Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة الصافات
وقوله ﴿رب العزة ) بدل من ربك: أى هو صاحب العزة والغلبة والقوة التى لا يقف
أمام قوتها شىء والتى لا يملكها أحد سواه .
وسلام على المرسلين﴾ أى: وسلام وأمان وتحية منا على المرسلين ﴿ والحمد لله رب
العالمين﴾ أى: والثناء الكامل لله - تعالى - رب العالمين جميعا وخالقهم ورازقهم، ومحييهم
ومميتهم .
وبعد فهذا تفسير لسورة الصافات ، نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهرة - مدينة نصر
كتبه الراجى عفور ربه
د. محمد سيد طنطاوى
الأربعاء : ٢٠ من ذى القعدة ١٤٠٥ هـ
٧ / ٨ / ١٩٨٥ م

تفسير
سُوْدَ قصرا

١٢٥
مقدمة
بِسْم اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدمة
١ - سورة (( ص)) هى السورة الثامنة والثلاثون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد
سورة ((القمر)) وهى من السور المكية الخالصة. ويقال لها سورة ((داود)).
قال الآلوسى : هى مكية - كما روى عن ابن عباس وغيره - وهى ثمان وثمانون آية فى
المصحف الكوفى . وست وثمانون فى الحجازى والبصرى والشامى ... وهى كالمتممة لسورة
الصافات التى قبلها ، من حيث إنه ذكر فيها ما لم يذكر فى تلك من الأنبياء ، كداود
وسليمان ... ))(١)
٢ - وقد افتتحت سورة (( ص)) بقسم من الله - تعالى - بالقرآن الكريم ، على صدق
الرسول -* - ، فيما يبلغه عن ربه .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله المشركون فيما بينهم، لإنكار نبوة النبى - * - ،
ولإِنكار يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، ورد عليهم بما يثبت جهلهم وغفلتهم
واستكبارهم عن قبول الحق ..
قال - تعالى -: ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشىء يراد .
ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق . أأنزل عليه الذكر من بيننا ، بل هم فى شك
من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب . أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب . أم لهم ملك
﴾ .
السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب
!
٣ - ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى تسلية الرسول - ﴿ - عما لحقه منهم من
أذى وكيد ، فحكت له أن أقوام الرسل السابقين قد قابلوا رسلهم بالتكذيب ، وأمرته بالصبر
على جهالاتهم ، وساقت جانبًا من قصة داود - عليه السلام فذكرت بعض النعم التى أنعم الله .
- تعالى - بها عليه ، كما ذكرت ما دار بينه وبين الخصوم الذين تسوروا عليه المحراب .
قال - تعالى - : ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد . وثمود وقوم لوط
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ١٦٠.

١٢٦
المجلد الثانى عشر
وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب . إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب . وما ينظر هؤلاء
إلا صيحة واحدة ما لها من فواق . وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب . اصبر على
ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ) ...
٤ - وبعد هذا الحديث الذى فيه شىء من التفصيل عن وجوه النعم التى أنعم بها
- سبحانه - على عبده داود ، وعن لون من ألوان الامتحانات التى امتحنه - تعالى - بها ،
وعن الإرشادات الحكيمة التى أرشده الله - عز وجل - إليها ...
بعد كل ذلك ساق - سبحانه - أنواعًا من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، وبين أن حكمته
قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والفجار .
قال - تعالى -: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض ، أم
نجعل المتقين كالفجار . كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ، وليتذكر أولو الألباب ﴾ .
٥ - ثم أثنى - سبحانه - بعد ذلك على نبيه سليمان - عليه السلام - وبين بعض النعم
التى منحها له ، كما بين موقفه مما اختبره - تعالى - به ...
قال - تعالى -: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب . قال رب اغفر
لى وهب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب . فسخرنا له الريح تجرى بأمره
رخاء حيث أصاب . والشياطين كل بناء وغواص ﴾ .
٦ - ثم مدح - سبحانه - نبيه أيوب - عليه السلام - على صبره ، وعلى كثرة تضرعه
إلى ربه ، وكيف أنه - تعالى - قد كافأه على ذلك بما يستحقه .
قال - تعالى -: ﴿ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب ،
اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب . ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولى
الألباب ، وخذ بيدك ضغئا فاضرب به ولا تحنث ، إنا وجدناه صابرا ، نعم العبد ، إنه
أواب :
٧ - ثم أثنى - سبحانه - على أنبيائه : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وإسماعيل واليسع
وذا الكفل ، وبين ما أعده لهم ولأمثالهم من عباده الأخيار ، كما بين ما توعد به الفجار من .
عذاب أليم ..
قال - تعالى -: ﴿ هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب. جنات عدن مفتحة لهم الأبواب.
متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب . وعندهم قاصرات الطرف أتراب . هذا
ما توعدون ليوم الحساب . إن هذا لرزقنا ماله من نفاد . هذا ، وإن للطاغين لشر مآب﴾ .

