توسوس به
نفسه .. ﴾ جنسه. وقوله: ﴿توسوس﴾ من الوسوسة وهو الصوت الخفى، والمراد به
حديث الإِنسان مع نفسه . قال الشاعر :
وأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزرى بالأمل
وما ﴾ موصولة، والضمير عائد عليها والباء صلة ، أى: ونعلم الأمر الذى تحدثه نفسه
به . ويصح أن تكون مصدرية ، والضمير للإِنسان ، والباء للتعدية ، أى ونعلم وسوسة نفسه
إياه .
والمتدبر فى هذه الآية يرى أن افتتاحها يشير إلى مضمونها ، لأن التعبير بخلقنا ، يشعر
بالعلم التام بأحوال المخلوق ، إذ خالق الشىء وصانعه أدرى بتركيب جزئياته . أى: والله لقد
خلقنا بقدرتنا هذا الإِنسان . ونعلم علما تاما شاملا ما تحدثه به نفسه من أفكار وخواطر ..
وقوله : ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) تقرير وتوكيد لما قبله .
وحبل الوريد : عرق فى باطن العنق يسرى فيه الدم ، والإِضافة بيانية . أى : حبل هو
الوريد . أى : ونحن بسبب علمنا التام بأحواله كلها ، أقرب إليه من أقرب شىء لديه ، وهو
عرق الوريد الذى فى باطن عنقه ، أو أقرب إليه من دمائه التى تسرى فى عروقه .
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن علم الله - تعالى - بأحوال الإِنسان ، أقرب إلى هذا
الإِنسان ، من أعضائه ومن دمائه التى تسرى فى تلك الأعضاء .
والمقصود من القرب : القرب عن طريق العلم ، لا القرب فى المكان لاستحالة ذلك عليه
- تعالى - .
قال القرطبى : قوله: ﴿ولقد خلقنا الإِنسان) يعنى الناس. ﴿ونعلم ما توسوس به
نفسه
أى : ما يختلج فى سره وقلبه وضميره ، وفى هذا زجر عن المعاصى التى استخفى
بها .. ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى
عاتقه ، وهما وريدان عن يمين وشمال .. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف
اللفظين .. وهذا تمثيل لشدة القرب . أى : ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذى هو من
نفسه .. وهذا القرب ، هو قرب العلم والقدرة ، وأبعاض الإِنسان يحجب البعضُ البعضَ ، ولا
يحجب علم الله - تعالى - شىء(١) .
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٩.

٣٤٢
المجلد الثالث عشر
وقال القشيرى : فى هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم ، وروح وأنس وسكون قلب
لقوم(١) .
وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه . وسار عليه من قبلنا جمهور المفسرين يكون الضمير
نحن﴾ يعود إلى الله - تعالى -، وجىء بهذا الضمير بلفظ (نحن) على سبيل
التعظيم .
ويرى الإِمام ابن كثير أن الضمير هنا يعود إلى الملائكة ، فقد قال - رحمه الله - وقوله :
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) يعنى ملائكته - تعالى - أقرب إلى الإِنسان من حبل
وريده إليه . ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد ، وهما منفيان بالإجماع
- تعالى الله وتقدس - ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد
وإنما قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) كما قال فى المحتضر ﴿ونحن أقرب إليه
منکم ﴾ یعنی ملائكته .
وكذلك الملائكة أقرب إلى الإِنسان من حبل وريده إليه ، بإقدار الله لهم على ذلك(٣).
وهذا الذى ذهب إليه ابن كثير وإن كان مقبولا - لأن قرب الملائكة من العبد بإقدار الله
لهم على ذلك - إلا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن الضمير (نحن) لله - تعالى - أدل
على قرب الله - سبحانه - لأحوال عباده ، وأظهر فى معنى الآية ، وأزجر للإِنسان عن
ارتكاب المعاصى .
: إذ﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿إذ يتلقى المتلقيان ... ) ظرف منصوب بقوله
أقرب). أى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، فى الوقت الذى يتلقى فيه
المتلقيان ﴾ وهما الملكان جميع ما يصدر عن هذا الإنسان .
وهو - سبحانه - وإن كان فى غير حاجة إلى كتابة هذين الملكين لما يصدر عن الإِنسان ،
إلا أنه - تعالى - قضى بذلك لحكم متعددة ، منها إقامة الحجة على العبد يوم القيامة ، كما
أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله: ﴿ ... ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا . اقرأ
كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾(٢).
