Indexed OCR Text

Pages 1-20

الفَسيرُ الوَسِط
لِلِقُرآن الكريم
تفسيرسور
الضّافات
الزمر
ص
فصّلت
غافر
الدكور محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
المجلد الثانى عشر
دار المعارف

مراجعة
د.عبد الرحمن العَدَوى
الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية
الناشر : دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.

١٢٧١
بِسْمِاللَّهِ الرَّحْنِ الرَّحِيم
رَبََّا نَقَبَّلْ مِنَّاْ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
صدق الله العظيم

تفسير
سُورَةِ كَيْراً
دـ

--

٧
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحَمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١ - سورة ((يس)) من السور التى يحفظها كثير من الناس، لاشتهارها فيما بينهم ، وهى
السورة السادسة والثلاثون فى ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد سورة («الجن)).
قال القرطبى : وهى مكية بإجماع ، وهى ثلاث وثمانون آية . إلا أن فرقة قالت : إن قوله
- تعالى -: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم ... ﴾ نزلت فى بنى سلمة من الأنصار، حين أرادوا أن
يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول -﴾ - (١).
٢ - وقد ذكروا فى فضلها كثيرا من الآثار ، إلا أن معظم هذه الآثار ضعفها المحققون من
العلماء ، لذا نكتفى بذكر ما هو مقبول منها .
قال ابن كثير ما ملخصه : أخرج الحافظ أبو يعلى عن أبى هريرة قال : سمعت رسول الله
-*- يقول: ((من قرأ ((يس)» فى ليلة أصبح مغفورا له)) ...
وأخرج ابن حيان فى صحيحه ، عن جندب بن عبداقه قال: قال رسول انه - ٤ -:
((من قرأ ((يس)) فى ليلة ابتغاء وجه الله غفر له)).
وأخرج الإمام أحمد فى مسنده، عن معقل بن يسار، أن رسول الله - # - قال: ((البقرة
سنام القرآن، ويس قلب القرآن . لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ،
واقرءوها على موتاكم)) أى: فى ساعات الاحتضار وعند خروج الروح .
قال الإِمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان . قال : كان المشيخة يقولون : إذا
قرئت - يعنى يس - عند الميت ، خفف عنه بها (٢) .
وقال الآلوسى ما ملخصه : صح من حديث الإِمام أحمد ، وأبى داود ، وابن ماجه ،
والطبرانى، وغيرهم عن معقل بن يسار، أن رسول الله -# - قال: (( يس قلب
القرآن)».
(١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ١.
( ٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٤٨.

٨
المجلد الثانى عشر
وذُكِرَ أنها تسمى المُعِمَّةُ، والمدافعة ، والقاضية ، ومعنى المعمة : التى تعم صاحبها بخير
الدنيا والآخرة . ومعنى المدافعة التى تدفع عن صاحبها كل سوء ، ومعنى القاضية : التى تقضى
له كل حاجة - بإذن الله وفضله(١).
٣ - وقد افتتحت سورة (( يس)) بتأكيد صدق الرسول -# - فيما يبلغه عن ربه،
وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته ، وبتسليته عما أصابه منهم من أذى .
قال - تعالى -: ﴿ يس والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم . تنزيل
العزيز الرحيم . لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون . لقد حق القول على أكثرهم فهم لا
يؤمنون
﴾ .
٤ - ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين
الرسل الذين جاءوا إليهم لهدايتهم ، وكيف أهلك الله - تعالى- المكذبين لرسله ...
قال - سبحانه -: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلتا
إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون . قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما
. أنزل الرحمن من شىء إن أنتم إلا تكذبون . قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا
البلاغ المبين ﴾ .
٥ - ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك، ألوانا من مظاهر قدرة الله - تعالى -، ومن نعمه
على عباده ، تلك النعم التى نراها فى الأرض التى نعيش عليها ، وفى الخيرات التى تخرج منها ،
كما نراها فى الليل والنهار . وفى الشمس وفى القمر ، وفى غير ذلك من مظاهر نعمه التى
لا تحصى .
قال - تعالى - ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ، وأخرجنا منها حيا فمنه يأكلون.
وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ، وفجرنا فيها من العيون . ليأكلوا من ثمره ، وما عملته
أيديهم أفلا يشكرون . سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم ومما لا
يعلمون ﴾
٦ - وبعد هذا البيان الحكيم لمظاهر قدرة الله - تعالى- ، وفضله على عباده ، حكت
السورة الكريمة جانبا من دعاوى المشركين الباطلة ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ،
وصورت أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم مسرعين ، ليقفوا بين يدى الله - تعالى -
للحساب والجزاء ...
(١) راجع تفسير الألوسى جـ ٢٢ ص ٢٠٩ .

