Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة ص
والمراد بالبشر : آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض ، أو من كونه ظاهر
البشرة ، أى الجلد والهيئة . أى : لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم ، حين قال
الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: ﴿إنى خالق بشرًا من طين) هو آدم - عليه
السلام - . فإذا صورته على صورة البشر ، وأفضت عليه ما به الحياة من الروح التى هى من
أمرى - ولا علم لأحد بها سواى ، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم .
ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طین ، وبین وصفه فی آیات أخرى بأنه خلق من
تراب ، أو من صلصال من حما مسنون ، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة ، إلا
أنها مرت بمراحل متعددة ، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة .
وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته ، للإشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو
- تعالى - ، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ ، مما استأثر - سبحانه - به ، ولا سبيل لأحد
إلى معرفته ، كما قال - تعالى -: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم
من العلم إلا قليلا ﴾(١) .
والفاء فى قوله: ﴿فقعوا له ... ﴾ جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى:
فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى ، على سبيل التحية له ، لأن
السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى .
ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال :
و فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس
استكبر وكان من الكافرين
أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد ، إلا إبليس فإنه
أبى الامتثال لأمر ربه ، واستكبر عن طاعته ، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر
الله - تعالى - .
قال صاحب الكشاف: ولفظ ((كل)) الاحاطة و ((أجمعون)): للاجتماع ، فأفادا معا أنهم
سجدوا عن آخرهم ، مابقى منهم ملَك إلا سجد ، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد ، غير
متفرقين فى أوقات .
فإن قلت : كيف ساغ السجود لغير اللّه ؟ قلت : الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على
( ١) سورة الإسراء الآية ٨٥

١٨٢
المجلد الثانى عشر
وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل ، فلا يأباه العقل ، إلا أن يعلم الله تعالى فيه
مفسدة فينهى عنه(١).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإبليس حين عصى أمره فقال : ﴿ قال یا إبليس ما متمك
أن تسجد لما خلقت بيدى ... ﴾ .
ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير ، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله
تعالى بها ذاته ، فهى ثابتة له ، على الوجه الذى يليق بكماله ، مع تنزهه - سبحانه - عن
مشابهته للحوادث .
ومذهب الخلف : تأويل اليد بالقدرة أو النعمة . والتثنية فى يدى ، للتأكيد الدال على مزيد
القدرة فى خلقه . أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع : يا إبليس
ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى ؟
أستكبرت أم كنت من العالين ﴾. أى : أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب
لهذا التكبر ، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق ؟ والاستفهام للتوبيخ والإنكار .
قال أنا خير منه ﴾ أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى - : أنا خير من
آدم .
﴿ خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾ فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين ،
ولا يصح سجود الفاضل للمفضول .
ولاشك أن هذا التعلیل من إبليس فى نهاية سوء الأدب ، لأنه بعدم سجوده قد عصی رب
العالمين ، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى ، لأن النار ليست خيرا من
الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل ، إذ النار يطفئها الطين ..
وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله : ﴿ فاخرج منها فإنك رجيم .
وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين
والفاء فى قوله ﴿ فاخرج﴾ لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى
((منها)) يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيها .
أى : قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر : مادمت يا إبليس قد عصيت أمرى ،
فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك ، فإنك رجيم ، أى: مطرود من رحمتى . وإن
عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة ، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٠٥.

١٨٣
سورة ص
﴾ أى : فأخرنى ولا تمتنى إلى
قال رب فأنظر نى ﴾ أى : فأمهلنی ﴿ إلى يوم يبعثون
يوم البعث ، لأتمكن من إغواء ذرية آدم .
قال فإنك من المنظرين . الى يوم الوقت المعلوم ﴾ أى: قال - سبحانه - قد أجبت
لك ما تقتضيه حكمتى ، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو
وقت النفخة الأولى ، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس .
قال﴾ أى: إبليس ﴿فبعزتكِ﴾ أى: فبحق سلطانك وقهرك ﴿لأغوينهم
أجمعين) أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم ﴿ إلا عبادك منهم
المخلصين ) فلا يتأثرون بإغوائى ، لأنى لا قدرة لى عليهم .
قال فالحق والحق أقول . لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين
وقوله ﴿ فالحق) مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن .. وقوله: ﴿والحق
أقول ﴾ لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول ، قدم عليه لإفادة الحصر .
والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة
القسمية . أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا
الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس ، وممن تبعك من الناس جميعا ، لأن هذا جزاء من
عصانى .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله - * - أن يبين للناس ، أنه لا يريد
من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا
من المتكلفين . إن هو إلا ذكر للعالمين . ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على
تبليغكم ما أمرنى اللّه بتبليغه إليكم ، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل
الذى لا يحسنونه ، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه .
وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ الثقلين ، وشرف عظيم لهما فى
اتباع أوامره ونواهيه .
لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله
- تعالى - .

