Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الأحزاب
وفعل أزواج النبى - * - مثل ما فعلت عائشة (١).
وقال الإِمام ابن كثير - بعد أن ساق جملة من الأحاديث فى هذا المعنى وكان تحته يومئذ تسع
نسوة ، خمس من قريش: عائشة وحفصة ، وأم حبيبة وسودة ، وأم سلمة .
وأربع من غير قريش - وهن : صفية بنت حيى النضرية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ،
وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المُصْطَلَقِيَّة - رضى الله عنهن .
وقال الإِمام الآلوسى: فلما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، مدحهن الله -
تعالى - على ذلك ، إذ قال - سبحانه -: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من
أزواج ولو أعجبك حسنهن .. ﴾ فقصره الله - تعالى - عليهن، وهن التسع اللاتى اخترن
الله ورسوله والدار الآخرة))(٢).
والمعنى: ﴿يأيها النبي قل لأزواجك﴾ اللائى فى عصمتك ﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا
وزينتها
.
أى : إن كنتن تردن سعة الحياة الدنيا وبهجتها وزخارفها ومتعها من مأكل ومشرب
وملبس ، فوق ما أنتن فيه عندى من معيشة مقصورة على ضروريات الحياة ، وقائمة على
الزهد فى زينتها .
إن كنتن تردن ذلك: ﴿ فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا﴾.
قال الجمل : وقوله : ﴿ فتعالين ﴾ فعل أمر مبنى على السكون ، ونون النسوة فاعل.
وأصل هذا الأمر أن يكون الآمر أعلى مكانا من المأمور ، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ، ثم كثر
استعماله حتى صار معناه أقبل . وهو هنا كناية عن الاختيار والإِرادة . والعلاقة هى أن المخبر
يدنو إلى من يخبره(٣).
وقوله: ﴿ أمتعكن﴾ مجزوم فى جواب الأمر. والمتعة: ما يعطيه الرجل للمرأة التى
طلقها ، زيادة على الحقوق المقررة لها شرعا ، وقد جعلها - سبحانه - حقا على المحسنين
الذين يبغون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه .
وقوله ﴿وأسرحكن﴾ معطوف على ما قبله، والتسريح: إرسال الشىء، ومنه تسريح
الشعر ليخلص بعضه من بعض . ويقال: سرح فلان الماشية ، إذا أرسلها لترعى .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٦٣.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٨١ .
(٣) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤٣٣.

٢٠٢
المجلد الحادى عشر
والمراد به هنا : طلاق الرجل للمرأة ، وتركها لعصمته .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ،
ولا تستطعن الصبر على المعيشة معى ، فلكن أن تخترن مفارقنى ، وإنى على استعداد أن
أعطيكن المتعة التى ترضينها ، وأن أطلقكن طلاقا لا ضرر فيه ، ولا ظلم معه ، لأنى سأعطيكن
ما هو فوق حقكن .
﴿ وإن كنتن﴾ لا تردن ذلك، وإنما ﴿تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾.
أى: وإنما تردن ثواب الله - تعالى - والبقاء مع رسوله - ليزر - ، وإيثار شظف الحياة
على زينتها ، وإيثار ثواب الدار الآخرة على متع الحياة الدنيا .
إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن ﴿ اللّه) - تعالى - ﴿أعد للمحسنات منكن﴾،
بسبب إيمانهن وإحسانهن ﴿ أجرا عظيما﴾ لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -.
وبهذا التأديب الحكيم ، والإرشاد القويم ، أمر الله - تعالى - رسوله - و ليزر - أن يؤدب
نساءه ، وأن يرشدهن إلى مافيه سعادتهن ، وأن يترك لهن حرية الاختيار .
ثم وجه - سبحانه - الخطاب إلى أمهات المؤمنين ، فأدبهن أكمل تأديب وأمرهن بالتزام
الاضائل ، وباجتناب الرذائل ، لأنهن القدوة لغيرهن من النساء ، ولأنهن فى بيوتهن ينزل
الوحى على رسول الله - * - فقال - تعالى - :
يَفِسَآءُ السَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَئِنَةٍ يُضَعَفْ
لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرًا
٣٠
وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّلِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِكَانُؤْتِهَا
أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْ نَالَهَارِزْقًّا كَرِيمًا ﴿ يَنِسَآءَ النَّبِّ
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍمِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾ وَقَرْنَ
فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّعَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ

٢٠٣
سورة الأحزاب
الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُـ
تَظْهِيرًا * وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّمِنْ
ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.
٣٤
فقوله - سبحانه - ﴿ يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب
ضعفين .. ﴾ نداء من الله تعالى - لهن، على سبيل الوعظ والارشاد والتأديب، والعناية
بشأنهن لأنهن القدوة لغيرهن ، والفاحشة : ما قبح من الأقوال والأفعال .
والمعنى: بانساء النبى - * - من يأت منكن بمعصية ظاهرة القبح، يضاعف الله -
تعالى - لها العقاب ضعفين ، لأن المعصية من رفيع الشأن تكون أشد قبحا ، وأعظم جرما .
قال صاحب الكشاف : وإنما ضوعف عذابهن ، لأن ما قبح من سائر النساء ، كان أقبح
منهن وأقبح ، لأن زيادة قبح المعصية ، تتبع زيادة الفضل والمرتبة .. وليس لأحد من النساء ،
مثل فضل نساء النبى - رَّليزر - ولا على أحد منهن مثل ما الله عليهن من النعمة .. ولذلك كان
ذم العقلاء للعاصى العالم : أشد منه للعاصى الجاهل ، لأن المعصية من العالم أقبح(١).
وقد روى عن زين العابدين بن على بن الحسين - رضى الله عنهما - أنه قال له رجل :
إنكم أهل بيت مغفور لكم ، فغضب ، وقال : نحن أحرى أن يجرى فينا ، ما أجرى الله -
تعالى - على نساء نبيه - 1 - من أن لمسيئنا ضعفين من العذاب ، ولمحسننا ضعفين من
الأجر .
وقوله - سبحانه -: ﴿ من يأت منكن بفاحشة .. ) جملة شرطية . والجملة الشرطية
لا تقتضى وقوع الشرط، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك
لئن أشركت ليحبطن عملك .. ﴾ وكما فى قوله - سبحانه -: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم
ما كانوا يعملون ﴾ .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن منزلتهن - رضى الله عنهن - لا تمنع من
وقوع العذاب بهن فى حالة ارتكابهن لما نهى الله - تعالى - عنه، فقال: ﴿وكان ذلك على
-
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٣٦ .

٢٠٤
المجلد الحادى عشر
الله يسيرا﴾.أى: وكان ذلك التضعيف للعذاب لهن، يسيرا وهينا على الله، لأنه -
سبحانه - لا يصعب عليه شىء .
هذا هو الجزاء فى حالة ارتكابهن - على سبيل الفرض - لما نهى الله - تعالى - عنه، أما
فى حالة طاعتهن ، فقد بين - سبحانه - جزاءهن بقوله : ﴿ومن يقنت منكن الله ورسوله
وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ، وأعتدنا لها رزقا كريما ﴾ .
والقنوت : ملازمة الطاعة لله - تعالى - ، والخضوع والخشوع لذاته .
أى: أومن يقنت منكن - يا نساء النبى - لله - تعالى - ، ويلازم طاعته ، ويحرص على
مرضاة رسوله - * - ، وتعمل عملا صالحا .
من يفعل ذلك منكن ، نؤتها أجرها الذى تستحقه مضاعفا ، فضلا منا وكرما ، ﴿ وأعتدنا
لها﴾ أى: وهيأنا لها زيادة على ذلك ﴿رزقا كريما﴾ لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -.
وهكذا نرى أن الله - تعالى - قد ميز أمهات المؤمنين ، فجعل حسنتهن كحسنتين
لغيرهما ، كما جعل سيئتهن بمقدار سيئتين لغيرهما - أيضا - وذلك لعظم مكانتهن ،
ومشاهدتهن من رسول الله - * - مالا يشاهده غيرهن ، من سلوك كريم ، وتوجيه
حكيم .
ثم وجه - سبحانه - إليهن نداء ثانيا فقال: ﴿ يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن
٠
اتقیتن
أى: يا نساء النبى، لقد أعطاكن الله - تعالى - من الفضل ومن سمو المنزلة مالم يعط
غيركن ، فأنتن فى مكان القدوة لسائر النساء ، وهذا الفضل كائن لكن إن اتقيتن الله -
تعالى - وصنتن أنفسكن عن كل ما نهاكن - سبحانه - عنه .
قال صاحب الكشاف : أحد فى الأصل بمعنى وحد ، وهو الواحد ، ثم وضع فى النفى العام
مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه . ومعنى قوله ﴿ لستن كأحد من النساء ﴾ :
لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء . أى : إذا استقصيت أمة النساء جماعة جماعة ، لم
توجد منهن جماعة واحدة تساويكن فى الفضل والسابقة (١).
وجواب الشرط فى قوله ﴿ إن اتقيتن ) محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى: إن اتقيتن
فلستن كأحد من النساء .
قال الآلوسى: قوله ﴿إن اتقيتن﴾ شرط لنفى المثلية وفضلهن على النساء، وجوابه
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٣٦ .

