Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة سبأ
للمشركين أشد ، والتعبير أبلغ، وهوانهم ألزم .(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ﴾ حكاية لأقوال الملائكة .
أى: قال الملائكة فى الإجابة على سؤال خالقهم. ﴿سبحانك﴾ أى: ننزهك ونقدسك
عن أن يكون لك شريك فى عبادتك وطاعتك ﴿ أنت ولينا من دونهم ﴾ أى : أنت الذى
نواليك ونتقرب إليك وحدك بالعبادة ، وليس بيننا وبين هؤلاء المشركين أى موالاة أو قرب ،
ولا دخل لنا فى عبادتهم لغيرك .
ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه فى الدنيا فقالوا: ﴿بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم
بهم مؤمنون ﴾.
أى : إن هؤلاء المشركين لا علم لنا بأنهم كانوا يعبدوننا ، ونبرأ من ذلك إن كانوا قد
عبدونا ، وهم إنما كانوا يعبدون فى الدنيا ( الجن﴾ أى الشياطين، وكان أكثر هؤلاء المشركين -
يؤمنون بعبادة الشياطين ، ويطيعونهم فيما يأمرونهم به ، أو ينهونهم عنه .
فقوله - تعالى - ﴿بل كانوا يعبدون الجن ﴾ إضراب انتقالى ، لبيان السبب فى شرك
هؤلاء المشركين ، وتصريح بمن كانوا يعبدونهم فى الدنيا .
قال الجمل : فإن قيل جميعهم كانوا متابعين للشياطين ، فما وجه قوله - تعالى -
أكثرهم بهم مؤمنون﴾ فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بالجن ولم يطعهم ؟
فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإِحاطة بهم ، فقالوا
أكثرهم ، لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعيدون الجن ، ولعل فى الوجود من لم
يطلع الله الملائكة على حاله من الكفار .
الثانى : هو أن العبادة عمل ظاهر ، والإِيمان عمل باطن ، فقالوا : بل كانوا يعبدون الجن
لاطلاعهم على أعمالهم ، وقالوا : أكثرهم بهم مؤمنون عند عمل القلب ، لئلا يكونوا مدعين
اطلاعهم على مافى القلوب ، فإن القلب لا يطلع على مافيه إلا الله (٢).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الملك فى يوم الحساب له وحده فقال : ﴿ فاليوم لا يملك
بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ﴾ .
أى : فاليوم لا يملك أحد من المعبودين أن ينفع أحدا من العابدين ، أو أن يضره ، بل الذى
يملك كل ذلك هو الله - تعالى - وحده .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٨٧ .
(٢) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤٧٨.

٣٠٢
المجلد الحادى عشر
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن مرد النفع والضر فى هذا اليوم إلى الله - تعالى -
وحده ، فالعابدون لا يملكون شيئا ، والمعبودون كذلك لا يملكون شيئا .
ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها تكذبون ﴾ أى : ونقول فى هذا
اليوم الهائل الشديد للذين ظلموا أنفسهم وظلموا الحق بعبادتهم لغيرنا ، نقول لهم ﴿ ذوقوا ﴾
فظاعة وشدة عذاب النار التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا ، وتتكرون أن يكون هناك بعث أو
حساب أو ثواب أو عقاب .
ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من أقوال هؤلاء المشركين فى شأن
النبى - * - وفى شأن القرآن الكريم، وتهددهم بسوء المصير إذا استمروا فى طغيانهم
وجهلهم فتقول :
وَإِذَانُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتْنَتِّنَاتٍ
قَالُواْمَا هَذَا إِلََّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَا كَانَ يَعْبُدُءَبَا ؤُكُمْ
وَقَالُواْ مَا هَذَآ إِلَّ إِفٌْ تُفْتَرَىَّ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلِلْحَتِّ لَمَا
جَآءَ هُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌمُبِينٌ ، وَ مَءَانَيْنَهُمْ مِنْ كُتُبٍ
وَكَذَّبَ
(٤٤
يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ (
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَابَغُواْ مِعْشَارَ مَآءَ انَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْرُ سُلِيٍّ
فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
٤٥
وقوله: ﴿ تتلى﴾ من التلاوة، وهى قراءة الشىء بتدبر وتفهم.
أى: وإذا ما تليت آياتنا الدالة دلالة واضحة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى صدق
رسولنا - * - فيما يبلغه عنا .
قالوا ماهذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ﴾ أى: قالوا على سبيل
الإنكار والاستهزاء ، ما هذا التالى لتلك الآيات إلا رجل يريد أن يمنعكم عن عبادة الآلهة التى
كان يعبدها آباؤكم الأقدمون .