٩
مقدمة
قال - تعالى -: ﴿ ونفخ فى الصور فإذا هم من الأحداث إلى ربهم ينسلون . قالوا ياويلنا
من بعثنا من مرقدنا ، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا
هم جميع لدينا محضرون . فاليوم لا تظلم نفس شيئا ، ولاتجزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ .
٧ - وبعد أن تحكى السورة الكريمة ما أعده الله تعالى بفضله وكرمه لعباده المؤمنين ، من
جنات النعيم ، ومن خیر عمیم ، تعود فتحکی ما سیکون علیه الكافرون من هم وغم ، وکرب
وبلاء ، بسبب كفرهم، وتكذيبهم للحق الذى جاءهم به نبيهم - # - .
قال - تعالى -: ﴿ ألم أعهد إليكم يابنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين.
وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم . ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون . هذه
جهنم التى كنتم توعدون . اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ﴾ .
٨ - ثم تنزه السورة الكريمة النبى -# - عما اتهمه به أعداؤه ، من أنه شاعر ، وتسليه
عما أصابه منهم، وتبين للناس أن وظيفته -#- إنما هى الإنذار والبلاغ .
قال - تعالى - ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغى له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين . لينذر من
كان حيا ويحق القول على الكافرين ﴾ .
إلى أن يقول - سبحانه -: ﴿ فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون
٩ - ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ما قاله أحد الأشقياء منكرا للبعث والحساب ، وردت .
عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم ، برشد كل عاقل إلى إمكانية البعث ، وأنه حق لاشك
فيه ..
قال - تعالى -: ﴿ أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين . وضرب لنا
مثلا ونسى خلقه ، قال من يحيى العظام وهى رميم . قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل
خلق عليم . الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون . أو ليس الذى
خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد
شيئا أن يقول له كن فيكون . فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون ﴾ .
١٠ - وبعد. فهذا عرض مجمل لسورة (( يس)) ومنه نرى، أن هذه السورة الكريمة، قد
اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى كمال قدرته كما اهتمت بإبراز الأدلة
المتعددة على أن البعث حق، وعلى أن الرسول -# - صادق فيما يبلغه عن ربه ...
كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار .
كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، يغلب عليه قصر الآيات ، وإيراد الشواهد المتنوعة على قدرة

١٠
المجلد الثانى عشر
الله - تعالى - ، عن طريق مخلوقاته المبثوثة فى هذا الكون ، والتى من شأن المتأمل فيها بعقل٣)
سليم ، أن يهتدى إلى الحق ، وإلى الصراط المستقيم .
١
وصدق الله - تعالى - فى قوله: ﴿سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن
أنفسهم ومما لا يعلمون
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
صباح الخميس ٠ ٢٣ من شوال سنة ١٤٠٥ هـ
١١ / ٧ / ١٩٨٥ م

