Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة سبأ
السدود ، فتصدعت ، واجتاحت المياه أراضيهم فأفسدتها ، واكتسحت مساكنهم ، فتفرقوا
عنها ، ومزقوا شر ممزق ، وضربت بهم الأمثال التى منها قولهم : تفرقوا أيدى سبأ . وهو مثل
يضرب لمن تفرق شملهم تفرقا لا اجتماع لهم معه .
وهذا ما حدث لقبيلة سبأ ، فقد تفرق بعضهم إلى المدينة المنورة كالأوس والخزرج ، وذهب
بعضهم إلى عمان كالأزد ، وذهب بعضهم إلى الشام كقبيلة غسان .
وقوله : ﴿ذواتى أكل خمط﴾ الأكل: هو الثمر، ومنه قوله - تعالى - : ﴿ فآتت
أكلها ضعفين﴾ أى: ثمرها. والخمط: هو ثمر الأراك أو هو النبت المر الذى لا يمكن أكله.
و ( الأثل ) هو نوع من الشجر يشبه شجر الطرفاء . أو هو نوع من الشجر كثير الشوك
و( السدر) هو ما يعرف بالنبق . أو هو نوع من الثمار التى يقل الانتفاع بها.
والمعنى : فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا ... فكانت نتيجة ذلك ، أن أرسلنا عليهم
السيل الجارف ، الذى اجتاح أراضيهم ، فأفسد مزارعهم ، وأجلاهم عن ديارهم ، ومزقهم شر
ممزق .. وبدلناهم بالجنان اليانعة التى كانوا يعيشون فيها ، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها
الطيبة اللذيذة ، وحلت محلها ثمار مرة لا تؤكل ، وتناثرت فى أماكنهم الأشجار التى لا تسمن
ولا تغنى من جوع ، بدلا من تلك الأشجار التى كانت تحمل لهم مالذ وطاب ، وعظم نفعه .
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن الجحود والبطر ، يؤديان إلى الخراب والدمار ، وإلى زوال
النعم وتحويلها إلى نقم .
ولذا جاء التعقيب بعد هذه الآية بقوله - تعالى - : ﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل
نجازى إلا الكفور ﴾ .
أى : ذلك الذى فعلناه بهم من تبديل جنتيهم ، بجنتين ذواتى أكل خمط .. هو الجزاء العادل
لهم بسبب جحودهم وترفهم وفسوقهم عن أمرنا .
وإننا من شأننا ومن سنتنا أننا لا نعاقب ولا نجازى هذا الجزاء الرادع الشديد ، إلا لمن
جحد نعمنا، وكفر بآياتنا، وآثر الغى على الرشد ، والعصيان على الطاعة .
فاسم الإشارة يعود إلى التبديل الذى تحدثت عنه الآية السابقة . وهو المفعول الثانى
لجزيناهم مقدم عليه . أى : جزيناهم ذلك التبديل لا غيره . والمراد بالجزاء هنا : العقاب.
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿وهل نجازى إلا الكفور﴾ بمعنى: وهل يعاقب .
وهو الوجه الصحيح . وليس لقائل أن يقول: لم قيل : وهل يجازى إلا الكفور، على
اختصاص الكفور بالجزاء ، والجزاء عام للمؤمن والكافر ، لأنه لم يرد الجزاء العام وإنما أريد

٢٨٢
المجلد الحادى عشر
الخاص وهو العقاب(١).
ثم بين - سبحانه - نقمة أخرى أصابتهم بسبب جهلهم وحمقهم ، وكيف أن هذه النقمة
قد حلت محل نعمة كانوا فيها ، فقال - تعالى -: ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا
فيها قرى ظاهرة ، وقدرنا فيها السير ، سيروا فيها ليالى وأياما آمنين ﴾ .
أى: وجعلنا - بقدرتنا ورحمنتنا بين أهل سبأ ﴿وبين القرى التي باركنا فيها ) كمكة فى
الجزيرة العربية ، وكبيت المقدس فى بلاد الشام ، جعلنا بينهم وبين تلك القرى المباركة ،
قرى ظاهرة﴾ أى: قرى متقاربة متواصلة، بحيث يرى من فى إحداها غيرها.
وقدرنا فيها السير ﴾ أى: وجعلنا زمن السير من قرية إلى أخرى مقدرا محددا ، بحيث
لا يتجاوز مدة معينة قد تكون نصف يوم أو أقل .
وقالوا : كان المسافر يخرج من قرية ، فيدخل الأخرى قبل حلول الظلام بها .
وقوله : ﴿ سيروا فيها ليالى وأياما آمنين) مقول القول محذوف. أى: وقلنا لهم: سيروا
فى تلك القرى المتقاربة العامرة بالخيرات ، والتى توصلكم إلى القرى المباركة .. سيروا فيها
ليالى وأياما آمنين من كل شر سواء سرتم بالليل أم بالنهار ، فإن الأمن فيها مستتب فى كل
الأوقات : وفى كل الأحوال .
فالآية الكريمة تحكى نعمة عظمى أخرى أنعم الله - تعالى - بها على أهل سبأ ، وهى نعمة
تيسير سبل السفر لهم إلى القرى المباركة ، وتهيئة الأمان والاطمئنان لهم خلال سفرهم ، وهى
نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من مارس الأسفار من مكان إلى آخر .
ولكنهم لم يقدروا هذه النعمة ، بل بلغ بهم الجهل والحمق والبطر ، أنهم دعوا
الله - تعالى - بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾.
أى : مع أننا بفضلنا وإحساننا قد أعطيناهم تلك النعمة ، ومكناهم منها ، وهى نعمة تيسير
وسائل السفر ، ومنحهم الأمان والاطمئنان خلاله .. إلا أنهم - لشؤمهم وضيق تفكيرهم
وشقائهم - تضرعوا إلينا وقالوا : ياربنا اجعل بيننا وبين القرى المباركة ، مفاوز وصحارى
متباعدة الأقطار ، بدل تلك القرى العامرة المتقاربة، فهم - كما يقول صاحب الكشاف - :
يطروا النعمة ، وبشموا . أى : سئموا - من طيب العيش ، وملوا العافية ، فطلبوا النكد
والتعب ، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم، مكان المن والسلوى(٢) .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٧٦ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٧٧ .