١٢٧
مقدمة
٨ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن قصة آدم وإبليس وكيف أن
الملائكة جميعًا سجدوا لآدم إلا إبليس فإنه أبى واستكبر وقال أنا خير منه خلقتنى من نار
وخلقته من طين . فكانت عاقبته الطرد من رحمة الله - تعالى - .
٩ - ومن هذا العرض المجمل لسورة ((ص)) نرى أنها قد اهتمت اهتمامًا واضحًا،
بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته . وعلی صدق النبی - ہے - فيما يبلغه عن
ربه ، وعلى أن يوم القيامة حق ، كما اهتمت بحكاية شبهات المشركين ثم الرد عليها ، كما
ذكرت جانبًا من قصص بعض الأنبياء ليعتبر بقصصهم كل ذى عقل سليم، كما أنها قد اهتمت
ببيان حسن عاقبة الأخيار وسوء عاقبة الأشرار ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن
بينة .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم .
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
الخميس ٢١ من ذى القعدة سنة ١٤٠٥ هـ
الموافق ١٩٨٥/٨/٨ م

١٢٨
المجلد الثانى عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
مِاللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحْيَعِ
صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ نْ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ @)
كُمْأَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَ وَأوَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَمُواْ
أَنْ جَآءَ هُ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ
٤
أَجَعَلَ أَلَِّمَةَ إِلَهَا وَحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىْء عُجَابٌ ﴾ وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأَّ
مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُوا وَأَصْبِرُ واْ عَلَءَالِهَتِكُمْإِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ
٦
مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ اَلْآَخِرَةِ إِنْ هَذَّآإِلََّ اخْلَكُ نْ أَءُنزِلَ
عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ يَّنِتَأْبَلّ ◌ُمْ فِ مٍَّ مِّن ذِكْرِىّ بَل لَّمَايَذُوقُواْعَذَابٍ
◌ْ أَمْ عِندَ هُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِالْوَهَّابِ نْ أَمْ لَهُم
مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَمَابَيْنَهُمَا فَلَيَرَّتَّقُواْ فِ الْأَسْبَبِ
١٠
جُنّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ )
سورة ((ص)) من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن بينا
بشىء من التفصيل آراء العلماء فى هذه المسألة ، عند تفسيرنا لسور البقرة ، وآل عمران ،
والأعراف . ويونس ..
وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى
بعض السور القرآنية على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .

١٢٩
سورة ص
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه
مؤلفا من كلام من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف
الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .
فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى
يعاونكم فى ذلك ، أو فى الإِتيان بعشر سور من مثله ، أو بسورة واحدة من مثله .
فعجزوا وانقلبوا خاسرين . وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .
والواو فى قوله - تعالى -: ﴿والقرآن ذى الذِّكْر) للقسم. والمقسم به القرآن
الكريم . وجواب القسم محذوف ، لدلالة ما بعده عليه .
والذكر ، يطلق على الشرف ونباهة الشأن ، يقال فلان مذكور، أى : صاحب شرف
﴾ .
ونباهة . ومنه قوله - تعالى -: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك
ويطلق وبراد به التذكير على أنه مصدر، لأن القرآن مشتمل على المواعظ والأحكام
وقصص الأنبياء . وغير ذلك مما يسعد الناس فى دينهم ودنياهم .
وهذان الإطلاقان ينطبقان على القرآن الكريم ، فيكون المعنى : وحق القرآن الكريم ذى
الشرف العظيم ، وذى التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس فى دنياهم وآخرتهم ..
إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فى كل ما تبلغه عن ربك ولم يصدر منك إطلاقا
ما يخالف الحق الذى أمرناك بتبليغه للناس .
قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أنهم اختلفوا فى تعيين الشىء الذى أقسم الله
- تعالى - عليه فى قوله: ﴿والقرآن ذى الذكر ﴾.
فقال بعضهم إن المقسم عليه مذكور ، وهو قوله - تعالى - : ﴿ إن ذلك لحق تخاصم أهل
النار﴾ أو قوله - تعالى -: ﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ) أو قوله - تعالى -: ﴿ كم
أهلكنا من قبلهم من قرن ﴾ ..
والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط .
وقال آخرون إن المقسم عليه محذوف ، واختلفوا فى تقديره ، فقال صاحب الكشاف :
التقدير: ((والقرآن ذى الذكر)) إنه لمعجز. وقدره ابن عطيه فقال: والتقدير: والقرآن ذى
الذكر ليس الأمر كما يقول الكفار .. (١) .
(١) راجع تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ٨ الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
-

