Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة الشورى وقوله - تعالى - ﴿ والذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش .. ﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿وما عند اللّه خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ أو بدل منه . وكبائر الإِثم: هى الذنوب الكبيرة التى يترتب عليها إقامة الحد على فاعلها أو الوعيد الشديد من الله - تعالى - لمرتكبها، كقتل النفس، وتعاطى الربا، وما يشبه ذلك من الكبائر . والفواحش: جمع فاحشة، وهى من جملة كبائر الإِثم، إلا أن الله - تعالى - خصها بالذكر من باب عطف الخاص على العام، اهتماما وأكثر ماتطلق الفواحش على جريمة الزنا . كما قال - تعالى -: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ﴾. والمعنى: وما عند الله - تعالى - من ثواب فى الآخرة خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وللذين يجتنبون ارتكاب كبائر الآثام، كقتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل، ويجتنبون كذلك مافحش وعظم قبحه من الذنوب، كالزنا والبخل بما آتاهم الله من فضله .. وليس المراد من هذه الآية الكريمة فتح الباب لارتكاب صغائر الآثام والذنوب، بل المراد بيان فضل الله - تعالى - على عباده، ورحمته بهم، وبيان أن اجتناب كبائر الإِثم والفواحش، يؤدى - بفضل الله وكرمه - إلى غفران صغائر الذنوب، كما قال - تعالى -: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ صفة أخرى من صفاتهم الكريمة . أى: ما عند الله خير وأبقى، للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وللذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وللذين من صفاتهم - أيضا - أنهم يتجاوزون عن الشخص الذى أغضبهم، ويصفحون عنه، ويحلمون عليه . وخص حالة غضبهم بالغفران، لأن هذه الحالة لا يقدر عليها إلا أصحاب العزائم القوية، إذ من المعروف أن الإِنسان فى حالة غضبه، كثيرا ما يفقد صوابه، ويغلب عليه عدم السيطرة على مشاعره، فإذا ما استطاع أن يكظم غيظه فى حالة غضبه، كان ذلك دليلا على قوة إيمانه وعلى ملكه لنوازع نفسه . قال صاحب الكشاف: ((هم يغفرون)) أى: هم الأخصاء بالغفران فى حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يقول حلوم الناس. والمجىء بلفظ ((هم)) وإيقاعه مبتدأ وإسناد (١) راجع تفسيرنا لهذه الآية فى سورة النساء ص ١٢٨. ٤٢ المجلد الثالث عشر (يغفرون)) إليه، لهذه الفائدة، ومثله ((هم ينتصرون))(١). ثم ذكر - سبحانه - صفات كريمة لهم فقال: ﴿والذين استجابوا لربهم﴾ أى: أطاعوه فى كل ما أمرهم به ، أو نهاهم عنه .. وأقاموا الصلاة﴾ أى: حافظوا عليها، وأدوها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين . وأمرهم شورى بينهم﴾ أى: شأنهم أنهم إذا حدث بينهم أمر هام يحتاج إلى المراجعة والمناقشة، تجمعوا وتشاوروا فيما هو أنفع وأصلح . قال القرطبى ما ملخصه: ((قوله - تعالى -: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ أى: يتشاورون فى الأمور . والشورى مصدر شاورته - والتشاور: استخراج الرأى من الغير .. قال الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم . وقال ابن العربى: الشورى: ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب . وقد قال الشاعر الحكيم: برأى لبيب أو نصيحة حازم . إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن فإن الخوافى قوة للقوادم (٣) ولا تجعل الشورى عليك غضاضة وقد كان الرسول - * - يستشير أصحابه فى الأمور التى تتعلق بالحروب وما يشبهها من الأمور الدنيوية، ولم يكن يشاورهم فى الأحكام لأنها منزلة من عند الله - تعالى - . فأما الصحابة فكانوا يتشاورون فى الأحكام ، ويستنبطونها من الكتاب والسنة ، فقد تشاوروا فى الخلافة بعد موت الرسول - وهل * - وفى ميراث الجد، وفى حروب المرتدين(٣). وقوله ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ أى ومن صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين - أيضا - أنهم مما أعطيناهم من الرزق، يتصدقون على غيرهم من المحتاجين . والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون﴾ أى: أن من صفاتهم كذلك أنهم إذا بغى عليهم باغ، أو ظلمهم ظالم ، أو اعتدى على