٢٨٣
سورة سبأ
وفى هذه الجملة الكريمة قراءات متعددة ذكرها القرطبى فقال ما ملخصه : فقراءة العامة
﴿ ربنا﴾ - بالنصب - على أنه نداء مضاف .. ﴿باعد) - بزنة فاعل - سألوا المباعدة
فى أسفارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ربنا﴾ كذلك على الدعاء ﴿بَعْد﴾ - بتشديد
العين - من التبعيد .
وقرأ يعقوب وغيره ﴿رَبُّنَا﴾ - بالرفع - ﴿باعَدَ﴾ - بفتح العين والدال - على
الخبر. أى: لقد باعد ربنا ﴿ بين أسفارنا﴾(١).
وقوله: ﴿وظلموا أنفسهم﴾ أى: قالوا ذلك القول السىء، وظلموا أنفسهم بسببه،
حيث أجيب دعاؤهم ، فكان نقمة عليهم ، لأنهم بعد أن كانوا يسافرون بيسر وأمان ، صاروا
يسافرون بمشقة وخوف .
وقوله: ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ بيان لما آل إليه أمرهم .
والأحاديث: جمع أحدوثة، وهى ما يتحدث به الناس على سبيل التلهى والتعجب أى: قالوا
ما قالوا من سوء وفعلوا ما فعلوا من منكر، فكانت نتيجة ذلك. أن صيرناهم أحاديث يتلهى
الناس بأخبارهم، ويضربون بهم المثل، فيقولون: تفرقوا أيدى سبأ، ومزقناهم كل ممزق فى
البلاد المتعددة، فمنهم من ذهب إلى الشام، ومنهم من ذهب إلى العراق ... بعد أن كانوا أمة
متحدة، يظلها الأمان والاطمئنان، والغنى والجاه ...
﴿إن فى ذلك﴾ الذى فعلناه بهم بسبب جهلهم وفسوقهم وبطرهم ﴿لآيات﴾ واضحات
بينات ﴿لكل صبار﴾ على طاعة الله - تعالى - ﴿شكور﴾ له - سبحانه- على نعمه.
وخص - سبحانه - الصبار والشكور بالذكر . لأنهما هما المنتفعان بآياته وعبره ومواعظه .
ثم بين - عز وجل - الأسباب التى أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال: ﴿ولقد صدق عليهم
إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين﴾.
ولفظ ﴿صدق) قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة، وقرأه البعض الآخر
بفتح الدال بدون تشديد. وقوله: ﴿ عليهم ﴾ متعلق بصدق.
وقوله ﴿ظنه﴾ مفعول به على قراءة التشديد، ومنصوب بنزع الخافض على القراءة
بالتخفيف ، وضمير الجمع فى ﴿ عليهم﴾ وفى ﴿ فاتبعوه﴾ يعود إلى قوم سبأ.
والمعنى على القراءة بالتشديد: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فى قدرته على إغوائهم، وحقق
ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله - تعالى - وشكره، فاتبعوا خطوات الشيطان،
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٢٩٠ .

٢٨٤
المجلد الحادى عشر
بسبب انغماسهم فى الفسوق والعصيان، إلا فريقا من المؤمنين، لم يستطع إبليس إغواءهم لأنهم
أخلصوا عبادتهم لخالقهم - عز وجل -، واستمسكوا بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها .
والمعنى على القراءة بالتخفيف: ولقد صدق إبليس فى ظنه أنه إذا أغواهم اتبعوه، لأنه بمجرد
أن زين لهم المعاصى أطاعوه، إلا فريقا من المؤمنين لم يطيعوه .
قال القرطبى ما ملخصه: وقوله: ﴿إلا فريقا من المؤمنين) نصب على الاستثناء وفيه
قولان: أحدهما: أنه يراد به بعض المؤمنين - فتكون من للتبعيض - ، لأن كثيرا من المؤمنين
يذنبون وينقادون لإِبليس فى بعض المعاصى. أى: ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق، وهو
المقصود بقوله - تعالى - : ﴿ إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ... ﴾.
والثانى: أن المراد بهم جميع المؤمنين، فعن ابن عباس أنه قال: هم المؤمنون كلهم .
وعلى هذا تكون ﴿من﴾ للبيان لا للتبعيض .. (١).
ثم بين - سبحانه - أن إغواء الشيطان لأهل سبأ ولأشباههم من بنى آدم، لم يكن عن قسر
وإكراه، وإنما كان عن اختيار منهم ليتميز الخبيث من الطيب فقال - تعالى - : ﴿وما كان له
عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك .. ﴾ .
والمراد بالسلطان هنا: التسلط بالقهر والغلبة والإكراه . والمراد بالعلم فى قوله - تعالى -
﴿ إلا لنعلم﴾ إظهار هذا العلم للناس ليتميز قوى الإيمان من غيره .
أى: وما كان لإِبليس عليهم من سلطان قاهر يجعلهم لا يملكون دفعه، وإنما كان له عليهم
الوسوسة التى يملكون صرفها ودفعها متى حسنت صلتهم بنا ، ونحن ما أبحنا لإبليس
الوسوسة لبنى آدم، إلا لنظهر فى عالم الواقع حال من يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب
وحساب، ولنميزه عمن هو منها فى شك وريب وإنكار ...
قال الشوكانى - رحمه الله -: والاستثناء فى قوله ﴿إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها
فى شك﴾ منقطع أى: لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم .
وقيل : هو متصل مفرغ من أعم العلل. أى: ما كان له عليهم من تسلط بحال من
الأحوال، ولا لعلة من العلل، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن، لأنه - سبحانه - قد علم
ذلك علما أزليا. وقال الفراء: إلا لنعلم ذلك عندكم. والأولى حمل العلم هنا على التمييز
والإِظهار(٢).
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٢٩٣ .
(٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٤ ص ٣٢٢ .