١٨٤
المجلد الثانى عشر
وبعد: فهذا تفسير لسورة (( ص)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا
لعباده .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم ؟ .
كتبه الراجي عفو ربه
محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر -
صباح الثلاثاء ٤ من ذى الحجة سنة ١٤٠٥ هـ الموافق ١٩٨٥/٨/٢٠ م

تفسير
◌ُوْدَة الرُّاء

١٨٧
مقدمة
بِسْم اللهُ الرَّمَنِ الرَّحِيم
مقدّمة
١ - سورة ((الزمر)) هى السورة التاسعة والثلاثون فى ترتيب المصحف أما ترتيبها فى
النزول فهى السورة الثامنة والخمسون من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة سبأ .
وقد ذكر صاحب الإتقان أنها تسمى - أيضا - سورة ((الغرف))، لقوله - تعالى - :
. لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ﴾ .
٢ - ويرى المحققون أن السورة بكاملها مكية .
قال الآلوسى : عن ابن عباس أنها نزلت بمكة ولم يستثن ، وأخرج النحاس عنه أنه
قال : نزلت سورة الزمر بمكة سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة فى وحشى قاتل حمزة ، وهى
قوله - تعالى -: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اقه﴾.
٣ - وآياتها خمس وسبعون آية فى المصحف الكوفى، وثلاث وسبعون فى المصحف الشامى ،
واثنتان وسبعون فى غيرهما(١) .
٤ - وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - الذى أنزل القرآن بالحق على نبيه
محمد -* - والذى خلق السموات والأرض بالحق والذى خلق الناس جميعا من نفس
واحدة ، قال - تعالى -: ﴿ تنزيل الكتاب من اللّه العزيز الحكيم، إنا أنزلنا إليك الكتاب.
بالحق ، فاعبد الله مخلصا له الدين . ألا لله الدين الخالص .. ﴾.
٥ - ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن حالة الإِنسان عندما ينزل به الضر ، وعن الجزاء
الحسن الذى أعده - سبحانه - للصابرين ، وعن العقاب الأليم الذى أعده للخاسرين .
قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ، وأرض الله
واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب . قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين .
وأمرت لأن أكون أول المسلمين . قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم . قل الله
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٢٣٢ .
-

١٨٨
المجلد الثانى عشر
أعبد مخلصا له دينى . فاعبدوا ما شئتم من دونه ، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم
وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ .
٦ - ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى هذا الكون عن طريق إنزاله الماء من السماء ،
وعن طريق إنزاله أحسن الحديث . كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم .
قال - تعالى -: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به
زرعا مختلفا ألوانه ، ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ، إن فى ذلك لذكرى الأولى
الألباب
﴾ .
٧ - ثم دعا - سبحانه - الناس بعد ذلك إلى تدبر آيات القرآن ، المشتمل على الهدايات
والإرشادات والأمثال، وإلى اتباع الرسول - # - الذى جاءهم بالصدق ، لأن هذا
الاتباع يؤدى إلى تكفير سيئاتهم ، ورفع درجاتهم عند ربهم .
قال - تعالى -: ﴿ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون .
قرآنا عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون ﴾ .
٨ - وبعد أن عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - فى قبضه
للأرواح ، وفى كشفه الضر عن خلقه .. أتبعت ذلك بمحاجة المشركين ، وببيان ما هم عليه من
ضلال، وبيان أحوالهم عندما يذكر الله - تعالى - وحده ، وببيان سوء عاقبتهم .
قال - تعالى - : ﴿ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا
ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون . قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب
والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ .
٩ - ثم ساق - سبحانه - لعباده ما يدل على سعة رحمته بهم ، ودعاهم إلى الإنابة إليه ،
من قبل أن يأتى اليوم الذى لا ينفع فيه الندم .
قال - تعالى -: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ،
إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم . وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن
يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ﴾.
١٠ - ثم تحدثت السورة فى أواخرها عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، وعن
أحوال هذا اليوم .
قال - تعالى -: ﴿ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء
أقه ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون

١٨٩
مقدمة
وختمت ببيان ما أعده - سبحانه - للكافرين من شديد العقاب ، وما أعده للمتقين من
كريم الثواب .
قال - تعالى -: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا، حتى إذا جاءوها وفتحت
أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين . وقالوا الحمد لله الذى صدقنا
وعده ، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ، فنعم أجر العاملين . وترى الملائكة حافين
من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ﴾ .
١١ - هذا، والمتأمل فى سورة ((الزمر)) بعد هذا العرض المجمل لها . يراها قد اشتملت
على مقاصد متنوعة من أهمها ما يأتى :
(أ) إقامة الأدلة المتعددة على وحدانية الله - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له ،
تارة عن طريق خلق السموات والأرض ، وتكوين الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر ،
وخلق الناس جميعا من نفس واحدة ... وتارة عن طريق لجوء المشركين إليه وحده عند
الشدائد ، وتارة عن طريق توفى الأنفس حين موتها ، وتارة عن طريق ضرب الأمثال ، كما فى
قوله - تعالى - : ﴿ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ، هل
يستويان مثلا. الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون﴾.
( ب ) تذكير الناس بأهوال الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب . وبعث ونشور ، وفرح
يعلو وجوه المتقين ، وكآبة تجلل وجوه الكافرين .
نرى ذلك فى مثل قوله - تعالى -: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم
مسودة أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين . وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم ، لا يمسهم السوء
﴾.
ولا هم يحزنون
وفى مثل قوله - تعالى -: ﴿ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا
من شاء اللّه، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون . وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع
الكتاب وجىء بالنبيين والشهداء ، وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون . ووفيت كل نفس
ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ﴾
(جـ) تلقين الرسول -* - الحجج والإجابات التى يرد بها على شبهات المشركين،
وعلى دعاواهم الباطلة، فقد تكرر لفظ ((قل)» فى هذه السورة كثيراً، ومن ذلك قوله -
تعالى - :
، .. ﴿ ... قل أفرأيتم ما تدعون من دون
قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين
.
اللّه إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره ...

١٩٠
المجلد الثانى عشر
قل یا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون.من یأتیه عذاب يخزيه ومحل
قل أفغير اله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون
عليه عذاب مقيم
﴿ قل قه الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون
( د) الإكثار من المقارنة بين عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار، بأسلوب يغلب عليه طابع
الاستفهام الإنكارى ، الذى حذف فيه الخبر للعلم به من سياق الكلام .
ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ آمَن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو
رحمة ربه ، قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ .
وقوله - تعالى -: ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار
وقوله - سبحانه - ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية
قلوبهم من ذكر انه ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ، وقيل للظالمين
ذوقوا ما كنتم تكسبون ﴾ .
هذه بعض المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة ، وهناك مقاصد أخرى يدركها
القارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتفكر .
نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأنس نفوسنا . والحمد لله الذى
بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتبه الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
صباح الجمعة ٢٨ من ذى الحجة سنة ١٤٠٥ هـ
١٣ / ٩ / ١٩٨٥ م

: ١٩١
سورة الزمر
التفسیر
قال الله - تعالى - :
مِاللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ، إِنَّا أَفْنَا إِلَيْكَ
آلْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدٍ اَللَّهَ مُخْلِصَالَّهُ الدِّينَ ى أَلَا
لِلَّهِ الدِّينُّ الْخَالِصُّ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِنْ دُونِي أَوْلِيَآءَ
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَىَ إِنَّاللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
فِ مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونُ إِنَّاللَّهَلَا يَهْدِى مَنْ هُوَكَذِبُ
كَفَّارٌ ﴿ لَوْآَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدَّالََّصْطَفَى مِمَا
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَنَةٌ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُو
افتتحت سورة ((الزمر)) بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان مصدره، قال - تعالى - :
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ﴾ .
أى : هذا الكتاب وهو القرآن الكريم . قد نزل عليك - يا محمد - من لدن الله -
تعالى - ﴿العزيز﴾ أى: الغالب على كل شىء ﴿الحكيم) فى كل تصرفاته وأفعاله،
وليس هذا القرآن قولا مفترى كما زعم الجاحدون الذين انطمست بصائرهم ، واستحبوا العمى
على الهدى .
والذى يتتبع آيات القرآن الكريم ، يرى أن الله - تعالى - إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك
ببعض أسمائه الحسنى ، المتضمنة لصفاته الجليلة .
ففى أول سورة غافر نجد قوله - تعالى -: ﴿ حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز
العليم ﴾ .