١١
سورة يس
التفسير
قال الله - تعالى - :
◌َللَّهِ الرَّحْزِ الرَّحْمِ
يَسَ ﴿ وَالْقُرْءَنِ الْحَكِيمِ ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ، عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ن تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ، لِنُنذِرَقَوْمَامَّآ
أُنْذِرَءَآبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴿ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَ أَكَرِهِمْ
فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىَ أَعْتَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى
اَلْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيَدِ يِهِمْ سَدًا
وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّا فَأَ غْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ ، وَسَوَآءُ
عَلَيَّهِمْ ءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّمَانُنذِرُ
مَنِ أَتََّعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَشْرُهُ بِمَغْفِرَةٍ
وَأَجْرِ كَرِيٍِ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْقَى وَنَكْتُبُ
مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْتَهُ فِ إِمَامِمُِیٍ
١٢
قوله - تعالى - يس من الألفاظ التى اختلف المفسرون فى معناها ، فمنهم من يرى أن هذه
الكلمة اسم السورة، أو للقرآن، أو للرسول - * - .
ومنهم من يرى أن معناها : يا رجل ، أو يا إنسان .
ولعل أرجح الأقوال أن هذه الكلمة من الألفاظ المقطعة التى افتتحت بها بعض السور
القرآنية ، للإشارة إلى إعجاز القرآن الكريم ، وللتنبيه إلى أن هذا القرآن المؤلف من جنس
الألفاظ التى ينطقون بها ، هو من عند الله - تعالى -، وأنهم ليس فى إمكانهم أو إمكان غيرهم

١٢
المجلد الثانى عشر
أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله ...
قال الآلوسى: قوله - تعالى -: ﴿يس): الكلام فيه كالكلام فى ((ألم)) ونحوه من
الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور، إعرابا ومعنى عند الكثيرين .
وظاهر كلام بعضهم أن (( يس)) بمجموعه، اسم من أسمائه - ﴾ - .
وقرأ جمع بسكون النون مدغمة فى الواو، وقرأ آخرون بسكونها مظهرة ، والقراءتان
سبعيتان ... (١).
قوله - تعالى -: ﴿والقرآن الحكيم) قسم منه - تعالى- بكتابه ذى الحكمة العالية.
والهدايات السامية ، والتوجيهات السديدة ، والتشريعات القويمة ، والآداب الحميدة ...
وقوله - سبحانه -: ﴿إنك لمن المرسلين﴾ جواب لهذا القسم.
أى : وحق هذا القرآن الحكيم ، إنك أيها الرسول الكريم - لمن عبادنا الذين اصطفيناهم
لحمل رسالتنا ، وتبليغ دعوتنا إلى الناس ، لكى يخلصوا العبادة لنا ، ولا يشركوا معنا فى ذلك
غيرنا .
وجاء هذا الجواب مشتملا على أكثر من مؤكد ، للرد على أولئك المشركين الذين استنكروا
رسالة النبى -# - وقالوا فى شأنه: ((لست مرسلا)).
قال بعض العلماء : واعلم أن الأقسام الواقعة فى القرآن . وإن وردت فى صورة تأكيد
المحلوف عليه ، إلا أن المقصود الأصلى بها تعظيم المقسم به ؛ لما فيه من الدلالة على اتصافه
- تعالى - بصفات الكمال ، أو على أفعاله العجيبة ، أو على قدرته الباهرة فيكون المقصود من
الحلف : الاستدلال به على عظم المحلوف عليه ، وهو هنا عظم شأن الرسالة . كأنه قال : إن
من أنزل القرآن - وهو ما هو فى عظم شأنه - هو الذى أرسل رسوله محمدا -* - ومثل ذلك
يقال له فى الأقسام التى فى السور الآتية ... (٢).
وقوله - تعالى - ﴿على صراط مستقيم) خبر ثان لحرف ((إن)) فى قوله - تعالى - قبل
ذلك : ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾.
أى : إنك - يا محمد - لمن أنبيائنا المرسلين ، على طريق واضح قويم ، لا اعوجاج فيه
ولا اضطراب ، ولا ارتفاع فيه ولا انخفاض ، بل هو فى نهاية الاعتدال والاستقامة .
قال صاحب الكشاف: قوله : ﴿على صراط مستقيم) خبر بعد خبر، أوصلة
المرسلين .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٢١٠ .
(٢) تفسير ((صفوة البيان)) جـ ٢ ص ٢١٥ لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف.