ومفعول التلقى فى الفعل الذى هو يتلقى ، وفى الوصف الذى هو المتلقيان ، محذوف ،
والتقدير إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإِنسان فيكتبانه عليه .
(١) جاشية الجمل جـ ٤ ص ١٩٢ .
:
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٧٦ .
(٣) سورة الإسراء الآيتان ١٣، ١٤ .

٣٤٣
سورة ق
وقوله : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ بيان ليقظة الملكين وحرصهما على تسجيل كل
ما يصدر عن الإِنسان .
و﴿ قعيد ﴾ بمعنى المقاعد، أى الملازم للإِنسان، كالجليس بمعنى المجالس.
والمعنى : عن يمين الإِنسان ملك ملازم له لكتابة الحسنات ، وعن الشمال كذلك ملك آخر
ملازم له لكتابة السيئات وحذف لفظ قعيد من الأول لدلالة الثانى عليه ، كما فى قول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف
أى : نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك ..
ثم أكد - سبحانه - کل هذه المعانى بقوله : ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتید
أى: ما يتكلم هذا الإِنسان من كلام، وما يفعل من فعل، إلا ولديه ملك ((رقيب)) أى:
حفيظ يكتب أقواله ((عتيد)) أى : مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه .
يقال: عَنْدَ الشىء - ككَرُمَ - عتادة وعتادا، أى: حضر ، فهو عتَد وعَتِيدٌ ، ويتعدى
بالهمزة وبالتضعيف ، فيقال: أعْتَدَه صاحبه وعتّده ، إذا هيأه وأعده .
والمراد أن الملكين اللذين أحدهما عن يمينه والثانى عن شماله ، كلاهما مراقب لأعمال
الإِنسان ، حاضر لكتابتها .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وإن عليكم لحافظين . كراما كاتبين . يعلمون
ما تفعلون) وقوله - سبحانه -: ﴿ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا
لديهم يكتبون ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ
ما كنتم تعملون
قال بعض العلماء ما ملخصه : وبعض العلماء يرى أن الملكين يكتبان كل شىء حتى الأنين
فى المرض .. لأن قوله - تعالى - ﴿من قول ) نكرة فى سياق النفى فتعم كل قول ..
وبعضهم يرى أن الملكين لا يكتبان من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب ، وقالوا : إن فى
الآية نعتا محذوفا ، سوغ حذفه العلم به ، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا
عقاب ، وتقدير النعت المحذوف : ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء إلا ولديه رقيب
عتيد .. (١) .
ثم بين - سبحانه - حالة الإِنسان عند الاحتضار فقال : ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق
(١) راجع أضواء البيان للشيخ الشنقيطى جـ ٧ ص ٦٥١ .

٣٤٤
المجلد الثالث عشر
ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ . أى : وجاءت لكل إنسان سكرة الموت وشدته وغمرته وكربته ،
ملتبسة بالحق الذى لاشك فيه ولا باطل معه ﴿ ذلك ﴾ أى : الموت الذى هو نهاية كل حى
ما كنت منه تحيد ﴾ أى: تميل وتهرب وتفر منه فى حياتك . يقال: حاد فلان عن الشىء
يَحَيَدُ حَيْدَةً .. إذا تنحى عنه وابتعد .
أخرج الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى الزبير بن العوام قال : لما حضر أبو بكر
الموت ، بكت ابنته عائشة ، وتمثلت بقول الشاعر :
لعمرك ما يغنى الحذار عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقال لها أبو بكر - رضى الله عنه - : لا تقولى ذلك يابنتى، ولكن قولى: ﴿ وجاءت
سكرة الموت بالحق ، ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ .
ثم بين - سبحانه - نهاية هذه الدنيا فقال: ﴿ونفخ فى الصور﴾ أى: النفخة
الأخيرة .. ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ أى: ذلك الوقت الذى يكون فيه النفخ الأخير فى
الصور ، هو الوقت الذی توعد الله - تعالى - فیه کل کافر بسوء المصیر ، کما وعد کل مؤمن
بحسن الجزاء .
وخص الوعيد بالذكر ، لتهويل هذا اليوم ، وتحذير العصاة مما سيكون فيه .