٠٠ ٠٠٠٠٠
١٣٠
المجلد الثانى عشر
وقوله - تعالى -: ﴿ بل الذين كفروا فى عزة وشقاق ﴾ انتقال من القسم والمقسم به،
إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد .
والمراد بالعزة هنا: الحمية والاستكبار عن اتباع الحق ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ وإذا
قيل له اتق الله أخذته العزة بالإِثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ﴾(١) .
وليس المراد بها القهر والغلبة كما فى قوله - تعالى -: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ،
ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾(٢).
وأصل الشقاق : المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما فى شق غير الذى
فيه الآخر . والمراد به هنا : مخالفة المشركين لما جاءهم به النبى - * - .
والمعنى : وحق القرآن الكريم ذى الشرف وسمو القدر . إنك - أيها الرسول الكريم -
لصادق فيما تبلغه عن ربك ، ولست كما يقول أعداؤك فى شأنك . بل الحق أن هؤلاء الكافرين
فى حمية واستكبار عن قبول الهداية التى جئتهم بها من عند ربك ، وفى مخالفةٍ ومعارضةٍ لكل مالا
يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة الأصنام ، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة .
والتعبير بفى فى قوله ﴿ فى عزة وشقاق ﴾ للإِشعار بأن ما هم عليه من عناد ومن مخالفته
للحق ، قد أحاط بهم من كل جوانبهم ، كما يحيط الظرف بالمظروف .
ثم خوفهم - سبحانه - بما أصاب الأمم من قبلهم ، وحذرهم من أن يكون مصيرهم
كمصير المكذبين السابقين فقال: ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين
مناص ﴾ .
((وكم)) هنا خبرية . ومعناها: الإِخبار عن عدد كثير . وهى فى محل نصب على أنها مفعول
به لأهلكنا .
وصيغة الجمع فى أهلكنا للتعظيم. و((من)) فى قوله ﴿ من قبلهم) لابتداء الغاية ، وفى
قوله : ﴿من قرن﴾ مميزة لِكْمْ. والقرن: يطلق على الزمان الذى يعيش فيه جيل من
الناس ، ومدته - على الراجح - مائة سنة والمراد به هنا أهل الزمان .
والمراد بالنداء فى قوله - تعالى -: ﴿فنادوا﴾ الاستغاثة والضراعة إلى الله أن يكشف
عنهم العذاب .
(١) سورة البقرة الآية ٢٠٦ .
(٢) سورة المنافقون الآية ٨.

١٣١
سورة ص
لات ﴾ هى لا المشبهة بليس - وهذا رأى سيبويه - فهى حرف نفى زيدت فيه التاء
لتأكيد هذا النفى .
وأشهر أقوال النحويين فيها أنها تعمل عمل ليس ، وأنها لا تعمل إلا فى الحين خاصة ، أو
فى لفظ الحين ونحوه من الأزمنة ، كالساعة والأوان ، وأنها لابد أن يحذف اسمها أو خبرها ،
والأكثر حدف المرفوع منهما وإثبات المنصوب .
والحين : ظرف مبهم يتخصص بالإِضافة .
وقوله : ﴿ مناص﴾ مصدر ميمى بمعنى الفرار والخلاص. يقال: ناص فلان من عدوه -
من باب قال - فهو ينوص نوصا ومناصا ، إذا فر منه ، وهرب من لقائه .
أو بمعنى النجاة والفوت . يقال: ناصه ينوصه إذا فاته ونجا منه .
والمراد بقوله - تعالى -: ﴿ أهلكنا﴾ الشروع فى الإهلاك بدليل قوله - تعالى - بعد
ذلك ﴿ فنادوا﴾ إذ من المعروف أن من هلك بالفعل لا يستغيث ولا ينادى.
والمعنى : إن هؤلاء الكافرين المستكبرين عن طاعتنا وعبادتنا ، قد علموا أننا أهلكنا كثيرا
من السابقين أمثالهم ، وأن هؤلاء السابقين عندما رأوا أمارات العذاب ومقدماته ، جأروا إلينا
بالدعاء أن نكشفه عنهم ، واستغاثوا استغاثة جاءت فى غير وقتها ، ولقد قلنا لهم عندما
استغاثوا بنا عند فوات الأوان : ﴿ولات حين مناص ﴾.
أى : ليس الوقت الذى استغثتم بنا فيه وقت نجاة وفرار من العقاب ، بل هو وقت تنفيذ
العقوبة فيكم ، بعد أن تماديتم فى كفركم ، وأعرضتم عن دعوة الحق بدون إنابة أو ندم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، وكفرنا بما كنا
به مشركين . فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .. ﴾(١).
وقوله - سبحانه - : ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون . لا تجأروا اليوم
إنكم منا لا تنصرون﴾(٢).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن استكبارهم
وشقاقهم فقال: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب . أجعل
الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشىء عجاب . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن
هذا الشىء يراد ﴾ ..
(١) سورة غافر الآيتان ٨٤ - ٨٥ .
(٢) سورة المؤمنون الآيتان ٦٤ - ٦٥ .

