Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة الحجرات قال الألوسى : قال مجاهد : نزلت هذه الآيات فى بنى أسد ، وهم قبيلة كانت تسكن بجوار المدينة ، أظهروا الإِسلام ، وقلوبهم دغلة ، إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا .. ويروى أنهم قدموا المدينة فى سنة مجدبة ، فأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله - القيم - : جئناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان .. يمنون بذلك على النبى - - -(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ قالت الأعراب آمنا ﴾ من الإِيمان ، وهو التصديق القلبى ، والإِذعان النفسى والعمل بما يقتضيه هذا الإِيمان من طاعة لله - تعالى - ولرسوله - وليه - . وقوله : ﴿ أسلمنا﴾ من الإِسلام بمعنى الاستسلام والانقياد الظاهرى بالجوارح ، دون أن يخالط الإِيمان شغاف قلوبهم . أى : قالت الأعراب لك - أيها الرسول الكريم - آمنا وصدقنا بقلوبنا لكل ما جئت به ، وامتثلنا لما تأمرنا به وتنهانا عنه . قل لهم ﴿ لم تؤمنوا﴾ أى: لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب وخلوص نية .. ولكن قولوا أسلمنا ﴾ أى: ولكن قولوا نطقنا بكلمة الإِسلام، واستسلمنا لما تدعونا إليه إستسلاما ظاهريا طمعا فى الغنائم ، أو خوفا من القتل . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه قوله - تعالى -: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ والذى يقتضيه نظم الكلام أن يقال: قل لا تقولوا آمنا ، ولكن قولوا أسلمنا ... قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا ، ودفع ما انتحلوه ، فقيل : قل لم تؤمنوا ، وروعى فى هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه ، حيث لم يقل : كذبتم ، ووضع، (( لم تؤمنوا )» الذى هو نفى ما ادعوا إثباته موضعه .. واستغنى بالجملة التى هى ((لم تؤمنوا)) عن أن يقال: لا تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهى عن القول بالإِيمان .. (٢) . وقوله: ﴿ولما يدخل الإِيمان فى قلوبكم﴾ جملة حالية من ضمير، ((قولوا)) و((لما)) لفظ يفيد توقع حصول الشىء الذى لم يتم حصوله . أى: قولوا أسلمنا والحال أنه لم يستقر الإِيمان فى قلوبكم بعد ، فإنه لو استقر فى قلوبكم لما سلكتم هذا المسلك ، ولما مننتم على الرسول - صل - بإسلامكم . قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : وقد استفيد من هذه الآية الكريمة : أن الإِيمان أخص من (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٧٦ . ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٧٦ . ٣٢٢ المجلد الثالث عشر الإِسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ويدل عليه حديث جبريل ، حين سأل عن الإِسلام . ثم عن الإِيمان .. فترقى من الأعم إلى الأخص . كما يدل على ذلك حديث الصحيحين عن سعد بن أبى وقاص، أن الرسول - والخر - أعطى رجلا ولم يعط آخر . فقال سعد : يارسول الله، مالك عن فلان إنى لأراه مؤمنا ، فقال: ((أو مسلما)) .. فقد فرق - 18 - بين المؤمن والمسلم . فدل على أن الإِيمان أخص من الإِسلام . كما دل هنا عن أن هؤلاء الأعراب المذكورين فى هذه الآية ، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإِيمان فى قلوبهم. فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا بذلك .. (١) . ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ما يكمل إيمانهم فقال: ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ﴾. ومعنى: (( لايلتكم)) لا ينقصكم . يقال : لات فلان فلانا حقه - كباع - إذا نقصه . أى : وإن تطيعوا الله - تعالى - ورسوله، بأن تخلصوا العبادة، وتتركوا المن والطمع ، لا ينقصكم - سبحانه - من أجور أعمالكم شيئا ، إن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لعباده التائبين توبة صادقة نصوحا . ثم بين - سبحانه - صفات عباده المؤمنين الصادقين فقال : ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون ﴾. أى: إنما المؤمنون حق الإِيمان وأكمله، هم الذين آمنوا بالله - تعالى - ورسوله - الاز - ثم لم يرتابوا﴾ أى: لم يدخل قلوبهم شىء من الريبة أو الشك فيما أخبرهم به نبيهم . - * - وأتى - سبحانه - بثم التى للتراخى ، للتنبيه على أن نفى الريب عنهم ليس مقصورا على وقت إيمانهم فقط ، بل هو مستمر بعد ذلك إلى نهاية آجالهم ، فكأنه - سبحانه - يقول : إنهم آمنوا عن يقين ، واستمر معهم هذا اليقين إلى النهاية . ثم أتبع ذلك ببيان الثمار الطيبة التى ترتبت على هذا الإِيمان الصادق فقال: ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله﴾. أى : وبذلوا من أجل إعلاء كلمة الله - تعالى - ، ومن أجل دينه أموالهم وأنفسهم . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٦٨. ٠ ٣٢٣ سورة الحجرات قال الآلوسى : وتقديم الأموال على الأنفس من باب الترقى من الأدنى إلى الأعلى . ويجوز بأن يقال: قدم الأموال لحرص الكثيرين عليها ، حتى إنهم يهلكون أنفسهم بسببها .. (١). أولئك هم الصادقون﴾ أى : أولئك الذين فعلوا ذلك هم الصادقون فى إيمانهم . ثم أمر - سبحانه - رسوله -* - أن يخبرهم بأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أحوالهم فقال: ﴿ قل أتعلمون اللّه بدينكم). وقوله: ﴿ أَتُعلِّمون﴾ من الإعلام بمعنى الإِخبار، فلذا تعدى بالتضعيف لٍواحِد بنفسه، وإلى الثانى بحرف الجر . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الأعراب على سبيل التوبيخ: أتخبرون الله - تعالى - بما أنتم عليه من دين وتصديق حيث قلتم آمنا ، على سبيل التفاخر والتباهى .. وأحال أن الله - تعالى - ﴿يعلم ما فى السموات وما فى الأرض﴾ دون أن يخفى عليه شىء من أحوال المخلوقات الكائنة فيهما . وقوله - سبحانه -: ﴿واللّه بكل شىء عليم) مقرر لما قبله ومؤكد له. ثم أشار - تعالى - إلى نوع آخر من جفائهم وقلة إدراكهم فقال: ﴿ يمنون عليك أن أسلموا ... ﴾ . والمن : تعداد النعم على الغير ، وهو مذموم من الخلق ، محمود من الله - تعالى - . أى : هؤلاء الأعراب يعدون إيمانهم بك منة عليك ، ونعمة أسدوها إليك حيث قالوا لك : جئناك بالأموال والعيال . وقاتلك الناس ولم نقاتلك .. وقوله: ﴿ أن أسلموا﴾ فى موضع المفعول لقوله: ﴿يمنون﴾ لتضمينه معنى الاعتداد ، أو هو بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوبا بنزع الخافض أو مجرورا بالحرف المقدر . أى : يمنون عليك بإسلامهم .. ثم أمر الله - تعالى - نبيه - * - أن يرد عليهم بما يدل على غفلتهم فقال: ﴿قل لاتمنوا على إسلامكم ... ﴾ . أى : قل لهم لا تتفاخروا علىّ بسبب إسلامكم ، لأن ثمرة هذا الإِسلام يعود نفعها عليكم لا علىّ . ثم بين - سبحانه - أن المنة له وحده فقال: ﴿بل اللّه يمن عليكم أن هداكم للإِيمان ... ﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٦٩. ٣٢٤ المجلد الثالث عشر أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر كما زعمتم من أن إسلامكم يعتبر منّةً علىَّ ، بل الحق أن الله - تعالى - هو الذى يمن عليكم أن أرشدكم إلى الإِيمان ، وهداكم إليه ، وبين لكم طريقه ، فادعيتم أنكم آمنتم مع أنكم لم تؤمنوا ولكنكم أسلمتم فقط . قال صاحب الكشاف : وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة ، وذلك أن الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلاما ، ونفى أن يكون - كما زعموا - إيمانا فلما منوا على الرسول - وَل﴿ - بما كان منهم، قال الله - تعالى - لرسوله: إن هؤلاء يعتدون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به .. ثم قال : بل اللّه يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه، حيث هداكم للإيمان - على ما زعمتم - وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ، ووفقتم له إن صح زعمكم ، وصدقت دعواكم .. وفى إضافة الإِسلام عليهم، وإيراد الإيمان غير مضاف ، مالا يخفى على المتأمل ... (١). وجواب الشرط فى قوله : ﴿ إن كنتم صادقين) محذوف، يدل عليه ما قبله. أى: إن كنتم صادقين فى إيمانكم فاعتقدوا ، أن المنة إنما هى الله - تعالى - عليكم ، حيث أرشدكم إلى الطريق الموصل إلى الإِيمان الحق . وشبيه فى المعنى بهذه الآية قول الرسول - * - للأنصار فى إحدى خطبه: ((يامعشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى، وكنتم متفرقين فألفكم الله بى ، وكنتم عالة فأغناكم الله بى؟)) وكان - ﴿ - كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أُمَنُّ. والحق أن هداية الله - تعالى - لعبده إلى الإِيمان تعتبر منة منه - سبحانه - لا تدانيها منة ، ونعمة لا تقاربها نعمة ، وعطاء ساميا جليلا منه - تعالى - لا يساميه عطاء فله - عز وجل - الشكر الذى لا تحصيه عبارة على هذه النعمة ، ونسأله - تعالى - أن يديمها علينا حتى نلقاه . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ﴿إن الله يعلم غيب السموات والأرض ... ﴾ أى: إنه - تعالى - يعلم ما خفى وغاب عن عقول الناس من أحوال السموات والأرض ﴿والله بصير بما تعملون﴾ - أيها الناس - لا يعزب عنه شىء من أقوالكم أو أفعالكم . وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة ((الحجرات)) تلك السورة التى رسمت للناس معالم عالم (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٧٨ . ٣٢٥ سورة الحجرات كريم ، تشع فيه الآداب السامية ، والأخلاق العالية ، والقيم الجليلة ، وتختفى فيه ما يتعارض مع هذه المعانى كالحقد والغيبة والتقاتل والتفاخر بالأحساب والأنساب . نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع نفوسنا، وأنس قلوبنا . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر ٣ من جمادى الأولى ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦/١/١٤ م نفسیر ٢ يسودرة و٣ ٣٢٩ مقدمة بِسْم اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((ق)) هى السورة الخمسون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فكان بعد سورة (« المرسلات)). ويبدو أن نزولها كان فى أوائل العهد الملكى ، إذ من يراجع ترتيب السور على حسب النزول يرى أنها لم يسبقها سوى اثنتين وثلاثين سورة ، ومعظم السور التى سبقتها كانت من الجزء الأخير من القرآن الكريم(١). وهى من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها خمس وأربعون آية ، وتسمى - أيضا - بسورة (« الباسقات )). ٢ - وقد ذكر الإمام ابن كثير فى مقدمة تفسيره لها جملة من الأحاديث فى فضلها ، منها ما رواه مسلم وأهل السنن، عن أبى واقد الليثى، أن رسول الله -جزر - كان يقرأ فى العيد بسورة ((ق)) وبسورة ﴿ اقتربت الساعة ... وروى الإمام أحمد عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ ق والقرآن المجيد ﴾ إلا على لسان رسول الله -# - ، كان يقرؤها كل يوم جمعة إذا خطب الناس . ثم قال ابن كثير: والقصد أن رسول الله - - كان يقرأ بهذه السورة فى المجامع الكبار ، كالعيد والجمع ، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور، والمعاد والقيام ، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب .. (٢). ٣ - والحق، أن المتأمل فى هذه السورة الكريمة يراها قد اشتملت على ماذكره الإمام ابن كثير ، بأسلوب بليغ بديع . فهى تبدأ بالثناء على القرآن الكريم ، ثم تذكر دعاوى المشركين وترد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ثم توبخهم على عدم تفكرهم فى أحوال هذا الكون الزاخر بالآيات والكائنات الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته . (١) راجع الإتقان في علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ للأمام السيوطى. (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٧٠. ٣٣٠ المجلد الثالث عشر قال - تعالى -: ﴿ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ، كيف بنيناها وزيناها ، وما لها من فروج . والأرض مددناها ، وألقينا فيها رواسى ، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ﴾ . ٤ - ثم تذكرهم - أيضا - بسوء عاقبة المكذبين من قبلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود ، وقوم فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة .. ثم تتبع ذلك بتذكيرهم بعلم الله - تعالى - الشامل لكل شىء ، وبسكرات الموت وما يتبعها من بعث وحساب ، وثواب وعقاب .. قال - تعالى -: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ما كنت منه تحيد . ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد ، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد . لقد كنت فى غفلة من هذا ، فكشفنا عنك غطاءك ، فبصرك اليوم حديد ﴾ ٥ - ثم تختتم السورة الكريمة، بتسلية الرسول - ﴿﴿ - عما أصابه من قومه ، وترشده إلى العلاج الذى يعينه على مداومة الصبر ، كما تحكى له أحوالهم يوم القيامة ليزداد يقينا على يقينه ، وتأمره بالمواظبة على تبليغهم ، بما أمره الله - تعالى - بتبليغه . لنستمع إلى قوله - تعالى -: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبحه وأدبار السجود . واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ، يوم يسمعون الصيحة بالحق ، ذلك يوم الخروج . إنا نحن نحيى ونميت وإلينا المصير . يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير . نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ . وهكذا تطوف بنا السورة الكريمة فى أعماق هذا الكون ، وفى أعماق النفس الإنسانية ، منذ ولادتها ، إلى بعثها ، إلى حسابها ، إلى جزائها .. وذلك كله بأسلوب مؤثر بديع ، يشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. القاهرة - مدينة نصر ٦ من جمادى الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦/١/١٧ م د . محمد سيد طنطاوى ٣٣١ سورة ق التفسير قال الله - تعالى - : مِاللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ قَّ وَالْقُرْءَنِ الْمَجِيدِ ، بَلْ عَبُواْأَنْ جَاءَ هُم مُّنْذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عَجِيبُ Q أَذَا مِتْنَا وَكُنَانُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴿ قَدْ عَلِمِنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمٌّ وَعِندَنَّ كِتَبُ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَ هُمْ فَهُمْ فِىَ أَمْرٍ مَّرِيجِ أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَلَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا ٥ وَمَالَهَا مِنْ فُرُوجِ ) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَلَّفَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَلْنَافِيهَا مِنْ كُلِ زَوْجِ بَهِيجِ نَبَصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿ وَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ مُبَرَّكَا فَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ))، وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ ◌َا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ١٠ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوِيُ سورة (( ق)) من السور القرآنية ، التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وأقرب الأقوال إلى الصواب فى معنى هذه الحروف ، أنها جىء بها على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن . فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعارضين فى أن القرآن من عند الله: ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى ٣٣٢ المجلد الثالث عشر من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم . فإن كنتم فى شك فى كونه منزلا من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله . فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - سبحانه - . وهذا الرأى وهو كون (( ق)) من الحروف الهجائية ، هو الذى نطمئن إليه ، وهناك أقوال أخرى فى معنى هذا الحرف، تركناها لضعفها كقول بعضهم إن « ق » اسم جبل محيط بجميع الأرض .. وهى أقوال لم يقم دليل نقلى أو عقلى على صحتها . قال ابن كثير: وقد روى عن بعض السلف، أنهم قالوا ((ق)) جبل محيط بالأرض ، يقال له جبل (( ق)» وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بنى إسرائيل التى أخذها عنهم بعض الناس .. (١). والواو فى قوله - تعالى -: ﴿والقرآن المجيد﴾ للقسم، والمقسم به القرآن الكريم، وجواب القسم محذوف لدلالة ما بعده عليه ، وهو استبعادهم لبعثة الرسول - * - وتكذيبهم للبعث والحساب .. وقوله : ﴿المجيد﴾ صفة للقرآن. أى: ذى المجد والشرف وكثرة الخير. ولفظ المجيد مأخوذ من المجد ، بمعنى السعة والكرم ، وأصله من مجدت الإِبل وأمجدت ، إذا وقعت فى مرعى مخصب ، واسع ، الجنبات ، كثير الأعشاب . والمعنى : أقسم بالقرآن ذى المجد والشرف ، وذى الخير الوفير الذى يجد فيه كل طالب مقصوده ، إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك من أن البعث حق والحساب حق ، والجزاء حق ... ولكن الجاحدين لم يؤمنوا بذلك . بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ وهو أنت يا محمد ، فلم يؤمنوا بك ، بل قابلوا دعوتك بالإِنكار والتعجب . فقال الكافرون هذا شىء عجيب ﴾ أى: هذا البعث الذى تخبرنا عنه يا محمد شىء يتعجب منه ، وتقف دونه أفهامنا حائرة . قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ... ﴾ بل للإضراب عما ينبىء عنه جواب القسم المحذوف ، فكأنه قيل إنا أنزلنا هذا القرآن لتنذر به (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٧٢ . ٣٣٣ سورة ق الناس ، فلم يؤمنوا به ، بل جعلوا كلا من المنذر والمنذّر به عرضة للتكبر والتعجب ، مع كونها أوفق شىء لقضية العقول ، وأقربه إلى التلقى بالقبول .. وقوله: ﴿ أن جاءهم) بتقدير لأن جاءهم، ومعنى ((منهم)) أى: من جنسهم ، وضمير الجمع يعود إلى الكفار .. وقوله: ﴿ فقال الكافرون هذا شىء عجيب﴾ تفسير لتعجبهم .. وإضمارهم أولا، للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم، وإظهارهم ثانيا، لتسجيل الكفر عليهم .. (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ﴾ تقرير للتعجب ، وتأكيد للإنكار الصادر عنهم، والعامل فى ((إذا)» مضمر لدلالة ما بعده عليه .. أى : أحين نموت ونصير ترابا وعظاما نرجع إلى الحياة مرة أخرى ، كما يقول محمد - -، وكما يقول القرآن الذى نزل عليه . لا، إننا لن نبعث ولن نعود إلى الحياة مرة أخرى، وما يخبرنا به محمد - صلزه - من أن الرجوع إلى الحياة مرة أخرى حق ، كلام بعيد عن عقولنا وأفهامنا . فاسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى محل النزاع وهو الرجوع إلى الحياة مرة أخرى، والبعث بعد الموت . والرجع بمعنى الرجوع. يقال: رجعته أرجِعُه رَجْعا ورُجوعا ، بمعنى أعدته .. ومنه قوله - تعالى -: ﴿ فإن رجعك اللّه إلى طائفة منهم﴾. أى : ذلك الرجوع إلى الحياة مرة أخرى بعيد عن الأفهام ، وعن العادة ، وعن الإِمكان . وبعد هذا التصوير الأمين لحججهم وأقوالهم ، ساق - سبحانه - الرد الذى يدفع تلك الحجج والأقوال فقال: ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ . أى : قد علمنا علما تاما دقيقا ما تأكله الأرض من أجسادهم بعد موتهم ، ومن علم ذلك لا يعجزه أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى . وقوله - سبحانه -: ﴿ وعندنا كتاب حفيظ) تأكيد وتقرير لما قبله . أى : وعندنا بجانب علمنا الشامل الدقيق . كتاب حافظ لجميع أحوال العباد ، ومسجلة فيه أقوالهم وأفعالهم ، والمراد بهذا الكتاب : اللوح المحفوظ . ثم كشف - سبحانه - عن حقيقة أحوالهم ، وعن الأسباب التى دفعتهم إلى إيثار الباطل على الحق فقال: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم فى أمر مريج﴾ . أى: إن هؤلاء (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٧٢. ٣٣٤ المجلد الثالث عشر الكافرين لم يكتفوا بإنكارهم للبعث .. بل جاءوا بما هو أشنع وأفظع منه ، وهو تكذيبهم لنبوتك - أيها الرسول الكريم - تلك النبوة الثابتة بالمعجزات الناصعة ، ومن مظاهر هذا التكذيب أنهم تارة يقولون عنك ساحر ، وتارة يقولون عنك كاهن وتارة يصفوك بالجنون . فهم فى أمر مريج ، أى : مضطرب مختلط . بحيث لا يستقرون على حال . يقال : مرج الأمر - بزنة طرب - إذا اختلط وتزعزع ، وفقد الثبات والاستقرار والصلاح .. ومنه قولهم : مرجت أمانات الناس ، إذا فسدت وعمتهم الخيانة ، ومرج الخاتم فى إصبع فلان ، إذا تخلخل واضطرب لشدة هزال صاحبه . وفى هذا الرد عليهم تصوير بديع معجز ، حيث بين - سبحانه - بأنه عليم بما تأكله الأرض من أجسادهم المغيبة فيها ، وبتناقص هذه الاجساد رويدا رويدا ، وأن كل أحوالهم مسجلة فى كتاب حفيظ ، وأنهم عندما فارقوا الحق الثابت وكذبوه ، مادت الأرض من تحتهم واضطربت ، واختلطت عليهم الأمور والتبست ، فصاروا يلقون التهم جزافا دون أن يستقروا على رأى ، أو يجتمعوا على كلمة .. ثم شرعت السورة الكريمة فى بيان الأدلة على قدرة الله - تعالى - وعلى أن البعث حق ، وعلى أن استبعادهم له إنما هو لون من جهالاتهم وانطاس بصائرهم ، فقال - تعالى - : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج ﴾ . والاستفهام للإنكار والتعجيب من جهلهم ، والهمزة متعلقة بمحذوف ، والفاء عاطفة عليه أى : أأعرضوا عن آيات الله فى هذا الكون ، فلم ينظروا إلى السماء فوقهم . كيف بنيناها هذا البناء العجيب ، بأن رفعناها بدون عمد ، وزيناها بالكواكب ، وحفظناها من أى تصدع أو تشقق أو تفتق . فقوله : ﴿ فروج﴾ جمع فرج، وهو الشق بين الشيئين . والمراد سلامتها من كل عيب وخلل . ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ الذى خلق سبع سموات طباقا ، ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت ، فارجع البصر هل ترى من فطور ، ثم أرجع (١) البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ٠ ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى بسط الأرض ، بعد بيان مظاهر قدرته فى رفع السماء فقال: ﴿والأرض مددناها﴾ أى: والأرض بسطناها ومددناها بقدرتنا، وجعلناها مترامية الأطراف والمناكب ، كما تشاهدون ذلك بأعينكم . (١) سورة تبارك الآيتان ٣، ٤. ٣٣٥ سورة ق قالوا : وامتدادها واتساعها لاينافى كرويتها ، لأن عظم سطحها يجعل الناظر إليها يراها كأنها مسطحة ممدودة . ﴿ وألقينا فيها رواسى ﴾ أى: وألقينا فيها جبالا ثوابت تمنعها من الاضطراب .. فقوله ﴿ رواسى﴾ جمع راسية بمعنى ثابتة وهو صفة لموصوف محذوف. وأنبتنا فيها﴾ أى: فى الأرض ﴿ من كل زوج بهيج﴾ أى: وأنبتنا فيها من كل صنف حسن يبهج ويسر الناظرين إليه ، مأخوذ من البهجة بمعنى الحسن يقال : بَهُج الشىء - كظرف - فهو بهيج أى : حسن جميل . وقوله : ﴿ تبصرة وذكرى .. ﴾ علتان لما تقدم من الكلام ، وهما منصوبتان بفعل مقدر. أى : فعلنا ما فعلنا من مد الأرض ، ومن تثبيتها بالجبال ، ومن إنبات كل صنف حسن من النبات فيها ، لأجل أن نبصر عبادنا بدلائل وحدانيتنا وقدرتنا ، ونذكرهم بما يجب عليهم نحو خالقهم من شكر وطاعة . وقوله : ﴿ لكل عبد منيب) متعلق بكل من المصدرين السابقين وهما: التبصرة والذكرى . أى : هذه التبصرة والذكرى كائنة لكل عبد منيب، أى: كثير الرجوع إلى ربه بالتدبر فى بدائع صنعته ، ودلائل قدرته . ثم انتقلت الآيات إلى بيان مظاهر قدرته فى إنزال المطر ، بعد بيان مظاهر قدرته فى خلق السموات والأرض وما اشتملتا عليه من كائنات ، فقال - تعالى - : ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا﴾ أى: ماء كثير المنافع والخيرات للناس والدواب والزروع . فأنبتنا به ﴾ أى: بذلك الماء ﴿ جنات﴾ أى: بساتين كثيرة زاخرة بالثمار .. وحب الحصيد ﴾ أى: وحب النبات الذى من شأنه أن يحصد عند استوائه كالقمح والشعير وما يشبههما من الزروع . فالحصيد بمعنى المحصود ، وهو صفة لموصوف محذوف أى : وحب الزرع الحصيد . فهذا التركيب من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه للعلم به . وخص الحب بالذكر ، لاحتياج الناس إليه أكثر من غيره ، فصار كأنه المقصود بالبيان . وقوله: ﴿ والنخل ... ﴾ معطوف على ﴿جنات﴾، و﴿ باسقات ﴾ حال من النخل. ومعنى ((باسقات)» مرتفعات ، من البسوق بمعنى الارتفاع والعلو. يقال: بسق فلان على أصحابه - من باب دخل - إذا فاقهم وزاد عليهم فى الفضل . ٣٣٦ المجلد الثالث عشر والنخل : اسم جنس يذكر ويؤنث ويجمع . وخص بالذكر مع أنه من جملة ما اشتملت عليه الجنات ، لمزيد فضله وكثرة منافعه . وجملة ﴿ لها طلع نضيد﴾ فى محل نصب على الحال من النخل. والطلع: أول ما يخرج من ثمر الخل. ويسمى الكُفْرَّى . يقال: طلع الطلع طلوعا . إذا كان فى أول ظهوره . والنضيد : بمعنى المنضود ، أى : المتراكب بعضه فوق بعض مأخوذ من نضد فلان المتاع ينضده ، إذا رتبه ترتيبا حسنا . أى: وأنبتنا - أيضا - فى الأرض بعد إنزالنا الماء عليها من السحاب ، النخل الطوال ، الزاخر بالثمار الكثيرة التى ترتب بعضها على بعض بطريقة جميلة .. وقوله : ﴿رزقا للعباد ) بيان للحكمة من إنزال المطر وإنبات الزرع .. أى : أنبتنا ما أنبتنا من الجنات ومن النخل الباسقات .. ليكون ذلك رزقا نافعا للعباد .. وأحيينا به بلدة ميتا ﴾ أى: وأحيينا بذلك الماء الذى أنزلناه بلدة كانت مجدبة ، وأرضا كانت خالية من النبات والزروع، وتذكير ﴿ ميتا ﴾ لكون البلدة بمعنى المكان. وقوله: ﴿ كذلك الخروج﴾ جملة مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث، مثله كمثل هذا الإِحياء للأرض التى كانت جدباء ميتة ، بأن أنبتت من كل زوج بهيج بعد أن كانت خالية من ذلك . فوجه الشبه بين إحياء الأرض بالنبات بعد جدبها ، وبين إحياء الإِنسان بالبعث بعد موته ، استواء الجميع فى أنه جاء بعد عدم . قال ابن كثير: قوله: ﴿وأحبينا به بلدة ميتا ... ﴾ وهى الأرض التى كانت هامدة ، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج . وذلك بعد أن كانت لانبات فيها ، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك ، كذلك يحيى اللّه الموتى ، وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس ، أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث .. كقوله - تعالى -: ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس : وقوله: ﴿ أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شىء قدير﴾(١) وقوله - تعالى -: ﴿ومن آياته أنك ترى (١) سورة الأحقاف الآية ٣٣ . ٣٣٧ سورة ق الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ، إن الذى أحياها لمحيى الموتى ، إنه على (١) کل شیء قدير . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعلى أن البعث حق ، وأنه آت لا ريب فيه . وبعد هذا العرض البديع لمظاهر قدرة الله - تعالى - فى هذا الكون ، ولمظاهر نعمه على خلقه ، ساقت السورة الكريمة جانبا من أحوال المكذبين للرسل السابقين . تسلية للرسول - 4 - عما أصابه من قومه ، فقال - تعالى - : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّسِِّ وَثَمُودُ (١) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ اُلْأَبَّكَّةِ وَقَوْمُ تُّعْ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَقَّ وَعِيدٍ )أَفَعِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِبَلْهُمْفِلَبِمِّنْخَلْقِ جَدِيدٍ ١٥ ١٤ أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابك من أذى من هؤلاء المشركين الجاحدين المكذبين فقد سبقهم إلى هذا التكذيب والكفر والجحود ((قوم نوح)) - عليه السلام - ، فإنهم قد قالوا فى حقه إنه مجنون ، كما حكى عنهم ذلك فى قوله - تعالى -: ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ، فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر﴾. وقوله: ﴿وأصحاب الرس﴾ معطوف على ما قبله ، والرس فى لغة العرب : البئر التى لم تبن بعد بالحجارة ، وقيل : هى البئر مطلقا . وللمفسرين فى حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود ، بعث الله إليهم واحدا من أنبيائه ، فكذبوه ورسوه فى تلك البئر ، أى : ألقوا به فيها فأهلكهم - سبحانه - بسبب ذلك . وقيل : هم الذين قتلوا حبيبا النجار عندما جاء يدعوهم إلى الدين الحق ، وكانت تلك البئر بأنطاكية ، وبعد قتلهم له ألقوه فيها . وقيل : هم قوم شعيب - عليه السلام - .. واختار ابن جرير - رحمه الله - أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود ، الذين جاء الحديث عنهم فى سورة البروج . (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٧٥ . : ٣٣٨ المجلد الثالث عشر والمراد بثمود : قوم صالح - عليه السلام - الذين كذبوه فأهلكهم الله - تعالى - . والمراد بعاد : قوم هود - عليه السلام - الذين اغتروا بقوتهم ، وكذبوا نبيهم ، فأخذهم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر . وفرعون ﴾ هو الذى أرسل الله إليه موسى - عليه السلام - فكذبه وقال لقومه ( أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾. ﴿ وإخوان لوط﴾ هم قومه الذين أتوابفاحشة لم يسبقوا إليها. قالوا: ووصفهم الله - تعالى - بأنهم إخوانه ، لأنه كانت تربطه بهم رابطة المصاهرة حيث إن امرأته - عليه السلام - كانت منهم . وأصحاب الأيكة﴾ هم قوم شعيب - عليه السلام - كما قال - تعالى -: ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين . إذ قال لهم شعيب ألا تتقون﴾(١). والأيكة : اسم لمنطقة كانت مليئة بالأشجار ، ومكانها - فى الغالب - بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة ، ولعلها المنطقة التى تسمى بمعان . وكان قوم شعيب يعبدون الأوثان ، ويطففون فى المكيال فنهاهم شعيب عن ذلك ، ولكنهم كذبوه فأهلكهم الله - تعالى - . وقوم تبع ﴾ وهو تبع الحميرى اليمانى ، وكان مؤمنا وقومه كفار، قالوا : وكان اسمه سعد أبو كرب ، وقد أشار القرآن إلى قصتهم فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - : ﴿ أهم خير أم قوم تبع .. ﴾(٢). والتنوين فى قوله - تعالى -: ﴿ كل كذب الرسل ... ﴾ عوض عن المضاف إليه . أى : كل قوم من هؤلاء الأقوام السابقين كذبوا رسولهم الذى جاء لهدايتهم . وقوله : ﴿ فحق وعيد ﴾ بيان لما حل بهم بسبب تكذيبهم لرسلهم. أى: كل واحد من هؤلاء الأقوام كذبوا رسولهم ، فكانت نتيجة ذلك أن وجب ونزل بهم وعيدى ، وهو العذاب الذى توعدتهم به ، كما قال - سبحانه -: ﴿ فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا . ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان اللّه ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ (٣). (١) سورة الشعراء الآية ١٧٦ وما بعدها . (٢) سورة الدخان الآية ٣٧ . (٣) سورة العنكبوت الآيه ٤٠. ٣٣٩ سورة ق قال ابن كثير : قوله : ﴿ كل كذب الرسل ... ﴾ أى: كل من هذه الأمم ، وهؤلاء القرون كذب رسوله ، ومن كذب رسولا فكأنما كذب جميع الرسل . فحق وعيد﴾ أى: فحق عليهم ما أوعدهم الله - تعالى - على التكذيب من العذاب والنكال ، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم ، فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك(١). وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين ، عادت السورة إلى تقرير الحقيقة التى كفر بها الجاهلون والجاحدون ، وهى أن البعث حق ، فقال - تعالى -: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد ﴾ والاستفهام للإِنكار والنفى، وقوله ﴿ عيينا﴾ من العى بمعنى العجز . يقال: عَيِىَ فلان بهذا الشىء، إذا عجز عنه، وانقطعت حيلته فيه، ولم يهتد إلى طريقة توصله إلى مقصوده منه . واللبس : الخلط . يقال : لبس على فلان الأمر - من باب ضرب - إذا اشتبه واختلط عليه ، ولم يستطع التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ . أى : أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء الكافرين وإيجادهم من العدم ، حتى يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ؟ . كلا إننا لم نعجز عن شىء من ذلك لأن قدرتنا لا يعجزها شىء ، ولكن هؤلاء الكافرين لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الشيطان عليهم ، قد صاروا فى لبس وخلط من أمرهم ، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على ((الخلق الجديد)) أى: على إعادتهم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى بعد موتهم. فقوله - تعالى -: ﴿ بل هم فى لبس من خلق جديد ﴾ أى: بل إن هؤلاء الكافرين فى خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أى خلق مستأنف لهم بعد موتهم ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون - لعلموا أن القادر على الخلق من العدم ، قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى، كما قال - سبحانه -: ﴿وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهو أهون عليه .. ﴾(٢) . قال الآلوسي : وقوله : ﴿بل هم فى لبس من خلق جديد ﴾ عطف على مقدر يدل عليه (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٧٥ . (٢) سورة الروم الآية ٢٧ . ٣٤٠ المجلد الثالث عشر ما قبله ، كأن قيل : إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه ، فلا وجه الإِنكارهم الثانى، بل هم فى خلط وشبهة فى خلق مستأنف .. (١) . وقال بعض العلماء ما ملخصه : فى الآية أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول ؟ ولم نكر اللبس ؟ ولم نكر الخلق الجديد ؟. وللإجابة على ذلك نقول : عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور فى قوله ﴿ يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾. وأما التنكير فأمره منقسم ، فأحيانا يقصد به التفخيم ، من حيث ما فيه من الإبهام .. وهو المقصود هنا من تنكير لفظ ﴿ لبس﴾. كأنه قيل: بل هم فى لبس أى ليس. وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره ، وهو المقصود هنا بقوله من ﴿ خلق جديد ﴾ أى : أن هذا الخلق الجديد شىء هين بالنسبة إلى الخلق الأول ، وإن كان كل شىء هين بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى - (٢). ثم صورت السورة الكريمة بعد ذلك علم الله - تعالى - الشامل لكل شىء تصويرا يأخذ بالألباب ، وبينت سكرات الموت وغمراته ، وأحوال الإنسان عند البعث .. بيانا رهيبا مؤثرا ، قال - تعالى - : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا نُّوَسَوِسُ بِهِ نَّفْسٌُ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿٣) إِذْيَتَلَقَّ لْمُتَلَقِيَنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ ١ ◌َايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ٨) وَجَدَتْ سَكْرَةُ ١٧ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَاكُنتَ مِنْهُ تَعِدُ ، وَنُفِخَ فِ الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ، وَعَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَابِقٌ وَشَهِيدٌ ) لَّقَدْ كُنتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ فَصَرَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ـنـ (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٧٨. ( ٢) راجع حاشية تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٨٢ . ٢٢