وجاءت كل نفس ﴾ من النفوس المؤمنة والكافرة والمطيعة والعاصية ﴿ معها سائق
وشهيد﴾ أى: معها ملك يسوقها إلى المحشر، ومعها ملك آخر يشهد عليها .. ثم يقال
للكافر فى هذا اليوم العصيب : ﴿لقد كنت فى غفلة﴾ تامة ﴿من هذا ﴾ الذى تعانيه اليوم
وتشاهده ﴿ فكشفنا عنك غطاءك ﴾ أى: فأنزلنا عنك فى هذا اليوم تلك الغفلة التى كانت
تحجبك عن الاستعداد لهذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح .
فبصرك اليوم حديد ﴾ أى: فبصرك ونظرك فى هذا اليوم نافذ قوى ، تستطيع أن تبصر
به ما كنت تنكره فى الدنيا ، من البعث والحساب والثواب والعقاب .
يقال : فلان حديد البصر ، إذا كان شديد الإبصار بحيث يرى أكثر مما يراه غيره .
وهكذا نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد بينت بأسلوب بليغ مؤثر ، شمول علم الله
- تعالى - لكل شىء ، كما بينت حالة الإنسان يوم القيامة ، يوم تأتى كل نفس ومعها سائق
وشهيد ..
ثم يحكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله قرين الإِنسان يوم القيامة فيقول :

٣٤٥
سورة ق
وَقَالَ قَرِيُّهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدُ أَلْقِيَافِ جَهَّ كُلَّ كَفَّارٍ
عَنِيْدٍ ﴿ مَنَِّ لِلْخَيْرِ مُعْنَدٍ مُرِيبٍ ﴿ الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِإِلَهَا
قَالَ قَرِينُهُرَبْنَامَآ أَطْغَيْتُهُ,
ءَاخَرَ فَاَلْقِيَاهُ فِى الْعَذَابِ الشَّدِيدِن
﴾ قَالَ لَا تَخْصِمُوْلَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ
وَلَكِنْكَانَفِىصَلَلِبَعِيدٍ
٢٩
إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ﴿٣، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنْبِظَلَِّ لْلِيدِ
وَأُزْلِفَتِ
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَّمَ هَلٍ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِنْ تَزِيدٍ
الجنّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَبَعِيدٍ (٦) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
ـمَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴿®) ادْ خُلُوهَا
٣٢
٣٥
بِسَلَّمِ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ،لَم ◌َّا يَشَآءُ ونَ فِيَهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
والمراد بقرينه فى قوله - تعالى -: ﴿وقال قرينه ... ﴾ الملك الموكل بكتابة ما يصدر عن
الإِنسان فى حياته ، وجاء به مفردا مع أن لكل إنسان قرينين لأن المراد به الجنس .
ويصح أن يكون المراد بقرينه هنا ، شيطانه الذى أضله وأغواه ..
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿وقال قرينه ... ﴾ أى: شيطانه المقيض له فى
الدنيا، ففى الحديث: (( ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن)) قالوا : ولا أنت
يارسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن الله - تعالى - أعاننى عليه، فأسلم فلا يأمرنى إلا
بخير )) .
وقوله : ﴿هذا مالدى عتيد) إشارة إلى الشخص الكافر نفسه، أى: هذا ما عندى قد
هيأته لجهنم ..
وقال قتادة : قرينه : الملك الموكل بسوقه وبكتابة سيئاته ، يقول مشيرا إلى ما فى صحيفته
· وما فيها من سيئات : هذا الذى فى صحيفته من سيئات مكتوب عندى ، وحاضر للعرض .
و ((ما)) نكرة موصوفة بالظرف وبعتيد، أو موصولة والظرف صلتها ، و (( عتيد)) خبر بعد

٣٤٦
المجلد الثالث عشر
خبر لإِسم الاشارة ، أو خبر لمبتدأ محذوف .. (١) .
ثم يقال بعد ذلك للملكين الموكلين به ، أو للسائق والشهيد: ﴿ ألقيا فى جهنم كل كفار
عنيد﴾ أى: اقذفا فى جنهم باحتقار وغضب كل ((كفار)) أى: كل مبالغ فى الجحود والكفر
((عنيد)) أى : معاند للحق مع علمه بأنه حق ..
يقال : عنَد فلان عن الحق - من باب - قعد فهو عانِد وعنيد وعُنُود ، إذا ركب الخلاف
والعصيان وأبى أن ينقاد للحق مع علمه بأنه حق ، مأخوذ من العندِ وهو عظم يعرض فى الحلق
فيحول بين الطعام وبين دخوله إلى الجسم .