كرامتهم أو على دينهم معتد، فإنهم لا يخضعون له، ولا يذلون أمامه، وإنما هم ينتصرون لدينهم ولكرامتهم، بأن يقابلوا بغيه وعدوانه، بما يردعه (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٢٧ . (٢) الخوافى الريش الذى يختفى عندما يضم الطائر جناحيه . والقوادم: الريش الظاهر الكثير. (٣) تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٣٦. ٤٣ سورة الشورى ويجعله يخشى إصابتهم بأذى . وقوله - تعالى -: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها .. ﴾ بيان لوجوب عدم تجاوز الحد عند دفع الظلم . أى: أن الله - تعالى - يأمركم أنكم إذا أردتم الانتصار من الباغى فعليكم أن تقابلوا بغيه وظلمه وعدوانه بمثله بدون زيادة منكم على ذلك، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ﴾. قال الشوكانى: ((ذكر - سبحانه - المغفرة عند الغضب فى معرض المدح فقال: ((وإذا ما غضبوا هم يغفرن)) كما ذكر الانتصار على الباغى فى معرض المدح - أيضا - لأن التذلل لمن بغى، ليس من صفات من جعل الله له العزة، حيث قال - سبحانه - ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾. فالانتصار عند البغى فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة . قال النخعى: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترى عليهم السفهاء . ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله - تعالى - له، وعدم مجاوزته، كما بينه - سبحانه - عقب ذلك بقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ فبين - سبحانه - أن العدل فى الانتصار، هو الاقتصار على المساواة .. ))(١) . ثم بين - سبحانه - ماهو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال: ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه، إنه لا يحب الظالمين ). أى: فمن عفا عمن أساء إليه، وأصلح فيما بينه وبين غيره فأجره كائن على الله - تعالى - وحده، وسيعطيه - سبحانه - من الثواب مالا يعلمه إلا هو - عز وجل - . إنه - تعالى - لا يحب الظالمين بأى لون من ألوان الظلم . وفى الحديث القدسى: (( يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)). ثم أكد - سبحانه - ماسبق أن بينه من أن دفع بغى الباغى أمر محمود، فقال تعالى ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾ . واللام فى قوله ﴿ولمن انتصر﴾ هى لام الابتداء، وقوله ﴿بعد ظلمه﴾ مصدر مضاف لمفعوله و((من)) شرطية، وجوابها ﴿ فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ والمراد بالسبيل: المؤاخذة والحرج .. ( ١ ) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٥٤١ . ٤٤ المجلد الثالث عشر أى: أن من انتصر لدينه وعرضه، بعد ظلم الظالم له، فأولئك الذين يفعلون ذلك، لا يؤاخذون من أحد، ولا يلامون من غيرهم، لأنهم باشروا حقهم الذى شرعه الله - تعالى - لهم، وهو مقابلة السيئة بمثلها . ثم بين - سبحانه - على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق ﴾ . أى : إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلمون غيرهم من الناس، ويتكبرون ويتجاوزون حدودهم فى الأرض بغير الحق . وقيد - سبحانه - البغى فى الأرض بكونه بغير الحق، لبيان أنه لا يكون إلا كذلك، إذ معناه فى اللغة تجاوز الحد . يقال: بغى الجرح، إذ تجاوز الحد فى فساده، فهذا القيد إنما هو لبيان الواقع، وللتنفير منه . ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ أى: أولئك الذين من صفاتهم الظلم والبغى لهم عذاب أليم، بسبب ما اجترحوه من ظلم وبغى . ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات الكريمة للمؤمنين فقال: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ﴾ . أى: وللإِنسان الصابر على الأذى الذى يصفح عمن أساء إليه، الثواب الجزيل، والعاقبة الحسنة، لأن ذلك الصبر والمغفرة منه، لمن الأمور التى تدل على علو الهمة، وقوة العزيمة .. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد مدحت المؤمنين الصادقين بجملة من الصفات الحميدة، التى تعتبر على رأس الصفات الأساسية، لكل أمة تريد أن تتال الظفر والسعادة فى دنياها وآخرتها . وبعد هذا الحديث عن المؤمنين وعن صفاتهم الكريمة وعما أعده سبحانه لهم من ثواب، جاء الحديث عن الظالمين وما أعد لهم من عقاب، وأمرهم - سبحانه - بالاستجابة لدعوة الحق من قبل أن يأتى يوم الحساب، الذى لا ينفعهم فيه شفيع أو نصير، فقال - تعالى -: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِّ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَرَى الَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّمِنِ سَبِيلٍ ٤٤ وَتَّرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ ٤٥ سورة الشورى مِنْ طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّالْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوَأَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الَِّلِمِينَ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَآءَ يَنْصُرُونَهُ فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ ٤٥ مِّن دُونِ اللَّهُ وَ مَن يُضْلِلِ اَللَّهُ هَالَهُ مِن سَبِيلٍ ، أَسْتَجِيبُواْ لِرَّكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّلَهُ مِنَ اللّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ، فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّ الْبَلَاغُ وَإِنَّ إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّارَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِّبَّهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَنَ كَفُورٌ @) وقوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده .. ﴾ أى: ومن يخذله الله تعالى ويبعده عن طريق الهداية بسبب زيغه وإيثاره الغى على الرشد، فليس لهذا الضال من ناصر ينصره بعد الله - تعالى - فالمراد بالضلال هنا: ماهو ضد الهداية والتوفيق للخير. والضمير فى قوله (( من بعده)) يعود إلى الله - عز وجل - وقيل: يعود للخذلان المفهوم من قوله ((يضلل)). ثم بين - سبحانه - حال الظالمين عندما يعرضون على النار فقال: ﴿وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ؟ أى: وترى - أيها العاقل - الظالمين حين رأوا العذاب المعد لهم يوم القيامة، تراهم فى نهاية الحسرة والذلة، ويقولون فى ندامة وانكسار: هل إلى ﴿ مرد ﴾ أى: مرجع إلى الدنيا من سبيل أو طريق، فنعمل غير الذى كنا نعمل . وقوله - سبحانه - ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى ﴾ بيان لحالهم عندما يعرضون على النار بعد بيان ما يقولونه عند رؤيتهم لها . ٤٦ المجلد الثالث عشر أى: أنهم عند رؤيتهم لجهنم يقولون هل من طريق للهرب من هذا العذاب لكى نرجع إلى الدنيا فنؤمن بالله - تعالى - ونعمل صالحا، فلما وجدوا أنه لا طريق إلى ذلك زاد انكسارهم وذلهم وتراهم - أيها العاقل - يعرضون على النار عرضا مؤلما، فهم خاضعون متضائلون من شدة ما أصابهم من ذل، يسترقون النظر إلى النار من طرف خفى ، أى : من عين لاتكاد تتحرك من شدة ضعفها وهوانها ... قال صاحب الكشاف: ﴿ خاشعين ﴾ متضائلين متقاصرين بما يلحقهم، وقوله ﴿ من الذل﴾ متعلق بخاشعين - ﴿ينظرون من طرف خفى﴾ أى: يبتدى نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقته كما ترى المصبور - أى المحبوس للقتل - ينظر إلى السيف، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل الناظر إلى الشىء المحبوب ... )) (١) . ثم بين - سبحانه - ما يقوله المؤمنون الفائزون برضا الله - تعالى - بعد رؤيتهم الأحوال هؤلاء الظالمين فقال: ﴿وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم ﴾ . أى: وقال المؤمنون - على سبيل التحدث بنعمة الله عليهم - بعد أن رأوا انكسار الظالمين وذلتهم ... قالوا هؤلاءهم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة بتعريضها للعذاب المهين، وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا معهم فى النار فلن ينفعوهم بشىء، وإن كانوا فى الجنة فلن يستطيعوا الوصول إليهم ... ألا إن ذلك العذاب المقيم الذى حل بهؤلاء الظالمين هو الخسران التام الكامل الذى لا خسران أفظع منه . ﴿ وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله .. ﴾ أى: لم يكن لهؤلاء الظالمين من نصراء أو شفعاء يحولون بينهم وبين العذاب الذى أعده - سبحانه - لهم بسبب ظلمهم وكفرهم . ومن يضلل الله ﴾ أى: ومن يضله الله - تعالى - عن طريق الهداية