٢٠٥
سورة الأحزاب
محذوف دل عليه المذكور .. والمفعول محذوف . أى: إن اتقيتن مخالفة حكم الله - تعالى -
ورضا رسوله - - والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك . والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا
والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن ، بمنزلة الخروج من التقوى (١).
فالمقصود بالجملة الكريمة بيان أن ما وصلن إليه من منزلة كريمة ، هو بفضل تقواهن
وخشيتهن لله - تعالى - وليس بفضل شىء آخر .
ثم نهاهن - سبحانه - عن النطق بالكلام الذى يطمع فيهن من فى قلبه نفاق وفجور
فقال: ﴿ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض ﴾.
أى : فلا ترققن الكلام ، ولا تنطقن به بطريقة لينة متكسرة تثير شهوة الرجال ، وتجعل
مريض القلب يطمع فى النطق بالسوء معكن فإن من محاسن خصال المرأة أن تنزه خطابها عن -
ذلك ، لغير زوجها من الرجال .
وهكذا يحذر الله - تعالى - أمهات المؤمنين - وهن الطاهرات المطهرات - عن الخضوع
بالقول ، حتى يكون فى ذلك عبرة وعظة لغيرهن فى كل زمان ومكان فإن مخاطبة المرأة - لغير
زوجها من الرجال - بطريقة لينة مثيرة للشهوات والغرائز ، تؤدى إلى فساد كبير ، وتطمع من
لا خلاق لهم فيها .
ثم أرشدهن - سبحانه - إلى القول الذى يرضيه فقال: ﴿وقلن قولا معروفا ﴾.
أى : اتركن الكلام بطريقة تطمع الذى فى قلبه مرض فيكن ، وقلن قولا حسنا محمودا ،
وانطقن به بطريقة طبيعية ، بعيدة عن كل ريبة أو انحراف عن الحق والخلق الكريم .
ثم أمرهن - سبحانه - بعد ذلك بالاستقرار فى بيوتهن ، وعدم الخروج منها إلا لحاجة
شرعية فقال ﴿وقرن فى بيوتكن ﴾.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله ﴿وقرن﴾ قرأه الجمهور - بكسر القاف - من القرار
تقول : قَرَرْتُ بالمكان - بفتح الراء - أقر - بكسر القاف - إذا نزلت فيه - والأصل :
اقررن - بكسر الراء - فحذفت الراء الأولى تخفيفا .. ونقلوا حركاتها إلى القاف ، واستغنى
عن ألف الوصل لتحرك القاف .. فصارت الكلمة ﴿قِرن) - بكسر القاف - .
وقرأ عاصم ونافع ﴿وَقَرْن) - بفتح القاف - من قررت فى المكان - بكسر الراء -
إذا أقمت فيه .. والأصل اقْرَرْن - بفتح الراء - فحذفت الراء الأولى لثقل التضعيف ،
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٥ .

٢٠٦
المجلد الحادى عشر
وألقيت حركتها على القاف .. فتقول: ﴿قرن﴾ - بالفتح للقاف -(١).
والمعنى: الْزَمْنَ يا نساء النبى -* - بيوتكن ، ولا تخرجن منها إلا لحاجة مشروعة،
ومثلهن فى ذلك جميع النساء المسلمات ، لأن الخطاب لهن فى مثل هذه الأمور، هو خطاب
لغيرهن من النساء المؤمنات من باب أولى ، وإنما خاطب - سبحانه - أمهات المؤمنين على
سبيل التشريف ، واقتداء غيرهن بهن .
قال بعض العلماء : والحكمة فى هذا الأمر : أن ينصرفن إلى رعاية شئون بيوتهن ، وتوفير
وسائل الحياة المنزلية التى هى من خصائصهن ، ولا يحسنها الرجال ، وإلى تربية الأولاد فى
عهد الطفولة وهى من شأنهن . وقد جرت السنة الإلهية بأن أمر الزوجين قسمة بينهما ،
فللرجال أعمال من خصائصهم لا يحسنها النساء ، وللنساء أعمال من خصائصهن لا يحسنها
الرجال ، فإذا تعدى أحد الفريقين عمله ، اختل النظام فى البيت والمعيشة (١).
وقال صاحب الظلال ما ملخصه : والبيت هو مثابة المرأة التى تجد فيها نفسها على حقيقتها
كما أرادها الله - تعالى - ولكى يهيىء الإِسلام للبيت جوه السليم ، وهىء للفراخ الناشئة فيه
رعايتها ، أو جب على الرجل النفقة ، وجعلها فريضة ، كى يتاح للأم من الجهد ومن الوقت
ومن هدوء البال ، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب ، وما تهيىء به للمثابة نظامها وعطرها
وبشاشتها .
فالأم المكدودة بالعمل وبمقتضياته وبمواعيده .. لا يمكن أن تهيىء للبيت جوه وعطره ،
ولا يمكن أن تهيىء للطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها .
إن خروج المرأة للعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة ، أما أن يتطوع بها الناس وهم
قادرون على اجتنابها ، فتلك هى اللعنة التى تصيب الأرواح والضمائر والعقول ، فى عصور
الانتكاس والشرور والضلال(٣).
وهذه الجملة الكريمة ليس المقصود بها ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقا وإنما المقصود بها أن
يكون البيت هو الأصل فى حياتهن ، ولا يخرجن إلا لحاجة مشروعة ، كأداء الصلاة فى
المسجد ، وكأداء فريضة الحج وكزيارة الوالدين والأقارب ، وكقضاء مصالحهن التى لا تقضى
إلا بهن .. بشرط أن يكون خروجهن مصحوبا بالتستر والاحتشام وعدم التبذل .
ولذا قال - سبحانه - بعد هذا الأمر ، ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾.
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٧٨ .
(٢) صفوة البيان فى تفسير القرآن جـ ٢ ص ١٨٣. لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف.
(٣) فى ظلال القرآن جـ ٢٢ ص ٨٣ .