١٣
سورة يس
فإن قلت : أى حاجة إليه خبرا كان أو صلة ، وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على
صراط مستقيم ؟
قلت : ليس الغرض بذكره ماذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره
ممن ليس على صفته . وإنما الغرض وصفه ، ووصف ما جاء به من الشريعة ، فجمع بين
الوصفين فى نظام واحد ، كأنه قال : إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت ، وأيضا فإن
التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة ، على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه
- أى : فى التضخيم والتعظيم - (١) .
ثم مدح - سبحانه - كتابه بمدائح أخرى فقال: ﴿تنزيل العزيز الرحيم ) وقد قرأ بعض
القراء السبعة: ﴿تنزيل) بالنصب على المدح، أو على المصدرية لفعل محذوف. أى: نزل
الله - تعالى - القرآن تنزيل العزيز الرحيم .
وقرأ البعض الآخر: ﴿تنزيل) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: هذا القرآن
هو تنزيل العزيز - الذى لا يغلبه غالب- ، الرحيم أى الواسع الرحمة بعباده .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه - - فقال: ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم
فهم غافلون
واللام فى قوله : ﴿لتنذر﴾ متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿ إنك لمن
المرسلين ﴾ .
والإنذار : إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من الخوف . فإن لم تتسع له فهو إعلام
وإشعار لا إنذار. وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى - .
والمراد بالقوم: كفار مكة الذين بعث النبى -# - لإِنذارهم ، وهذا لا يمنع أن رسالته
عامة إلى الناس جميعا، كما قال - تعالى -: ﴿ قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم
( ما) نافية . والمراد بآبائهم: آباؤهم الأقربون ، لأن آباءهم الأبعدون قد
جميعا ... ﴾ و
أرسل الله - تعالى- إليهم إسماعيل - عليه السلام - .
أى : أرسلناك - يا محمد - بهذه الرسالة من لدنا ، لتنذر قوما ، وهم قريش المعاصرون
لك ، لم يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سوء عاقبة الإشراك باقه - تعالى -
فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم من إخلاص العبادة له ، وطاعته فى السر
والعلن .
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤.

١٤
المجلد الثانى عشر
قال ابن كثير: قوله ﴿ لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ﴾ يعنى بهم العرب، فإنه
ما أتاهم من نذير من قبله . وذكرهم وحدهم لا ينفى من عداهم كما أن ذكر بعض الأفراد
لا ينفى العموم، الذى وردت به الآيات والأحاديث المتواترة ... (١).
وقال الجمل ما ملخصه: قوله ﴿لتنذر قوما ... ﴾ أى العرب وغيرهم وقوله ﴿ما أنذر
آباؤهم ﴾ أى الأقربون، وإلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا فآبا العرب الأقدمون أنذروا
بإسماعيل، وآباء غيرهم أنذروا بعيسى .. و((ما)) نافية ، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبى قبل
نبينا -# - فالجملة صفة لقوله ((قوما)) أى: قوما لم ينذروا. وقوله ﴿ فهم غافلون﴾
مرتب على الإنذار ... (٢) .
ثم بين - سبحانه - مصير هؤلاء الغافلين ، الذين استمروا فى غفلتهم وكفرهم بعد أن
جاءهم النذير، فقال: ﴿ لقد حق القول على أكثرهم ، فهم لا يؤمنون﴾.
والجملة جواب لقسم محذوف . ومعنى ﴿حق ﴾ ثبت ووجب.
والمراد بالقول : العذاب الذى أعده الله - تعالى - لهم بسبب إصرارهم على كفرهم.
أى : والله لقد ثبت وتحقق الحكم أزلا بالعذاب على أكثر هؤلاء المنذرين بسبب عدم إيمانهم
برسالتك ، وجحودهم الحق الذى جئتهم به، وإيثارهم باختيارهم الغى على الرشد ، والضلال
على الهدى ...
وقال - سبحانه - ﴿ على أكثرهم) لأن قلة منهم اتبعت الحق، وآمنت به، وشبيه بهذه
الآية قوله - تعالى -: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية
(٣)
الآلیم
حتى يروا العذاب
ثم صور - سبحانه - انكبابهم على الكفر، وإصرارهم عليه، تصويرا بليغا فقال: ﴿ إنا
جعلنا فى أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون ﴾ .
والأغلال : جمع غل - بضم الغين ، وهو القيد الذى تشد به اليد إلى العنق بقصد التعذيب
والأذقان: جمع ذقن - بفتح الذال - وهو أسفل الفم .
ومقمحون . من الإقماح ، وهو رفع الرأس مع غض البصر . يقال : قمح البعير قموحا إذا
رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب . والفاء فى قوله ﴿فهى﴾ وفى قوله ﴿ فهم﴾: للتقريع.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٤٩ .
( ٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٠٣.
(٣) سورة يونس الآيتان ٩٦، ٩٧