والرشاد ﴿ فما له من سبيل﴾ أى فما له من طريق إلى الهدى أو النجاة . ثم يوجه - سبحانه - أمره إلى هؤلاء المعاندين، يدعوهم إلى الاستجابة للحق من قبل أن (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٣١ . ٤٧ سورة الشورى يأتى يوم القيامة الذى لاشك فى مجيئه .. فيقول: ﴿ استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله .. أى استجيبوا - أيها الناس - لدعوة الحق التى دعاكم إليها ربكم وخالقكم، عن طريق الرسول الذى أرسله - سبحانه - إليكم، ولتكن استجابتكم عاجلة فى هذه الدنيا، من قبل أن يأتى يوم القيامة الذى لن يستطيع أحد أن يرده أو يدفعه، بعد أن حكم - سبحانه - بمجيئه، وجعل له أجلا محددا لا يتخلف عنه . ثم بين - سبحانه - حالهم عند مجىء هذا اليوم فقال: ﴿ مالكم من ملجأ يومئذ ومالكم من ٠ . نکیر والملجأ: هو المكان الذى يلجأ إليه الإِنسان عند الشدائد والكروب لاتقائها، والنكير بمعنى الإِنكار . أى: ليس لكم فى هذا اليوم ملجأ تلتجئون إليه من العذاب، وليس لكم القدرة على إنكار شىء مما اجترحتموه فى الدنيا من الكفر والعصيان، لأنه مسجل عليكم ، فما نزل بكم من عذاب بسبب كفركم وإعراضكم عن الحق، شىء أنتم تستحقونه، ولن تجدوا يوم القيامة من ينكر استحقاقكم لهذا العذاب . قال الآلوسي: قوله - تعالى - ﴿وما لكم من نكير﴾ أى: إنكار على أنه مصدر أنكر على غير القياس . ونفى ذلك مع قوله - تعالى - حكاية عنهم ﴿والله ربنا ما كنا مشركين تنزيلا لما يقع من إنكارهم منزلة العدم، لعدم نفعه وقيام الحجة، وشهادة الجوارح عليهم، أو يقال: إن الأمرين باعتبار تعدد الأحوال والمواقف .. ) (١). ثم بين - سبحانه - وظيفة رسوله - مَّل - فقال: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا، إن عليك إلا البلاغ .. ﴾ . أى: فإن أعرض هؤلاء الظالمون عن دعوتك - أيها الرسول الكريم -، فلاتحزن لذلك، فإننا ما أرسلناك لتكون رقيبا على أعمالهم، ومكرها لهم على الإِيمان، وإنما أرسلناك لتبلغ دعوة ربك إليهم، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر . والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه -: ﴿وإنا إذا أذقنا الإِنسان منا رحمة فرح بها ﴾ جنسه الشامل للجميع والمراد بالرحمة: ما يشمل الغنى والصحة وغيرهما من النعم . (١) تفسير الآلوسي جـ ٢٥ ص ٢٥ . .. ٤٨ المجلد الثالث عشر أى: وإنا إذا أعطينا ومنحنا الإنسان بفضلنا وكرمنا نعمة كالمال والولد والجاه . فرح بها وانشرح لها . وإن تصبهم﴾ أى: الناس ﴿ سيئة﴾ من بلاء أو مرض أو خوف أو فقر (بما قدمت أيديهم ﴾ أى: بسبب ما اكتسبته أيديهم من المعاصى والسيئات حزنوا وامتعضوا . وقوله: ﴿فإن الإنسان كفور ﴾ تعليل لجواب الشرط المحذوف، أى: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم نسوا نعمنا وقتطوا، فإن الإِنسان الكافر كثير الكفر والجحود لنعم خالقه - عز وجل - أما من آمن وعمل صالحا فإنه يشكر ربه عند النعم، ويصبر عند البلاء والنقم . ٠٠٠ ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن مظاهر قدرته التى لا يعجزها شىء، وعن نفاذ مشيئته وحكمته، وعن فضله على نبيه - * - حيث أوحى إليه بما أوحى، من هدايات للناس . فقال - تعالى - : لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَفًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُرَ ﴿٨) أَوْيُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَئًا وَمَا كَانَ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير٥ٌ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ بِرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمٌ. ٥١ وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحَا مِنْ أَمْرِ نَاْ مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورَّا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَّأَ صِرَاطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ. وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّإِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ٥٣ ٤٩ سورة الشورى وقوله - تعالى - ﴿ لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء .. ﴾ بيان لكمال قدرته - سبحانه -، ولنفاذ مشيئته . والملك - بضم الميم - الاستيلاء على الشىء والتمكن من التصرف فيه . أى: لله - تعالى - وحده ملك جميع ما فى السموات والأرض، وليس لأحد معه شىء لا اشتراكا ولا استقلالا، وهو - سبحانه - ((يخلق ما يشاء)» أن يخلقه، من غير أن يكون لأحد وصاية عليه، أو اختيار لشىء معين .. ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر هذه القدرة التامة، والإرادة النافذة فقال: ﴿ يہب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما﴾ فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل، أو بدل بعض من كل . وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو عن هذه الأقسام الأربعة فهو - سبحانه - إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهن، وإما أن يهب لبعضهم الإناث والذكور معا وهذا معنى قوله - تعالى - ﴿ أو يزوجهم ذكرانا وإناثا﴾ إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات . وإما أن يجعل بعضهم عقيما ، أى: لا ذرية له، ذكرا كان أو أنثى . يقال رجل عقيم وامرأة عقيم، إذا كانا لا ذرية لها . وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة فى حياة الناس، فمنهم من معه الإناث فقط، ومنهم من معه الذكور فقط ومنهم من معه الذكور والإناث ومنهم من ليس معه منها شىء وهذا كله يدل على كمال قدرته - سبحانه - ، وعلى نفاذ إرادته وحكمته، إذ أعطى من يشاء إعطاءه بفضله، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها، لاراد لقضائه، ولا معقب لحكمه . فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله - تعالى - وحده، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشيئته وحده، وهو - سبحانه - يقدرها وفق علمه وإرادته وحكمته ؛ ليس لأحد مدخل فى اختيار نوع معين من الذرية، وليس عند أحد القدرة على إنجاب شىء منها، إذا أراد الله منعه من ذلك . قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ((فإن قلت: لم قدم الإِناث أولا على الذكور مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم ؟ ولم عرف الذكور بعدما نكر الإِناث ؟ قلت: قدم الإِناث لبيان أنه - سبحانه - يفعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإِنسان، فكان ذكر الإناث اللاتى من جملة ما لا يشاؤه الإِنسان أهم، والأهم واجب التقديم ... وأخر - سبحانه - الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم ٠ ٥٠ المجلد الثالث عشر ٦ بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، فكأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال: ﴿ذكرانا وإناثا﴾، كما قال: ﴿ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى .. ﴾(١). وقوله - تعالى - ﴿ إنه عليم قدير ) تذييل قصد به تأكيد قدرته وحكمته. أى: إنه - سبحانه - واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم، قدير على كل شىء، فهو يفعل ما يفعله عن قدرة واختيار، لا مكره له ولا معقب لحكمه . ثم بين - سبحانه - الطرق التى بها يقع التكليم منه - تعالى - للمختارين من عباده فقال: وما كان لبشر أن یکلمه الله إلا وحیا ، أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فیوحی بإذنه ما ﴾ . يشاء .. فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن تكليم الله - تعالى - للبشر وقع على ثلاثة أوجه: الأول: عن طريق الوحى، وهو الإعلام فى خفاء وسرعة عن طريق الإلقاء فى القلب يقظة أو مناما، ويشمل الإِلهام والرؤيا المنامية . والوحى مصدر أوحى، وقد غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإلهية . والثانى: عن طريق الإسماع من وراء حجاب، أى حاجز، بأن يسمع النبى كلاما دون أن يرى من يكلمه، كما حدث لموسى. عليه السلام - عندما كلمه ربه - عز وجل -، وهذا الطريق هو المقصود بقوله - تعالى -: ﴿ أو من وراء حجاب﴾. والثالث: عن طريق إرسال ملك، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله بتبليغه له، وهو المقصود بقوله - تعالى - ﴿ أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ، وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذى رواه الإِمام البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله - مَ ل﴾ - فقال: يارسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال - - أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس - وهو أشده على - أى: أحيانا یأتینی مشابها صوته وقوع الحدید بعضه على بعض - فیفصم عنی وقد وعیت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول . قالت عائشة: ولقد رأيته - - ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فیفصم عنه، (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٣٢ . ٥١ سورة الشورى وإن جبينه ليتفصد عرقا . والمعنى: وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله - تعالى - فى من حال الأحوال إلا موحيا إليه، أو مسمعا أياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل إليه ملكا ليبلغه ما يريده - سبحانه - منه . وقوله - تعالى - ﴿ إنه على حكيم) تعليل لما قبله، أى: إنه - سبحانه - متعال عن .صفات النقص، حكيم فى كل أقواله وأفعاله . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - * - فقال: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإِيمان .. ﴾ والكاف فى قوله ((كذلك)) بمعنى مثل واسم الإِشارة يعود إلى ما أوحاه إلى الرسل السابقين . والمراد بالروح: القرآن - وسماه - سبحانه - روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما تحيا الأبدان بالغذاء المادى . أى: ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل، أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم، هذا القرآن، الذى هو بمنزلة الأرواح للأجساد، وقد أوحيناه إليك بأمرنا وإرادتنا ومشيئتنا، وأنت - أيها الرسول الكريم - ما كنت تعرف أو تدرك حقيقة هذا الكتاب حتى عرفناك إياه، وما كنت تعرف أو تدرك تفاصيل، وشرائع وأحكام هذا الذين الدى أوحيناه إليك بعد النبوة . فالمقصود بهذه الآية الكريمة نفى علم الرسول - 13 - بهذا القرآن قبل النبوة، ونفى أن يكون - أيضا - عالما بتفاصيل وأحكام هذا الدين لا نفى أصل الإِيمان . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾(٢). والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ﴾ يعود إلى القرآن الكريم، الذى عبر عنه بالروح . أى: ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورا ساطعا، نهدى به من نشاء هدايته من عبادنا . ( ١) سورة النساء الآية ١١٣. (٢) سورة يوسف الآية ٣ . ٥٢ المجلد الثالث عشر وإنك﴾ أيها الرسول الكريم (لتهدى) من أرسلناك إليهم ﴿ إلى صراط مستقيم ) أى طريق واضح قويم لا اعوجاج فيه ولا التواء . وقوله: ﴿صراط اللّه) بدل مما قبله، وإضافته إلى الله - تعالى - للتفخيم والتشريف. أى: وإنك لترشد الناس إلى صراط الله ﴿ الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ﴾ ملكا وخلقا وتصرفا .. ألا إلى الله) - تعالى - وحده ﴿تصير الأمور﴾ أى: تنتهى إليه الأمور وتصعد إليه وحده، فيقضى فيها بقضائه العادل، وبحكمه النهائى الذى لا معقب له . وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة ((الشورى )) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى مساء الأحد ٦ من المحرم سنة ١٤٠٦ هـ ٢٠ / ١٠ / ١٩٨٥ م ---- . تفسير سُورَةِ الرُّحُزُفَيَا ٥٥ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الزخرف)) من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها تسع وثمانون آية ، وكان نزولها بعد سورة ((الشورى)). ٢ - وقد افتتحت سورة ((الزخرف)) بالثناء على القرآن الكريم ، وبتسلية الرسول - وَ﴿ه - عما أصابه من قومه ، وببيان جانب من مظاهر قدرته - تعالى - ، ومن أنواع نعمه . قال - تعالى -: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ، الذى جعل لكم الأرض مهدا ، وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون . والذى نزل من السماء ماء بقدر ، فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون . والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون .. ﴾ . ٣ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن جهالات المشركين ، وعن دعاواهم الكاذبة ، وعن أقوالهم الفاسدة عندما يدعون إلى الدخول فى الدين الحق . قال - تعالى -: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، أشهدوا خلقهم ، ستكتب شهادتهم ويسألون . وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون .. فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ . ٤ - وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من دعوة إبراهيم - عليه السلام - لقومه ، واصلت حديثها عن موقف المشركين من دعوة الحق ، وعن اعتراضهم على نبوة النبى - * - ثم أخذت فى تفنيد هذه الاعتراضات، وفى تسلية الرسول - و لا - عما أصابه منهم ، وبينت سوء عاقبتهم فى الدنيا والآخرة . قال - تعالى -: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . أهم يقسمون رحمة ربك ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ، ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ . ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين .. ﴾ ٥٦ المجلد الثالث عشر ٥ - ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة موسى - عليه السلام - وكيف أن الله - تعالى - دمر فرعون وقومه ، بسبب بغيهم وإصرارهم على كفرهم . قال - تعالى -: ﴿ونادى فرعون فى قومه ، قال ياقوم أليس لى ملك مصر ، وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون . أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين . فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين . فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين . فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين . فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } ٦ - ثم أتبعت السورة حديثها عن جانب من قصة موسى مع فرعون وقومه ، بالحديث عن موقف المشركين من عيسى - عليه السلام - الذى جاء قومه بالحق والحكمة ، فقال - تعالى -: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون. وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا ، بل هم قوم خصمون . إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل ﴾ . ٧ - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى عباده المؤمنين ، بشرهم فيه برضوانه وجنته ، فقال - تعالى -: ﴿ ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون . الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين . ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون . يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ﴾ . ٨ - وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار، أتبع القرآن حديثه عن ثواب المتقين ، بالحديث عن عقاب الكافرين ، فقال - تعالى - : ﴿إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون . لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون . وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين . ونادوا يامالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ﴾. ٩ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلقين النبى - صل﴿ - الجواب الذى يخرس به ألسنة المشركين ، ويسليه عن كيدهم ولجاجهم ويسلحه بالحق الذى لا يحوم حوله باطل . قال - تعالى -: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين . سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون . فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون ﴾ . إلى أن يقول - سبحانه -: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولون اللّه فأنى يؤفكون. وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون . فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ . ١٠ - وبعد فهذا عرض إجمالى لبعض المقاصد التى اشتملت عليها سورة ((الزخرف))، ٥٧ مقدمة ومنه نرى أن السورة الكريمة تهتم اهتماما واضحا بالحديث عن العقبات التى وضعها المشركون فى طريق الدعوة الإسلامية، وكيف أن الله - تعالى - قد أعطى نبيه - رولز - السلاح الذى يهدم به هذه العقبات كما اهتمت ببيان مظاهر قدرة الله - تعالى - ونعمه على خلقه ، وببيان جانب من قصص بعض الأنبياء . كإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - لتسليته - وقال - عما لحقه من أذى المشركين، كما اهتمت بالمقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار، وبإقامة البراهين الساطعة على وحدانية الله - عز وجل - إلى غير ذلك من