٢٠٧
سورة الأحزاب
وقوله: ﴿ تبرجن﴾ مأخوذ من البَرَج - بفتح الباء والراء - وهو سعة العين وحسنها ،
ومنه قولهم : سفينة برجاء ، أى : متسعة ولا غطاء عليها .
والمراد به هنا : إظهار ما ينبغى ستره من جسد المرأة ، مع التكلف والتصنع فى ذلك .
والجاهلية الأولى ، بمعنى المتقدمة ، إذ يقال لكل متقدم ومتقدمة : أول وأولى .
أو المراد بها : الجاهلية الجهلاء التى كانت ترتكب فيها الفواحش بدون تحرج .
وقد فسروها بتفسيرات متعددة ، منها : قول مجاهد : كانت المرأة تخرج فتمشى بين يدى
الرجال ، فذلك تبرج الجاهلية .
ومنها قول قتادة : كانت المرأة فى الجاهلية تمشى مشية فيها تكسر .
ومنها قول مقاتل : والتبرج : أنها تلقى الخمار على رأسها ، ولا تشده فيوارى قلائدها
وعنقها .
ويبدو لنا أن التبرج المنهى عنه فى الآية الكريمة ، يشمل كل ذلك ، كما يشمل كل فعل تفعله
المرأة ، ويكون هذا الفعل متنافيا مع آداب الإِسلام وتشريعاته .
والمعنى : الزمن يا نساء النبى بيوتكن ، فلا تخرجن إلا لحاجة مشروعة ، وإذا خرجتن
فاخرجن فى لباس الحشمة والوقار ، ولا تبدى إحداكن شيئا أمرها الله - تعالى - بستره
وإخفائه ، واحذرن التشبيه بنساء أهل الجاهلية الأولى ، حيث كن يفعلن ما يثير شهوة
الرجال ، ويلفت أنظارهم اليهن .
ثم أتبع - سبحانه - هذا النهى بما يجعلهن على صلة طيبة بخالقهن - عز وجل - فقال:
وأقمن الصلاة﴾ أى: داومن على إقامتها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص. ﴿وآتين
الزكاة ) التى فرضها الله - تعالى - عليكن. وخص - سبحانه - هاتين الفريضتين بالذكر
من بين سائر الفرائض ، لأنهما أساس العبادات البدنية والمالية .
وأطعن الله ورسوله ﴾ أى؛ فى كل ما تأتين وتترکن ، لاسيما فيما أمرتن به ، ونهيتن
عنه .
وقوله : ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾ تعليل لما
أمرن به من طاعات ، ولما نهين عنه من سيئات .
والرجس فى الأصل : يطلق على كل شىء مستقذر. وأريد به هنا : الذنوب والآنام
وما يشبه ذلك من النقائص والأدناس .
وقوله ﴿ أهل البيت ) منصوب على النداء، أو على المدح . ويدخل فى أهل البيت هنا