٢٨٥
سورة سبأ
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿وربك على كل شىء حفيظ﴾ أى: وربك -
أيها الرسول الكريم - على كل شىء رقيب وحفيظ، بحيث لا يخرج شىء عن حفظه وهيمنته
وعلمه وقدرته .
وهكذا نجد القرآن قد ساق لنا قصتين متعاقبتين، إحداهما تدل على أن طاعة الله - تعالى -
وشكره، وإخلاص العبادة له، وحسن الصلة به - سبحانه -، كل ذلك يؤدى إلى المزيد من
نعمه - تعالى -، كما حدث لداود وسليمان - عليهما السلام - .
وأما الثانية فتدل على أن الجحود والبطر والانغماس فى المعاصى والشهوات . كل ذلك يؤدى
إلى زوال النعم، كما حدث لقبيلة سبأ .
وصدق الله إذ يقول: ﴿لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى،
ولكن تصديق الذى بين يديه، وتفصيل كل شىء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾(١).
ثم نجد السورة الكريمة بعد ذلك، تلقن النبى - * - الحجج التى تؤيد ما هو عليه من
حق وصدق، وتزهق ما عليه أعداؤه من باطل وكذب .. فتقول:
قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُمْمِنِدُونِ
اَللَّهِ لَا يَمْلِ كُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِى
اُلْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرِ
(٢٢
وَلَا تَفَعُ الشَّقَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ
قُلُوبِهِمْقَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىّالْكَبِيرُ
◌َ قُلْ مَن يَرْ زُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِاللَّهٌ
٢٣
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴿ قُل
(١) سورة يوسف. الآية ١١١ .
،

٢٨٦
المجلد الحادى عشر
لَّا تُسْئَلُونَ عَمَّ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٥) قُلْ
يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُنَا ثُمَّ ◌َفْتَحُ بَيْنَنَابِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاِحُ الْعَلِمُ
﴿ قُلْ أَرُوِ الَّذِينَ الْحَقْتُمِهِ، شُرَكَاءَ كَلَّابَلْ هُوَ اللَّهُ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ @
والأمر بالدعاء فى قوله - سبحانه -: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله .. ﴾ للتوبيخ
والتعجيز. ومفعولا ﴿زعمتم﴾ محذوفان.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين على سبيل التقريع والتعجيز: هؤلاء
آلهتكم الذين زعمتموهم آلهة من دون الله، اطلبوا منهم أن ينفعوكم أو أن يرفعوا عنكم ضرا
نزل بكم، إنهم بالقطع لن يستطيعوا شيئا من ذلك .
ولذا جاء التأكيد على عجز هذه الآلهة المزعومة بعد ذلك فى قوله - تعالى -: ﴿ لا يملكون مثقال
ذرة فى السموات ولا فى الأرض .. ﴾ .
أى: هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئا ما قل أو كثر لا فى السموات ولا فى الأرض، بل الذى
يملك كل شىء، هو الله - تعالى - وحده .
فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان حال هذه الآلهة، وللكشف عن حقيقتها.
والتعبير بعدم ملكيتهم لمثقال ذرة ، المقصود به أنهم لا يملكون شيئا على الإطلاق، لأن مثقال
الذرة أقل ما يتصور فى الحقارة والقلة .
وذكر - سبحانه - السموات والأرض لقصد التعميم، إذ هما محل الموجودات الخارجية .
أى: لا يملكون شيئا ما فى هذا الكون العلوى والسفلى .
وبعد أن نفى عن الشركاء الملكية الخالصة لأى شىء فى هذا الكون، أتبع ذلك بنفى
ملكيتهم لشىء ولو على سبيل المشاركة، فقال - تعالى -: ﴿وما لهم فيهما من شرك وما له منهم
من ظهير ﴾ .
أى: أن هؤلاء الذين زعمتموهم شركاء لله - تعالى - فى العبادة، لا يملكون شيئا ما فى هذا
الكون ملكية خاصة، ولا يملكون شيئا ما - أيضا - على سبيل المشاركة لغيرهم. وليس لله -

٢٨٧
سورة سبأ
تعالى - أحد يعينه أو يظاهره فيما يريد من إيجاد أو إعدام، بل الأمر كله إليه وحده .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نفت عن تلك الآلهة المزعومة، ملكية أى شىء فى هذا
الكون، سواء أكانت ملكية خالصة، أم ملكية على سبيل المشاركة، وأثبتت أن المالك
والمتصرف فى هذا الكون إنما هو الله - تعالى - وحده، دون أن يكون فى حاجة إلى عون من
تلك الآلهة أو من غيرها .
ثم نفى - سبحانه - أن تكون هناك شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه - تعالى - فقال: ﴿ولا
تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ .
والشفاعة: من الشفع الذى هو ضد الوتر - أى: الفرد - ، ومعناها: انضمام الغير إلى
الشخص ليدفع عنه ما يمكن دفعه من ضر .
أى: ولا تنفع الشفاعة عند الله - تعالى - من أحد لأحد، إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى
ذلك .
قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد نفى شفاعة الأصنام لعابديها ، لكنه - سبحانه - ذكر ذلك
على وجه عام، ليكون طريقا برهانيا. أى: لا تنفع الشفاعة فى حال من الأحوال، أو كائنة لمن
كانت، إلا كائنة لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة.
ومن البين أنه لا يؤذن فى الشفاعة للكفار، فقد قال - تعالى -: ﴿لا يتكلمون إلا من أذن له
الرحمن وقال صوابا﴾ والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب، وعدم الإِذن للأصنام أبين وأبين،
فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية ... (١).
وقوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق .. ﴾ بيان لما يكون
عليه المنتظرون للشفاعة، من لهفة وقلق .
والتضعيف فى قوله ﴿ فُزِّع) للسلب. كما فى قولهم: مَرَّضت المريض إذا عملت على إزالة
مرضه .
فمعنى : ﴿ فزع عن قلوبهم): كشف الفزع عنها، وهدأت أحوالها بعد أن أصابها ما أصابها
من هول وخوف فى هذا اليوم الشديد، وهو يوم القيامة .
و ﴿ حتى﴾ غاية لما فهم من الكلام قبلها، من أن هناك تلهفا وترقبا من الراجين للشفاعة
ومن الشفعاء، إذ الكل منتظر بقلق لما يؤول إليه أمره من قبول الشفاعة أو عدم قبولها .
والمعنى: ولا تقبل الشفاعة يوم القيامة من أحد إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى ذلك، وفى.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ١٣٦.