١٣٢
المجلد الثانى عشر
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : أن جماعة من قريش اجتمعوا
فى نفر من مشيخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبى طالب ، لتكلمه فى شأن
ابن أخيه ... فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له : أنت كبيرنا وسيدنا ، فأنصفنا من ابن
أخيك ، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلّه .
فقال أبو طالب للنبى - - يا ابن أخى هؤلاء مشيخة قريش ، وقد سألوك أن تكف
عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك .
فقال - * -: ((ياعم ، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم ؟ قال : وإلام تدعوهم ؟
قال : أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم)).
فقال أبو جهل من بين القوم : ما هى وأبيك ؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها ، فقال
- * -: ((تقولون: لا إله إلا الله)).
فتفر أبو جهل وقال : سلنا غير هذا .
فقال - -: ((لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ، ما سألتكم غيرها)».
فقاموا غضابا . وقالوا : واقه لتشتمنك وإنّك الذى أرسلك بهذا .(١) .
وقوله - تعالى -: ﴿وعجبوا ... ﴾ مأخوذ من العجب، وهو تغير فى النفس من أمر لا
ترتاح إليه ، وتخفى لديها أسبابه .
أى : وعجب هؤلاء الكافرون من مجىء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك . ويأمرهم
بعبادة الله - تعالى - وحده .
وقال﴾ هؤلاء ﴿الكافرون﴾ عندما دعاهم الرسول - ﴿ - إلى الدين الحق.
هذا ساحر كذاب ﴾ أى : قالوا: هذا الرسول ساحر لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها،
وكذاب فيما يسنده إلى الله - تعالى - من أنه - سبحانه - أرسله إلينا .
وقال - سبحانه -: ﴿وقال الكافرون ﴾ بالإِظهار دون الإضمار، لتسجيل الكفر
والجحود عليهم . وللإِيذان بأن كفرهم هو الباعث لهم على وصف الرسول -# - بما هو
منزه عنه من السحر والكذب .
ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ، أقوالا أخرى لا تقل عن غيرها فى البطلان والفساد .
فقالوا - كما حكى القرآن -: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا ﴾.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤٦.

١٣٣
سورة ص
والاستفهام للإِنكار. أى: أجعل محمد - * - الآلهة المتعددة، إلها واحدا. وطلب منا
أن ندين له بالعبادة والطاعة ؟ .
إن هذا لشيء عجاب ﴾ أى: إن هذا الذى طلبه منا، ودعانا إليه ، لشىء قد بلغ
النهاية فى العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل .
عجاب ﴾ أبلغ من عجيب. لأنك تقول فى الرجل الذى فيه طول : هذا رجل
طويل ، بينما تقول فى الرجل الذى تجاوز الحد المعقول فى الطول : هذا رجل طوال .
فلفظ ﴿ عجاب ) صيغة مبالغة سماعية ، وقد حكاها - سبحانه - عنهم للإشعار بأنهم
كانوا يرون - لجهلهم وعنادهم - أن ما جاءهم به الرسول - ؛ - هو شىء قد تجاوز الحد فى
العجب والغرابة .
واسم الإِشارة يعود إلى جعله - له - الآلهة إلها واحدا، لأنهم يرون - لانطاس
بصائرهم - أن ذلك مخالف مخالفة تامة لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من عبادة الأصنام .
وما كان مخالفا لما ورثوه عن آبائهم فهو - فى زعمهم - متجاوز الحد فى العجب .
ثم صور - سبحانه - حرصهم على صرف الناس عن دعوة الحق . تصويرا بديعا ،
فقال: ﴿ وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ﴾.
أى : وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبى طالب ، بعد أن سمعوا من الرسول
-* - ما أغضبهم وخيب آمالهم .
انطلقوا يقولون : أن أمشوا فى طريقكم التى كان عليها آباؤكم واصبروا على عبادة آلهتكم
مها هوَّن محمد - وَ - من شأنها ، ومهما نهى عن عبادتها .
﴿ إن هذا لشىء يراد﴾ أى: إن هذا الذى يدعونا إليه محمد - * - من عبادة الله
- تعالى - وحده وترك عبادة آلهتنا لشىء يراد من جهته هو ، وهو مصمم عليه كل التصميم ،
ونحن من جانبنا يجب أن نقابل تصميمه على دعوته ، بتصميم منا على عبادة آلهتنا .
وعلى هذا المعنى تكون الإِشارة هنا عائدة إلى ما يدعوهم إليه النبى - * - من عبادة
الله وحده .
ويصح أن تكون الإِشارة إلى دينهم هم ، فيكون المعنى : إن هذا الدين الذى نحن عليه
لشىء يراد لنا ، وقد وجدنا عليه آباءنا ، ومادام الأمر كذلك فلن نتركه مهما كرَّهنَا فيه محمد
. - 醬 -
قال الآلوسي: قوله: ﴿إن هذا لشىء يراد﴾ تعليل للأمر بالصبر، والإِشارة إلى