٣٠٣
سورة سبأ
ويعنون بقولهم ((ما هذا إلارجل)): الرسول - ◌َّله - ويقصدون بالإِشارة إليه،
الاستخفاف به ، والتحقير من شأنه - الاخ - .
وقالوا: ﴿ يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾ لإثارة حمية الجاهلية فيهم فكأنهم
يقولون لهم : احذروا اتباع هذا الرجل ، لأنه يريد أن يجعلكم من أتباعه ، وأن يقطع الروابط
التى تربط بينكم وبين آبائكم الذين أنتم قطعة منهم .
ولم يكتفوا بالتشكيك فى صدق الرسول - روسيا - بل أضافوا إلى ذلك التكذيب للقرآن
الكريم ، ويحكى - سبحانه - ذلك فيقول: ﴿ وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى ﴾.
أى: وقالوا فى شأن القرآن الكريم: ما هذا الذى يتلوه محمد - مصر - علينا، إلا
إفك ﴾ أى: كلام مصروف عن وجهه ، وكذب فى ذاته ﴿مفترى﴾ أى: مختلق على
الله - تعالى - من حيث نسبته إليه .
فقوله ﴿ مفترى﴾ صفة أخرى وصفوا بها القرآن الكريم ، فكأنهم يقولون - قبحهم
الله - ماهذا القرآن إلا كذب فى نفسه، ونسبته إلى الله - تعالى - ليست صحيحة .
ثم أضافوا إلى تكذيبهم للرسول - وَ﴿ - وللقرآن ، تكذيبا عاما لكل ما جاءهم به
الرسول من حق ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ وقال الذين كفروا للحق لما
جاءهم ، إن هذا إلا سحر مبين ﴾ .
أى : وقال الكافرون فى شأن كل حق جاءهم به الرسول - صل - : ما هذا الذى جئتنا
به إلا سحر واضح .
وهكذا نراهم - لعنادهم وجهلهم - قد كذبوا الرسول - وَ ل18 - وكذبوا القرآن . وكذبوا
كل توجيه قويم، وإرشاد حكيم، أرشدهم إليه - ◌َلجر - إذ اسم الإشارة الأول يعود إلى
الرسول - 09 - والثانى يعود إلى القرآن، والثالث يعود إلى تعاليم الإسلام كلها .
ثم بين - سبحانه - أن أقوالهم هذه لا تستند إلى دليل أو ما يشبه الدليل ، وإنما هم
يهرفون بما لا يعرفون ، فقال - تعالى -: ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم
قبلك من نذير ﴾ .
أى : أن هؤلاء الذين قالوا ما قالوا من باطل وزور، لم نأتهم بکتب يدرسونها ويقرءونها
ليعرفوا منها أن الشرك حق ، فيكون لهم عذرهم فى ((التمسك به، وكذلك لم نرسل إليهم
قبلك - أيها الرسول الكريم - نذيرا يدعوهم إلى عبادة الأصنام ، ويخوفهم من ترك عبادتها .
وما دام الأمر كذلك ، فمن أين أتوا بهذا التصميم على شركهم ، وبهذا الإِنكار للحق الذى

٣٠٤
المجلد الحادى عشر
جاءهم ؟ إن أمرهم هذا لهو فى غاية الغرابة والعجب .
فالمقصود من الآية الكريمة تجهيلهم والتهكم بهم ، ونفى أن يكون عندهم حتى ما يشبه
الدليل على صحة ما هم فيه من شرك .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به
يشركون﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ﴾.
ثم بين لهم - سبحانه - بعد ذلك هوان أمرهم . وتفاهة شأنهم بالنسبة لمن سبقوهم ،
فقال: ﴿ وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم ، فكذبوا رسلى ، فكيف كان
نكير ﴾ .
والمعشار بمعنى العشر وهو لغة فيه . تقول : عندى عشر دينار ومعشار دينار ، قال
أبو حيان : والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير
المرباع . ومعناهما : العشر والربع .. (١) .
والضمير فى قوله ﴿وما بلغوا﴾ يعود لكفار مكة، وقوله: ﴿ ما آتيناهم﴾ وفى قوله:
فكذبوا رسلى ﴾ يعود إلى الأمم السابقة .
والنكير : مصدر كالإِنكار، وهو من المصادر التى جاءت على وزن فعيل .
والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لتكذيب قومك لك ، فقد كذب الذين من
قبلهم من الأمم رسلهم ، وإن قومك لم يبلغوا من القوة والغنى والكثرة .. عشر ما كان عليه
سابقوهم ، ولكن لما كذب أولئك السابقون أنبياءهم ، أخذتهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم
جميعا .
والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ فكيف كان نكير ﴾ للتهويل . والجملة الكريمة معطوفة
على مقدر والمعنى : فحين تمادوا فى تكذيب رسلى ، جاءهم انكارى بالتدمير ، فكيف كان
إنكارى عليهم بالتدمير والاهلاك ؟ لقد كان شيئا هائلا فظيعا تركهم فى ديارهم جائمين كأن لم
يغنوا فيها ، فعلى قومك أن يحذروا من أن يصيبهم مثله .
وجعل - سبحانه - التدمير إنكارا ، تنزيلا للفعل منزلة القول ، كما فى قول بعضهم :
ونشتم بالأفعال لا بالتكلم .
ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله ﴿ وما بلغوا ﴾ يعود على الذين من قبلهم ، وفى قوله
آتيناهم ﴾ يعود إلى كفار مكة .
(١) تفسير البحر المحيط جـ ٧ ص ٢٩٠ .