٢٨٨
المجلد الحادى عشر
هذا اليوم الهائل الشديد، يقف الناس فى قلق ولهفة منتظرين قبول الشفاعة فيهم . حتى إذا
كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم، بسبب إذن الله - تعالى - فى قبولها ممن يشاء
ولمن يشاء، واستبشر الناس وقال بعضهم لبعض، أو قالوا للملائكة: ﴿ ماذا قال ربكم﴾ أى:
ماذا قال ربكم فى شأننا ومصيرنا .
وهنا تقول لهم الملائكة، أو يقول بعضهم لبعض: ﴿قالوا الحق﴾ أى: يقولون قال ربنا
القول الحق وهو الإِذن فى الشفاعة لمن ارتضى .
فلفظ ﴿ الحق) منصوب بفعل مضمر. أى: قالوا قال ربنا الحق أو صفة لموصوف
محذوف . أى: قالوا: قال ربنا القول الحق .
وهو ﴾ - سبحانه - ﴿العلى﴾ أى: المتفرد بالعلو فوق خلقه (الكبير) أى: المتفرد
بالكبرياء والعظمة .
قال صاحب الكشاف - رحمه الله -: فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿حتى إذا فزع عن
قلوبهم ﴾، ولأى شىء وقعت حتى غاية ؟ .
قلت: اتصل بما فهم من هذا الكلام، من أن ثم انتظارا للإذن، وتوقعا وتمهلا وفزعا من
الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم أولا ؟ وأنه لا يطلق الإِذن إلا بعد ملىٍّ من الزمان،
وطول التربص ...
كأنه قيل: ينتظرون ويتوقفون كليا فزعين وهلين، حتى إذا كشف الفزع عن قلوب
الشافعين والمشفوع لهم، بكلمة يتكلم بها رب العزة فى إطلاق الإذن : تباشروا بذلك وسأل
بعضهم بعضا ﴿ماذا قال ربكم، قالوا﴾ قال ﴿الحق) أى: القول الحق، وهو الإِذن
بالشفاعة لمن ارتضى .. (١).
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - ﴿ - أن يسألهم للمرة الثانية على سبيل التنبيه والتوبيخ،
من الذى يملك أن يرزقهم، فقال - سبحانه -: ﴿قل من يرزقكم من السموات
والأرض .. ﴾ .
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: من الذى يرزقكم من السماء بالمطر
وغيره، ويرزقكم من الأرض بالنباتات والمعادن وغير ذلك من المنافع .
وقوله - تعالى -: ﴿قل الله﴾ جواب على هذا السؤال، وهو جواب لا يملكون
إلا الاعتراف به .
(١) تفسير الكشاف جــ ٣ ص ٥٨٠.

٢٨٩
سورة سبأ
أى: قل لهم منبها ولافتا أنظارهم إلى ما هم فيه من جهل: الله وحده هو الذى يرزقكم بما
لا يحصى من الأرزاق التى بعضها من السموات، وبعضها من الأرض .
وقوله - سبحانه -: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين﴾ داخل فى حيز الأمر
السابق، ولكن بأسلوب فيه ما فيه من الحكمة والتلطف، ومن حمل المخاطب على التفكر
والتدبر حتى يعود إلى الرشد والصواب .
أى: وقل لهم - أيضا - أيها الرسول الكريم - لقد علمتم - يا معشر المشركين أن المستحق
للعبادة هو الله - تعالى - وحده، لأنه هو الذى خلقكم ورزقكم من السموات والأرض ...
وإن أحدنا لابد أن يكون على الهدى والآخر على الضلال . وسنترك تحديد من هو المهتدى
ومن هو الضال لعقولكم وضمائركم .
وستعلمون - علم اليقين - بعد التفكر والتدبر أننا نحن المسلمين على الحق، وأنتم يا معشر
المشركين على الباطل ..
فالجملة الكريمة لون من ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بأسلوب مهذب حكيم، من شأنه
أن يحمل القلوب النافرة عن الحق، إلى الاستسلام له، والدخول فيه ..
قال القرطبى: وقوله: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين﴾ هذا على وجه
الإِنصاف فى الحجة، كما يقول القائل لغيره: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق، وأن صاحبه
كاذب ، والمعنى: مانحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادين، وأحد الفريقين مهتد
وهو نحن، والآخر ضال وهو أنتم، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب .
والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالله الذى يرزقكم من السموات والأرض ... (١).
وقوله: ﴿ أو إياكم ﴾ معطوف على اسم إن، وخبرها هو المذكور. وحذف خبر الثاني للدلالة
عليه .
أى: وإنا لعلى هدى أو فى ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين .
ثم أتبع - سبحانه - هذا الكرم الحكيم فى الدعوة إلى الحق، بكلام لا يقل عنه حكمة
وبلاغة فقال: ﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾ أى: وقل لهم للمرة
الثالثة - أيها الرسول الكريم - أنتم - أيها المشركون - لا تسألون يوم القيامة عن إجرامنا فى
حق أنفسنا - إن كنا قد أجرمنا وأخطأنا فى حقها -، ونحن - أيضا - لا يسألنا الله - تعالى -
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٢٩٨ .

٢٩٠
المجلد الحادى عشر
عن سبب بقائكم فى الكفر وفى الأعمال السيئة، لأننا قد بلغناكم رسالة ربكم - عزوجل -،
ونصحناكم بالإِقلاع عن الشرك والمعاصى .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -، ﴿وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم، أنتم بريئون
مما أعمل، وأنا برىء مما تعملون﴾(١).
ثم أمره - سبحانه - أن يذكرهم بيوم القيامة وما فيه من حساب دقيق، فقال : ﴿ قل يجمع
بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم﴾ .
أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إن الله - تعالى - بقدرته سيجمعنا وإياكم يوم
القيامة، ثم يحكم بيننا جميعا بحكمه العادل، وهو - سبحانه - ﴿الفتاح العليم﴾ أى: الحاكم
فى كل أمر بالحكم الحق ، المطلع على جميع أحوال عباده .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بتوجيه رسوله - * - إلى أن يقول لهم قولا يخرس به
ألسنتهم، ويبطل حججهم فقال: ﴿ قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء﴾ والرؤية هنا بصرية.
ومفعولها الأول الياء، ومفعولها الثانى الاسم الموصول، ولفظ شركاء: حال .
أى: وقل لهم - أيضا - للمرة الخامسة على سبيل إلزامهم الحجة: أرونى وأطلعونى على
أصنامكم التى ألحقتموها بالله - تعالى - فى العبادة، واتخذتموها شركاء له فى الطاعة ... إنها ما
هى إلا أشياء لا تضر ولا تنفع، وأنتم تعرفون ذلك عنها، وها هى أمامكم واقعها وحالها ينبئِّ
بعجزها التام، فكيف أشركتموها مع الله - تعالى - فى العبادة والطاعة ؟
فالمقصود من الرؤية إشهادهم على عجزها، وتبكيتهم على جهالاتهم، وحضهم على نبذ
الشركاء، وإخلاص العبادة لله الواحد القهار .
ويحتمل أن تكون الرؤية هنا علمية، فيكون لفظ ﴿شركاء﴾ هو المفعول الثالث.
أى: عرفونى الأصنام والأوثان التى جعلتموها شركاء لله - تعالى - فى العبادة .
ثم زجرهم - سبحانه - عن هذا الضلال فقال: ﴿ كلا بل هو اللّه العزيز الحكيم﴾ أى:
كلا ليس الأمر كما زعمتم من أن الله - تعالى - شركاء، بل هو - سبحانه - العزيز الذى
لا يغلبه غالب، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله .
وهكذا نجد الآيات الكريمة قد لقنت النبى - * - الحجج التى يرد بها على المشركين،
والتى من شأنها أن تحملهم على اعتناق الحق، واجتناب الباطل، لو كانوا يعقلون .
(١) سورة يونس الآية ٤١ .