١٣٤
المجلد الثانى عشر
ما وقع وشاهدوه من أمر النبى -# - وتصلبه فى أمر التوحيد، ونفى ألوهية آلهتهم ..
أى: إن هذا لشىء عظيم يراد من جهته -# - إمضاؤه وتنفيذه . فاقطعوا أطماعكم
عن استنزاله إلى إرادتكم ، واصبروا على عبادة آلهتكم . وقيل: إن هذا الأمر لشىء من
نوائب الدهر يراد بنا ، فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر .
وقيل : إن هذا - أى: دينكم - يُطلب لينتزع منكم ويطرح ويراد إبطاله .. (١).
ثم يضيفون إلى ذلك قولهم: ﴿ ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة ... ﴾ أى: ما سمعنا بهذا
الدين الذى يدعونا إليه محمد -# - فى ملة العرب التى أدركنا عليها آباءنا ، أو ما سمعنا
بهذا الذى يقوله محمد - * - فى المِلّة الآخرة، وهى ملة عيسى - عليه السلام - فإن
أتباعه يقولون بالتثليث ، ويقولون بأنه الدين الذى جاء به عيسى .
.. وعلى هذين القولين يكون قوله ﴿ فى الملة الآخرة) متعلق بسمعنا.
ويصح أن يكون المعنى: ما سمعنا بهذا الذى يدعونا إليه محمد -# - كائنا فى الملة التى
تكون فى آخر الزمان ، والتى حدثنا عنها الكهان وأهل الكتاب .
وعلى هذا الرأى يكون قوله ﴿ فى الملة الآخرة) حالا من اسم الإشارة وليس متعلقا
بسمعنا .
ثم أكدوا نفيهم لعدم سماعهم لما جاءهم به الرسول -﴿ - بقولهم: ﴿ إن هذا إلا
اختلاق﴾. أى: ما سمعنا شيئا مما يقوله ، وما يقوله ما هو إلا كذب وتخرص اختلقه من
عند نفسه ، دون أن يسبقه إليه أحد .
يقال : اختلق فلان هذا القول ، إذا افتراه واصطنعه واخترعه من عند نفسه ، دون أن
يكون له أصل من الواقع .
ثم صرحوا فى نهاية المطاف بالسبب الحقيقى الذى حال بينهم وبين الإِيمان ، ألا وهو الحقد
والحسد ، وإنكار أن يختص اللّه تعالى رسوله من بينهم بالرسالة ، فقالوا - كما حكى القرآن
عنهم -: ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا؟ ... ﴾.
والاستفهام للإنكار والنفى. أى: كيف يدعى محمد - ﴿ - أنه قد أنزل عليه القرآن
من بيننا ، ونحن السادة الأغنياء العظماء ، وهو دوننا فى ذلك ؟ إننا ننكر وننفى دعواه النبوة
من بيننا .
قال صاحب الكشاف : أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ١٦٧ .

١٣٥
سورة ص
الكتاب من بينهم ، كما قالوا : ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ وهذا
الإنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورهم من الحسد على ما أوتى من شرف النبوة من
بينهم .(١) .
٣٠.
ولقد حكى القرآن أحقادهم هذه على النبى - * - فى آيات كثيرة ورد عليها بما يبطلها
ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثلما أوتى رسل الله،
الله أعلم حيث يجعل رسالته ... ﴾(٢).
ولقد صرح أبو جهل بهذا الحسد للنبى -* - فعندما سأله سائل ، أتظن محمدا على
حق أم على باطل ؟ كان جوابه : إن محمدا لعلى حق ولكن متى كنا لبنى هاشم تبعا . أى : متى
كانت أسرتنا تابعة لبنى هاشم !!.
وفى رواية أنه قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا
فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسى رهان ، قالوا : منا
نبى يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه.
وقوله - سبحانه -: ﴿ بل هم فى شك من ذكرى ﴾ إضراب عن كلام يفهم من
السياق . وتسلية للرسول - * - عما أصابه منهم من أذى .
أى : هؤلاء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى فى شأنك - أيها الرسول الكريم - وفى
شأن ما جئتهم به ، ولم يستندوا فى أقوالهم إلى دليل أو ما يشبه الدليل ، وإنما هم فى شك من
هذا القرآن الذى أيدناك به ، بدليل أنك تراهم يصفونك تارة بالسحر ، وتارة بالكهانة ، وتارة
بالشعر ، ولو عقلوا وأنصفوا لآمنوا بك وصدقوك .
وقوله - سبحانه -: ﴿بل لما يذوقوا عذاب ﴾ إضراب عن مجموع الكلامين السابقين
المشتملين على الحسد والشك .
أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من مسالكهم الخبيثة ، وأقوالهم الفاسدة . فإنهم
ما فعلوا ذلك إلا لأنهم لم يذوقوا عذابى بعد ، فإذا ذاقوه زال حسدهم وشكهم ، وتيقنوا بأنك
على الحق المبين ، وهم على الباطل الذى لا يحوم حوله حق .
وفى التعبير بقوله ﴿ لما ﴾ إشارة إلى أن نزول العذاب بهم وتذوقهم له، قريب الحصول.
ثم أنكر عليهم - سبحانه - بعد ذلك اعتراضهم على اختيار نبيه - صل - للرسالة ،
وساق هذا الإِنكار بأسلوب توبيخى تهكمى فقال - تعالى -: ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٤ .
( ٢) سورة الأنعام الآية ١٢٤