وقوله ﴿ مناع للخير معتد مريب﴾ صفات أخرى لذلك الكافر الملقى فى جهنم.
أى : مبالغ فى المنع لكل خير يجب فعله . وهو بعد ذلك كثير الاعتداء ، وكثير الشك فيا
هو حق وبر .
الذى جعل مع اللّه إلها آخر﴾ فى العبادة والطاعة ﴿فألقياه﴾ أيها الملكان ﴿ فى
العذاب الشديد ﴾ الذى يذله ويهينه .
والاسم الموصول مبتدأ يشبه الشرط فى العموم ، ولذا دخلت الفاء فى خبره وهو قوله :
فألقياه ... ﴾ .
قال قرينه ﴾ أى: شيطانه الذى كان يزبن له السوء فى الدنيا . والجملة مستأنفة لأنها
جواب عما يزعمه الكافر يوم القيامة من أن قرينه هو الذى أغواه وحمله على الكفر ..
أى : قال الشيطان فى رده على الكافر : ياربنا إننى ما أطغيته ، ولا أجبرته على الكفر
والعصيان ﴿ولكن﴾ هو الذى ﴿كان فى ضلال بعيد﴾ دون أن أكرهه أنا على هذا الضلال
أو الكفر .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وقال الشيطان لما قضى الأمر، إن الله وعدكم وعد
الحق ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى ، فلا
تلومونى ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى﴾(٢).
قال﴾ أى : - الخالق - عز وجل ﴿لا تختصموا لدى﴾ أى: لا تتنازعوا عندى فى
هذا الموقف ، فإن التنازع لا فائدة فيه .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٢٨٥ .
(٢) سورة إبراهيم الآية ٢٢ .

٣٤٧
سورة ق
وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ أى : والحال أنى قد حذرتكم على ألسنة رسلى من سوء
عاقبة الكفر ، والآن لا مجال لهذا الاعتذار أو التخاصم .
﴿ ما يبدل القول لدى﴾ أى: لا خلف لوعدى، ولا معقب لحكمى، بل هو كائن لا
محالة، وهو أنى: ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾.
وما أنا بظلام للعبيد ﴾ أى: وما أنا من شأنى أن أعذب أحدا بدون ذنب جناه . وإنما
أنا من شأنى أن أجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى ، وأعفو عن
كثير من ذنوب عبادى سوى الشرك بى .
﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ أى: اذكر - أيها العاقل - لتتعظ
وتعتبر - يوم نقول لجهنم هل امتلأت من كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب ، واكتفيت
من كل من جعل معى إلها آخر .. ؟
فترد جهنم وتقول: يا إلهى ﴿ هل من مزيد ﴾ أى: يا إلهى هل بقى شىء منى لم يمتلىء
من هؤلاء الكافرين ؟ أنت تعلم يا خالقى أنى قد امتلأت ، ولم يبق منى موضع لقدم .
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر الله - تعالى - أنه يقول لجهنم يوم القيامة :
هل امتلأت ؟ وذلك أنه وعدها أنه سيملؤها من الجنّة والناس أجمعين، فهو - سبحانه - يأمر
بمن يأمر به إليها ، ويلقى فيها وهى تقول: ﴿هل من مزيد﴾ أى: هل بقى شىء
تزيدونى ؟ ..
هذا هو الظاهر من سياق الآية ، وعليه تدل الأحاديث ، فقد أخرج البخارى عن أنس بن
مالك. عن النبى - ◌َ﴿ - قال: ((يُلْقَى فى النار - الكفرة - وتقول: هل من مزيد، حتى
يضع - سبحانه - فيها قدمه فتقول: قَطْ قَطْ - أى: حسبى حسبى - .. ))
وعن ابن عباس قوله: ﴿وتقول هل من مزيد﴾ أى: وهل فيَّ من مكان يزاد فيَّ.
وعن عكرمة قوله: وتقول: ﴿هل من مزيد﴾ وهل فىَّ مدخل واحد؟ قد امتلأت(١).
وقال الشوكانى : وهذا الكلام على طريقة التخييل والتمثيل ولا سؤال ولا جواب . كذا
قيل . والأُوْلَى أنه على طريقة التحقيق ، ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع .
قال الواحدى : أراها الله تصديق قوله : ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) ،
فلما امتلأت قال لها: ﴿ هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ أى: قد امتلأت ولم يبق فى موضع
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٨١.