٢٩١
سورة سبأ
ثم بين - سبحانه - وظيفة الرسول - 3443 - ورد على شبهات المشركين فقال:
وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ
بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٢٨٠
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْصَدِقِينَ
٢٩
قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍلَّا تَسْتَشْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾
٣٠
قال الآلوسى: المتبادر أن ﴿كافة﴾ حال من الناس، قدم ((إلا)) عليه للاهتمام؛ وأصله من
الكف بمعنى المنع، وأريد به العموم لما فيه من المنع من الخروج، واشتهر فى ذلك حتى قطع فيه
النظر عن معنى المنع بالكلية . فمعنى جاء الناس كافة: جاءوا جميعا ..
قال ابن عباس: أرسل الله - تعالى - محمدا - ومؤ إلى العرب والعجم، فأكرمهم على
الله - تعالى - أطوعهم له .... (١).
أى: وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا إلى الناس جميعا، لتبشر المؤمن منهم بحسن
الثواب، وتنذر من أعرض عن الحق الذى جئت به بسوء العقاب . ﴿ولكن أكثر الناس
لا يعلمون﴾ هذه الحقيقة، وهى عموم رسالتك وكونك بشيرا ونذيرا.
﴿ ويقولون﴾ أى: المشركون على سبيل الاستهزاء بما جئتهم به ﴿متى هذا الوعد﴾
الذى تعدنا به وهو قيام الساعة، وما فيها من حساب وثواب وعقاب .
أخبرونا عنه - أيها المؤمنون - ﴿ إن كنتم صادقين﴾ فيما تحدثوننا عنه، وفيما تدعوننا إليه
من إيمان .
وهنا أمر الله تعالى - رسوله - وَ لة - أن يرد عليهم ردا فيه كل معانى التهديد والوعيد
فقال: ﴿ قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون﴾ و﴿ ميعاد﴾ يجوز أن
يكون مصدرا مرادا به الوعد، وأن يكون اسم زمان، والإِضافة للبيان .
والمراد بالساعة الوقت الذى هو فى غاية القلة . وليس ما اصطلح عليه الناس من كونها
ستين دقيقة .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ١٤١ .

٢٩٢
المجلد الحادى عشر
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تتعجلوا - أيها الكافرون - ما أخبرتكم عنه من
أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، ومن أن العاقبة الطيبة ستكون لنا لا لكم ؛ فإن لكم ميقاتا
محددا، وموعدا معلوما، عندما يأذن الله - تعالى - بحلوله وبانتهاء حياتكم ويبعثكم ...
﴿لا تستأخرون عنه ساعة﴾ من الزمان ﴿ولا تستقدمون﴾ عنه ساعة كما قال -
تعالى -: ﴿إن أجل اللّه إذا جاء لا يؤخر لوكنتم تعلمون﴾(١).
وكما قال - سبحانه -: ﴿وما تؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لاتكلم نفس إلا بإذنه،
فمنهم شقى وسعيد﴾(٢).
ثم حكى - سبحانه - بعض الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى شأن القرآن الكريم،
وصور أحوالهم السيئة يوم العرض والحساب، وكيف أن كل فريق منهم صار يلقى التبعة على
غيره، قال - تعالى - :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلاَ
بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيَّهِ وَلَوْتَرَىَ إِذِالظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ
رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ
أُسْتُضْعِقُوْلِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْلَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّامُؤْمِنِينَ
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْلِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ
عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَ كُرُ بَلْ كُمْ تُجُرِمِينَ ، وَقَالَ الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُواْلِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِإِذْ
تَأْمُرُ ونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُواْالنَّدَامَةَ
لَمَّارَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا اُلْأَعْلَلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواً
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلََّ مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ
٣٣
(١) سورة نوح الآية ٤ .
( ٢ ) سورة هود الآيتان ١٠٤ - ١٠٥.

٢٩٣
سورة سبأ
والمراد بالذى بين يديه فى قوله - تعالى -: ﴿وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا
بالذى بين يديه .. ﴾: الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل .
قالوا: وذلك لأن المشركين سألوا بعض أهل الكتاب، عن الرسول - وَل * - فأخبروهم
بأن صفاته فى التوراة والإنجيل ، فغضبوا وقالوا ما قالوا .. (١).
أى: وقال الذين كفروا بإصرار وعناد وجحود لكل ما هو حق: قالوا لن نؤمن بهذا القرآن
الذى جئت به يا محمد - * - من عند ربك، ولا نؤمن - أيضا - بالكتب السماوية الأخرى
التى تؤيد أنك رسول من عند الله - تعالى - فالآية الكريمة تحكى ما جبل عليه هؤلاء الكافرون
من تصميم على الباطل، ومن نبذ للحق مهما تعددت مصادره .
قال الإِمام الرازى: لما بين - سبحانه - الأمور الثلاثة ، من التوحيد والرسالة والحشر ،
وكانوا بالكل كافرين، بين كفرهم العام بقوله : ﴿ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ،
ولا بالذى بين يديه) وقوله: ﴿ولا بالذى بين يديه﴾ المشهور أنه التوراة والإنجيل، وعلى
هذا فالمراد بالذين كفروا ، المشركون المنكرون للنبوات والحشر .
ويحتمل أن يكون المعنى : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بما فيه من الأخبار والآيات والدلائل
فيكون المراد بالذى بين يديه ما اشتمل عليه من أخبار وأحكام - ويكون المراد بالذين كفروا
عموم الكافرين بما فيهم أهل الكتاب لأن الجميع لا يؤمن بالقرآن ولا بما اشتمل عليه (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ، يرجع بعضهم إلى بعض
القول) بيان لأحوالهم السيئة يوم القيامة، ولإصرارهم على الكفر .
و﴿ لو﴾ شرطية، وجوابها محذوف كما أن مفعول ﴿ترى﴾ محذوف أيضا
و﴿ موقوفون﴾ أى محبوسون للحساب يوم القيامة.
يقال : وقفت الرجل عن فعل هذا الشىء ، إذا منعته وحجزته عن فعله .
أى: ولو ترى - أيها المخاطب - حال الظالمين وقت احتباسهم عند ربهم يوم القيامة، وهم
يتحاورون ويتجادلون فيما بينهم بالأقوال السيئة وكل فريق ، يلقى التبعة على غيره .
لو ترى ذلك لرأيت أمرا عجيبا ، وحالا فظيعة ، تنفطر لها القلوب ، وترتعد من هولها
النفوس .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ١٤٤ .
( ٢) تفسير الفخر الرازى - بتصرف وتلخيص جـ ٧ ص ١٨.