١٣٦
المجلد الثانى عشر
العزيز الوهاب﴾. أى: أنهم لم يملكوا خزائن رحمة ربك - أيها الرسول الكريم - حتى
يعطوا منها من يشاءون ويمنعوها عمن يشاءون ، ويتخيروا للنبوة صناديدهم ويترفعوا بها
عنك .. وإنما المالك لكل ذلك هو الله - تعالى - العزيز الذى لا يغلبه غالب - الوهاب،
أى : الكثير العطاء لعباده .
والمراد بالعندية فى قوله ﴿عندهم﴾: الملك والتصرف. وتقديم الظرف ((عند)) لأنه محل
الإنكار . وفى إضافة الرب - عز وجل - إلى الضمير العائد إلى النبى - # - تشريف
وتكريم له - ﴾ -
وجىء بصفة ((العزيز)) للرد على ما كانوا يزعمونه لأنفسهم وآلهتهم من ترفع وتكبر .
كما جىء بصفة ((الوهاب)) للإشارة إلى أن النبوة هبة من الله - تعالى - لمن يختاره من
عباده ، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رساته .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ... ﴾ تأكيد لما أفادته
الآية السابقة من عدم ملكيتهم لشىء من خزائن الله - تعالى - . أى : أن هؤلاء الكافرين
ليست عندهم خزائن ربك - أيها الرسول الكريم - وليسوا بمالكين شيئا - أى شىء - من
هذه العوالم العلوية أو السفلية ، وإنما هم خلق صغير من خلقنا العظيم الكبير .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فليرتقوا فى الأسباب ﴾ تعجيز لهم ، وتهكم بهم ، واستخفاف
بأقوالهم ومزاعمهم ، والأسباب : جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى غيره من حبل
أو نحوه .
والفاء جواب الشرط محذوف . والتقدير : إن كان عندهم خزائن رحمتنا ، ولهم شىء من
ملك السموات والأرض وما بينهما ، فليصعدوا فى الطرق التى توصلهم إلى ما نملكه حتى
يستولوا عليه ، ويدبروا أمره ، وينزلوا الوحى على من يختارونه للنبوة من أشرافهم
وصناديدهم .
فالجملة الكريمة قد اشتملت على نهاية التعجيز لهم ، والتهكم بهم وبأقوالهم ، حيث بين
- سبحانه - أنهم أدعياء فيما يزعمون ، وأنهم يهرفون بما لا يعرفون ..
ثم بشر الله - تعالى - رسوله -* - بالنصر عليهم فقال: ﴿جند ما هنالك مهزوم
من الأحزاب ﴾ .
ولفظ ((جند)) خبر لمبتدأ محذوف. و((ما)) مزيدة للتقليل والتحقير، نحو قولك : أكلت
شيئا ما . أى : شيئا قليلا ، وقيل: هى للتكثير والتهويل كقولهم : لأمر ما جدع قصير أنفه .