١٥
سورة يس
أى : إنا جعلنا فى أعناق هؤلاء الجاحدين قيودا عظيمة ، فهى - أى هذه القيود - واصلة
إلى أذقانهم ، فهم بسبب ذلك مرفوعة رءوسهم ، مع غض أبصارهم ، بحيث لا يستطيعون أن
يخفضوها ، لأن القيود التى وصلت إلى أذقانهم منعتهم من خفض رءوسهم .
فقد شبه - سبحانه - فى هذه الآية ، حال أولئك الكافرين ، المصرين على جحودهم
وعنادهم ، بحال من وضعت الأغلال فى عنقه ووصلت إلى ذقنه ، ووجه الشبه أن كليهما
لا يستطيع الانفكاك عما هو فيه .
ثم أكد - سبحانه - هذا الإصرار من الكافرين على كفرهم فقال: ﴿وجعلنا من بين
أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ . أى: أننا لم تكتف بجعل
الأغلال فى أعناقهم ، بل أضفنا إلى ذلك أننا جعلنا من أمامهم حاجزا عظيما ، ومن خلفهم
كذلك حاجزا عظيما . ﴿فأغشيناهم ﴾ أى: فجعلنا على أبصارهم غشاوة وأغطية تمنعهم من
الرؤية ﴿ فهم لا يبصرون﴾ شيئابسبب احتجاب الرؤية عنهم.
فالآية الكريمة تمثيل آخر لتصميمهم على كفرهم ، حيث شبههم - سبحانه - بحال من
أحاطت بهم الحواجز من كل جانب ، فمنعتهم من الرؤية والإِبصار .
ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهاتين الآيتين : ثم مثل تصميمهم على الكفر ، وأنه
لاسبيل الى ارعوائهم ، بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين فى أنهم لا يلتفتون إلى الحق ،
ولا يعطفون أعناقهم نحوه ، ولا يطأطئون رءوسهم له ، وكالحاصلين بين سدين لايبصرون ما
قدامهم ولا ما خلفهم فى أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر فى آيات الله))(١).
وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة ، أن
أبا جهل قال : لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزل الله - تعالى - قوله: ﴿ إنا جعلنا فى
أعناقهم أغلالا ... ﴾ فكانوا يقولون لأبى جهل: هذا محمد -* - فيقول : أين هو ؟
ولا يبصره(٢) ..
وقوله - تعالى -: ﴿وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ بيان لما وصل إليه
هؤلاء الجاحدون من عناد وانصراف عن الحق .
وقوله ﴿ سواء﴾ اسم مصدر بمعنى الاستواء، والمراد به اسم الفاعل . أى: مستو.
أى : أن هؤلاء الذين جعلنا فى أعناقهم أغلالا .. وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥.
(٢) لباب التقول فى أسباب النزول جـ ١٨٧ السيوطى.