٢٩٤
المجلد الحادى عشر
والتعبير بقوله - سبحانه -: ﴿ موقوفون ﴾ يشعر بذلتهم وبؤسهم ، فهم محبوسون
للحساب على غير إرادة منهم ، كما يحبس المجرم فى سجنه انتظارا لمصيره السى .
وقوله : ﴿ عند ربهم ﴾ تبكيت وتوبيخ لهم، على ما كانوا يفعلونه فى الدنيا من إنكار
لليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وحساب .
وقوله - سبحانه -: ﴿ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا ، لولا أنتم لكنا
مؤمنين ﴾ تفصيل لجانب من محاوراتهم فيما بينهم ، ولما كانوا يراجعون فيه القول بعضهم مع
بعض .
والمراد بالذين استضعفوا : الأتباع والعامة من الناس ، والمراد بالذين استكبروا : الزعماء
والقادة والرؤساء .
أى: يقول الأتباع من الكافرين لقادتهم ورؤسائهم بغيظ وحسرة : لولا أنتم منعتمونا عن
اتباع الحق لكنا مؤمنين به، ومتبعين لما جاء به الرسول - اَل - .
إنهم يقولون لهم فى موقف الحساب يوم القيامة ، ما كانوا عاجزين عن قوله فى الدنيا .
عندما كانوا مستذلين لهم ، وخاضعين لسلطانهم .
وهنا يرد الزعماء باستنكار وضيق، ويحكى ذلك القرآن فيقول: ﴿ قال الذين استكبروا
للذين استضعفوا ﴾ على سبيل التوبيخ والتقريع ﴿ أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ
جاءكم﴾ كلا ، إننا ما فعلنا ذلك ، ولسنا نحن الذين حلنا بينكم وبين اتباع الحق .
﴿بل﴾ أنتم الذين ﴿ كنتم مجرمين﴾ فى حق أنفسكم، حيث اتبعتمونا باختياركم ،
ورضيتم عن طواعية منكم أن تتبعوا غيركم بدون تفكر أو تدبر للأمور .
ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء ، بل حكى القرآن للمرة الثانية ردهم
عليهم فقال: ﴿ وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا ﴾ فى الرد عليهم بحسرة وألم:
﴿ بل مكر الليل والنهار﴾ أى قالوا لهم أنتم لستم صادقين فى قولكم لنا: إنكم لم تصدونا عن
اتباع الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا الليل والنهار وإغراءكم لنا بالبقاء على الكفر .
وتهديدكم إيانا بالقتل أو التعذيب إذا ما خالفناكم ، وأمركم لنا بأن نكفر بالله - تعالى -
ونجعل له أندادا ، أى شركاء فى العبادة والطاعة . كل ذلك هو الذى حال بيننا وبين اتباع
الحق الذى جاءنا به الرسول - اَل - .
والمكر : هو الاحتيال والخديعة . يقال مكر فلان بفلان ، إذا خدعه وأراد به شرا .
وهو هنا فاعل لفعل محذوف والتقدير : بل الذى صدنا عن الإِيمان مكركم بنا فى الليل

٢٩٥
سورة سبأ
والنهار ، فحذف المضاف إليه وأقيم مقامه الظرف اتساعا .
وقوله: ﴿ إذ تأمروننا .. ﴾ ظرف للمكر. أى: بل مكركم الدائم بنا وقت أمركم لنا بأن
نكفر بالله ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من دونه - تعالى - هو الذى حال بيننا وبين اتباع
الحق والهدى .
قال الجمل: وقوله ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ يجوز رفع ﴿مكر﴾ من ثلاثة أوجه:
أحدها : على الفاعلية بتقدير : بل صدنا مكركم فى هذين الوقتين ، الثانى ان يكون مبتدأ
خبره محذوف . أى : مكر الليل صدنا عن اتباع الحق . الثالث : العكس ، أى : سبب كفرنا
مكركم . وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإِسناد المجازى كقولهم : ليل ماكر ، فيكون
مصدرا مضافا لمرفوعه وإما على الاتساع فى الظرف ، فجعل كالمفعول به فيكون مضافا
لمنصوبه (١) .
والضمير المرفوع فى قوله - سبحانه - : ﴿وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ يعود إلى
الأتباع والزعماء . وأسروا من الإِسرار بمعنى الكتمان والإِخفاء .
أى: وأضمر الذين استضعفوا والمستكبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا العذاب المعد لهم
جميعا ، وذلك لأنهم بهتوا وشدهوا حين عاينوه ، ودفنت الكلمات فى صدورهم فلم يتمكنوا من
النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذى يجعل الشفاه لا تتحرك ، والألسنة لا تنطق .
فالمقصود من إسرار الندامة : بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون النطق به لفظاعة
ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم .
وقيل إن ﴿ أسروا الندامة ) بمعنى أظهروها : لأن لفظ أسر من الأضداد.
قال الآلوسى ما ملخصه : ﴿وأسروا ﴾ أى: أضمر الظالمون من الفريقين ﴿الندامة
على ما كان منهم فى الدنيا .. ﴿ لما رأو العذاب﴾ لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على
النطق .
وقيل: أسروا الندامة. بمعنى أظهروها، فإن لفظ ((أسر)» من الأضداد ، إذ الهمزة تصلح
للإِثبات والسلب ، فمعنى أسره: جعله سره، أو أزال سره .. (٢).
ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب بسبب كفرهم فقال: ﴿وجعلنا الأغلال فى
أعناق الذين كفروا ، هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٤٧٥.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ١٤٦.