٣٤٨
المجلد الثالث عشر
لم يمتلىء . وقيل: إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة . أى: إنها تطلب الزيادة على من قد صار
فيها .. والمزيد : إما مصدر كالمحيد . أو اسم مفعول كالمنيع ، فالأول بمعنى : هل من زيادة .
والثانى بمعنى هل من شىء تزيدونيه .. (١) .
وكعادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأشرار والأخيار ، جاء بعد ذلك الحديث عن المتقين
وحسن عاقبتهم فقال - تعالى -: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ﴾.
وقوله : ﴿وأزلفت ﴾ من الإِزلاف بمعنى القرب، يقال: أزلفه إذا قربه ، ومنه الزلفة
والزلفى بمعنى القَرْبَة والمنزلة .. وهو معطوف على قوله - سبحانه - ﴿ونفخ فى الصور﴾.
وقوله: ﴿ غير بعيد﴾ صفة لموصوف مذكر محذوف، ولذا قال غير بعيد ولم يقل غير
بعيدة . أى : وأدنيت وقربت الجنة للمتقين فى مكان غير بعيد منهم ، فصاروا يرونها ويشاهدون
ما فيها من خيرات لا يحيط بها الوصف .
وفائدة قوله : ﴿غير بعيد﴾ بعد قوله ﴿وأزلفت) للتأكيد والتقرير، كقولك: فلان
قريب غير بعيد ، وعزيز غير ذليل ..
قال الجمل ما ملخصه : فإن قيل : ما وجه التقريب مع أن الجنة مكان ، والأمكنة يقرب
منها وهى لا تقرب ؟ .
فالجواب : أن الجنة لا تنقل .. لكن الله - تعالى - يطوى المسافة التى بين المؤمن والجنة
- حتى لكأنها حاضرة أمامه - وذلك من باب التكريم والتشريف للمؤمن (٢).
واسم الإشارة فى قوله : ﴿ هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ﴾ يعود إلى الجنة التى قربت
لهم .. والجملة على تقدير القول ، أى : قربت الجنة ممن هم أهلها ، ويقال لهم عند دخولها :
هذا الذى ترونه من نعيم، هو ما سبق أن وعد الله - تعالى - به كل ﴿ أواب ) أى رجاع
إليه بالتوبة ﴿ حفيظ﴾ أى: حافظ لحدوده وأوامره ونواهيه بحيث لا يتجاوزها ، وإنما
ينفذها ، ويقف عندها .
﴿ من خشى الرحمن بالغيب .. ﴾ أى: من خاف مقام ربه دون أن يراه أو يطلع عليه،
والجملة بدل أو عطف بيان من قوله: ﴿لكل أواب حفيظ) وقوله: ﴿بالغيب ﴾ متعلق
بمحذوف حال من الرحمن ، أى : خَشِيَه وهو غائب عنه لا يراه ولا يشاهده .
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٧٧ للشوكانى .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٩٧ .

٣٤٩
سورة ق
وجاء بقلب منيب ﴾ أى: وجاء ربه يوم القيامة بقلب راجع إليه، مخلص فى طاعته ،
مقبل على عبادته ..
هؤلاء الذين يفعلون ذلك فى دنياهم ، يقال لهم يوم الحساب على سبيل التبشير والتكريم :
ادخلوها بسلام ﴾ أى ادخلوا الجنة التى وعدكم الله إياها بسلام وأمان واطمئنان.
ذلك﴾ اليوم وهو يوم الثواب والعطاء الجزيل من الله - تعالى - ﴿ يوم الخلود ﴾
الذى لا انتهاء له ، ولا موت بعده ..
﴿ لهم ما يشاءون فيها﴾ أى: لهؤلاء المتقين ما يشاءون ويشتهون .. فى الجنة.
ولدينا مزيد ﴾ أى : وعندنا - فضلا عن كل هذا النعيم الذى يرفلون فيه - المزيد
منه ، مما لم يخطر لهم على بال ، ولم تره أعينهم قبل ذلك .
قال ابن كثير: وقوله: ﴿ولدينا مزيد ﴾ كقوله - تعالى -: ﴿للذين أحسنوا الحسنى
وزيادة ﴾ ، وقد تقدم فى صحيح مسلم عن صهيب بن سنان ، أنها النظر إلى وجه الله
الكريم(٢) .