١٦
المجلد الثانى عشر
سدا ، مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه ، فهم - لسوء استعدادهم وفساد فطرهم - لا يؤمنون
بالحق الذى جئتهم به سواء دعوتهم إليه أم لم تدعهم إليه ، وسواء خوفتهم بالعذاب أم لم
تخوفهم به، لأنهم ماتت قلوبهم، وصارت لا تتأثر بشىء مما تدعوهم إليه ..
ثم بين - سبحانه- من هم أهل للتذكير فقال: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر
أى: إنما تنذر - أيها الرسول الكريم - إنذارا نافعا، أولئك الذين اتبعوا إرشادات القرآن
الكريم وأوامره ونواهيه ...
وينفع إنذارك - أيضا- مع من ﴿ خشى الرحمن بالغيب ﴾ أى : مع من خاف عقاب
الرحمن دون أن يرى هذا العقاب ، ودون أن يرى الله - تعالى - الذى له الخلق والأمر .
هؤلاء هم الذين ينفع معهم الإنذار والتذكير والإِرشاد ، لأنهم فتحوا قلوبهم للحق ،
واستجابوا له .
والفاء فى قوله: ﴿ فيشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ لترتيب البشارة أو الأمر بها، على ما
قبلها من اتباع الذكر والخشية .
أى : فبشر - أيها الرسول الكريم - هذا النوع من الناس ، بمغفرة عظيمة منا لذنوبهم ،
وبأجر كريم لا يعلم مقداره أحد سوانا .
ثم أكد - سبحانه - أن البعث حق ، وأن الجزاء حق ، لكى لايغفل عنها الناس ، ولكى
يستعدوا لهما بالإِيمان والعمل الصالح فقال: ﴿ إنا نحن نحيى الموتى ... ﴾.
أى: إنا نحن بقدرتنا وحدها نحيى الموتى بعد موتهم ، ونعيدهم إلى الحياة مرة أخرى لكى
نحاسبهم على أعمالهم .
﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ أى: وإنا نحن الذين نسجل عليهم أعمالهم التى عملوها
فى الدنيا سواء أكانت هذه الأعمال صالحة أم غير صالحة .
ونسجل لهم - أيضا - آثارهم التى تركوها بعد موتهم سواء أكانت صالحة كعلم نافع ، أو
صدقة جارية ... أم غير صالحة كدار للهو واللعب ، وكرأى من الآراء الباطلة التى اتبعها من
جاء بعدهم ، وسنجازهم على ذلك بما يستحقون من ثواب أو عقاب ﴿وكل شىء أحصيناه فى
إمام مبين ﴾ أى: وكل شىء أثبتناه وبيناه فى أصل عظيم، وفى كتاب واضح عندنا . ألا وهو
اللوح المحفوظ ، أو علمنا الذى لا يعزب عنه شىء .
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وفى قوله: ﴿ آثارهم ﴾ قولان:
أحدهما : ونكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم ، وآثارهم التى أثروها - أى تركوها - من
كـ

١٧
سورة يس
بعدهم، فنجزيهم على ذلك - أيضا -، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. كقوله - 3# - من
سن فى الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من
أجورهم شىء ، ومن سن فى الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ،
من غير أن ينقص من أوزارهم شىء ..
والثانى: أن المراد بقوله ﴿وآثارهم﴾ أى: آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. فقد
روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبدالله قال : خلت البقاع حول المسجد ، فأراد بنو
سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله -# - فقال لهم: ((إنه بلغنى أنكم
تريدون أن تنتقلوا إلى المسجد ؟ قالوا : نعم يارسول الله ، قد أردنا ذلك ، فقال : يابنى
سلمة ، دياركم تكتب آثاركم ، دياركم تكتب آثارکم ».
ثم قال ابن كثير : ولا تنافى بين هذا القول والذى قبله ، بل فى القول الثانى تنبيه ودلالة
على ذلك بطريق الأولى والأحرى ، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب ، فلأن تكتب التى فيها
قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى (١) .
هذا ، وتلك الرواية الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية - كما قيل - ، لأن هذه
الرواية تصرح بأن الرسول -ج - قد قال لبنى سلمة، ((دياركم تكتب آثاركم)) أى:
ألزموا دياركم تكتب آثاركم .. دون إشارة إلى سبب النزول .
قال الآلوسى ما ملخصه: والأحاديث التى فيها أن الله - تعالى - أنزل هذه الآية ، حين
أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم. معارضة بما فى الصحيحين من أن النبى - # - قرأ لهم
هذه الآية، ولم يذكر أنها نزلت فيهم، وقراءته -* - لاتنافى تقدم النزول . أى : أن الآية
مكية كبقية السورة(٢).
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد أثبتت صدق الرسول -# - فيما يبلغه عن ربه ، وبينت
الحكمة من رسالته ، كما بينت أن يوم القيامة آت لا ريب فيه .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله -# - أن يقرأ على الناس - ليعتبروا ويتعظوا - قصة
أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا لهدايتهم وإرشادهم إلى الطريق
المستقيم فقال - تعالى - .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٥١ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٢١٨ .