٢٩٦
المجلد الحادى عشر
والأغلال . جمع غل وهى القيود التى يقيد بها المجرمون .
أى : وجعلنا القيود فى أعناق الذين كفروا جميعا ، سواء منهم من كان تابعا أم متبوعا . وما
جزيناهم بهذا الجزاء المهين الأليم ، إلا بسبب أعمالهم السيئة . وأقوالهم القبيحة .
وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور لنا تصويرا مؤثرا بديعا ، ما يكون عليه الكافرون يوم
القيامة من حسرة وندم ، ومن عداوة وبغضاء ، ومن تهم يلقيها كل فريق على الآخر ، بدون
احترام من المستضعفين لزعمائهم الذين كانوا يذلونهم فى الدنيا ، بعد أن سقطت وزالت الهيبة
الزائفة التى كان الزعماء يحيطون بها أنفسهم فى الحياة الدنيا ، وأصبح الجميع يوم الحساب فى
الذلة سواء ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا؟
ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من الأقوال الزائفة ، التى كان المترفون يتذرعون
بها للبقاء على كفرهم ، ومن الإجابات التى لقنها - سبحانه - لنبيه - چ - لکی يخرس بها
ألسنتهم ، ويزيل بها شبهاتهم قال - تعالى - :
وَمَآ أَرْسَلْنَافِ قَرْبَةٍ
مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّ بِمَا أُرْسِلْتُعِهِ، كَفِرُونَ
٣٤
وَقَالُواْ فَحْنُ أَكْثَرْ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (
٣٥
قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّأَكْثَرَالنَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ ﴾ وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْ لَدُكُم بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْعِندَنَا
زُلْفَى إِلَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ
بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ ﴿٦) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي
ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ لَّاقُلْ
إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُوَمَآ
أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِنَ
٣٩

٢٩٧
سورة سبأ
قال صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله - تعالى - : ﴿وما أرسلنا فى قرية من نذير إلا
قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ... ﴾: هذه تسلية لرسول الله - رَّلف * - مما منى به من
قومه من التكذيب والكفر بما جاء به ، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد ، والتكبر بذلك على
المؤمنين .. وأنه - سبحانه - لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير ، إلا قالوا له مثل ما قال
أهل مكة لرسول الله - ◌َا﴾ - .(١) .
والمعنى : وما أرسلنا فى قرية، من القرى ﴿من نذير﴾ ينذر أهلها بسوء العاقبة إذا
ما استمروا على كفرهم وضلالهم . ﴿ إلا قال مترفوها﴾ أى: إلا قال أغنياؤها ورؤساؤها
وجبابرتها المتسعون فى النعم فيها ، لمن جاءوا لإِنذارهم وهدايتهم إلى الحق .
إنا بما أرسلتم به ﴾ من الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - ﴿كافرون﴾ وبما نحن عليه
من شرك وتقليد للآباء مؤمنون .
فالآية الكريمة تحكى موقف المترفين فى كل أمة ، من الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ، وأن
هؤلاء المترفين فى كل زمان ومكان ، كانوا أعداء للأنبياء والمصلحين ، لأن الترف من شأنه أن
يفسد الفطرة ، ويبعث على الغرور والتطاول ، ويحول بين الإِنسان وبين التمسك بالفضائل
والقيم العليا ، وبهدى إلى الانغماس فى الرذائل والشهوات الدنيا .
ثم يحكى القرآن الكريم أن هؤلاء المترفين لم يكتفوا بإعلان كفرهم ، وتكذيبهم للأنبياء
والمصلحين ، بل أضافوا إلى ذلك التبجح والتعالى على المؤمنين . فقال - تعالى - :
وقالوا﴾ أى المترفون الذين أبطرتهم النعمة للمؤمنين الفقراء ﴿نحن أكثر أموالا
وأولادا﴾ منكم - أيها المؤمنون - ، إذ أموالنا أكثر من أموالكم، وأولادنا أكثر من
أولادكم ، ولولا أننا أفضل عند الله منكم ، لما أعطانا . مالا يعطيكم ...
فنحن نعيش حياتنا فى أمان واطمئنان ﴿ وما نحن بمعذبين ) بشىء من العذاب الذى
تعدوننا به لا فى الدنيا ولا فى الآخرة .
قال الامام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : افتخر المترفون - بكثرة الأموال والأولاد ،
واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم ، واعتنائه بهم ، وأنه ما كان ليعطيهم هذا فى الدنيا ،
ثم يعذبهم فى الآخرة ، وهيهات لهم ذلك. قال - تعالى - : ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا
أولادهم ، إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾(٢).
(٢)
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٨٥ .
( ٢ ) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٠٩ .

٢٩٨
المجلد الحادى عشر
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - وَل﴾ - أن يصحح لهؤلاء المترفين خطأهم، وأن يكشف لهم
عن جهلهم ، وأن يبين لهم أن مسألة الغنى والفقر بيد الله - تعالى - وحده ، وأن الثواب
والعقاب لا يخضعان للغنى أو للفقر ، وإنما يتبعان الإِيمان أو الكفر، فقال - تعالى - ﴿قل إن
ربى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
وبسط الرزق : سعته وكثرته . وتقديره : تقليله وتضبيقه .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين ﴿ إن ربى﴾ وحده هو الذى
يبسط الرزق لمن يشاء﴾ أن يبسطه له ﴿ويقدر﴾ أى: ويقتر الرزق ويضيقه على من
يشاء أن يضيقه عليه . والأمر فى كلتا الحالتين مرده إلى الله - تعالى - وحده ، على حسب ما
تقتضيه حكمته فى خلقه .
وربما يوسع رزق العاصى ويضيق رزق المطيع . أو العكس ، وربما يوسع على شخص فى
وقت ويضيق عليه فى وقت آخر ، ولا ينقاس على ذلك أمر الثواب والعقاب ، لأن مناطهما
الطاعة وعدمها .
﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ هذه الحقيقة التى اقتضتها حكمة الله - تعالى -
وإرادته ، فزعموا أن بسط الرزق دليل الشرف والكرامة ، وأن ضيق الرزق دليل الهوان
والذل ، ولم يدركوا - لجهلهم وانطماس بصائرهم - أن بسط الرزق قد يكون للاستدراج ،
وأن تضييقه قد يكون للابتلاء والاختبار، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .
ثم زاد - سبحانه - هذه القضية توضيحا وتبيينا فقال: ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتى
تقربكم عندنا زلفى ﴾ .
الزلفى : مصدر كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من معنى العامل . أى ليست كثرة
أموالكم ، ولا كثرة أولادكم بالتى من شأنها أن تقربكم إلينا قربى ، لأن هذه الكثرة ليست
دليل محبة منا لكم ، ولا تكريم منا لكم ، وإنما الذى يقربكم منا هو الإِيمان والعمل الصالح .
كما وضح - سبحانه - هذه الحقيقة فى قوله بعد ذلك: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحا
فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفات آمنون ﴾ .
أى : ليس الأمر كما زعمتم - أيها المترفون - من أن كثرة الأموال والأولاد ستنجيكم من
العذاب ، ولكن الحق والصدق أن الذى ينجيكم من ذلك ويقربكم منا ، هو الإِيمان والعمل
الصالح . فهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله - تعالى - الجزاء الحسن
المضاعف ، وهم فى غرفات الجنات آمنون مطمئنون .