١٣٧
سورة ص
أى : لأمر عظيم .. وعلى كلا المعنيين فالمقصود أنهم لا وزن لهم بجانب قدرة الله - تعالى - .
و((هنالك)) صفة لجند، أو ظرف لمهزوم . وهو إشارة إلى المكان البعيد.
و(( مهزوم)) خبر ثان للمبتدأ المقدر، وأصل الهَزَّم: غَمْزُ الشىء اليابس حتى يتحطّم
ويُكسر .
يقال: تَهْزَّمت القربة ، بمعنى بيست . وتكسرت . وهُزِم الجيش بمعنى غُلِب وكُسِر.
والمعنى : هؤلاء المشركون - أيها الرسول الكريم - لا تهتم بأمرهم ، ولا تكترث
بجموعهم ، فهم سواء أكانوا قليلين أم كثيرين ، لا قيمة لهم بجانب قوتنا التى لا يقف أمامها
شىء ، ومهما تحزبوا عليك فهم جند مهزومون ومغلوبون أمام قوة المؤمنين فى مواطن متعددة .
فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين بالنصر على أعدائهم كما قال - تعالى - : ﴿سيهزم الجمع
ويولون الدبر ﴾ .
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ يريد ما هم
إلا جيش من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب ، فلا تبال بما يقولون ،
ولا تكترث لما به يهذون، و(( ما)» مزيدة ، وفيها معنى الاستعظام ... إلا أنه على سبيل
الاستهزاء بهم . و﴿ هنالك﴾ إشارة حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول
. العظيم ، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لستَ هنالك(١).
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوال المشركين ، وردت عليها ردا يكبتهم ويزهق
:
باطلهم ، و ختمت بما يبشر المؤمنين بالنصر عليهم .
ثم ساق - سبحانه - جانبا مما أصاب السابقين من دمار حين كذبوا رسلهم لكى يعتبر
المشركون المعاصرون للنبى - # - ولكى يقلعوا عن شركهم حتى لا يصيبهم ما أصاب
أمثالهم من المتقدمين عليهم ، فقال - تعالى - :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْقَوْمُ
نُوجِ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُواأَلْأَ وْنَادِ ﴿ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ
لَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ ٣) إِن كُلُّ إِلَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٥ .

١٣٨
المجلد الثانى عشر
١٤
صَيْحَةَ وَحِدَةٌ مَّالَهَا
وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ الأَصَدَيُ ! !!!
فَحَقَّ عِقَابِ (
مِن فَوَاقٍ ﴿ وَقَالُواْرَّنَا عَجِل لََّ قِطَنَا قَبْلَ يَوْمِ اَلِسَابِ )
فقوله - تعالى -: ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ... ﴾ استئناف مقرر لوعيد قريش بالهزيمة .
ولوعد المؤمنين بالنصر . وتأنيث قوم باعتبار المعنى ، وهو أنهم أمة وطائفة .
أى : ليس قومك - يا محمد - هم أول المكذبين لرسلهم ، فقد سبقهم إلى هذا التكذيب
قوم نوح ، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان .
وسبقهم - أيضا - إلى هذا التكذيب قوم عاد ، فقد كذبوا نبيهم هودا ، فكانت عاقبتهم
الإهلاك بالريح العقيم . التى ما أتت على شىء إلا جعلته كالرميم .
وقوله: ﴿وفرعون ذو الأوتاد ) معطوف على ما قبله أى: وكذب - أيضا - فرعون
رسولنا موسى - عليه السلام - .
وقوله: ﴿ ذو الأوتاد﴾ صفة لفرعون. والأوتاد: جمع وتد، وهو ما يدق فى الأرض
لتثبيت الشىء وتقويته .
والمراد بها هنا : المبانى الضخمة العظيمة ، أو الجنود الذين يثبتون ملكه كما تثبت الأوتاد
البيت ، أو الملك الثابت ثبوت الأوتاد .
قال الآلوسى ما ملخصه : والأصل إطلاق ذى الأوتاد على البيت المشدود والمثبت بها ،
فشبه هنا فرعون فى ثبات ملكه .. ببيت ثابت ذى عماد وأوتاد ..
أو المراد بالأوتاد الجنود: لأنهم يقوون ملكه كما يقوى الوتد الشىء. أو المراد بها المبانى
العظيمة الثابتة .
ويصح أن تكون الأوتاد على حقيقتها فقد قيل إنه كان يربط من يريد قتله بين أوتاد
متعددة ، ويتركه مشدودا فيها حتى يموت .. (١).
أى : وفرعون صاحب المبانى العظيمة ، والجنود الأقوياء ، والملك الوطيد ... كذب رسولنا
موسى - عليه السلام - ، فكانت عاقبة هذا التكذيب أن أغرقناه ومن معه جميعا من جنوده
الكافرين .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ١٧٠ .

