Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة الجاثية
وقوله : ﴿ وأضله الله على علم﴾ أى: وأضل الله - تعالى - هذا الشقى ، بأن خلق فيه
الضلالة ، على علم منه - سبحانه - بأن هذا الشقى أهل لذلك لاستحبابه العمى على
الهدى .
فيكون قوله ﴿ على علم ﴾ حال من الفاعل ، أى أضله - سبحانه - حالة كونه عالما
بأنه من أهل الضلال .
ويصح أن يكون حالا من المفعول ، أى: وأضل الله - تعالى - هذا الشقى ، والحال أن
هذا الشقى عالم بطريق الإِيمان ، ولكنه استحب الغى على الرشد .
وقوله ﴿ وختم على سمعه وقلبه ﴾ والختم : الوسم بطابع ونحوه ، مأخوذ من وضع الخاتم
على الشىء ، وطبعه فيه للاستيثاق ، لكى لا يخرج منه ما بداخله ولا يدخله ما هو خارج
عنه .
أى : وطبع على سمعه وقلبه ، فجعله لا يسمع سماع تدبر وانتفاع ، ولا يفقه ما فيه هدايته
ورشده .
وجعل على بصره غشاوة ﴾ أى: وجعل على بصره غطاء ، يحجب عنه الرؤية السليمة
للأشياء وأصل الغشاوة ما يغطى به الشىء ، من غشاه إذا غطاه .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ فمن يهديه من بعد اللّه﴾ للإنكار والنفشى.
أى: لا أحد يستطيع أن يهدى هذا الإِنسان الذى اتخذ إلهه هواه من بعد أن أضله الله -
عز وجل - .
أفلا تذكرون ﴾ أى: أفلا تتفكرون وتتأملون فيما سقت لكم من مواعظ وعبر ، تفكرا
يهديكم إلى الرشد ، ويبعثكم على الإِيمان .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، تسلية للرسول - 18 - عما أصابه من المشركين،
وتعجيب من أحوالهم التى بلغت الغاية فى الجهالة والضلالة . ودعوة لهم إلى التذكر والاعتبار ،
لأن ذلك ينقلهم من الكفر إلى الإيمان .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة فقال: ﴿وقالوا ما هى إلا
حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ .
أى : وقال هؤلاء المشركون على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق ، ما الحياة إلا هذه
الحياة الدنيوية التى نحياها فيها ، وليس هناك حياة سواها ، فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من

١٦٢
المجلد الثالث عشر
بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين ، أو نكون أمواتا فى أصلاب آبائنا ، ثم
نحيا بعد ذلك عند الولادة .
وما يهلكنا﴾ عند انتهاء آجالنا ﴿إلا الدهر ) أى: إلا مرور الزمان، وكر الأعوام
وتقلب الشهور والأيام .
قال ابن كثير ما ملخصه (( يخبر - تعالى - عن قول الدهرية من الكفار ، ومن وافقهم من
مشركى العرب فى إنكار المعاد: ﴿وقالوا ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ... ﴾ أى: ماتَمَّ
إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون ، وما تَّ معاد ولا قيامة ...
ولهذا قالوا : ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر) - أى: إلا مرور الأيام والليالى - فكابروا
المعقول وكذبوا المنقول .. .
وفى الحديث الصحيح - الذى رواه الشيخان وغيرهما - عن أبى هريرة أن رسول
الله - وسلم - قال: يقول الله - تعالى -: يؤذينى ابن آدم ، يسب الدهر، وأنا الدهر،
بيدى الأمر ، أقلب ليله ونهاره .
والمقصود من هذا الحديث النهى عن سب الدهر ، لأن الله - تعالى - هو الخالق له ، فمن
يسب الدهر ، فكأنما سب الله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الذى يقلب الليالى والأيام.
وقد كان العرب فى الجاهلية إذا ما أصابتهم شدة أو نكبة ، قالوا : يا خيبة الدهر ،
فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى الدهر ويسبونه(١) .
وقوله - تعالى -: ﴿وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ﴾ رد عليهم فيما قالوه من
أقوال باطلة تتعلق بإنكارهم للبعث والحساب .
أى : وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم مستند إلى نقل أو عقل ، إن هم إلا
يظنون ظنا مبنيا على الوهم والضلال .
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات﴾ أى: وإذا تليت عليهم آيات القرآن ، الواضحة فى
دلالتها على أن يوم القيامة حق ، وأن الحساب حق .
﴿ ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ أى: ما كان ردهم على من
يذكرهم بالبعث إلا أن قالوا لهم: أعيدوا إلينا آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين فى قولكم :
إن هناك بعثا وحسابا وثواباً وعقابا.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٥٣ .
--