١٩٢
المجلد الثانى عشر
وفى أول سورة الجاثية نجد قوله - تعالى -: ﴿ حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز
الحكيم ﴾ .
٠٠
وفى أول سورة الأحقاف نجد مثل هذا الافتتاح .
وفى أول سورة فصلت نجد قوله - تعالى -: ﴿ حم. تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾.
وفى صدر سورة (( يس)) نجد قوله - سبحانه - : ﴿ تنزيل العزيز الرحيم . لتنذر قوما
ما أنذر آباؤهم .. ﴾ .
ولا يخفى أن ذكره - سبحانه - لبعض أسمائه الحسنى ، بعد ذكره لتنزيل هذا القرآن على
قلب رسوله -# - فيه ما فيه من الثناء على القرآن الكريم ، ومن بيان أنه قد نزل من
عند الله - تعالى - وحده، الذى له الخلق والأمر . تبارك الله رب العالمين .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدعو الناس إلى قبول هذا الكتاب ، وإلى العمل
بهداياته ، فقال - تعالى -: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ... ﴾.
أى: هذا الكتاب هو تنزيل من عند الله - تعالى - الغالب على كل شىء . والحكيم فى
أقواله وأفعاله . وقد أنزله - سبحانه - عليك - يا محمد - تنزيلا ملتبسا بالحق الذى
لا يحوم حوله باطل ، أو ما يشبه الباطل ، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل مافيه ..
قال الآلوسى: قوله - تعالى -: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ بيان لكونه نازلا
بالحق ، وتوطئة لما يذكر بعد ... أو شروع فى بيان المنزل إليه ، وما يجب عليه إثر بيان شأن
المنزل .. والباء متعلقة بالإنزال ، وهى للسببية ، أى : أنزلناه بسبب الحق . أى : إثباته
وإظهاره . أو بمحذوف وقع حالا من المفعول وهى للملابسة . أى : أنزلناه ملتبسا بالحق
والصواب .
والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما(١).
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فاعبد اللّه مخلصاً له الدين﴾ لترتيب ما بعدها على
ما قبلها . والعبادة : أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود - عز وجل - والإخلاص
معناه : أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه الله - تعالى - .
أى : أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذا الكتاب بالحق الذی لا یشو به باطل ، وما"
دام الأمر كذلك فعليك أن تخلص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا تاما ، لا يحوم حوله
(١) تفسير الآلوسي جـ ٢٢ من ٢٣٣.

١٩٣
سورة الزمر
رياء أو تفاخر ، أو غير ذلك مما يتنافى مع إخلاص الخضوع لله - تعالى - وحده .
قال الشوكانى : وفى الآية دليل على وجوب النية ، وإخلاصها من الشوائب لأن الإِخلاص
من الأمور القلبية التى لا تكون إلا بأعمال القلب ، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر
فى الأقوال والأفعال النية، كما فى حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) وحديث: ((لا قول
ولا عمل إلا بنية))(١).
مؤكدة ومقررة لمضمون ما قبلها من وجوب إفراد العبادة
وجملة ﴿ آلا لله الدين الخالص
والطاعة لله - تعالى -: وزادها تأكيداً وتقريراً لما قبلها تصديرها بأداة الاستفتاح ﴿ألا ﴾
واشتمالها على أسلوب القصر .
أى: ألا إن لله - تعالى - وحده - وليس لأحد سواه - الدين الخالص من شوائب
الشرك والرياء . والعبادة لوجهه وحده ، والخضوع لقدرته التى لا يعجزها شىء .
ثم بين - سبحانه - ما عليه المشركون من ضلال فقال : ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله يحكم بينهم ... ﴾.
فالمراد بالموصول المشركون ، ومحله الرفع على الابتداء ، وخبره قوله - تعالى - بعد
ذلك: ﴿ إن الله يحكم بينهم﴾ وجملة ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فى محل نصب
على الحال بتقدير القول ، والاستثناء مفرغ من أعم الغلل . والزلفى : اسم أقيم مقام المصدر
الذى يتلاقى معه فى المعنى ، والمأخوذ من قوله ﴿ ليقربونا﴾.
أى: لله - تعالى - وحده الدين الخالص ، والمشركون الذين اتخذوا معبودات باطلة
ليعبدوها من دون الله، كانوا يقولون فى الرد على من ينهاهم عن ذلك : إننا ما نعيد هذه
المعبودات إلا من أجل أن نتوسل بها ، لكى تقربنا إلى الله قربى ، ولتكون شفيعة لنا عنده
حتى يرفع عنا البلاء والمحن .
{ إن الله يحكم بينهم﴾ أى: بين هؤلاء المشركين وبين غيرهم من المؤمنين الذين أخلصوا
الله - تعالى - العبادة والطاعة ﴿ فيما هم فيه يختلفون﴾ من أمر التوحيد والشرك ، بأن
يجازى المؤمنين بحسن الثواب ، ويجازى الكافرين بسوء العقاب .
إن الله﴾ - تعالى - ﴿ لا يهدى﴾ أى: لا يوفق للاهتداء للحق ﴿ من هو كاذب
کفار ﴾
.
(١) تفسير فتح القدير جـ ٤ ص ٤٤٨.