١٣٩
سورة ص
وكذب - أيضا - قوم ثمود نبيهم صالحا ، وقوم لوط نبيهم لوطا ، وأصحاب الأيكة وهم
قوم شعيب . كذبوه كذلك - فكانت نتيجة هذا التكذيب الإهلاك لهؤلاء المكذبين - كما قال
- تعالى -: ﴿ فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ومنهم من أخذته
الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ، ولكن
كانوا أنفسهم يظلمون ﴾(١) .
والإِشارة فى قوله - تعالى -: ﴿أولئك الأحزاب) تعود إلى هؤلاء الأقوام المكذبين
لرسلهم وسموا بالأحزاب ، لأنهم تحزبوا ضد رسلهم ، وانضم بعضهم إلى بعض فى تكذيبهم ،
ووقفوا جميعا موقف المحارب لهؤلاء الرسل الكرام .
وقوله - سبحانه - ﴿ إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ﴾ استئناف مقرر لما قبله من
تكذيب هؤلاء الأقوام لرسلهم ، وبيان للأسباب التى أدت إلى عقاب المكذبين .
و((إن)) هنا نافية، ولا عمل لها لانتقاض النفى بإلا. و((إلا)» أداة استثناء مفرغ من
أعم الصفات أو الأحكام: وجملة ((كذب الرسل)) فى محل رفع خبر ((كل)).
أى : ليس لهؤلاء الأقوام من صفات سوى تكذيب الرسل ، فكانت نتيجة هذا التكذيب
أن حل بهم عقابى وثبت عليهم عذابى . الذى دمرهم تدميرا .
والإِخبار عن كل حزب من هذه الأحزاب بأنه كذب الرسل ، إما لأن تكذیب کل حزب
لرسوله يعتبر من باب التكذيب لجميع الرسل لأن دعوتهم واحدة ، وإما من قبيل مقابلة الجمع
بالجمع ، والمقصود تكذيب كل حزب لرسوله .
وقد جاء تكذيبهم فى الآية السابقة بالجملة الفعلية ((كذبت قبلهم ... )) وجاء فى هذه الآية
بالجملة الاسمية : لبيان إصرارهم على هذا التكذيب ، ومداومتهم عليه ، وإعراضهم عن دعوة
الرسل لهم إعراضا تاما .
وقوله - سبحانه - : ﴿ وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق ﴾ . بيان
للعذاب المعد للمشركين المعاصرين للنبى - وَل ﴿ - بعد بيان العقاب الذى حل بالسابقين .
والمراد بالصيحة هنا : النفخة الثانية التى ينفخها إسرافيل فى الصور ، فيقوم الخلائق من
قبورهم للحساب والجزاء .
وقيل المراد بها النفخة الأولى ، وضعف هذا القول بأنهم لن يكونوا موجودين وقتها حتى
يصعقوا بها ..
(١) سورة العنكبوت الآية ٤٠ .

١٤٠
المجلد الثانى عشر
وينظرون هنا بمعنى ينتظرون . وجعلهم - سبحانه - منتظرين للعقاب مع أنهم لم ينتظروه
على سبيل الحقيقة للإشعار بتحقق وقوعه ، وأنهم بصدد لقائه ، فهم لذلك فى حكم المنتظرين
له .
أى: وما ينتظر هؤلاء المشركون الذين هم أمثال المهلكين من قبلهم، ﴿ إلا صيحة
واحدة﴾ أى: نفخة واحدة ينفخها إسرافيل ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ﴾،
وهذه النفخة ﴿ مالها من فواق ﴾ أى: ليس لها من توقف وانتظار حتى ولو بمقدار فواق ناقة
وهو الزمن الذى يكون بين الحلبتين ، أو الزمن الذى يكون فيه رجوع اللبن فى الضرع بعد
. الحلب .
والمقصود بيان أن هذه الصيحة سريعة الوقوع ، وأنها لن تتأخر عن وقتها ، وأنها صيحة
واحدة فقط يتم بعدها كل شىء يتعلق بالبعث والجزاء .
قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : قوله: ﴿مالها من فواق ﴾ يجوز أن يكون قوله
﴿ لها﴾ رافعا لقوله: ﴿من فواق) على الفاعلية لاعتماده على النفى.
وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر ، وعلى التقديرين فالجملة المنفية صفة لصيحة ، ومن
مزيدة ..
والفواق - بفتح الفاء وضمها - الزمان الذى بين حلبتى الحالب ورضعتى الراضع -
والمعنى: مالها من توقف قدر فواق ناقة. وفى الحديث: ((العيادة قدر فواق ناقة)) .. (١).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، ببيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من
جهالات وسفاهات ، حيث تعجلوا العقاب قبل وقوعه بهم ، فقال - تعالى - : ﴿ وقالوا ربنا
عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ﴾ .
والقطُّ : النصيب والقطعة من الشىء . مأخوذ من قط الشىء إذا قطعه وفصله عن غيره .
فهم قد أطلقوا القطعة من العذاب على عذابهم ، باعتبار أنها مقتطعة من العذاب الكلى المعد لهم
ولغيرهم .
أى : وقال هؤلاء المشركون الجاهلون ياربنا ﴿عجل لنا قطنا﴾ أى عجل لنا نصيبنا من
العذاب الذى توعدتنا به ، ولا تؤخره إلى يوم الحساب .
وتصدير دعائهم بنداء الله - تعالى - بصفة الربوبية ، يشعر بشدة استهزائهم بهذا العذاب
الذى توعدهم الله - تعالى - به على لسان رسوله - * - .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٦٤.