Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سورة الأحزاب ثم قال القرطبى : قلت : وهذه نعمة من الله - تعالى - على هذه الأمة من أكبر النعم ، ودليل على فضلها على سائر الأمم . وقد قال : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس والصلاة من اللّه على العبد هى رحمته له ، وبركته لديه. وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال - تعالى - : ﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾(١). وقوله: ﴿ ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ متعلق بقوله: ﴿يصلى﴾ أى: يرحمكم - سبحانه - برحمته الواسعة ، ويسخر ملائكته للدعاء لكم ، لكى يخرجكم بفضله ومنته ، من ظلمات الضلال والكفر إلى النور والهداية والإِيمان . · وكان﴾ - سبحانه - ومازال ﴿ بالمؤمنين رحيما﴾ رحمة عظيمة واسعة ، تشمل الدنيا والآخرة . أما رحمته لهم فى الدنيا فمن مظاهرها : هدايته إياهم إلى الصراط المستقيم . وأما رحمته - سبحانه - لهم فى الآخرة فمن مظاهرها : أنهم يأمنون من الفزع الأكبر . وفى صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -، أن رسول الله - خلال14 - رأى امرأة من السبى قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها وأرضعته فقال: ((أترون هذه تلقى ولدها فى النار وهى تقدر على ذلك ؟ قالوا: لا. قال: فوالله الله أرحم بعباده من هذه بولدها)». ثم بين - عز وجل - ما أعده للمؤمنين فى الآخرة فقال: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾. والتحية : أن يقول قائل للشخص : حياك الله ، أى : جعل لك حياة طيبة . وهذه التحية للمؤمنين فى الآخرة ، تشمل تحية الله - تعالى - لهم ، كما فى قوله - سبحانه -: ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾(٢). وتشمل تحية الملائكة لهم ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾(٣). كما تشمل تحية بعضهم لبعض كما فى قوله - عز وجل -: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴾(٤) . وتحيتهم فيها سلام ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٩٨ . ( ٢) سورة يس. الآية ٨٥ . (٣) سورة الرعد. الآية ٢٢، ٢٣ . (٤ ) سورة يونس. الآية ١٠ . ٢٢٢ المجلد الحادى عشر أى : تحية المؤمنين يوم يلقون الله - تعالى فى الآخرة ، أو عند قبض أرواحهم ، سلام وأمان لهم من كل ما يفزعهم أو يخيفهم أو يزعجهم .. ﴿ وأعد لهم) - سبحانه - يوم القيامة ﴿أجرا كريما) هو الجنة التى فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى النبى - * - حدد له فيه وظيفته ، وأمره بتبشير المؤمنين بما يسرهم ، ونهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين فقال : يَأَيُّهَا النَُِّّنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِبِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرً ، وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُم مِنَ اللَّهِ فَضْلًاَ كَبِيرًا ®) وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَئِهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا! ٤٨ وقوله : ﴿ومبشرا﴾ من التبشير، وهو الإخبار بالأمر السار لمن لا علم له بهذا الأمر. وقوله: ﴿ونذيرا﴾ من الإنذار، وهو الإخبار بالأمر المخيف لكى يجتنب ويحذر. والمعنى : يأيها النبى الكريم ﴿إنا أرسلناك﴾ إلى الناس ﴿شاهدا﴾ أى: شاهدا لمن آمن منهم بالإِيمان ، ولمن كفر منهم بالكفر ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما كاملا . ومبشرا﴾ أى: ومبشرا المؤمنين منهم برضا الله - تعالى - . ﴿ ونذيرا﴾ أى: ومنذرا للكافرين بسوء العاقبة، بسبب إعراضهم عن الحق الذى جئتهم به من عند الخالق - عز وجل - . وقدم - سبحانه - التبشير على الإِنذار ، تكريما للمؤمنين المبشرين ، وإشعارا بأن الأصل فى رسالته - ٣ - التبشير، فقد أرسله الله - تعالى - رحمة للعالمين. وقوله: ﴿وداعيا إلى الله بإذنه) أى: وأرسلناك - أيضا - داعيا للناس إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، وهذه الدعوة لهم منك كائنة بإذنه - سبحانه - وبأمره وبتيسيره . ٢٢٣ سورة الأحزاب فالتقييد بقوله ﴿بإذنه) لبيان أنه - * - لم يدع الناس إلى ما دعاهم إليه من وجوب إخلاص العبادة له - سبحانه - ، من تلقاء نفسه ، وإنما دعاهم إلى ذلك بأمر الله - تعالى - وإذنه ومشيئته ، وللإشارة إلى أن هذه الدعوة لا تؤتى ثمارها المرجوة منها إلا إذا صاحبها إذن الله - تعالى - للنفوس بقبولها . وقوله: ﴿وسراجا منيرا﴾ معطوف على ما قبله. والسراج: المصباح الذى يستضاء به فى الظلمات . أى : وأرسلناك - أيها الرسول الكريم - بالدين الحق ، لتكون كالسراج المنير الذى يهتدى به الضالون ، ويخرجون بسببه من الظلمات إلى النور . ووصف السراج بالإِنارة ، لأن من المصابيح ما لا يضىء إذا لم يوجد به ما يضيئه من زيت أو ما يشبهه . قال صاحب الكشاف: جلى الله - تعالى - بنبيه - 1 - ظلمات الشرك، فاهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به . أو أمد الله بنور نبوته نور البصائر ، كما يمد بنور السراج نور الأبصار . ووصفه بالإِنارة لأن من السراج ما لا يضىء إذا قل سليطه - أى : زيته - ودقت فتيلته .. (١) . وبعد أن وصف الله - تعالى - رسوله -* - بهذه الصفات الكريمة ، اتبع ذلك بأمره بتبشير المؤمنين برضا الله عنهم ، وبنهيه عن طاعة الكافرين ، فقال - تعالى -: ﴿وبشر المؤمنين ... ﴾ أى: انظر - أيها الرسول الكريم - إلى أحوال الناس وإلى موقفهم من دعوتك . وبشر المؤمنين منهم ﴿ بأن لهم من الله) - تعالى - ﴿ فضلا كبيرا﴾ أى: عطاء كبيرا ، وأجرا عظيما ، ومنزلة سامية بين الأمم . ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ فيا يشيرون به عليك من ترك الناس وما يعبدون، أو من عدم بيان ما هم عليه من باطل وجهل ، بل اثبت على ما أنت عليه من حق ، وامض فى تبليغ دعوتك دون أن تخشى أحدا إلا الله - تعالى - . ودع أذاهم ﴾ أى : ولا تبال بما ينزلونه بك من أذى ، بسبب دعوتك إياهم إلى ترك عبادة الأصنام والأوثان ، واصبر على ما يصيبك منهم حتى يحكم الله - تعالى - بحكمه العادل بينك وبينهم . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٤٧ . ٢٢٤ المجلد الحادى عشر وتوكل على الله﴾ فى كل أمورك ﴿وكفى باقه) - تعالى - ﴿وكيلا﴾ توكل إليه الأمور ، وترد إليه الشئون .. هذا ، ومن الأحاديث النبوية التى اشتملت على بعض المعانى التى اشتملت عليها هذه الآيات ، ما رواه الإمام البخارى والإِمام أحمد عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت له : أخبرنى عن صفة رسول الله -* - فى التوراة ؟ قال: والله إنه لموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن: ﴿ يأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ﴾ وحرزا للمؤمنين، أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل ، لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله - تعالى - حتى يقيم به الملة العوجاء، ويفتح به أعينا عميا ، وآذانا صا، وقلوبا غلفا(١) . ثم عادت السورة الكريمة - بعد هذا الحديث الجامع عن وظيفة الرسول -# - وعن فضله - إلى الحديث عن جانب من أحكام الزواج والطلاق ، فقال - تعالى - : يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَ طَلَّقْتُوُهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جميلًا (٦) والمراد بالنكاح هنا فى قوله ﴿إذا نكحتم ﴾ العقد ، لأن الحديث فى حكم المرأة التى تم طلاقها قبل الدخول بها . وهذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن كالكتابيات ، إلا أن الآية الكريمة خصت المؤمنات بالذكر ، للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا للنطفة . والعدة : هى الشىء المعدود . وعدة المرأة معناها : المدة التى بانقضائها يحل لها الزواج من شخص آخر ، غير الذى كان زوجا لها . والمعنى : يا من آمنتم باللّه - تعالى - حق الإيمان، ﴿إذا نكحتم المؤمنات ﴾ أى: إذا عقدتم عليهن عقد النكاح ، ولم يبق بينكم وبينهن سوى الدخول بهن . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٤٧ . ٢٢٥ سورة الأحزاب ﴿ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ أى: ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن. قال الألوسى : وفائدة المجىء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة ، إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق ، له دخل فى إيجاب العدة ، لاحتمال الملاقاة والجماع سرا .. (١). أى : أن الحكم الذى اشتملت عليه الآية الكريمة ، ثابت سواء تم الطلاق بعد عقد الزواج مباشرة ، أم بعده بمدة طويلة . وفى التعبير عن الجماع بالمس كناية لطيفة . من شأنها أن تربى فى الإِنسان حسن الأدب ، وسلامة التعبير ، وتجنب النطق بالألفاظ التى تخدش الحياء . وقوله : ﴿ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ جواب إذا ، وبيان للحكم المترتب على طلاق المرأة قبل الدخول بها . أى: إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فلا عدة عليهن ، بل من حقهن أن يتزوجن بغيركم ، بعد طلاقكم لهن بدون التقيد بأية مدة من الزمان . قال الجمل: وقوله: ﴿تعتدونها﴾ صفة لعدة . وتعتدونها تفتعلونها، إما عن العد ، وإما عن الاعتداد ، أى: تحسبونها أو تستوفون عددها ، من قولك : عد فلان الدراهم فاعتدها ، أى : فاستوفى عددها .. (٢). فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن المطلقة قبل الدخول بها لاعدة عليها إطلاقا بنص الكتاب وإجماع الأمة ، أما المطلقة بعد الدخول بها فعليها العدة إجماعا . وقوله - سبحانه - : ﴿ فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه ، بالنسبة لمن طلقت قبل الدخول بها . وأصل المتعة والمتاع، ما ينتفع به الإنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك . ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه ، لتنتفع به ، جبرا لخاطرها ، وتعويضا لها عما نالها بسبب هذا الفراق . وأصل التسريح : أن ترعى الإِبل السرح ، وهو شجر له ثمرة ، ثم أطلق على كل إرسال فى الرعى ، ثم على كل إرسال وإخراج . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٤٨ . : (٢) حاشية الجمل على الجلالين. جـ ٣ ص ٤٤٣. ٢٢٦ المجلد الحادى عشر والتسريح الجميل : هو الذى لا ضرر معه . وإنما معه الكلام الطيب ، والفعل الحسن . والمعنى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فأعطوهن من المال ما يجبر خاطرهن ، وما يكون عوضا عن فراقهن .. وأطلقوا سراحهن ليستأنفن حياة جديدة مع غيركم ، وساعدوهن على ذلك إن استطعتم ، فإن من شأن العقلاء أن يعاشروا أزواجهن بالمعروف ، وأن يفارقوهن - أيضا - بالمعروف . ومن العلماء من يرى أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل فى حال مفارقتها قبل الدخول بها ، لأن الآية الكريمة قد أمرت بذلك ، والأمر يقتضى الوجوب . وقد بينا ذلك بالتفصيل عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة البقرة: ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، ومتعوهن ، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ، وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف مافرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح ، وأن تعفوا أقرب للتقوى ، ولا تنسوا الفضل بينكم إن اللّه بما تعملون بصير﴾(١). والملاحظ أن الآية الكريمة التى معنا ، قد أضافت حكما جديدا ، وهو أنه لا عدة على المطلقة قبل الدخول بها . ومن مجموع هذه الآيات ، نرى أحكم التشريعات ، وأسمى التوجيهات . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله عليه . وتكريمه له حيث خصه بأمور تتعلق بالنكاح لم يخص بها أحدا غيره . فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا النَّبِىُِّنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْ وَجَكَ الَّتِىّءَاتَيْتَ أُجُورَهُربَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّأَنْ يَسْتَنْكِحَهَا (١) راجع تفسيرنا لسورة البقرة ص ٥٤٠ وما بعدها . ٢٢٧ سورة الأحزاب خَالِصَةٌ لََّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ قَدْ عَلِمْنَامَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيَ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلًا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمًا ٥٠ تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْدَكَ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَفَرَّأَ عْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآءَ انَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمَانَ لَّا يَحِلُ لَكَ الِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْئُهُنَّإِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكٌ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍرَّقِيبًا ٥٢ والمراد بالأجور فى قوله - سبحانه - : ﴿ يأيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن ... ﴾ المهور التى دفعها - مصر - لأزواجه . قال ابن كثير : يقول - تعالى - مخاطبا نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - بأن قد أحل له من النساء أزواجه اللائى أعطاهن مهورهن ، وهى الأجور هاهنا ، كما قاله مجاهد وغير واحد . وقد كان مهره - رَ له - لنسائه: اثنتى عشرة أوقية ونصف أوقيه . فالجميع خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبى سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشى - رحمه الله - بأربعمائة دينار ، وإلا صفية بنت حيى فإنه اصطفاها من سبى خيبر ، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها . وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية ، أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس وتزوجها . وفى قوله: ﴿ آتيت أجورهن﴾ إشارة إلى أن إعطاء المهر كاملا للمرأة دون إبقاء شىء منه ، هو الأكمل والأفضل ، وأن تأخير شىء منه إنما هو أمر مستحدث ، لم يكن معروفا عند السلف الصالح . ٢٢٨ المجلد الحادى عشر وأُطْلِقٍ على المهر أجْرٌ لمقابلته الاستمتاع الدائم بما يحل الاستمتاع به من الزوجة ، كما يقابل الأجر بالمنفعة . وقوله: ﴿ وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) بيان لنوع آخر مما أحله الله - تعالى - لنبيه- د - . والمعنى : يأيها النبى إنا أحللنا لك - بفضلنا - على سبيل التكريم والتشريف لك ، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك ، واللاتى أعطيتهن مهورهن - كعائشة وحفصة وغيرهما - ، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها . كما أحللنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللائى دخلن فى ملكك عن طريق الغنيمة فى الحرب ، كصفية بنت حيى بن أخطب ، وجويرية بنت الحارث . ثم بين - سبحانه - نوعا ثالثا أحله - سبحانه - له فقال: ﴿وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك أى : وأحللنا لك - أيضا - الزواج بالنساء اللائى تربطك بهن قرابة من جهة الأب ، أو قرابة من جهة الأم . وقوله ﴿ اللاتى هاجرن معك﴾ إشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر . والمراد بالمعية هنا . الاشتراك فى الهجرة . لا المصاحبة فيها ، لما فى قوله - تعالى - حكاية عن ملكة سبأ: ﴿ قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾. قال بعض العلماء : وقد جاء فى الآية الكريمة عدة قيود ، ما أريد بواحد منها إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة . منها : وصف النبى - * - باللاتى آتى أجورهن، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة ، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شىء . ومنها : أن تخصيص المملوكات بأن يكن من الفىء ، فإن المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى من الجلب ، لأن المملوكة عن طريق الغنيمة تكون معروفة الحال والنشأة . ومنها : قيد الهجرة فى قوله: ﴿ اللاتى هاجرن معك﴾، ولاشك أن من هاجرت مع النبى - * - أولى بشرف زوجية النبى - ◌َد - ممن عداها(١). (١) تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ٢٢ المرحوم الشيخ محمد على السايس. ٢٢٩ سورة الأحزاب ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من النساء، أحله لنبيه - * - فقال: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى ، إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ . والجملة الكريمة معطوفة على مفعول ﴿ أحللنا ﴾. وقد اشتملت هذه الجملة على شرطين ، الثانى منهما قيد للأول ، لأن هبتها نفسها له - ◌َ * - لا توجب حلها له إلا بقبوله الزواج منها . وقوله ﴿ يستنكحها ﴾ بمعنى ينحكها . يقال: نكح واستنكح ، بمعنى عجل واستعجل : ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح . وقوله : ﴿ خالصة﴾ منصوب على الحال من فاعل ﴿وهبت﴾ أى: حال كونها خالصة لك دون غيرك . أو نعت لمصدر مقدر. أى : هبة خالصة .. والمعنى وأحللنا لنا كذلك امرأة مؤمنة ، إن ملكتك نفسها بدون مهر وإن أنت قبلت ذلك عن طيب خاطر منك ، وهذا الإِحلال إنما هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين ، لأن غيرك من المؤمنين لا تحل لهم من وهبت نفسها لواحد منهم إلا بولى ومهر . وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له - وسل# - خولة بنت حكيم ، وأم شريك بنت جابر ، وليلى بنت الحطيم .. وقد اختلف العلماء فى كونه - وَطهو - قد تزوج بواحدة من هؤلاء الواهبات أنفسهن له أم لا . والأرجح أنه - وَل - لم يتزوج بواحدة منهن، وإنما زوجهن لغيره . ويشهد لذلك ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدى، أن رسول الله - 18 - جاءته امرأة فقالت : يارسول اللّه ، إنى قد وهبت نفسى لك. فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال: يارسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله - صل - : هل عندك من شىء تصدقها إياه ؟ فقال: ما عندى إلا إزارى هذا. فقال - * - : إن أغطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا . فقال : لا أجد شيئا . فقال : التمس ولو خاتما من حديد، فقام الرجل فلم يجد شيئا. فقال له النبى - * - : هل معك من القرآن شىء ؟ قال نعم. سورة كذا وسورة كذا - لسور يسميها - فقال له رسول الله - صل * - : زوجتكها بما معك من القرآن(١). (١) صحيح البخارى ((كتاب النكاح)) جـ ٧ ص ١٧ . ٢٣٠ المجلد الحادى عشر وإلى هنا يتضح لنا أن المقصود بالإِحلال فى الآية الكريمة : الإذن العام والتوسعة عليه - ية - فى الزواج من هذه الأصناف، والإِباحة له فى أن يختار منهن من تقتضى الحكمة الزواج منها ، واختصاصه - ﴿ - بأمور تتعلق بالنكاح ، لا تحل لأحد سواه . ولهذا قال - سبحانه - بعد ذلك : ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم فى أزواجهم وما ملكت أيمانهم .. ﴾ فإن هذه الجملة الكريمة معترضة ومقررة لمضمون ما قبلها ، من اختصاصه - * - بأمور فى النكاح لا تحل لغيره، كحل زواجه ممن تهبه نفسها بدون مهر، إن قبل ذلك العرض منها . أى : هذا الذى أحللناه لك - أيها الرسول الكريم - هو خاص بك ، أما بالنسبة لغيرك من المؤمنين فقد علمنا ما فرضناه عليهم فى حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه ، فلا يجوز لهم الإِخلال بهم ، كما لا يجوز لهم الاقتداء بك فيما خصك الله - تعالى - به ، على سبيل التوسعة عليك ، والتكريم لك ، فهم لا يجوز لهم التزوج إلا بعقد وشهود ومهر ، كما لا يجوز لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة . وعلمنا - أيضا - ما فرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم ، من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه ، لا ممن لا يجوز سبيه ، أو كان له عهد مع المسلمين . وقوله: ﴿لكى لا يكون عليك حرج﴾ متعلق بقوله: ﴿أحللنا﴾ وهو راجع إلى جميع ما ذكر ، فيكون المعنى : أحللنا من آتيت أجورهن من النساء ، والمملوكات ، والأقارب ، والواهبة نفسها لك ، لندفع عنك الضيق والحرج ، ولتتفرغ لتبليغ ما أمرناك بتبليغه . وقيل : إنه متعلق بخالصة ، أو بعاملها ، فيكون المعنى : خصصناك بنكاح من وهبت نفسها لك بدون مهر ، لكى لا يكون عليك حرج فى البحث عنه . ويرى بعضهم أنه متعلق بمحذوف ، أى : بينا لك ما بينا من أحكام خاصة بك ، حتى تخرج من الحرج ، وحتى يكون ما تفعله هو بوحى منا وليس من عند نفسك . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ أى: وكان الله - تعالى - ومازال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين . وقوله - عز وجل - ﴿ ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ﴾ شروع فى بيان جانب آخر من التوسعة التى وسعها - سبحانه - لنبيه - صل3 - فى معاشرته لنسائه ، بعد بيان ما أحله له من النساء . ٢٣١ سورة الأحزاب وقوله : ﴿ترجى﴾ من الإرجاء بمعنى التأخير والتنحية ، وقرئ مهموزا وغير مهموز. تقول : أرجيت الأمر وأرجأته ، إذا أخرته ، ونحيته جانبا حتى يحين موعده المناسب . وقوله: ﴿ وتؤوى) من الإيواء بمعنى الضم والتقريب، ومنه قوله - تعالى - : ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه .. ﴾ أى : ضمه إليه وقربه منه . والضمير فى قوله ﴿منهن﴾ يعود إلى زوجاته -# - اللاتى كن فى عصمته. قال القرطبى ما ملخصه : واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، وأصح ما قيل فيها : التوسعة على النبى - * - فى ترك القَسْم ، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته . وهذا القول هو الذى يناسب ما مضى ، وهو الذى ثبت معناه فى الصحيح ، عن عائشة - رضى اللّه عنها - قالت: كنت أغار على اللائى وهين أنفسهن لرسول الله - القر - وأقول : أو تهب المرأة نفسها لرجل ؟ فلما أنزل الله - تعالى - : ﴿ ترجى من تشاء منهن ... ﴾ . قالت : قلت : والله ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك . قال ابن العربى : هذا الذى ثبت فى الصحيح هو الذى ينبغى أن يعول عليه . والمعنى المراد : هو أن النبى - * - كان مخيرا فى أزواجه ، إن شاء أن يقسم قسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك . لكنه كان يقسم من جهة نفسه ، تطييبا لنفوس أزواجه . وقيل كان القسم واجبا عليه ثم نسخ الوجوب بهذه الآية . وقيل : الآية فى الطلاق . أى : تطلق من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء . وقيل : المراد بالآية : الواهبات أنفسهن له - * - . ثم قال القرطبى: وعلى كل معنى ، فالآية معناها التوسعة على رسول الله - # - والإباحة ، وما اخترناه أصح والله أعلم (١) . أى : لقد وسعنا عليك - أيها الرسول الكريم - فى معاشرة نسائك ، فأبحنا لك أن تؤخر المبيت عند من شئت منهن ، وأن تضم إليك من شئت منهن ، بدون التقيد بوجوب القسم بينهن ، كما هو الشأن بالنسبة لأتباعك حيث أوجبنا عليهم العدل بين الأزواج فى البيتوتة وما يشبهها . (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٢١٤ . ٢٣٢ المجلد الحادى عشر ومع هذا التكريم من الله - تعالى - لنبيه، إلا أنه - * - كان يقسم بينهن إلى أن لحق بربه ؟ عدا السيدة سودة ، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة .. أخرج البخارى عن عائشة رضى الله عنها - أن رسول الله - - * - كان يستأذن فى يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن .. فقيل لها : ما كنت تقولين ؟ فقالت : كنت أقول : إن كان ذاك إلىَّ فإنى لا أريد يارسول الله أن أوثر عليك أحدا(١). وقوله - تعالى -: ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾. زيادة فى التوسعة عليه -* - وفى ترك الأمر لإرادته واختياره . أى : أبحنا لك - أيها الرسول الكريم - أن تقسم بين نسائك ، وأن تترك القسمة بينهن ، وأبحنا لك - أيضا - أن تعود إلى طلب من اجتنبت مضاجعتها إذلا حرج عليك فى كل ذلك . بعد أن فوضنا الأمر إلى مشيئتك واختيارك . فالابتغاء بمعنى الطلب، وعزلت بمعنى اجتنبت واعتزلت وابتعدت، و﴿ من ﴾ شرطية ، وجوابها : ﴿ فلا جناح عليك﴾ أى: فلا حرج ولا إثم عليك فى عدم القسمة بين أزواجك ، وفى طلب إيواء من سبق لك أن اجتنبتها . قال الشوكانى : والحاصل أن الله - سبحانه - فوض الأمر إلى رسوله - # - کی يصنع مع زوجاته ما شاء ، من تقديم وتأخير ، وعزل وإمساك ، وضم من أرجأ ، وإرجاء من ضم إليه، وما شاء فى أمرهن فعل توسعة عليه، ونفيا للحرج عنه(٢). وإسم الإشارة فى قوله: ﴿ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ، ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن .. ﴾ يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من تفويض أمر الإرجاء والإيواء إلى النبى . - * - وأدنى بمعنى أقرب. و﴿ تقر أعينهن) كناية عن تقبل ما يفعله معهن برضا وارتياح نفس . يقال قرت عين فلان ، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته ، مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون .. وقوله: ﴿ولا يحزن﴾ معطوف على ﴿أن تقر﴾ وقوله ﴿ويرضين﴾ معطوف عليه - أيضا - . (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٣٧. (٢) تفسير فتح القدير جـ ٦ ص ٢٩٣. ٢٣٣ سورة الأحزاب والمعنى ، ذلك الذى شرعناه لك من تفويض الأمر اليك فى شأن أزواجك ، أقرب إلى رضا نفوسهن لما تصنعه معهن ، وأقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن ، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو بوحى من الله - تعالى - وليس باجتهاد منك ، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء سويت بينهن فى القسم والبيتوتة والمجامعة ... أم لم تسو . قال القرطبى : قال قتادة وغيره : أى : ذلك التخيير الذى خيرناك فى صحبتهن أدنى إلى رضاهن ، إذ كان من عندنا - لا من عندك - ، لأنهن إذا علمن أن الفعل من اللّه قرت أعينهن بذلك ورضين .. وكان - عليه الصلاة والسلام - مع هذا يشدد على نفسه فى رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ويقول: ((اللهم هذه قدرتى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك))(١). وقوله - سبحانه -: ﴿والله يعلم ما فى قلوبكم﴾ خطاب للنبى - وَّل - ولأزواجه، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع الذكور للتغليب . أى: والله - تعالى - يعلم ما فى قلوبكم من حب وبغض ، ومن ميل إلى شىء ، ومن عدم الميل إلى شىء آخر . قال صاحب الكشاف : وفى هذه الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله - تعالى - من ذلك ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافى بينهن ، والتوافق على طلب رضا رسول الله - وَل - وما فيه طيب نفسه(٢). ﴿ وكان الله) - تعالى - ﴿ عليها) بكل ما تظهره القلوب وما تسره ﴿ حليما﴾ حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة قبل الإِرشاد والتعليم . ثم كرم - سبحانه - أمهات المؤمنين بعد تكريمه لنبيه - بصل - فقال: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ... أى: لا يحل لك ، - أيها الرسول الكريم - أن تتزوج بنساء أخريات من بعد التسع اللائى فى عصمتك اليوم ، لأنهن قد اخترنك وآثرنك على زينة الحياة الدنيا ، ورضين عن طيب نفس أن يعيش معك وتحت رعايتك ، مهما كان فى حياتك معهن من شظف العيش ، والزهد فى متع الدنيا . (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٢١٦ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٥٢ . ٢٣٤ المجلد الحادى عشر وقوله : ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك ﴾ معطوف على ما قبله . أى: لا يحل لك الزواج بعد اليوم بغير من هن فى عصمتك ، كما لا يحل لك - أيضا - أن تطلق واحدة منهن وتتزوج بأخرى سواها ، حتى ولو أعجبك جمال من تريد زواجها من غير نسائك اللائى فى عصمتك عند نزول هذه الآية . فالآية الكريمة قد اشتملت على حكمين : أحدهما : حرمة الزواج بغير التسع اللائى كن فى عصمته عند نزولها . والثانى : حرمة تطليق واحدة منهن ، للزواج بأخرى بدلها . وقوله : ﴿ بعد ﴾ ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف اليه . أى: من بعد اليوم. أزواج﴾ مفعول به ، و﴿ من﴾ مزيدة لاستغراق الجنس. أى: ولا أن تبدل بهن أزواجا أخريات مهما كان شأن هؤلاء الأخريات . وجملة : ﴿ولو أعجبك حسنهن ﴾ فى موضع الحال من الفاعل وهو الضمير فى تبدل﴾. أى : لا يحل لك الزيادة عليهن، ولا أن تتبدل بهن أزواجا غيرهن فى أية حالة من الأحوال ، حتى ولو فى حال إعجابك بغيرهن ويصح أن تكون هذه الجملة شرطية ، وقد حذف جوابها لفهمه من الكلام ، ويكون المعنى : ولو أعجبك حسنهن لا يحل لك نكاحهن . وقوله : ﴿ إلا ما ملكت يمينك﴾ استثناء من هذا الحكم. أى: لا يحل لك الزيادة عليهن ، ولا استبدال غيرهن بهن ، ولكن يحل لك أن تضيف اليهن ما شئت من النساء اللائى تملكهن عن طريق السبى .. وهذا الذى سرنا عليه من أن الآية الكريمة فى شأن أزواجه - ليزر - هو الذى سار عليه جمهور المفسرين . قال ابن كثير : ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغيرهم - أن هذه الآية الكريمة نزلت مجازاة لأزواج النبى - وي ليه - ورضا الله عنهن على حسن صنيعهن، فى اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله - ليزر - كما تقدم، فلم) اخترن رسول اللّه، كان جزاؤهن أن قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن ، ولو أعجبه حسنهن ، إلا الإِماء والسرائر ، فلا حجر عليه فیھن . ثم إنه - سبحانه - رفع عنه الحجر فى ذلك ، ونسخ حكم هذه الآية ، وأباح له التزوج ، ولكنه لم يقع منه بعد ذلك زواج لغيرهن، لتكون المنة للرسول - 13 - عليهن . روى الإمام ٢٣٥ سورة الأحزاب أحمد عن عائشة قالت: مامات رسول الله - صل - حتى أحل الله له النساء (١). ومن العلماء من يرى أن قوله - تعالى - ﴿من بعد ﴾ المراد به: من بعد من أحللنا لك الزواج بهن ، وهن الأصناف الأربعة اللائى سبق الحديث عنهن فى قوله - تعالى - : ﴿ یأيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ، وبنات عمك وبنات عماتك .. ﴾ . وهذا الرأى الثانى وإن كان أشمل من سابقه ، إلا أننا نرجح أن الآية الكريمة مسوقة لتكريم أمهات المؤمنين اللائى اخترن الله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها . هذا، والنساء التسع اللائى حرم الله - تعالى - على نبيه - * - الزيادة عليهن، و الاستبدال بهن ، هن : عائشة بنت أبى بكر ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبى سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبى أمية ، وصفية بنت حيى بن أخطب ، وميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت جحش ، وجويرية بنت الحارث (١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿وكان الله على كل شىء رقيبا ﴾. أى: وكان الله - تعالى - ومازال ، مطلعا على كل شىء من أحوالكم - أيها الناس - فاحذروا أن تتجاوزوا ما حده اللّه - تعالى - لكم ، لأن هذا التجاوز يؤدى إلى عدم رضا الله - سبحانه - عنكم . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد ذكرت ألوانا متعددة من مظاهر تكريم الله - تعالى - لنبيه - وَ﴾ - ومن توسعته عليه فى شأن أزواجه، وفى شأن ما أحله له من عدم التقيد فى القَسْم بينهن ، وفى تقديم أو تأخير من شاء منهن .. كما أنها قد كرمت أمهات المؤمنين تكريما عظيما. لاختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها . ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من التشريعات الحكيمة ، والآداب القويمة . التى تتعلق بدخول بيوت النبى - وَ ال1 -، وبحقوق أزواجه - وَل﴿ - فى حياته وبعد مماته ، وبوجوب احترامه وتوقيره - ماء - فقال - تعالى - : (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٣٨. ٢٣٦ المجلد الحادى عشر ◌ََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَانَدْ خُلُو ◌ْبُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ غَيْر ◌َظِرِينَ إِنَنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْ خُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ◌َلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ فَيَسْتَحْى، مِنكُمْ وَالَهُلَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَجَهُ. مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدَّا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا (®) إِن تُبْدُ واشَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّاللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ٥٤ ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى ... ﴾ روايات متعددة منها ، ما ثبت فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال: وافقت ربى فى ثلاث . فقلت : يارسول اللّه، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله - تعالى -: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وقلت: يارسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن ، فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبى - وَل فو - لما تمالأن عليه فى الغيرة ﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ﴾ فنزل كذلك. وروى البخارى عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال: لما تزوج رسول الله - * - زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون ، فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا . فلما رأى ذلك قام، فلما قام - بَير - قام معه من قام ، وقعد ثلاثة نفر . فجاء النبى - * - ليدخل ، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا ، فانطلقت فجئت فأخبرت النبى - وَل﴿ - أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل ، فذهبت أدخل ، فألقى الحجاب بينى وبينه ، فأنزل الله - تعالى -؛ ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى ... الآية). قال ابن كثير: وكان وقت نزولها فى صبيحة عرس رسول الله - ر198َ - بزينب بنت ٢٣٧ سورة الأحزاب جحش : التى تولى الله - تعالى - تزويجها بنفسه، وكان ذلك فى ذى القعدة من السنة الخامسة ، فى قول قتادة والواقدى وغيرهما (١). والمراد ببيوت النبى: المساكن التى أعدها - وَل ـ لسكنى أزواجه . والاستثناء فى قوله - تعالى - : ﴿ إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال . وقوله : ﴿غير ناظرين) حال من ضمير ﴿تدخلوا﴾ و﴿ إناه﴾ أى: نضجه وبلوغه الحد الذى يؤكل معه. يقال: أنَى الطعامُ يأنَى أنْياً وإِنَّى - كقلى يقلى - إذا نضج وكان معدا للأكل . والمعنى: يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، لا تدخلوا بيوت النبى - وَلّ - فى حال من الأحوال ، إلا فى حال الإِذن لكم بدخولها من أجل حضور طعام تدعون إلى تناوله ، وليكن حضوركم فى الوقت المناسب لتناوله ، لا قبل ذلك بأن تدخلوا قبل إعداده بفترة طويلة ، منتظرين نضجه وتقديمه إليكم للأكل منه . قالوا : وكان من عادة بعضهم فى الجاهلية أنهم يلجون البيوت بدون استئذان ، فإذا وجدوا طعاما يعد ، انتظروا حتى ينضج ليأكلوا منه . فالنهى فى الآية الكريمة مخصوص بمن دخل من غير دعوة ، وبمن دخل بدعوة ولكنه مكث منتظرا للطعام حتى ينضج ، دون أن تكون هناك حاجة لهذا الانتظار . أما إذا كان الدخول بدعوة أو لحضور طعام بدون انتظار مقصود لوقت نضجه ، فلا يتناوله النهى . قال الآلوسي : والآية على ما ذهب إليه جمع من المفسرين ، خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبى - ◌َطير - فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه ، فهى مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم فى المستقبل . فالنهى مخصوص بمن دخل بغير دعوة ، وجلس منتظرا للطعام من غير حاجة فلا تفيد النهى عن الدخول بإذن لغير طعام ، ولا من الجلوس واللبث بعد الطعام لمهم آخر (٢) . وقوله - سبحانه - ﴿ ولكن إذا دعيتم فادخلوا ﴾ استدراك على ما فهم من النهى عن الدخول بغير إذن ، وفيه إشعار بأن الإذن متضمن معنى الدعوة . أى : لا تدخلوا بدون إذن ، فإذا أذن لكم ودعيتم إلى الطعام فادخلوا لتناوله وقوله بـ (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٤٠ - طبعة دار الشعب. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٧٠ . ٢٣٨ المجلد الحادى عشر - تعالى - ﴿ فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ﴾ بيان للون آخر من ألوان الآداب الحكيمة التى شرعها الإِسلام فى تناول الطعام عند الغير . أى: إذا دعيتم لحضور طعام فى بيت النبى - ◌َليزر - فادخلوا، فإذا ما انتهيتم من طعامكم عنده ، فتفرقوا ولا تمكثوا فى البيت مستأنسين لحديث بعضكم مع بعض ، أو لحديثكم مع أهل البيت . فقوله ﴿ مستأنسين﴾ مأخوذ من الأنس بمعنى السرور والارتياح للشىء. تقول: أنست، لحديث فلان ، إذا سررت له ، وفرحت به . وأطلق - سبحانه - نفى الاستئناس للحديث ، من غير بيان صاحب الحديث ، للإِشعار بأن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق ، مادام ليس هناك من حاجة إلى هذا المكث . وهذا أدب عام لجميع المسلمين . واسم الإشارة فى قوله: ﴿ إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم﴾ يعود إلى الانتظار والاستئناس للحديث ، والدخول بغير إذن . والجملة بمثابة التعليل لما قبلها . أى: إن ذلكم المذكور كان يؤذى النبى - وَله - ويدخل الحزن على قلبه، لأنه يتنافى مع الأدب الإِسلامى الحكيم ، ولكنه - وَ لقر - كان يستحيى أن يصرح لكم بذلك ، لسمو خلقه ، وكمال أدبه، كما أنه - * - كان يستحيى أن يقول لكم كلاما تدركون منه أنه يريد انصرافكم . وقوله - تعالى -: ﴿ والله لا يستحيى من الحق﴾ أى: والله - تعالى - لا يستحيى من إظهار الحق ومن بيانه ، بل من شأنه - سبحانه - أن يقول الحق ، ولا يسكت عن ذلك . وإذا كان الرسول - ول# - قد منعه حياؤه من أن يقول قولا تفهمون منه ضجره من بقائكم فى بيته بعد تناول طعامكم عنده .. فإن الله - تعالى - وهو خالقكم لا يمتنع عن بيان الحق فى هذه الأمور وفى غيرها ، حتى تتأدبوا بأدب دينه القويم . ثم ذكر - سبحانه - بعض الآداب التى يجب عليهم أن يلتزموها مع نساء نبيهم - ﴿ - فقال: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن .. ﴾ أى: وإذا طلبتم - أيها المؤمنون - من أزواج النبى - وَليزر - شيئا يتمتع به سواء أكان هذا الشىء حسيا كالطعام أو معنويا كمعرفة بعض الأحكام الشرعية .. إذا سألتموهن شيئا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن .. لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة ، أطهر لقلوبكم وقلوبهن ، وأبعد عن الوقوع فى ٢٣٩ سورة الأحزاب الهواجس الشيطانية التى قد تتولد عن مشاهدتكم لهن ، ومشاهدتهن لكم .. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿وما كان لكم أن تؤدوا رسول اللّه ، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ، إن ذلكم كان عند الله عظيما ﴾ . أى: وما صح وما استقام لكم - أيها المؤمنون - أن تؤذوا رسول الله - وَالله - بأى لون من ألوان الأذى ، سواء أكان بدخول بيوته بغير إذنه ، أم بحضوركم إليها انتظارا لنضج الطعام أم بجلوسكم بعد الأكل بدون مقتض لذلك، أم بغير ذلك مما يتأذى به - الهرم - . كما أنه لا يصح لكم بحال من الأحوال أن تنكحوا أزواجه من بعده ، أى : من بعد وفاته . إن ذلكم ﴾ أى: إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده (كان عند الله ﴾ - تعالى - ذنبا عظيما﴾ وإنما جسيما ، لا يقادر قدره . ثم حذرهم - سبحانه - من مخالفة أمره ، بأن بين لهم بأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء ، من أمرهم ، فقال : ﴿ إن تبدوا شيئا﴾ بأن تظهروه على ألسنتكم ﴿ أو تخفوه ﴾ بأن تضمروه فى قلوبكم ، فإنه فى الحالين لا يعزب عن علمنا ، وسنحاسبكم عليه ، ﴿ فإن الله ﴾ - تعالى - ﴿ كان بكل شىء عليما ﴾ بحيث لا يخفى عليه شىء، فى الارض ولا فى السماء. هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التى تسمى بآية الحجاب ، جملة من الأحكام والآداب منها : ١ - وجوب الاستئذان عند دخول البيوت لتناول طعام ، ووجوب الخروج بعد تناوله إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو للبقاء ، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام فى الوقت المناسب له ، وليس قبله انتظارا لنضجه وتقديمه . ٢ - حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك فى الطعام أم فى غيره ، فقد أمر - سبحانه - المؤمنين، إذا سألوا أزواج النبى - وَ ليزر - شيئا أن يسألوهن من وراء حجاب ، وعلل ذلك بأن سؤالهن بهذه الطريقة ، يؤدى إلى طهارة القلوب ، وعفة النفوس ، والبعد عن الريبة وخواطر السوء .. وحكم نساء المؤمنين فى ذلك كحكم أمهات المؤمنين ، لأن قوله - سبحانه - ﴿ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ﴾ علة عامة تدل على تعميم الحكم ، إذ جميع الرجال والنساء فى كل زمان ومكان فى حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب ، وأعف للنفوس .. قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله: ﴿ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من العقلاء، إن غير ازواج النبى - وَليو - لا حاجة ٢٤٠ المجلد الحادى عشر بهن إلى أطهرية قلوبهن ، وقلوب الرجال من الريبة منهن .. فالجملة الكريمة فيها الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام فى جميع النساء ، لا خاص بأمهات المؤمنين ، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن ، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه .. (١) . ٣ - كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى أن يصافح امرأة أجنبية عنه ، ولا يجوز له أن يمس شىء من بدنه شيئا من بدنها . والدليل على ذلك أن النبى - ﴿ه - ثبت عنه أن قال: ((إنى لا أصافح النساء)) والله - تعالى - يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ .. فيلزمنا أن لا نصافح النساء الأجنبيات اقتداء به - ﴾﴾ . - (٢) . ٤ - تكريم الله - تعالى - لنبيه - * - ودفاعه عنه، وإلزام المؤمنين بالعمل على كل ما يرضيه ولا يؤذيه ، وبعدم نكاح أزواجه من بعده أبدا ... ثم استثنت السورة الكريمة بعض الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تظهر أمامهم بدون حجاب، وبينت سمو منزلة رسول الله - ول# - ، وأكدت التحذير من إيذائه ، ومن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، وأمرت النبى - عليه - أن يرشد أزواجه وبناته ونساء المؤمنين إلى وجوب الاحتشام فى ملابسهن .. فقال - تعالى - : لَّا جُنَاحَ عَِّنَ فِّءَابَآِنَّ وَلَا أَبْنَبِهِنَّ وَ إِخْوَِهِنَّ وَلَا أَبْنَِّ إِخْوَبِهِنَّ وَلَآ أَبْنَاء أَخَوَتِهِنَّ وَلَانِسَآَبِهِنَّ وَلَا مَامَلَكَتْ أَيْمَانُهُنُّ وَتَّقِينَ اللَّه إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ﴿ إِنَّاللَّهَ وَمٍَّ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْ أَسْلِيمًا (٦) إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ (١) راجع ((أضواء البيان)) جـ ٦ ص ٥٨٤ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. ( ٢) راجع تفسير أضواء البيان جـ ٦ ص ٦٠٢ .