١٩٤
المجلد الثانى عشر
أى : من كان دائم الكذب على دين الله ، شديد الجحود لآيات الله وبراهينه الدالة على
وحدانيته ، وعلى أنه لا رب لهذا الكون سواه .
ثم أبطل - سبحانه - كل تصور للشرك والشركاء ، بأن نزه - تعالى - ذاته عن اتخاذ
الولد فقال: ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ، سبحانه هو الله الواحد
القهار
أى: لو أراد الله - تعالى - على سبيل الفرض والتقدير - أن يتخذ ولدا ، لاختار من
خلقه مايريده هو ، لا ما يريده الضالون ، لكنه - سبحانه - لم يختر أحدا ليكون ولدا له ،
فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة بنات اللّه ، أو بأن عزيراً ابن الله ، أو بأن
المسيح ابن الله .
سبحانه هو الله الواحد القهار﴾ أى: تنزه - عز وجل - عن شىء من ذلك ، فإنه
هو اللّه الواحد فى ذاته وفى صفاته ، القهار لكل مخلوقاته .
قال الإِمام ابن كثير : بين - تعالى - فى هذه الآية أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين
فى الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى فى العزير وعيسى فقال: ﴿ لو أراد الله أن يتخذ
ولدا لا صطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ أى. لكان الأمر على خلاف ما يزعمون.
وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه ، بل هو محال ، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه
وزعموه، كما قال: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين﴾ وكما قال:
﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ .
كل هذا من باب الشرط ، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم (١) .
وقال بعض العلماء ما ملخصه : إرادة اتخاذ الولد هنا ممتنعة ، لأن الإِرادة لا تتعلق إلا
بالممكنات، واتخاذ الولد محال ، كما ثبت بالبرهان القطعى فتستحيل إرادته . وجعلها فى الآية
شرطا وتعليق الجواب عليها ، لا يقتضى إمكانها فضلا عن وقوعها ، وقد عرف فى فصيح
الكلام : تعليق المحال على المحال جوازا ووقوعا .
على أن الوالدية تقتضى التجانس بين الوالد والولد . إذ هو قطعة منه . وقد ثبت أن كل
ماعداه - سبحانه - مخلوق له . فيلزم بموجب التجانس أن يكون المخلوق من جنس الخالق ،
وهو يستلزم حدوث الخالق، أو قدم المخلوق ، وكلاهما محال (٢).
بس- ١ -
ـنـ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٧٥.
(٢) صفوة البيان جـ ٢ ص ٢٤٩ لفضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف.