ثم تحدثت السورة الكريمة فى أواخرها من مصارع المكذبين السابقين ، وعن مظاهر قدرة الله
- تعالى - وعن الدواء الذى يزيل عن القلوب همومها ، وعن أهوال يوم القيامة ، فقال
- تعالى - :
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَّلَهُمْ مِن قَرْنٍ هُمْ أَسَّدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَقَّبُواْ فِىِ
اَلْبِلَدِ هَلْ مِن ◌َحِيصٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَّذِ كْرَى لِمَنْ كَانَ
لَهُ، قَلْبُّ أَوْأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ وَلَقَدْ خَلَقْنَا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا
مِن أُغُوبٍ ﴿ فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴿ وَمِنَ اَلَيْلِ فَسَبِّحْهُ
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٨٤ .

٣٥٠
المجلد الثالث عشر
وَأَدْبَرَ السُّجُودِ ﴿ وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَاِ الْمُنَادِ مِنِ مَّكَانٍ قَرِيبٍ
١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴿ إِنَّا
نَحْنُ نُّحِ، وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴿ يَوْمَ تَشَفَّقُ اَلْأَرْضُ
عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَايَسِيْرٌ ل ◌َّْ أَعْلَمُ بِمَايَقُولُونَّ
وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِحَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدٍ
٤٥
و﴿ كم﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن .... ﴾ خبرية بمعنى كثير ،
وهى منصوبة بما بعدها ، والقرن يطلق على جماعة من الناس تعيش فى زمن واحد ، ومقداره
مائة سنة - على الراجح - .
وقوله: ﴿من قرن﴾ تمييز لكم، وجملة ﴿هم أشد منهم بطشا﴾ صفة، والبطش:
السطوة والأخذ بشدة . أى : واعلم - أيها الرسول الكريم - أننا أهلكنا كثيرا من القرون
الماضية التى كذبت رسلها ، كقوم نوح وعاد وثمود ، وقد كانوا أشد من قومك قوة وأكثر
جمعا ، ومادام الأمر كما ذكرنا لك ، فلا تحزن ولا تبتئس لما يصيبك من الكافرين المعاصرين
لك ، فنحن فى قدرتنا أن ندمرهم تدميرا .
والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ فنقبوا فى البلاد ﴾ يعود إلى أهل تلك القرون المهلكة
الماضية . والتنقيب : السير فى الأرض ، والطواف فيها . والبحث بين أرجائها ، يقال : نقب
فلان فى الأرض ، إذا ذهب فيها وأصل النقب : الخرق والدخول فى الشىء ، ومنه قولهم :
نقب فلان الجدار ، إذا أحدث فيه خرقا .
والمراد به هنا : السير فى الأرض ، والتفتيش فيها ..
قال الآلوسى: ﴿ فتقبوا فى البلاد ﴾ أى: ساروا فى الأرض وطوفوا فيها حذر الموت ..
قال الشاعر :
نقبوا فى البلاد حذر الموت وجالوا فى الأرض كل مجال
وشاع التنقيب فى العرف بمعنى التنقير عن الشىء والبحث عن أحواله ..
والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه ، لمجرد التعقيب ، وعلى تفسيره بالتصرف

٣٥١
سورة ق
للسببيه ، لأن تصرفهم فى البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم ، وهى على الوجهين عاطفة على
معنى ما قبلها ، كأنه قيل: اشتد بطشهم فنقبوا فى البلاد .. (١) .
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿هل من محيص﴾ للإنكار والنفى، والمحيص:
المعدل والمهرَب ، يقال: حاص فلان عن الشىء يحيص حَيْصًا ، ومُحِيصا ، إذا عدل وحاد
عنه ، وحاول الهروب منه . أى : أن هؤلاء المكذبين السابقين ، كانوا أشد من مشركى قريش
قوة وأكثر جميعا ، وكانوا أكثر ضربا فى الأرض وسيرا فيها فلما نزل بهم بأسنا حاولوا الهرب
والفرار، فلم يجدوا مكانا يهربون فيه ، بل نزل بهم عذابنا فدمرناهم تدميرا .
فعليكم - أيها المشركون - أن تعتبروا بهم ، حتى لا يصيبكم ما أصابهم .
فالمقصود بالآية الكريمة ، تسلية الرسول - وليه - وتحذير أعدائه من سوء عاقبة الكفر
والعناد .