٣٠٥
سورة سبأ
وقد رجح الامام الرازى هذا الرأى فقال ما ملخصه : قال المفسرون : معنى الآية : ما بلغ
هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين .. ثم إن اللّه أخذ هؤلاء المتقدمين ، دون أن تنفعهم
قوتهم ، لما كذبوا رسلهم ، فكيف حال هؤلاء الضعفاء - وهم قومك .
ثم قال - رحمه الله - : وعندى وجه آخر فى معنى الآية، وهو أن يقال : وكذب الذين من
قبلهم ، ومابلغوا معشار ما آتيناهم ، أى : الذين من قبلهم مابلغوا معشار ما آتينا قومك من
البيان والبرهان . وذلك لأن كتابك يامحمد أكمل من سائر الكتب .
فإذا كنت قد أنكرت على المتقدمين لما كذبوا رسلهم - مع أنهم لم يؤتوا معشار ما أوتى قومك
من البيان - ، فكيف لا أنكر على قومك بعد تكذيبهم لأوضح الكتب ، وأفصح الرسل .. (١)
ويبدو لنا أن المعنى الأول الذى عبر عنه الإمام الرازى بقوله : قال المفسرون ، هو الأرجح
لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ، لأنه يفيد التقليل من شأن مشركى مكة ، بالنسبة لمن
سبقهم من الأمم ، من ناحية القوة والغنى .
وفى القرآن الكريم آيات متعدده تؤيد هذا المعنى ، منها قوله - تعالى -: ﴿ أو لم يسيروا
فى الأرض ، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض
وعمروها أكثر مما عمروها ، وجاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا
أنفسهم يظلمون ﴾(٢) .
وبعد هذا الحديث عن أقوال المشركين فى شأن الرسول - 14 - وفى شأن القرآن .. وبعد
هذا الرد الملزم لهم، والمزهق لباطلهم . بعد كل ذلك لقن الله - تعالى - نبيه - رَبير - الحجج
القاطعة ، والأقوال الحكيمة ، التى تهدى إلى الرشد بأبلغ أسلوب ، وأصدق بيان ، فقال
- تعالى - :
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَنْ
تَقُومُو ◌ْلِلِّ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّثَنَفَكَّرُ واْمَا بِصَاحِبِكُمُ
مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّاَ نَذِيْرٌلَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(
٤٦
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٢٤ .
(٢) سورة الروم . الآية ٩ .

٣٠٦
المجلد الحادى عشر
قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى الَِّوَهُوَى
كُلِّ شَىْءٍ شَهِدٌ ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِ يَقْذِفُ بِالْقِّ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
٤٨
قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٥) قُلْ إِن ضَلَلْتُ
فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِيّ إِلَ رَبَّّ إِنَّهُ.
سَمِيعٌ قَرِيبٌ
وقوله - تعالى - ﴿ أعظكم ﴾ من الوعظ ، وهو تذكير الغير بالخير والبر بكلام مؤثر
رقيق يقال : وعظه يعظه وعظا وعظة ، إذا أمره بالطاعة ووصاه بها .
وقوله ﴿ بواحدة ﴾ صفة لموصوف محذوف.
والتقدير : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب فى شأنك وفى
شأن ماجئت به ، قل لهم : إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة ، أو بخصلة واحدة .
ثم فسر - سبحانه - هذه الكلمة بقوله : ﴿ أن تقوموا لله مثنى وفرادى﴾. والمراد
بالقيام هنا: التشمير عن ساعد الجد ، وتلقى ماجاءهم به الرسول - ◌َ - بقلب مفتوح .
وعقل واع ، ونفس خالية من التعصب والحقد والعكوف على التقليد .
و ﴿ مثنى وفرادى﴾ أى: متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، وهما منصوبان على
الحال .
ثم تتفكروا﴾ بعد ذلك فى أمر هذا الرسول - وَله - وفى أمر رسالته، وفى أمر ماجاء
به من عند ربه ، فعند ذلك ترون أنه على الحق ،وأنه قد جاءكم بما يسعدكم .
فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية وإنصاف فى أمر الرسول - وَله - ثم
يعرض كل واحد منهما حصيلة تفكيره على صاحبه ، وأن يفكر كل واحد منهم على انفراد -
أيضا فى شأن هذا الرسول ، من غير تعصب وهوى .
وقدم الاثنين فى القيام على المنفرد ، لأن تفكير الاثنين فى الأمور بإخلاص واجتهاد
وتقدير ، أجدى فى الوصول إلى الحق من تفكير الشخص الواحد ولم يأمرهم بأن يتفكروا فى
جماعة ، لأن العقلية الجماعية كثيرا ما تتبع الانفعال الطارىء ، وقلما تتريث فى الحكم على
الأمور .