١٨
المجلد الثانى عشر
١٣
وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَءَ هَا الْمُرْسَلُونَ
إِذْأَرْسَلْنَآ إِلَتِهِمُ كَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوَاْإِنّا
إِلَيْكُمْ مُرْ سَلُونَ ﴿ قَالْوَأَمَا أَنْتُمْ إِلَّبَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ
الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ، قَالُواْرَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ
إِلَيْكُمْلَمُرْسَلُونَ ﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ
١٧
قَالُواْإِنَّا قَطََّّرْ نَا بِكُمْ لَيْنِ لَّمْتَنْتَهُو ◌ْلَتَُّمَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّجُر
مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالُواْطَبْ كُمْ مَعَكُمْ أَبِن ذُكِرْتُم
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ﴾ وهذه
القرية هى ((أنطاكية)) فى قول جميع المفسرين ... والمرسلون : قيل: هم رسل من اللّه على
الابتداء . وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله - تعالى -(١).
ولم يرتض ابن كثير ما ذهب إليه القرطبى والمفسرون من أن المراد بالقرية ((أنطاكية)) كما
أنه لم يرتض الرأى القائل بأن الرسل الثلاثة كانوا من عند عيسى - عليه السلام - فقد قال
- رحمه الله - ما ملخصه : وقد تقدم عن كثير من السلف ، أن هذه القرية هى أنطاكية ، وأن
هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عيسى - عليه السلام - وفى ذلك نظر من وجوه :
أحدها : أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله - عز وجل - لا من جهة
عيسى، كما قال - تعالى -: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ... ﴾
الثانى : أن أهل أنطاكية آمنوا برسل عيسى إليهم ، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح عليه
السلام، ولهذا كانت عند النصارى ، إحدى المدن الأربعة التى فيها بتاركة - أى ، علماء
بالدين المسيحى ..
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ١٤ .

١٩
سورة يس
الثالث : أن قصة أنطاكية مع الحواربين أصحاب عيسى ، كانت بعد نزول التوراة ، وقد
ذكر أبو سعيد الخدرى وغيره ، أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن
آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين ...
فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة . قرية أخرى غير أنطاكية .. فإن هذه القرية
المشهورة بهذا الاسم لم يعرف أنها أهلكت، لا فى الملة النصرانية ولا قبل ذلك(١).
والذى يبدو لنا أن ما ذهب إليه الإمام ابن كثير هو الأقرب إلى الصواب وأن القرآن
الكريم لم يذكر من هم أصحاب القرية ، لأن اهتمامه فى هذه القصة وأمثالها ، بالعبر والعظات
التى تؤخذ منها .
وضرب المثل فى القرآن الكريم كثيرا ما يستعمل فى تطبيق حالة غريبة ، بأخرى تشبهها ،
كما فى قوله - تعالى - ﴿ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ، كانتا تحت
عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا . وقيل ادخلا النار مع
الداخلين ﴾ .
فيكون المعنى : واجعل - أيها الرسول الكريم - حال أصحاب القرية ، مثلا لمشركى مكة
فى الإصرار على الكفر والعناد ، وحذرهم من أن مصيرهم سيكون كمصير هؤلاء السابقين ،
الذين كانت عاقبتهم أن أخذتهم الصيحة فإذا هم خامدون ، لأنهم كذبوا المرسلين .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إذ جاءها المرسلون﴾ بدل اشتمال من ﴿ أصحاب القرية﴾.
والمراد بالمرسلين : الذين أرسلهم اللّه إلى أهل تلك القرية، لهدايتهم إلى الحق .
وقوله : ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما .. ﴾ بيان لكيفية الإِرسال ولموقف أهل القرية
ممن جاءوا الإِرشادهم إلى الدين الحق .
أى: إن موقف المشركين منك - أيها الرسول الكريم - ، يشبه موقف أصحاب القرية من
الرسل الذين أرسلناهم لهدايتهم ، إذ أرسلنا إلى أصحاب هذه القرية اثنين من رسلنا ،
فكذبوهما . وأعرضوا عن دعوتهما .
والفاء فى قوله ﴿فكذبوهما﴾ للإفصاح، أى: أرسلنا إليهم اثنين لدعوتهم إلى إخلاص
العبادة لنا فذهبا إليهم فكذبوهما .
وقوله : فعززنا بثالث أى : فقوبنا الرسالة برسول ثالث ، من التعزيز بمعنى التقوية ، ومنه
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٥٩ .