المقاصد التى لا مجال لتفصيل الحديث عنها فى تلك المقدمة ، وإنما سنتحدث عنها بشىء من التوضيح خلال تفسيرنا لآيات السورة الكريمة . والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة : مدينة نصر مساء الثلاثاء ٨ من صفر سنة ١٤٠٦ هـ ١٩٨٥/١٠/١٢ م كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى ٥٩ سورة الزخرف التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حمّ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ، إِنَّا جَعَلَنَّهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٨، وَإِنَّهُ فِى أُمِ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌ حَكِيمُ ﴿ أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِنَ (6) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيِّ فِى اُلْأَوَّلِينَ ، وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيٍ إِلَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ٨ سورة ((الزخرف)) من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة ، وقد سبق أن قلنا فى المراد بهذه الحروف ما خلاصته : هذه الحروف التى افتتحت بها بعض السور ، يغلب على الظن أنه جىء بها للتنبيه إلى إعجاز القرآن ، لأنه مؤلف من كلام هو من جنس كلامهم ، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله .. (١) . و﴿ الواو﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿والكتاب المبين﴾ للقسم، والمقسم به الكتاب، وجواب القسم قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ إنا جعلناه قرآنا عربيا ... ﴾. أى : وحق هذا الكتاب الواضح المرشد إلى طريق الحق والسعادة ، لقد جعلنا بقدرتنا وحكمتنا هذا الكتاب قرآنا عربيا ﴿ لعلكم تعقلون ﴾. أى : جعلناه كذلك لكى تفهموه وتتعقلوا معانيه ، وتهتدوا إلى ما فيه من الأحكام السامية ، والآداب العالية . (١) راجع تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران ، والأعراف. ٦٠ المجلد الثالث عشر قال صاحب الكشاف: أقسم - سبحانه - بالكتاب المبين وهو القرآن وجعل قوله : ﴿ إنا جعلناه قرآنا عربيا ﴾ جوابا للقسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة، لتناسب القسم والمقسم عليه ، وكونهما من واد واحد .. و﴿ المبين ﴾ أى: البين الذى أنزل بلغتهم وأساليبهم .. (١). فقوله - تعالى -: ﴿ لعلكم تعقلون) بيان للحكمة التى من أجلها أنزل الله - تعالى - هذا القرآن بلسان عربى مبين . أى : جعلناه كذلك رجاء أن تعقلوا وتفهموا أوامره ونواهيه ، وتوجيهاته وإرشاداته . ثم بين - سبحانه - المنزلة السامية التى جعلها لهذا القرآن ، والصيانة التامة التى أحاطه بها فقال: ﴿وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم ﴾. والمراد بأم الكتاب : اللوح المحفوظ ، وسمى بذلك لأن جميع الكتب السماوية منقولة عنه . كما قال - تعالى -: ﴿بل هو قرآن مجيد. فى لوح محفوظ﴾. وقيل : المراد بأم الكتاب : علمه الأزلى - عز وجل - . أى: وإن هذا القرآن المبين لثابت، وكائن فى اللوح المحفوظ، وهو ﴿لدينا﴾ أى: عندنا ﴿ لعلىَّ﴾ أى: لرفيع الشأن، عظيم القدر ﴿حكيم﴾ أى: محكم النظم فى أعلى طبقات البلاغة . فلا يضيره تكذيب المكذبين ، ولا طعن الطاعنين . فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على القيمة العظيمة التى جعلها - سبحانه - لهذا القرآن ، فى علمه - تعالى - وتقديره ، كما أن وصف هذا الكتاب بقوله ﴿ على حكيم ﴾ يؤكد هذه المنزلة السامية ويقررها . وبعد هذا البيان المشرف للقرآن الكريم ، أتبع - سبحانه - ذلك بالكشف عن مدى الإسراف القبيح الذى ارتكبه المشركون حين أعرضوا عنه فقال - تعالى -: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا ، أن كنتم قوما مسرفين ﴾ . والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والضرب هنا : بمعنى التنحى والابتعاد والإهمال ، تقول: ضربت عن فلان صفحا ، إذا أعرضت عنه وتركته ، والصفح : مصدر صفحت عنه ، إذا أعرضت عنه ، وذلك بأن تعطيه صفحة وجهك أى : جانبه . وهو منصوب لنضرب من غير لفظه ، كما فى قولهم : قعدت جلوسا . أو على الحال من الفاعل : على المصدرية أى : صافحين . ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٤٦ .