١٦٣
سورة الجاثية
وقوله ﴿ حجتهم ﴾ - بالنصب - خبر كان، واسمها قوله: ﴿ إلا أن قالوا ﴾.
وسمى - سبحانه - أقوالهم مع بطلانها حجة ، على سبيل التهكم بهم ، والاستهزاء بهذه
الأقوال .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم سمى قولهم حجة وليس بحجة ؟
قلت : لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته ، وساقوه مساقها ، فسميت حجة على سبيل
التهكم ، أو لأنه فى حسبانهم وتقديرهم حجة ، أو لأنه فى أسلوب قول القائل :
تحية بينهم ضرب وجيع .. كأنه قيل : ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة .
والمراد : نفى أن تكون لهم حجة ألبتة (١).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بأمر النبى - والله - بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم
فقال: ﴿ قل اللّه يحييكم) أى: وأنتم فى الدنيا ﴿ ثم يميتكم﴾ عند انقضاء آجالكم فى
الدنيا ، ﴿ ثم يجمعكم إلى يوم القيامة) بأن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء،
وهذا اليوم وهو يوم القيامة آت ﴿ لا ريب فيه ﴾ ولا شك فى حدوثه .
ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ ذلك، لاستيلاء الهوى والشيطان على قلوبهم ، ولو
عقلوا لعلموا أن من أنشأ الإِنسان من العدم ، قادر على إعادته بعد موته من باب أولى .
ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها فى تذكير الناس بأهوال يوم القيامة لكى يستعدوا
للقاء هذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح ، فذكرتهم بأحوال الأخيار والأشرار فى هذا اليوم
العصيب ، وبينت لهم أن الندم لن ينفع فى هذا اليوم .. فقال - تعالى - :
وَلِلَّهِمُلَكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَائِيَةً كُلُّ أُمَّةٍتُدْعَىَ إِلَى كِسَبِهَا الْيَوْمَ نُّجْزَوَنَ مَاكُمْ
تَعْمَلُونَ ﴿ هَذَا كِنَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ
مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦) فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
(١) تفسير الكشاف جـ ٧ ص ٢٩١ .

١٦٤
المجلد الثالث عشر
وَأَمَّا
٣٠١
فَيُدْ خِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ !
الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُمْ قَوْمًا
تُجْرِمِينَ ﴿ وَإِذَاقِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَرَيْبَ فِيهَا قُلْتُمُ
مَانَدّرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلََّ ظَنَّاوَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
٣٢
٣٣
وَبَالَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّاكَانُوا بِسْتَهْزِءُونَ
وَقِيلَ اَلْيَّوْمَ نَفْسَنَكُمْ كَ نَسِيْتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُوَمَا
لَكُ مِن نَّصِرِينَ ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّكُ اتَّخَذْ تُمْءَايَتِ الَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ
٣٥
اْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ
فَلِلَّهِالْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ، وَلَّهُ
الْكِبِيَاءُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٣٧
=.
قال الإِمام الرازى : قوله: ﴿ولله ملك السموات والأرض): أنه - تعالى - لما احتج
بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى ، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى
الآيات المتقدمة ، عمم بعد ذلك الدليل فقال: ﴿ولله ملك السموات والأرض﴾ أى: لله -
تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السموات أم من الأرض (١) .
أى: ﴿لله) - تعالى - وحده ﴿ملك السموات والأرض) خلقا وتصرفا وإحياء
وإماتة لا راد لقضائه . ولا معقب لحكمه .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ
﴾ .
يخسر المبطلون
أى: والله - تعالى - ملك السموات والأرض ، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة ،
. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٤٧٣.