٣٠٧
سورة سبأ
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : والمعنى : إنما أعظكم بواحدة
إن فعلتموها ، أصبتم الحق ، وتخلصتم من الباطل - ، وهى : أن تقوموا لوجه الله خالصا ،
متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، ﴿ ثم تتفكروا﴾ فى أمر محمد - وج ليل - وما جاء به.
أما الاثنان : فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، وينظران فيه
متصادقين متناصفين ، لا يميل بهما اتباع هوى ، ولا ينبض لهما عرق عصبية ، حتى يهجم بها
الفكر الصالح ، والنظر الصحيح على جادة الحق .
وكذلك الفرد : يفكر فى نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ، ويعرض فكره على عقله
وذهنه ، وما استقر عنده من عادات العقلاء ، ومجارى أحوالهم . والذى أوجب تفرقهم مثنى
وفرادى ، أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ، ويعمى البصائر ، ويمنع من الروية ، ويخلط
القول . ومع ذلك يقل الانصاف ويكثر الاعتساف : ويثور عجاج التعصب(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ كلام مستأنف جىء به لتنزيه ساحته
- وَل - عما افتراه عليه المفترون من كونه قد أصيب بالجنون .
أى : اجتمعوا اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ، ثم تفكروا بإخلاص وروية فترون بكل
تأكيد أن محمدا - وَله - ليس به شىءمن الجنون ، إنما هو أرجح الناس عقلا ، وأصدقهم
قولا ، وأفضلهم علما ، وأحسنهم عملا، وأزكاهم نفسا ، وأنقاهم قلبا ، وأجمعهم لكل كمال
يشرى .
وقوله - تعالى - ﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد﴾ بيان لوظيفته - وقوله : -
أى: ليس به - رَّ﴿ - من جنون، وإنما هو نذير لكم ، يحذركم ويخوفكم من العذاب الشديد
الذى سينزل بكم يوم القيامة ، إذا مابقيتم على شرككم وكفركم ، وهذا العذاب ليس بعيدا
عنكم .
قال الإِمام ابن كثير : قال الامام أحمد : حدثنا بشير بن المهاجر ، حدثنى عبد الله بن
بريدة عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله - وَلو - يوما فنادى ثلاث مرات فقال: ((أيها
الناس أتدرون مامثلى ومثلكم))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: ((إنما مثلى ومثلكم كمثل
قوم خافوا عدوا يأتيهم . فبعثوا رجلا يتراءى لهم ، فبينما هو كذلك أبصر العدو ، فأقبل
لينذرهم وخشى أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه ، فأهوى بثوبه وقال : أيها الناس أوتيتم .
أيها الناس أوتيتم ... ))
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٩٠ .
-

٣٠٨
المجلد الحادى عشر
وبهذا الاسناد قال رسول الله - وَ ل﴿ه -: بعثت أنا والساعة جميعا، إن كادت لتسبقنى))(١).
ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يصارحهم بأنه لا يريد منهم أجرا على دعوته إياهم
إلى ما يسعدهم فقال: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله، وهو على
كل شىء شهيد ﴾ .
أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم . بعد أن دعوتهم إلى التفكير الهادئ ، المتأنى فى
أمرك : إنى ماطلبت منكم أجرا على دعوتى إياكم إلى الحق والخير ، وإذا فرض وطلبت فهو
مردود عليكم . لأنى لا ألتمس أجرى إلا من الله - تعالى - وحده ، وهو - سبحانه - على
كل شىء شهيد ورقيب ، ولا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .
قال الآلوسى قوله : قل ماسألتكم من أجر ، أى : مهما سألتكم من نفع على تبليغ الرسالة
فهو لكم ﴾ والمراد نفى السؤال رأسا، كقولك لصاحبك إن أعطيتنى شيئا فخذه ، وأنت
تعلم أنه لم يعطك شيئا : فما شرطية . مفعول ﴿ سألتكم﴾ وقوله ﴿فهو لكم ﴾ الجواب -
وقيل هى موصولة ، والعائد محذوف ، ومن للبيان ودخلت الفاء فى الخبر لتضمنها معنى
الشرط. أى: الذى سألتكموه من الأجر فهو لكم، وثمرته تعود إليكم(٢) .
ثم أمره - سبحانه - للمرة الثالثة ، أن يبين لهم أنهم لا قدرة لهم على مجادلته أو محاربته ،
لأن الله - تعالى - قد سلحه بما ينصره عليهم فقال: ﴿قل إن ربى يقذف بالحق علام
الغيوب ﴾
وأصل القذف : الرمى بقوة وشدة والمراد به هنا : ما يوحيه الله - تعالى - على نبيه
- * - من قرآن وتوجيهات وإلهامات، والباء فى قوله ﴿بالحق ﴾ للسببية .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن ربى يلقى الوحى إلى وإلى أنبيائه ، بسبب الحق
الذى كلفهم بتبليغه إلى الناس ، وهو - سبحانه - وحده علام الغيوب .
٠
قال الجمل : ماملخصه قوله: ﴿يقذف بالحق ) يجوز أن يكون مفعوله محذوفا ، لأن
القذف فى الأصل الرمى ، وعبر به هنا عن الإلقاء . أى : يلقى الوحى إلى أنبيائه بالحق ،
أى : بسبب الحق ، أو متلبسا الحق .
ويجوز أن يكون التقدير: يقذف الباطل بالحق ، كما قال - تعالى - ﴿بل نقذف بالحق
على الباطل فيدمغه ﴾.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥١٣.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ١٥٥ .