إن فى ذلك﴾ الإهلاك للأمم المكذبة السابقة ﴿لذكرى﴾ أى: لتذكرة وعبرة ﴿لمن
كان له قلب ﴾ أى: لمن كان له قلب يعى ما يسمع، ويعقل ما يوجه إليه ، ويعمل بمقتضى
هذا التوجيه الحكيم . ﴿ أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ أى: فيما سقناه عبرة وعظة لمن كان له
قلب يعى الحقائق ، ولمن أصغى إلى ما يلقى إليه من إرشادات ، وهو حاضر الذهن صادق
العزم لتنفيذ ما جاءه من الحق ..
قال صاحب الكشاف: ﴿ لمن كان له قلب﴾ أى: قلب واع، لأن من لا يعى قلبه فكأنه
. لا قلب له ، وإلقاء السمع: الإصغاء. ﴿وهو شهيد﴾ أى: حاضر بفطنته، لأن من لا
يحضر ذهنه فكأنه غائب .. أو هو مؤمن شاهد على صحته، وأنه وحى الله .. (٢).
ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته ووحدانيته فقال: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض
وما بينهما فى ستة أيام ، وما مسنا من لغوب﴾. واللغوب: التعب والنصب والإِعياء، مصدر
لغب - كدخل - يقال : لغب فلان لغوبا ، إذا اشتد تعبه وضعفه .
أى: والله لقد خلقنا بقدرتنا السموات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، فى
ستة أوقات وما مسنا بسبب هذا الخلق العظيم نصب أو تعب أو إعياء .
فالمراد بالأيام مطلق الأوقات التى لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - وقيل : هذه الأيام
من أيام الدنيا ، وقيل : من أيام الآخرة ..
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٩١.
( ٢) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٩٢.

٣٥٢
المجلد الثالث عشر
وقال سعيد بن جبير: الله - تعالى - قادر على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما فى
لمحة ولحظة ، ولكنه - سبحانه - خلقهن فى ستة أيام ليعلم عباده التثبت فى الأمور والتأنى
فيها .
والمقصود بالآية الكريمة بيان كمال قدرة الله - تعالى - . والرد على من أنكر البعث
والنشور . وعلى اليهود الذين زعموا أن الله - تعالى - خلق العالم فى ستة أيام ثم استراح فى
اليوم السابع وهو يوم السبت .
والفاء فى قوله : ﴿ فاصبر على ما يقولون﴾ فصيحة. أى: إذا كان الحال كما بينا لك
يا محمد ، فاصبر على ما يقوله هؤلاء الضالون المكذبون من أقوال لا يؤيدها عقل أو نقل .
وقوله : ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ﴾ إرشاد له - * - إلى
ما يعينه على الصبر .
أى : اصبر - أيها الرسول الكريم - على أقوال هؤلاء الكافرين ، ونزه ربك - تعالى -
عن كل مالا يليق به ، وتقرب إليه بالعبادات والطاعات ﴿ قبل طلوع الشمس وقبل
الغروب ﴾ وهما وقتا الفجر والعصر .
وخصهما - سبحانه - بالذكر لفضلهما وشرفها .
﴿ ومن الليل فسبحه﴾ - أيضا - ونزهه عن كل مالا يليق به، ﴿وأدبار السجود ﴾
أى : وفى أدبار وأعقاب الصلوات فأكثر من تسبيحه - عز وجل - وتقديسه .
ومن الأحاديث التى وردت فى فضل التسبيح بعد الصلوات المكتوبة ، ما ثبت فى الصحيحين
عن أبى هريرة أنه قال: (( جاء فقراء المهاجرين فقالوا : يارسول الله ، ذهب أهل الدثور
بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال: ((وماذاك))؟ قالوا: يصلون كما نصلى ، ويصومون كما
نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق. فقال - -: ((أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من
بعدکم ، ولا یکون أحد أفضل منکم إلا من فعل مثل ما فعلتم ؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون
دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين )).
قال : فقالوا : يارسول اللّه سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا مثله .
فقال - # -: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء))(١).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ فاصبر على ما يقولون ، وسبح بحمد ربك قبل
طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾(٢).
(١) صحيح البخارى: ((كتاب الأذان)) باب ((الذكر بعد الصلاة)) جـ ١ ص ٢١٣.
( ٢) سورة طه الآية ١٣٠.