١٩٥
سورة الزمر
ثم أقام - سبحانه - المزيد من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق التأمل فى ملكوت
السموات والأرض ، وفى ظاهرة الليل والنهار ، وفى تسخير الشمس والقمر ، وفى خلق بنى آدم
من نفس واحدة ... فقال - تعالى - :
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اَلَيْلَ عَلَى النَّهَارِ
وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ
كُلُّ بَحْرِى لِأَحَلِ مُسَتَّى أَلَ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَقَُّ))
خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ
مِنَ الْأَنَْمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ يَخْلُقُكُمْ فِ يُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ
خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِ ظَلُّمَتٍ ثَتٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ
الْمُلْكِّلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿ إِن تَكْفُرُوافَإِنَ
اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُ وْتَرَضَهُ
لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ ثُمَإِلَى رَبِّكُمَرْجِعُكُمْ
فَيُكَبِّئُكُمْ بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أ
فقوله - تعالى -: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ) تفصيل لبعض أفعاله الدالة على
وحدانيته - سبحانه - وقدرته .
أى : الله وحده هو الذى أوجد هذه السموات وتلك الأرض ، إيجادا ملتبساً بالحق والحكمة
والمصلحة التى تعود عليكم - أيها الناس - بالخير والمنفعة ومن كان شأنه كذلك ، استحال أن
یکون له شريك أو ولد .
ثم ساق - سبحانه - دليلا ثانيا على وحدانيته فقال: ﴿ يكور الليل على النهار ، ويكور
النهار على الليل
٠

١٩٦
المجلد الثانى عشر
والتكوير فى اللغة: طرح الشىء بعضه على بعض . يقال: كور فلان المتاع، إذا ألقى
بعضه على بعض ، ومنه كور العمامة . أى : انضمام بعض أجزائها على بعض .
والمقصود أن الليل والنهار كلاهما يَكُر على الآخر فيذهبه ويحل محله ، بطريقة متناسقة
محكمة لا اختلال معها ولا اضطراب .
قال صاحب الكشاف: (( والتكوير : اللف واللى . يقال: كارَ العمامة على رأسه وكوَّرها.
وفيه أوجه ، منها : أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويأتى مكانه هذا ، وإذا غشى مكانه ،
فكأنما ألبسه ولف عليه ، كما يلف اللباس على اللابس .
ومنها : أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه ، فشبه فى تغييبه إياه بشيء ظاهر لف
عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار .
ومنها : أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا ، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر
بعض »(١) .
قال بعض العلماء ما ملخصه: ((والتعبير بقوله ((يكور .. )) تعبير عجيب ، يقسر الناظر
فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض فهو يصور حقيقة مادية
ملحوظة على وجه الأرض ، فالأرض الكروية تدور حول نفسها فى مواجهة الشمس ، فالجزء
الذى يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهارا . ولكن هذا الجزء لا يثبت
لأن الأرض تدور . وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذى كان عليه النهار . وهذا السطح
مكور ، فالنهار كان عليه مكورا ، والليل يتبعه مكورا كذلك ، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية
الأخرى يتكور على الليل ، وهكذا فى حركة دائبة « يكور - سبحانه - الليل على النهار
ويكور النهار على الليل )).
واللفظ يرسم الشكل ، ويحدد الوضع ، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها . وكروية
الأرض ودورانها ، يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أى تفسير آخر لا يستصحب هذه
النظرية»(٢).
ثم ذكر - سبحانه - دليلا ثالثا على وحدانيته وقدرته فقال: ﴿وسخر الشمس والقمر
كل يجرى لأجل مسمى ﴾ .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١١٣.
(٢) فى ظلال القرآن جـ ٢٣ ص ١٢٢.

١٩٧
سورة الزمر
والتسخير : التذليل والانقياد والطاعة التامة . أى : وجعل - سبحانه - الشمس والقمر
منقادين لأمره انقيادا تاما وكلاهما يجرى فى مداره إلى الوقت المحدد فى علم الله - تعالى -
لنهاية دورانه ، وانقطاع حركته .
وهما فى جريانهما يسيران بنظام محكم دقيق غاية الدقة ، كما قال - تعالى - :
لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار . وكل فى فلك يسبحون ﴾ .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ﴿ ألا هو العزيز الغفار ﴾ ..
وفى تصدير الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح ﴿ ألا﴾ إشارة إلى كمال الاعتناء بمضمونها،
وإلى وجوب التدبر فيما اشتملت عليه .
أى : ألا إن الله - تعالى - : وحده هو الخالق لكل تلك المخلوقات ، وهو وحده المتصرف
فيها ، والمهيمن عليها ، وهو وحده ﴿ العزيز ﴾ الغالب على كل ما سواه ، الكثير المغفرة
لذنوب عباده التائبين إليه توبة نصوحا .
ثم ساق - سبحانه - أدلة أخرى على وحدانيته فقال: ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم
جعل منها زوجها ﴾ .
أى خلقكم - سبحانه - من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم ثم خلق من هذه النفس .
الواحدة ، زوجها وهى أمكم حواء .
قال الشوكانى : والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم . للدلالة على أن خلق حواء من
ضلع آدم ، أدخل فى كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة ؛ لأن خلق آدم هو على عادة الله
المستمرة فى خلقه، وخلق حواء على الصفة المذكورة لم تَجرِ به عادة لكونه - تعالى - لم يخلق
أنثى من ضلع رجل غيرها (١) .
وقال الجمل : فإن قلت كيف عطف بثم مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه ؟
أجيب بأن ثم هنا للترتيب فى الإِخبار لا فى الإيجاد . أو المعطوف متعلق بمعنى واحدة ، فثم
عاطفة عليه لا على خلقكم ، فمعناه : خلقكم من نفس واحدة أفردت بالإِيجاد ، ثم شفعت
بزوجة . أو هو معطوف على خلقكم ، لكن المراد بخلقهم ، خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة
لا على هذا الخلق ، الذى هم فيه الآن بالتوالد والتناسل(٢).
وقوله - تعالى -: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ بيان لبعض آخر من
:
(١) تفسير فتح القدير جـ ٤ ص ٤٥٠ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٩٠ .