١٦٥
سورة الجاثية
لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها ، أو يتصرف فيه ، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم
الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون ، أنفسهم وأهليهم ، ويصيرون فى حال شديدة من الهم
والغم والكرب ، لأنهم كذبوا بهذا اليوم ، وكفروا به وقالوا: ﴿ ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت
ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ .
قال الشوكانى وقوله: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ﴾ أى : المكذبون
الكافرون المتعلقون بالأباطيل ، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار ،
والعامل فى ﴿ يوم﴾ هو الفعل (يخسر﴾ ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف
إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه ، فيكون التقدير: ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ يوم
تقوم الساعة ، فيكون بدلا توكيديا .
والأحسن أن يكون العامل فى ﴿ يوم﴾ هو ﴿ مُلك) - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ ..
أى : ولله - تعالى - ملك السموات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة ، ويكون قوله
يومئذ﴾ معمولا ليخسر .. (١).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ فإذا جاء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك
المبطلون ﴾ (٢).
ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: ﴿ وترى كل
أمة جائية ﴾ .
وقوله : - سبحانه -: ﴿ جائية ) من الجنو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب
وخوف .
يقال : جثا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا ، إذا برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز ،
كأنه منتظر لما يكرهه .
أى : وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان ، كل أمة من
الأمم متميزة عن غيرها ، وجائية على ركبها ، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة
تصور أهوال هذا اليوم ، وأحوال الناس فيه ، تصويرا بليغاً مؤثرا ، يبعث على الخوف الشديد
من هذا اليوم ، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس
شيئا ، والأمر يومئذ الله ﴾ .
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ١٠.
( ٢ ) سورة غافر الآية ٨٧ .

١٦٦
المجلد الثالث عشر
وقوله ﴿ كل أمة) مبتدأ، وقوله ﴿تدعى إلى كتابها) خبره. أى: كل أمة تدعى إلى
سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه .
وقوله : ﴿ اليوم تجزون ما كنتم تعملون ﴾ مقول القول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى
هذا الوقت : اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر . ويقال
لهم - أيضا - : ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾.
أى : هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة ، يشهد عليكم بالحق ، لأنه لا زيادة فيما
كتب عليكم ولا نقصان ، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿ هذا كتابنا﴾ قيل من قول الله لهم. وقيل من قول
الملائكة .
﴿ ينطق عليكم بالحق﴾ أى: يشهد. وهو استعارة ، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى :
بين . وقيل : إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا ، فكأنه ينطق عليهم .
دليله قوله - تعالى -: ﴿ويقولون يا وليتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
إلا أحصاها﴾ وقوله - سبحانه -: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون﴾.
وقوله: ﴿ينطق﴾ فى موضع الحال من الكتاب))(١).
وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله : ﴿ كل أمة تدعى
إلى كتابها ﴾ .
وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال : ﴿ هذا كتابنا ﴾ ؟
فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين ، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم ، وكتاب
اللّه، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ تعليل للنطق بالحق ، أى:
إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم ، أى : بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف ، حسنة كانت
أو سيئة ، فالمراد بالنسخ هنا : الإِثبات لا الإِزالة .
ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: ﴿فأما الذين آمنوا
وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ﴾ أى : فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه .
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ١٧٤ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٢٠.
:

٠
١٦٧
سورة الجاثية
ذلك﴾ العطاء الجزيل ﴿هو الفوز المبين ﴾ الذى لا يدانيه فوز.
وأما الذين كفروا ﴾ فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:
أفلم تكن آياتى تتلى عليكم ﴾ أى : أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانیتی وعلى
صدقهم فيما يبلغونه عنى ؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى .
فاستكبرتم ﴾ عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم ، واتباع دعوتهم .
وكنتم قوما مجرمين ﴾ أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإجرام، واجتراح
السيئات ، واقتراف المنكرات .
وإذا قيل﴾ لكم فى الدنيا ﴿إن وعد الله حق) أى: إن ماوعد الله - تعالى - به
من البعث والحساب حق وصدق ﴿ والساعة لاريب فيها ﴾ أى : لاشك فيها .
قلتم ﴾ على سبيل العناد والجحود ﴿ما ندرى ما الساعة﴾ أى: قلتم على سبيل
الإنكار لها ، والاستبعاد لحصولها : لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة ، ولا نعترف بها
اعترافا يدل على إيماننا بها .
﴿ إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقتين﴾ أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن
ولا نؤمن بحدوث الساعة ، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة ، وما نحن
بمستیقنین بإتيانها .
ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم ، هو كلام الشاكين المتحيرين من
الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: ﴿ ماهى إلا حياتنا
الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر .. ﴾ .
ثم بين - سبحانه - ماترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: ﴿وبدا لهم سيئات
ما عملوا﴾ أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا
لا يتوقعونها .
﴿ وحاق بهم﴾ أى: وأحاط ونزل بهم ﴿ ما كانوا به يستهزئون﴾ أى: فى الدنيا، فقد
كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك . فنزل بهم
العذاب المهين ، جزاء استهزائهم وإنكارهم .
وقيل﴾ لهم على سبيل التأنيب والزجر ﴿اليوم ننساكم﴾ أى: نهملكم ونترككم فى
النار ﴿ كما نسيتم﴾ أنتم فى الدنيا وأنكرتم ﴿لقاء يومكم هذا﴾ وهو يوم القيامة
٠
ومأواكم النار ﴾ أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.

١٦٨
المجلد الثالث عشر
وما لكم من ناصرين ﴾ أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم ، ويخففون عنكم هذا
العذاب الذى حل بكم .
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السىء فقال : ﴿ ذلكم بأنكم
اتخذتم آيات الله هزوا ﴾:
أى : ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم ،
وسخرتم منها ، وكذبتم من جاء بها .
وغرتكم الحياة الدنيا ﴾ أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.
﴿ فاليوم لا يخرجون منها﴾ أى: من النار.
﴿ ولا هم يستعتبون﴾ أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم ، بأن يتوبوا إليه مما كان
منهم من كفر وفسوق فى الدنيا ، لأن التوبة قد فات أوانها .
فقوله: ﴿ يستعتبون﴾ من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال:
عتب عليه يعتب ، إذا وجد عليه ، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه ، قيل : عاتبه .
والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ﴿ فلله الحمد ﴾ أى: فلله - تعالى -
وحده الحمد والثناء ﴿رب السموات ورب الأرض رب العالمين﴾ لا رب سواه ولا خالق
غيره .
وله الكبرياء ﴾ أى: العظمة والسلطان والجلال ﴿فى السموات والأرض وهو العزيز
الحكيم ﴾ .
قال ابن كثير : أى: هو العظيم الممجد الذى كل شىء خاضع لديه . فقير إليه وفى الحديث
الصحيح يقول الله - تعالى -: ((العظمة إزارى ، والكبرياء ردائى ، فمن نازعنى واحدا منها
أسكنته نارى )» .
﴿وهو العزيز﴾ أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، ﴿الحكيم) فى أقواله وأفعاله(١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٥٧ .

١٦٩
سورة الجاثية
وبعد فهذا تفسير محرر لسورة ((الجاثية)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه
ونافعا لعباده .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
كتبه الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
الجمعة مساء : ٩ من ربيع الأول سنة ١٤٠٦ هـ
٢٢ / ١١ / ١٩٨٥ م