٢٠
المجلد الثانى عشر
قولهم : تعزز لحم الناقة، إذا اشتد وقوى . وعزز المطر الأرض ، إذا قواها وشدها . وأرض
عزاز ، إذا كانت صلبة قوية .
ومفعول ﴿ فعززنا) محذوف لدلالة ما قبله عليه أى: فعززناهما برسول ثالث
فقالوا﴾ أى الرسل الثلاثة لأصحاب القرية: ﴿إنا إليكم مرسلون﴾ لا إلى غيركم،
فأطيعونا فيما ندعوكم إليه من إخلاص العبادة الله - تعالى - ، ونبذ عبادة الأصنام .
ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الرسل وأصحاب القرية من محاورات فقال: ﴿ قالوا
ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شىء ، إن أنتم إلا تكذبون
أى : قال أصحاب القرية للرسل على سبيل الاستنكار والتطاول: أنتم لستم إلا بشراً
مثلنا فى البشرية ، ولا مزية لكم علينا ، وكأن البشرية فى زعمهم تتنافى مع الرسالة ، ثم أضافوا
إلى ذلك قولهم : وما أنزل الرحمن من شىء مما تدعوننا إليه .
ثم وصفوهم بالكذب فقالوا لهم : ما أنتم إلا كاذبون ، فيما تدعونه من أنكم رسل إلينا .
وهكذا قابل أهل القرية رسل الله ، بالإعراض عن دعوتهم وبالتطاول عليهم ، وبالإِنكار
لما جاءوا به ، وبوصفهم بالكذب فيم يقولونه .
ولكن الرسل قابلوا كل ذلك بالأناة والصبر ، شأن الواثق من صدقه ، فقالوا لأهل
القرية : ﴿ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين﴾.
أى : قالوا لهم بثقة وأدب : ربنا - وحده - يعلم إنا إليكم لمرسلون ، وكفى بعلمه علما ،
وبحكمه حكما ، وما علينا بعد ذلك بالنسبة لكم إلا أن نبلغكم ما كلفنا بتبيلغه إليكم تبليغا
واضحا ، لا غموض فيه ولا التباس .
فأنت ترى أن الرسل لم يقابلوا سفاهة أهل القرية بمثلها ، وإنما قابلوا تكذيبهم لهم .
بالمنطق الرصين ، وبتأكيد أنهم رسل الله، وأنهم صادقون فى رسالتهم ، لأن قولهم ( ربنا يعلم
إنا إليكم لمرسلون ﴾ جار مجرى القسم فى التوكيد .
وقولهم : ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ) تحديد للوظيفة التى أرسلهم الله - تعالى - من
أجلها .
ولكن أهل القرية لم يقتنعوا بهذا المنطق السليم ، بل ردوا على الرسل ردا قبيحا ، فقالوا
لهم: ﴿إنا تطيرنا بكم ، لئن لم تنتهوا لترجمنكم ، وليمسنكم منا عذاب أليم ﴾ والتطير:
التشاؤم . أى قالوا فى الرد عليهم: إنا تشاءمنا من وجودكم بيننا، وكرهنا النظر إلى