٣٠٩
سورة سبأ
ويجوز أن يكون المعنى: قل إن ربى يقضى ويحكم بالحق، بتضمين ((يقذف )) معنى يقضى
ويحكم(١) .
ثم أمره - عز وجل - للمرة الرابعة أن يبين لهم أن باطلهم سيزول لا محالة وسينتهى أمره
انتهاء لن تقوم له بعد قائمة فقال - تعالى - ﴿ قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾
والإِبداء : هو فعل الأمر ابتداء . والإِعادة : فعله مرة أخرى ، ولا يخلو الحى منهما ،
فعدمهما كناية عن هلاكه . كما يقول : فلان لا يأكل ولا يشرب ، كناية عن هلاكه .
أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين ، لقد جاء الحق المتمثل فى دين الإِسلام الذى
أرسلنى به إليكم ربى ، ومادام الإسلام قد جاء ، فإن الباطل المتمثل فى الكفر الذى أنتم عليه ،
قد آن له أن يذهب وأن يزول ، وأن لا يبقى له إبداء أو إعادة ، فقد اندثر وأهيل عليه بالتراب
إلى غير رجعة .
ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة أن يصارحهم بأنه مسئول أمام الله عما يرشدهم إليه ،
وأنهم ليسوا مسئولين عن هدايته أو ضلاله ، فقال - تعالى - : ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل
على نفسى ، وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى .﴾
أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الإِرشاد والتنبيه ، إنى إن ضللت عن
الصراط المستقيم ، وعن اتباع الحق ، فإنما إثم ضلالى على نفسى وحدها لا عليكم ، وإن
اهتديت إلى طريق الحق والصواب ، فاهتدائى بسبب مايوحيه اللّه - تعالى - إلى من
توجيهات حكيمة ، وإرشادات قويمة، ﴿ إنه﴾ - سبحانه - ﴿سميع ﴾ لكل شىء
قريب ﴾ منى ومنكم .
وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة قد أمرت الرسول - وَل ◌ّ - خمس مرات ، أن يخاطب
المشركين بما يقطع عليهم كل طريق للتشكيك فى شأن دعوته ، وبما يوصلهم إلى طريق الهداية
والسعادة لو كانوا يعقلون :
وأخيرا نرى سورة ((سبأ)) تختتم بهذه الآيات ، التى تصور تصويرا مؤثرا ، حالة
الكافرين عندما يخرجون من قبورهم للبعث والحساب ، يعلوهم الهلع والفزع ، ويحال بينهم
وبين مايشتهون ، لأن توبتهم جاءت فى غير أوانها ... قال - تعالى - :
(١) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤٨٠.

٣١٠
المجلد الحادى عشر
وَلَوْتَرَىَ إِذْ فَزِعُواْ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُواْمِنْ
مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿﴿ وَقَالُوَاْءَامَتَّابِهِ، وَأَّى لَهُمُ التَّنَاؤُشُ مِنْ
مَكَانٍ بَعِيدٍ ، وَقَدْ كَفَرُواْبِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ
بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿ٌ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَايَشْتَهُونَ
كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاءِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شَِّ ◌ُرِيبٍ
٥٤
وجواب ﴿لو﴾ محذوف. وكذلك مفعول ﴿ترى﴾. والفزع: حالة من الخوف
والرعب تعترى الإِنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخيفه . والفوت : النجاة والمهرب .
وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب ، أو عند قبض
أرواحهم .
أى: ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين ، وقت خروجهم من قبورهم للحساب ،
وقد اعتراهم الفزع والهلع .. لرأيت شيئا هائلا ، وأمرا عظيما ...
وقوله ((﴿ فلا فوت﴾ أى: فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف بين يدى الله
- تعالى - للحساب ، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم ...
وقوله: ﴿وأخذوا من مكان قريب﴾ معطوف على ﴿فزعوا﴾ أى: فزعوا دون أن
ينفعهم هذا الفزع ، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئ من مكان قريب من موقف الحساب .
قال الآلوسى : والمراد بذكر قرب المكان ، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم
وبهلاكهم، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل - ... ))(١).
وقالوا آمنا به ﴾ أى: وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة:
آمنا بالله - تعالى - وبأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذى لا معبود بحق سواه ، وآمنا
بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله محمد - الزم - .
وقوله - سبحانه -: ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ بيان لعدم انتفاعهم بما قالوه
من إظهار الإِيمان فى هذا الوقت .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ١٥٧ .