١٩٨
المجلد الثانى عشر
أفعاله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته . والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها وهى
قوله : ﴿ خلقكم ﴾.
٠
أى: وأنزل لكم من كل من الإبل والبقر والغنم والمعز زوجين: ذكرا وأنثى يتم بها
التناسل وبقاء النوع .
قالوا : وعبر - سبحانه - عن الخلق بالإنزال ، لما يروى أنه - تعالى - خلق هذه
الأنواع فى الجنة ثم أنزلها . فيكون الإنزال على سبيل الحقيقة .
أو أن الكلام على سبيل المجاز، لأن هذه الأنعام لا تعيش إلا عن طريق ما تأكله من
نبات ، والنبات لا يخرج إلا بالماء النازل من السماء فكأن الأنعام نازلة من السماء ، لأن سبب
سببها منزل منها .. أو أن ((أنزل)» هنا بمعنى أنشأ وأوجد . أو لأن الخلق إنما يكون بأمر من
السماء .
وقوله - تعالى - ﴿يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ﴾ بيان
لكيفية خلق ما خلقه الله من الأناسى والأنعام بتلك الطريقة العجيبة .
أى أنه - تعالى - يخلقكم - أيها الناس - بقدرته فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ،
بأن يحولكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة ، إلى عظام مكسوة باللحم ، ثم يحولكم بعد ذلك إلى
خلق آخر ، وهذه المراحل كلها تتم وأنتم فى ظلمات بطون أمهاتكم ، وظلمات الأرحام التى
بداخل البطون وظلمات الغشاء الذى بداخل الأرحام والبطون ، وذلك كله من أقوى الأدلة
على قدرة الله - تعالى - ورعايته لخلقه .
وصدق الله إذ يقول: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه فى قرار مكين. إلى قدر
معلوم . فقدرنا فنعم القادرون ﴾(١).
واسم الإشارة فى قوله - تعالى - ﴿ذلكم الله ربكم له الملك، لا إله إلا هو فأنى
تصرفون﴾ يعود إليه - سبحانه - باعتبار أفعاله السابقة . وتصرفون : من الصرف بمعنى
الابتعاد عن الشىء إلى غيره .
أى : ذلكم العظيم الشأن الذى ذكرنا لكم بعض مظاهر قدرته ، هو الله ربكم الذى له ملك
كل شىء ، والذى لا معبود بحق سواه ، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره ؟ وكيف
تزعمون أن له شريكا أو ولدا ... مع توفر الأدلة على بطلان ذلك .
والمتأمل فى هاتين الآيتين يراهما قد ذكرنا ألوانا من البراهين على وحدانية الله - تعالى -
وقدرته ، كخلق السموات والأرض بالحق ، وتكوير الليل على النهار ، والنهار على الليل ،
وتسخير الشمس والقمر لمنافع الناس ، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة ،ورعايتهم بلطفه
١ ١ ) سورة المرسلات الآيات من ٢٠ - ٢٣.