-

تفسير
سُوَدَةِ الْأَجْتَابِى

١٧٣
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحَمَنّ الرَّحِيم
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الأحقاف)) هى السورة السادسة والأربعون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها
فى النزول فقد كان بعد سورة ((الجاثية)).
والذى يراجع ما كتبه العلماء فى ترتيب سور القرآن الكريم ، يجد أن الحواميم قد نزلت
مرتبة كترتيبها فى المصحف .
٢ - وسورة ((الأحقاف)) عدد آياتها خمس وثلاثون آية فى المصحف الكوفى، وأربع
وثلاثون آية فى غيره ، وهى من السور المكية .
قال الآلوسى : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة ، فأطلق غير
واحد القول بمكيتها من غير استثناء ..
واستثنى بعضهم قوله - تعالى -: ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله ، وكفرتم به ، وشهد
شاهد من بنى إسرئيل على مثله ﴾ .
1
واستثنى بعضهم قوله - تعالى -: ﴿والذى قال لوالديه أف لكما أتعداننى أن أخرج وقد
خلت القرون من قبلى ... ) إلى قوله - تعالى -: ﴿ إنهم كانوا خاسرين ﴾.
٣ - وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم ، وبيان جانب من مظاهر
قدرة الله - تعالى -، وبتلقين النبى - 18 - الجواب السديد الذى يرد به على المشركين،
فقال - تعالى -: ﴿ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله. أرونى ماذا خلقوا من الأرض، أم
لهم شرك فى السموات ، ائتونى بكتاب من قبل هذا ، أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ﴾ .
ثم تحكى السورة الكريمة بعض الأعذار الزائفة التى اعتذر بها الكافرون وردت عليهم بما
يبطلها ، فقال - تعالى -: ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ،
وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ... ﴾ .
٤ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ،
وعن الوصايا الحكيمة التى أوصى الله - تعالى - بها الأبناء نحو آبائهم ، وعن حسن عاقبة

١٧٤
المجلد الثالث عشر
الذين يعملون بتلك الوصايا ، فقال - تعالى - : ﴿ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن
ما عملوا ، ونتجاوز عن سيئاتهم فى أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذى كانوا يوعدون ﴾ .
كما بينت السورة الكريمة سوء عاقبة الكافرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، قال
- تعالى -: ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار، أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا ،
واستمتعتم بها ، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق ، وبما كنتم
تفسقون ﴾ .
٥ - ثم حذرت السورة المشركين من الإصرار على شركهم ، وذكرتهم بما حل بالمشركين من
قبلهم كقوم عاد وثمود ... وبينت لهم أن هؤلاء الكافرين لم تغن عنهم أموالهم ولا قوتهم شيئا ،
عندما حاق بهم عذاب الله - تعالى - ، فقال - سبحانه -: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم
فيه ، وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من
شىء ، إذ كانوا يجحدون بآيات الله، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . ولقد أهلكنا
ما حولكم من القرى ، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ﴾ .
٦ - ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها، فى تسلية الرسول - ◌َ﴾ - وفى إدخال
السرور على قلبه بأن ذكرته بحضور نفر من الجن إليه ، للاستماع إلى القرآن الكريم ، وكيف
أنهم عندما استمعوا إليه أوصى بعضهم بعضا بالإنصات وحسن الاستماع ، وكيف أنهم عندما
عادوا إلى قومهم دعوهم إلى الإِيمان بالحق الذى استمعوا إليه ، وبالنبى الذى جاء به ، فقال
- تعالى - حكاية عنهم: ﴿ ياقومنا أجيبوا داعى اللّه وآمنوا به ، يغفر لكم من ذنوبكم
ويجركم من عذاب أليم ﴾ .
ثم ختمت السورة الكريمة بأمره - # - بالصبر على أذى قومه ، فقال - تعالى - :
فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم . كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم
يلبثوا إلا ساعة من نهار، بلاغ ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ﴾ .
٧ - والمتأمل فى سورة ((الأحقاف)) يراها، قد أقامت الأدلة على وحدانية الله
- تعالى -، وعلى كمال قدرته. وعلى صدق الرسول - وَل﴿ - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن
هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن يوم القيامة حق .
أقامت الأدلة على كل ذلك ، بأبلغ الأساليب وأحكمها ، ومن ذلك أنها ساقت ألوانا من
مظاهر قدرة الله - تعالى - فى خلقه ، كما ذكرت شهادة شاهد من بنى إسرائيل على أن
الإِسلام هو الدين الحق ، كما طوفت بالناس فى أعماق التاريخ لتطلعهم على مصارع الغابرين ،
الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، كما عقدت عدة مقارنات بين مصير الأخيار ومصير الأشرار ..
٦

١٧٥
مقدمة
وبذلك تكون السورة قد ساقت من الأدلة ما فيه الكفاية والإِقناع لأولى الألباب ، على أن
الرسول - * - صادق فيما يبلغه عن ربه .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
القاهرة - مدينة نصر
صباح السبت ١٠ من شهر ربيع الأول سنة ١٤٠٦ هـ
١٩٨٥/١١/٢٣ م
كتبة الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى

١٧٧
سورة الأحقاف
التفسير
قال الله - تعالى - :
بِاللَّهِ الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ
3.1
حَمَ ا تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) مَافَقْنَا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَقَّىَّ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُ واْ مُعْرِضُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا تَدْعُونَ مِن
دُونِاللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِ السَّمَوَتِّ
أَثْنُونِ بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةِمِّنْ عِلْمِإِن كُمُ
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن
٤
صَدِقِينَ
لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْلَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُوْ يِبَادَ تِهِمْ كَفِرِينَ (٥)
سورة ((الأحقاف)) من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية، وأقرب الأقوال إلى
الصواب فى معناها أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ،
للإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى به الله - تعالى - المشركين ، هو من جنس الكلام
المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن
الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبةً فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها
بمراحل شاسعة .
وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار

١٧٨
المجلد الثالث عشر
المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم فى
أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم .
وذلك مما يلفت أنظارهم ، ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا ومواعظ من شأنها
أنها تهديهم إلى الحق ، لو كانوا يعقلون .
وقد سبق أن بينا - بشىء من التفصيل - آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) بيان لمصدر هذا القرآن،
وأنه من عند الله - تعالى - ، لا من عند غيره .
أى: أن هذا القرآن منزل من عند الله - تعالى - ﴿العزيز﴾ أى: صاحب العزة
الغالبة ، والسلطان القاهر ﴿ الحكيم) فى كل أقواله وأفعاله وتصريفه لشئون خلقه .
ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق هذا الكون عبثا ، فقال: ﴿ ما خلقنا السموات والأرض
وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ... ﴾.
وقوله : ﴿ إلا بالحق) استثناء مفرغ من أهم الأحوال، وهو صفة لمصدر محذوف،
وقوله: ﴿وأجل مسمى﴾ معطوف على ((الحق)) والكلام على تقدير مضاف محذوف.
أى : ما خلقنا هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله،
ما خلقنا كل ذلك إلا خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل وبالحكمة التى اقتضتها
إرادتنا ومشيئتنا ..
وما خلقنا كل ذلك - أيضا - إلا بتقدير أجل معين ، هو يوم القيامة الذى تفنى عنده جميع
المخلوقات .
فالمراد بالأجل المسمى : يوم القيامة الذى ينتهى عنده آجال الناس ، ويقفون بين يدى الله
- تعال - للحساب والجزاء .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا . ذلك
ظن الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار ﴾ (٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين . ما خلقناهما إلا
بالحق ... ﴾(٣).
(١) راجع تفسيرنا لسور البقرة والأعراف ويونس .
(٢) سورة ص الآية ٢٧ .
(٣) سورة الدخان الآيتان ٣٨، ٣٩.