٣١١
سورة سبأ
والتناوش : التناول . يقال : فلان ناش الشىء ينوشه نوشا إذا تناوله . ومنه قولهم :
تناوشوا بالرماح ، أى : تناول بعضهم بعضًا بها .
أى : لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين ، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإِيمان والتوبة
من الكفر ، وكان ذلك قريبًا منهم فى الدنيا فضيعوه ، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة
عن دار الدنيا التى هى محل قبول الإِيمان .
فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى طلب الخلاص بعد أن فات أوانه ، وأن هذا الطلب فى نهاية
الاستبعاد كما يدل عليه لفظ ﴿ أَنّ﴾.
قال صاحب الكشاف : والتناوش والتناول أخوان . إلا أن التناوش تناول سهل لشىء
قريب ...
وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أن ينفعهم إيمانهم فى هذا الوقت ، كما ينفع المؤمنين
إيمانهم فى الدنيا . مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشىء من غلوة - أى : من مكان
بعيد - ، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه ... )) (١) .
وقوله - سبحانه - ﴿ وقد كفروا به من قبل ﴾ أى : قالوا آمنا بأن يوم القيامة حق ،
والحال أنهم قد كفروا به من قبل فى الدنيا، عندما دعاهم إلى الإِيمان به رسول الله - الغاز - .
وقوله - تعالى -: ﴿ ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ﴾ بيان لما كانوا عليه فى الدنيا من
سفاهة فى القول ، وجرأة فى النطق بالباطل ، وفيما لا علم لهم به .
والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه : هو يقذف ويرجم بالغيب ، والجملة الكريمة
معطوفة على قوله : ﴿وقد كفروا به من قبل ﴾.
أى : لقد كفروا بهذا الدين فى الدنيا ، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها ، وبينها وبين
الحق والصدق مسافات بعيدة . فقد نسبوا إلى الله - تعالى - الولد والشريك ، ويقولون فى
الرسول - 18 - إنه ساحر ... ، وفى شأن البعث: إنه لا حقيقة له، وفى شأن القرآن: إنه
أساطير الأولين .
فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم ، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ساقط ، بينه وبين
الحقيقة مسافات بعيدة .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال: ﴿ وحيل
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٩٣ .

٣١٢
المجلد الحادى عشر
بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا فى شك مريب ﴾ .
وقوله ﴿ حيل) فعل مبنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع والحجز. تقول حال
الموج بينى وبين فلان . أى : منعنى من الوصول إليه ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وحال بينهما
الموج فكان من المغرقين ﴾ .
أى : وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة ﴿وبين ما يشتهون﴾ ويتمنون من
قبول إيمانهم فى هذا اليوم ، أو من العفو عنهم فى هذا اليوم ، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى
الدنيا .. حيل بينهم وبين كل ذلك ، ﴿ كما فعل بأشياعهم من قبل ﴾ أى : كما هو الحال
بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم فى الكفر .
إنهم كانوا﴾ جميعًا على نمط واحد ﴿ فى شك﴾ من أمر هذا الدين ﴿مريب﴾ أى:
موقع فى الريبة .
وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة ((سبأ)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا لوجهه ،
ونافعًا لعباده . والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الأحد ٢٨ من رمضان سنة ١٤٠٥ هـ
كتبه الفقير إلى عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
١٦ / ٦ / ١٩٨٥ م

تفسير
شُورَة فَاطِ

٣١٥
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة فاطر هى السورة الخامسة والثلاثون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد
سورة الفرقان - كما ذكر صاحب الإتقان (١).
وهى من السور المكية الخالصة، وتسمى أيضا - بسورة ((الملائكة)).
قال القرطبى: هى مكية فى قول الجميع . وهى خمس وأربعون آية(٢).
٢ - سورة فاطر هى آخر السور التى افتتحت بقوله - تعالى -: ﴿الحمد للّه) وقد
سبقها فى هذا الافتتاح سور: الفاتحة ، والأنعام ، والكهف ، وسبأ .
قال - سبحانه - فى افتتاح سورة فاطر: ﴿ الحمد لله فاطر السموات والأرض ، جاعل
الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، يزيد فى الخلق ما يشاء إن الله على كل شىء
قدير ﴾ .
٣ - ثم تحدث - سبحانه - بعد ذلك عن مظاهر نعمه على عباده ورحمته بهم ، فقال :
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وهو العزيز
الحكيم ... ﴾ .
٤ - ثم توجه السورة الكريمة نداءين إلى الناس ، تأمرهم فى أولهما بشكر الله - تعالى -
على نعمه ، وتنهاهم فى ثانيهما عن الاغترار بزينة الحياة الدنيا وعن اتباع خطوات الشيطان ..
قال - سبحانه -: ﴿ يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم ، هل من خالق غير الله
يرزقكم من السماء والأرض .. ﴾. وقال - جل شأنه -: ﴿يأيها الناس إن وعد الله حق ،
فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾.
(١) الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ السيوطى.
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٣١٨.