٣٥٣
• سورة ق
ثم أمر - سبحانه - رسوله -* - أن يلقى سمعه لما يخبره به - تعالى - من أهوال
يوم القيامة فقال: ﴿ واستمع .... ﴾ والمستمع إليه محذوف للتهويل والتعظيم .. أى: واستمع
- أيها الرسول الكريم - أو - أيها العاقل - لما سأخبرك به من أهوال يوم القيامة .
ثم بين - سبحانه - ذلك فقال: ﴿ يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾.
أى : استمع استماع تنبه وتيقظ يوم يناد المناد وهو إسرافيل - عليه السلام - من مكان
قريب بحيث يسمع نداءه الناس جميعا ..
قال ابن كثير : قال قتادة : قال كعب الأحبار : يأمر الله ملكا أن ينادى على صخرة بيت
المقدس : أيتها العظام البالية ، والأوصال المتقطعة ، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل
القضاء (١).
وفى ورود الأمر بالاستماع مطلقا ، ثم توضيحه بما بعده ، تهويل وتعظيم للمخبر به ، لما فى
الإبهام ، ثم التفسير ، من التهويل والتفخيم لشأن المحدث عنه .
وقوله : ﴿ يوم يسمعون الصيحة بالحق﴾ بدل من قوله: ﴿ يوم يناد ﴾.
أى: يوم يسمعون صيحة البعث من القبور . والحشر للجزاء ، سماعا ملتبسا بالحق الذى لا
يحوم حوله باطل، والمراد بهذه الصيحة : النفخة الثانية ﴿ ذلك ﴾ اليوم هو ﴿ يوم
الخروج ﴾ من الأجداث كأنهم جراد منتشر .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم
ينسلون
﴿قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ .
ثم بين - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته فقال: ﴿ إنا نحن نحیی ونميت وإلينا
المصير ). أى: إنا بقدرتنا وإرادتنا نحبى ونميت من نشاء إحياءه أو إماتته ، وإلينا وحدنا
مرجع العباد ومصيرهم ، لا يشاركنا فى ذلك مشارك .
اذكر - أيضا - أيها العاقل ﴿ يوم تشقق الأرض عنهم سراعا .. ﴾ أى يوم تتشقق
الأرض عن من فى باطنها من مخلوقات ، فيخرجون إلينا سراعا . كما قال - تعالى - :
﴿ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده، وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ﴾
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٨٨.
( ٢) سورة الإسراء الآية ٥٢ .
(٢)

٣٥٤
المجلد الثالث عشر
وقوله : ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ أى: ذلك التشقق للأرض وما يترتب عليه من بعث
وجمع وحشر ، يسير وهين علينا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى فيها من التسلية للرسول - الط*1 -
ومن التحديد الدقيق لوظيفته ، فقال - تعالى - : ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم
بجبار ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ . أى : نحن - أيها الرسول الكريم - أعلم بما
يقوله هؤلاء المشركون فى شأنك وفى شأن دعوتك ، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقونه من
عقاب ، فاصبر على أقوالهم ، وبلغ رسالة ربك دون أن تخشى أحدا سواه .
وأنت لست بمسلط عليهم لتجبرهم على اتباعك ، وتقهرهم على الدخول فى الإِسلام ، وإنما
وظيفتك التذكير بهذا القرآن لمن يخشى عذابى ، ويخاف وعيدى .
كما قال - سبحانه -: ﴿ فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمسيطر ﴾.
وكما قال - تعالى -: ﴿وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ
وعلينا الحساب
وبعد فهذا تفسير محرر لسورة (( ق)) التى حفظها بعض الصحابة من فم النبى - وَال 19 -
خلال تكراره لها فى خطب الجمعة .
نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجى عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
١٦ من جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ
١٩٨٦/٢/٢٧ م

فهرس المجلد الثالث عشر
الجزء الخامس والعشرون - والسادس والعشرون
من سورة ((الشورى)) الى سورة (( ق))
السورة
الصفحة
- تفسير سورة («الشورى )»
٥
- تفسير سورة (الزخرف »
٥٣
- تفسير سورة («الدخان »
١١١
- تفسير سورة ((الجاثية))
١٣٧
- تفسير سورة ((الأحقاف)»
١٧١
٠ ٦ - تفسير سورة ((محمد))
٢١١
٧ - تفسير سورة ((الفتح ))
٢٥١
* - تفسير سورة ((الحجرات))
٢٩٣
٤ - تفسير سورة (( ق ))
٣٢٧