١٩٩
سورة الزمر
وإحسانه فى مراحل حياتهم، وإيجاد الأنعام التى تنفعهم فى شئونهم المختلفة .
ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن خلقه ، وأنهم هم الفقراء إليه فقال: ﴿إن تكفروا فإن
الله غنى عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر ، وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ .
أى : إن تكفروا - أيها الناس - بعد أن سقنا لكم من الأدلة ما سقنا على صحة الإِيمان
وفساد الكفر ، فإن الله - تعالى - غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن الخلق أجمعين.
ومع ذلك فإنه - سبحانه - لرحمته بكم ، لا يرضى لعباده الكفر ، أى : لا يحبه منهم
ولا يحمده لهم ، ولا يجازى الكافر المجازاة التى يجازى بها المؤمن فإن المؤمن له جنات النعيم ،
أما الكافر فله نار الجحيم .
وإن تشكروا الله على نعمه - أيها الناس - بأن تخلصوا له العبادة والطاعة وتستعملوا نعمه
فيما خلقت له ، يرض لكم هذا الشكر ، ويكافئكم عليه مكافأة جزيلة . بأن يزيدكم من نعمه
وإحسانه وخيره .
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ أى: ولا تحمل نفس يوم القيامة حمل أخرى، وإنما كل
نفس تجازى على حسب أعمالها فى الدنيا .
ثم إلى ربكم مرجعكم﴾ يوم القيامة (فينبئكم﴾ أي: فيخبركم ﴿ بما كنتم
تعملون﴾ فى دنياكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
إنه﴾ - سبحانه - ﴿ عليم بذات الصدور﴾ أى: عليم بما تخفيه الصدور من
أسرار، وبما تضمره القلوب من أقوال وأفعال ... لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى
السماء.
قال الجمل فى حاشيته : قوله: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر) معنى عدم الرضا
به ، لا يفعل فعل الراضى ، بأن يأذن فيه ويقر عليه ، ويثيب فاعله ويمدحه ، بل يفعل فعل
الساخط بأن ينهى عنه ، ويذم عليه ، ويعاقب مرتكبه وإن كان بإرادته ، إذ لا يخرج شىء
عنها .
أو المعنى : ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله - تعالى - فى شأنهم :
إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ فيكون الكلام عاما فى اللفظ خاصا فى المعنى ،
كقوله - تعالى -: ﴿ عينا يشرب بها عباد الله﴾ أى بعض العباد(١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٩١ .
---

٢٠٠
المجلد الثانى عشر
وبذلك ترى هذه الآية الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة على وحدانية الله - تعالى - وعلى
كمال قدرته ، وعلى أن من شكر الله - تعالى - على نعمه ، فإن عاقبة هذا الشكر تعود على
الشاكر بالخير الجزيل ، أما من جحد نعم الله - تعالى - وأشرك معه فى العبادة غيره ، فإن
عاقبة هذا الجحود ، تعود على الجاحد بالشر الوبيل ، وبالشقاء فى الدنيا والآخرة .
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة المتعددة على وحدانيته وكمال قدرته ، أتبع ذلك بالحديث
عن طبيعة الإنسان فى حالتى السراء والضراء ، ونفى - سبحانه - المساواة بين المؤمنين
والكافرين ، والعلماء والجهلاء فقال - تعالى - :
وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرّدَعَارَبَّهُ, مُنِبًا إِلَيْهِ ثُمَ إِذَا خَوَّلَهُ.
نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِأَنْدَادًا
لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ
النَّارِ ﴿﴿ أَمَّنْ هُوَقَنِتُّ ءَانَآءَ الَتَّلِ سَاجِدًا وَقَائِمَا يَحْذَرُ
الْآَخِرَةَ وَيَرْ جُواْرَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبُبِ
٩
والمراد بالإِنسان هنا: الكافر ، بدليل قوله - تعالى - ﴿وجعل لله أندادا ليضل عن
سبيله
﴾.
والمراد بالضر : ما يصيب الإنسان من مصائب فى نفسه أو ماله أو أهله .
أى: وإذا نزل بالإنسان ضر من مرض أو غيره من المكاره ﴿ دعا ربه منيبا إليه ﴾ أى:
أسرع إلى الله - تعالى - بالدعاء والإنابة والتضرع، وترك الآلهة التى كان يدعوها فى حالة
الرخاء .
كما قال - تعالى -: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون
ماتنشر كون
وقوله - تعالى -: ﴿ ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعو إليه من قبل .. ﴾ بيان
لحالة هذا الإنسان بعد أن تكشف الله - تعالى - عنه الضر.