٣١٦
المجلد الحادى عشر
٥ - وبعد أن تسلى السورة الكريمة الرسول - صل18 - عما أصابه من أعدائه ، تأخذ فى
بيان مظاهر قدرة الله - تعالى - فى خلقه ، فتذكر قدرته - سبحانه - فى إرسال الرياح
والسحب ، وفى خلقه للإِنسان من تراب ، وفى إيجاده للبحرين : أحدهما عذب فرات سائغ
شرابه ، والثانى : ملح أجاج ، وفى إدخاله الليل فى النهار ، والنهار فى الليل ، وفى تسخيره
الشمس والقمر ..
قال - تعالى -: ﴿وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ،
ومن كل تأكلون لحما طريا ، وتستخرجون حلية تلبسونها ، وترى الفلك فيه مواخر ، لتبتغوا
من فضله ولعلكم تشكرون . يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ، وسخر الشمس
والقمر كل يجرى لأجل مسمى ، ذلكم الله ربكم له الملك ، والذين تدعون من دونه ما يملكون
من قطمير﴾ .
٦ - ثم وجه - سبحانه - نداء ثالثا إلى الناس ، بين لهم فيه : افتقارهم اليه - تعالى -
وحاجتهم إلى عونه وعطائه ، وتحمل كل إنسان لمسئولياته ولنتائج أعماله ..
كما بين لهم - سبحانه - أن الفرق بين الهدى والضلال ، كالفرق بين الإِبصار والعمى ،
وبين النور والظلمات ، وبين الحياة والموت ، وبين الظل والحرور .
قال - تعالى -: ﴿ وما يستوى الأعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا
الحرور . وما يستوى الأحياء ولا الأموات ، إن الله يسمع من يشاء ، وما أنت بمسمع من فى
القبور ﴾ .
٧ - ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته
بعباده ، وعن الثواب العظيم الذى أعده - سبحانه - لمن يتلون كتابه ولمن يحافظون على
فرائضه - وعن عقابه الأليم للكافرين الجاحدين لنعمه ..
قال - تعالى -: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به ثمرات مختلفا
ألوانها ، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ، وغرابيب سود . ومن الناس والدواب
والأنعام مختلف ألوانه كذلك ، إنما يخشى الله من عباده العلماء ، إن الله عزيز غفور. إن الذين
يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ، يرجون تجارة لن تبور﴾.
ثم قال - سبحانه -: ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم، لا يقضى عليهم فيموتوا ولا
يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزى كل كفور ﴾ .
٨ - ثم انتقلت السورة الكريمة فى أواخرها إلى الحديث عن جهالات المشركين ، حيث
عبدوا من دون الله - تعالى - مالا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، وعن مكرهم السيئ الذى لا يحيق

٣١٧
مقدمة
إلا بأهله ، وعن نقضهم لعهودهم حيث ﴿ أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن
أهدى من إحدى الأمم ، فلما جاءهم نذير مازادهم إلا نفورا .. ﴾ .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان سعة رحمته بالناس فقال: ﴿ولو يؤاخذ الله
الناس بماكسبوا ، ما ترك على ظهرها من دابة ، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ، فإذا جاء
أجلهم فإن اللّه كان بعباده بصيرا﴾ .
٩ - وهكذا نرى سورة فاطر قد طوفت بالنفس الإنسانية فى أرجاء هذا الكون ، وأقامت
الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته . عن طريق نعم الله - تعالى - المبثوثة فى الأرض
وفى السماء ، وفى الليل وفى النهار، وفى الشمس وفى القمر : وفى الرياح وفى السحب ، وفى البر
وفى البحر .. وفى غير ذلك من النعم التى سخرها - سبحانه - لعباده .
كما نراها قد حددت وظيفة الرسول - * - وساقت له مايسليه ويزيده ثباتا على ثباته ،
وما يرشد كل عاقل إلى حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة : مدينة نصر - الثلاثاء ٨ من شوال سنة ١٤٠٥ هـ .
١٩٨٥/٦/٢٥ م

٣١٨
المجلد الحادى عشر
التفسير
قال الله تعالى :
بـ
◌ِاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَانَبِكَةِ رُسُلَا أُوْلِىّ
أَجْنِحَةٍ مَّثْتَ وَ ثُلَثَ وَرُبَعَ يَزِيٌ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءِ إِنَّاللَّهَ كُلِ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِنَ لَهَا
وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنُ بَعْدِهِ، وَهُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ما يَأَيُها
النَّاسُ أَذْكُرُ وَأْنِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُّكُمْ
مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
٣
افتتحت سورة (( فاطر)) كما سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لسورة ((سبأ)) بتقرير الحقيقة
الأولى فى كل دين ، وهى أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل ، هو اللّه رب العالمين.
والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة وغيرها .
و((أل)) فى الحمد للاستغراق . بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء هو
الله - تعالى -(١).
وقوله: ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ أى خالقهما وموجدهما على غير مثال يحتذى، إذ
المراد بالفطر هنا : الابتداء والاختراع للشىء الذى لم يوجد مايشبهه من قبل .
(١) راجع تفسيرنا لأوائل سور: الفاتحة - الأنعام - الكهف - سبأ .