١٧٩
سورة الأحقاف
ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من خالقهم فقال : ﴿ والذين كفروا عما أنذروا
معرضون﴾ والإِنذار: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذار .
و((ما)) فى قوله: ﴿عما أنذروا﴾ يصح أن تكون موصولة والعائد محذوف، ويصح أن
تكون مصدرية .
والإعراض عن الشىء: الصدود عنه، وعدم الإقبال عليه، وأصله من العُرْض - بضم
العين - وهو الجانب ، لأن المعرض عن الشىء يعطيه جانب عنقه ، مبتعدا عنه .
أى : نحن الذين خلقنا بقدرتنا وحكمتنا ، السموات والأرض ومابينهما ، بالحق الذى
اقتضته مشيئتنا، وبتقدير أمد معين، عند انتهائه ((تبدل الأرض غير الأرض والسموات .. ))
ومع كل هذه الدلائل الساطعة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، فالذين كفروا بالحق ، عن
الذى أنذروه من الحساب والجزاء معرضون ، وفى طغيانهم يعمهون ..
فالآية الكريمة قد وضحت أن هذا الكون لم يخلقه الله - تعالى - عبثا ، وأن لهذا الكون
نهاية ينتهى عندها ، وأن الكافرين - لجهلهم وعنادهم - لم يستجيبوا لمن دعاهم إلى إخلاص
العبادة لله الواحد القهار، ولم يستعدوا لاستقبال يوم القيامة بالإِيمان والعمل الصالح .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - 18 - أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جهالاتهم وعنادهم ،
فقال: ﴿ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله، أرونى ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك فى
السموات ...
وقوله: ﴿ أرأيتم) بمعنى أخبرونى، ومفعوله الأول قوله ﴿ ما تدعون) وجمله ((ماذا
خلقوا )) سدت مسد مفعوله الثانى .
وجملة: ((أرونى)) مؤكدة لقوله: ﴿أرأيتم﴾ لأنها - أيضا - بمعنى أخبرونى.
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين - على سبيل التوبيخ
والتأنيب - : أخبرونى عن هذه الآلهة التى تعبدونها من دول الله - تعالى - ، أى شىء فى
الأرض أوجدته هذه الآلهة ؟ إنها قطعا لم تخلق شيئا من الأرض . فالأمر فى قوله ﴿أرونى ﴾
للتعجيز والتبكيت .
و((أم)) فى قوله ﴿ أم لهم شرك فى السموات ﴾ للإضراب عن أن يكونوا قد خلقوا
شيئا ، إلى بيان أنهم لا مشاركة لهم مع الله فى خلق السموات أو الأرض أو غيرهما . فقوله :
شرك ﴾ بمعنى مشاركة ..
أى : بل ألهم مشاركة من الله - تعالى - فى خلق شىء من السموات ؟ كلا ، لا مشاركة

١٨٠
المجلد الثالث عشر
لهم فى خلق أى شىء ، وإنما الخالق لكل شىء هو الله رب العالمين.
فالاستفهام للتوبيخ والتقريع .
فالمراد من الآية الكريمة نفى استحقاق معبوداتهم لأى لون من ألوان العبادة بأبلغ وجه ،
لأن هذه المعبودات لا مدخل لها فى خلق أى شىء لا من العوالم السفلية ولا من العوالم
العلوية ، وإنما الكل مخلوق لله - تعالى - وحده .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿ هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق
الذين من دونه ﴾(١).
وبعد أن أفحمهم - سبحانه - من الناحية العقلية ، أتبع ذلك بإفحامهم بالأدلة النقلية ،
فقال - تعالى -: ﴿انتونى بكتاب من قبل هذا، أو أثارة من علم ، إن كنتم صادقين ﴾.
والأمر فى قوله - تعالى - ﴿انتونى) للتعجيز والتهكم - أيضا - كما فى قوله :
أرونى ﴾ .
وقوله: ﴿ أثارة من علم﴾ أى: بقية من علم يؤثر عن الأولين، وينسب إليهم .
قال القرطبى: وفى الصحاح: ((أو أثارة من علم)) أى: بقية منه. وكذلك الأَثَرة
- بالتحريك - ويقال : سمنت الإِبل على أثارة ، أى : على بقية من شحم كان فيها قبل
ذلك ..
والأثارة : مصدر كالسماحة والشجاعة ، وأصل الكلمة من الأثَر ، وهى الرواية ، يقال:
أثرتُ الحديث آثَرُه أَثْرًا وأَثَارةً وأَثْرَةً فأنا آثِرٍ ، إذا ذكرته عن غيرك ، ومنه قيل : حديث
مأثور، أى نقله الخلف عن السلف(٢).
أى : هاتوا لى - أيها المشركون - كتابا من قبل هذا القرآن يدل على صحة ما أنتم عليه
من شرك ، فإن لم تستطيعوا ذلك - ولن تستطيعوا - ، فأتونى ببقية من علم يؤثر عن
السابقين ، ويسند إليهم، ويشهد لكم بصحة ما أنتم فيه من كفر .
﴿ إن كنتم صادقين) فيما تزعمونه من أنكم على الحق .
وهكذا أخذ عليهم القرآن الحجة ، وألزمهم ببطلان ما هم عليه من ضلال ، بالأدلة العقلية
المتمثلة فى شهادة هذا الكون المفتوح ، وبالأدلة النقلية المتمثلة فى أنه لا يوجد عندهم كتاب أو
ما يشبه الكتاب . يستندون إليه فى استحقاق تلك المعبودات للعبادة .
(١) سورة لقمان الآية ١١ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ١٨٢.