٢٩٩
سورة سبأ
قال الشوكانى ما ملخصه : قوله: ﴿إلا من آمن وعمل صالحا ﴾ هو استثناء منقطع
فيكون محله النصب . أى: لكن من آمن وعمل صالحا .. والإِشارة بقوله: ﴿ فأولئك﴾ إلى
﴿ مَنْ﴾ والجمع باعتبار المعنى. وهو مبتدأ. وخبره ﴿لهم جزاء الضعف ﴾ أى: فأولئك
يجازبهم الله الضعف ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول . أو فألئك لهم الجزاء المضاعف فيكون
من إضافة الموصوف إلى الصفة .. (١) .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المصرين على كفرهم فقال: ﴿والذين يسعون فى آياتنا
معاجزين ، أولئك فى العذاب محضرون ﴾ .
أى : والذين يسعون فى إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، ﴿معاجزين
﴿ فى
أى : زاعمين سبقهم لنا ، وعدم قدرتنا عليهم ﴿ أولئك ﴾ الذين يفعلون ذلك
العذاب محضرون ﴾ أى : فى عذاب جهنم مخلدون، حيث تحضرهم ملائكة العذاب بدون شفقة
أو رحمة ، وتلقى بهم فيها .
وقوله - سبحانه -: ﴿ قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ﴾ تأكيد
وتقرير لتلك الحقيقة التى سبق الحديث عنها ، وهى أن التوسع والتضييق فى الرزق بيد الله -
تعالى - وحده .
والضمير فى قوله - تعالى - ﴿ له﴾ يعود إلى الشخص الموسع عليه أو المضيق عليه فى
رزقه . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المترفين على سبيل التأكيد وإزالة ما هم
عليه من جهل : إن ربى - عز وجل - يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ، ويضيق هذا الرزق
على من يشاء أن يضيقه منهم ، وليس فى ذلك ما يدل على السعادة أو الشقاوة ، لأن هذه
الأمور خاضعة لحكمته فى خلقه - سبحانه - .
﴿ وما أنفقتم﴾ أيها المؤمنون ﴿ من شىء﴾ فى سبيل الله - تعالى - وفى أوجه طاعته
فهو﴾ - سبحانه - ﴿ يخلفه﴾ أى: يعوضه لكم بما هو خير منه . يقال: فلان أخلف
لفلان وأخلف عليه ، إذا أعطاه العوض والبدل .
وهو خير الرازقين ﴾ أى : وهو - سبحانه - خير رازق لعباده لأن كل رزق يصل إلى
الناس إنما هو بتقديره وإرادته ، وقد جرت سنته - سبحانه - أن يزيد الأسخياء من فضله
وكرمه .
وفى الحديث الصحيح أن رسول الله - وَ لجر - قال: ((ما من يوم يصبح العباد فيه،
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٤ ص ٣٣٠.

٣٠٠
المجلد الحادى عشر
إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط
ممسكا تلفا .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت جانبا من شبهات المشركين ، ومن أقوالهم الباطلة ،
وردت عليهم بما يزهق باطلهم ، ويمحو شبهاتهم ، لكى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم .
ثم بين - سبحانه - حال أولئك المشركين يوم القيامة ، وكيف أن الملائكة يكذبونهم فى
مزاعمهم ، فقال - تعالى - :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ حَمِيعًا ثُمَّيَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِنَّاكُرْكَانُواْ
٠١١١٠//
يَعْبُدُونَ ﴿ قَالُواْسُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ آلْجِنَّأَ كْثَرُهُمْ بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ ﴿٦) فَالْيَوْمَ لَا يَعْلِكُ
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَاضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْذُوقُواْ عَذَابَ
النَّارِ الَّتِى كُمِ بِهَ تُكَذِّبُونَ
٤٢
أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ﴿يوم يحشرهم جميعا﴾ أى: يجمع الله -
سبحانه - الكافرين جميعا . الذين استضعفوا فى الدنيا والذين استكبروا .
ثم يقول﴾ - عز وجل - ﴿ للملائكة) على سبيل التبكيت والتقريع للمشركين
﴿ أهؤلاء﴾ الكافرون ﴿ كانوا إياكم يعبدون﴾ أى: أهؤلاء كانوا يعبدونكم فى الدنيا.
وأنتم رضيتم بذلك .
و﴿ هؤلاء﴾ مبتدأ، وخبره («كانوا يعبدون)) و( إياكم) مفعول يعبدون.
وتخصيص الملائكة بالخطاب مع أن من الكفار من كان يعبد الأصنام ، ومن كان يعبد
غيرها ، لأن المقصود من الخطاب حكاية ما يقوله الملائكة فى الرد عليهم .
قال صاحب الكشاف : هذا الكلام خطاب للملائكة . وتقريع للكفار وارد على المثل
السائر: إياك أعني واسمعى يا جارة، ونحوه قوله - تعالى - لعيسى: ﴿ أأنت قلت للناس
اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾ وقد علم - سبحانه - كون الملائكة وعيسى ، منزهين برآء
مما وجه عليهم من السؤال ، والغرض أن يقول ويقولوا ، ويسأل ويجيبوا ، فيكون التقريع