٣١٩
سورة فاطر
قال القرطبى : والفاطر : الخالق ، والفَطْر - بفتح الفاء - : الشق عن الشىء . يقال :
فطرته فانفطر . ومنه : فطر ناب البعير ، أى : طلع . وتفطر الشىء ، أى : تشقق ...
والفطر : الابتداء والاختراع . قال ابن عباس : كنت لا أدرى ما ﴿ فاطر السموات
والأرض﴾ حتى أتى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أى: أنا ابتدأتها ..
والمراد بذكر السموات والأرض : العالم كله . ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء ، قادر
على الإِعادة (١) .
والمعنى : الحمد المطلق والثناء التام الكامل الله - تعالى - وحده ، فهو - سبحانه -
الخالق السموات والأرض ، ولهذا الكون بأسره ، دون أن يسبقه إلى ذلك سابق ، أو يشاركه
فيما خلق وأوجد مشارك .
وقوله - تعالى -: ﴿ جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ بيان لمظهر
آخر من مظاهر قدرته - تعالى - التى لا يعجزها شىء .
والملائكة : جمع ملك . والتاء التأنيث الجمع ، وأصله ملاك . وهم جند من خلق الله
- تعال - وقد وصفهم - سبحانه - بصفات متعددة ، منها : أنهم ﴿ يسبحون الليل والنهار لا
يفترون﴾ وأنهم ﴿ عباد مكرمون﴾. ﴿لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون
ما يؤمرون ﴾
قال الجمل : وقوله : جاعل الملائكة ، أى : بعضهم . إذ ليس كلهم رسلا كما هو معلوم .
وقوله: ﴿ أولى أجنحة﴾ نعت لقوله ﴿رسلا﴾، وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا. أو هو
نعت للملائكة ، وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة، فهى صفة كاشفة .. (٢).
وقوله : ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ أسماء معدول بها عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة
أربعة ، وهى ممنوعة من الصرف ، للوصفية والعدل عن المكرر وهى صفة لأجنحة .
أى : الحمد لله الذى خلق السموات والأرض بقدرته، والذى جعل الملائكة رسلا إلى
أنبيائه . وإلى من يشاء من عباده ، ليبلغوهم ما يأمرهم - سبحانه - بتبليغه إليهم ..
وهؤلاء الملائكة المكرمون ، ذوو أجنحة عديدة . منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ،
ومنهم من له أربعة ، ومنهم من له أكثر من ذلك ، لأنه المراد بهذا الوصف ، بيان كثرة الأجنحة
لاحصرها .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٣١٩ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٤٨٣ .

٣٢٠
المجلد الحادى عشر
قال الألوسى ما ملخصه قوله : ﴿ جاعل الملائكة رسلا .... ﴾ معناه: جاعل الملائكة
وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده ، يبلغون إليهم رسالته بالوحى والإِلهام والرؤيا
الصادقة ، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه ، كالأمطار
والرياح وغيرهما .
وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع﴾ معناه: أن من الملائكة من له جناحان ومنهم من له
ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، ولا دلالة فى الآية على نفى الزائد ، وماذكر من عد للدلالة على
التكثير والتفاوت ، لا للتعيين ولا لنفى النقصان عن اثنين ..
فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود فى قوله - تعالى - ﴿ لقد رأى من آيات ربه
الكبرى﴾ أن الرسول - ﴿ - رأى جبريل وله ستمائة جناح .. (١).
وقوله - تعالى -: ﴿يزيد فى الخلق ما يشاء ) استئناف® مقرر لمضمون ما قبله، من
كمال قدرته ، ونفاذ إرادته .
أى يزيد - سبحانه - فى خلق كل ما يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التى لا يحيط
بها الوصف ، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء ، وكذلك ينقص فى الخلق ما يشاء ،
والكل جاء على مقتضى الحكمة والتدبير .
قال صاحب الكشاف : قوله ﴿ يزيد فى الخلق ما يشاء﴾ أى: يزيد فى خلق الأجنحة،
وفى غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته .
والآية مطلقة تتناول كل زيادة فى الخلق : من طول قامة ، واعتدال صورة ، وتمام الأعضاء ،
وقوة فى البطش ، وحصافة فى العقل ، وجزالة فى الرأى ، وجرأة فى القلب ، وسماحة فى
النفس ، وذلاقة فى اللسان ، ولباقة فى التكلم ، وحسن تأن فى مزاولة الأمور ، وما أشبه ذلك
مما لا يحيط به الوصف .. (٢) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿إن اللّه على كل شىء قدير﴾ أى: إن الله
- تعالى - لا يعجزه شيء يريده ، لأنه قدير على فعل كل شىء ، فالجملة الكريمة تعليل لما
قبلها من كونه - سبحانه - يزيد فى الخلق ما يشاء ، وينقص منه ما يشاء .
وقوله - تعالى -: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ... ) بيان لمظهر آخر
من مظاهر قدرته وفضله على عباده .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ١٦١ .
( ٢ ) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٩٥ .