٢٠٨
المجلد الحادى عشر
دخولا أوليا : نساؤه - * - بقرينة سباق الآيات .
أى: إنما يريد الله - تعالى - بتلك الأوامر التى أمركن بها ، وبتلك النواهى التى نهاكن
عنها ، أن يذهب عنكن الآثام والذنوب والنقائص ، وأن يطهركن من كل ذلك تطهيرا تاما
كاملا .
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت .. ﴾. هذا نص فى دخول أزواج النبي - * - فى أهل البيت ها هنا، لأنهن سبب
نزول هذه الآية ..
وقد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك ، فقد روى الإمام أحمد بسنده - عن
أنس بن مالك قال: ((إن رسول الله -* - كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى
صلاة الفجر ، يقول : الصلاة يا أهل البيت: ثم يتلو هذه الآية .. ))(١).
وقال بعض العلماء : والتحقيق - إن شاء الله - أنهن داخلات فى الآية ، بدليل السياق ،
وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت ..
ونظير ذلك من دخول الزوجات فى اسم أهل البيت ، قوله - تعالى - فى زوجة إبراهيم :
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾
وأما الدليل على دخول غيرهن فى الآية، فهو أحاديث جاءت عن النبى - 1 - أنه قال
فى على وفاطمة والحسن والحسين - رضى الله عنهم -: ((إنهم أهل البيت)) ودعا الله أن
يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا .
وبما ذكرنا تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبى - # - ولعلى وفاطمة
والحسن والحسين .
فإن قيل: الضمير فى قوله: ﴿ ليذهب عنكم الرجس﴾ وفى قوله: ﴿ويطهركم
تطهيرا﴾ ضمير الذكور، فلو كان المراد أزواج النبى - * - لقيل ليذهب عنكن
ويطهر كن ؟ .
فالجواب : ما ذكرناه من أن الآية تشملهن وتشمل فاطمة وعلى والحسن والحسين ، وقد
أجمع أهل اللسان العربى على تغليب الذكور على الإِناث فى الجموع ونحوها ..
ومن أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن ، أن زوجة الرجل يطلق عليها أهل ،
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٠٦ فقد ساق بضعة أحاديث فى هذا المعنى .

٢٠٩
سورة الأحزاب
وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر ، ومنه قوله - تعالى - فى موسى ﴿فقال
لأهله امكثوا﴾ وقوله ﴿سآتيكم) والمخاطب امرأته كما قاله غير واحد ..
وقال بعض أهل العلم : إن أهل البيت فى الآية هم من تحرم عليهم الصدقة (١) .
ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله - عز وجل - : ﴿واذكرن ما يتلى
فى بيوتكن من آيات الله والحكمة ..
أى : واذكرن فى أنفسكن ذكرا متصلا، وذَكَّرْن غيركن على سبيل الإِرشاد ، بما يتلى فى
بيوتكن من آيات الله البينات الجامعة بين كونها معجزات دالة على صدق النبى - * - ،
وبين كونها مشتملة على فنون الحكم والآداب والمواعظ ..
ويصح أن يكون المراد بالآيات: القرآن الكريم، وبالحكمة: أقوال النبى - الهرم -
وأفعاله وتقريراته ..
وفى الآية الكريمة إشارة إلى أنهن - وقد خصهن الله - تعالى - بجعل بيوتهن موطنا لنزول
القرآن ، ولنزول الحكمة - أحق بهذا التذكير ، وبالعمل الصالح من غيرهن .
إن الله كان لطيفا خبيرا ﴾ أى: لا يخفى عليه شىء من أحوالكم ، وقد أنزل عليكم
ما فيه صلاح أموركم فى الدنيا والآخرة .
وبعد هذه التوجيهات الحكيمة لأمهات المؤمنين ، ساق - سبحانه - توجيها جامعا لأمهات
الفضائل، وبشر المتصفين بهذه الفضائل بالمغفرة والأجر العظيم فقال - تعالى - :
إِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَاَلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ
وَالْقَنِينَ وَالْقَسِنَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَاتِ وَالصَّبِينَ
وَالصَِّرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّنَِّمِينَ وَالصََّّبِمَتِ وَاْحَفِظِينَ
فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّكِرَتِ أَعَذَّاللَّهُ لَهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
٣٥
(١) أضواء البيان جـ ٦ ص ٥٧٧ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى - رحمه الله - .

٢١٠
المجلد الحادى عشر
ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه الإمام أحمد والنسائى وغيرهما ، عن
أم سلمة - رضى الله عنها - قالت: قلت للنبى - * - : مالنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر
الرجال؟ قالت: فلم يرعنى منه - ﴿ - ذات يوم إلا نداؤه على المنبر، وهو يتلو هذه
الآية : ﴿إن المسلمين والمسلمات ...
وأخرج الترمذى وغيره عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبى - بله - فقالت: ما أرى
كل شىء إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرن بشىء، فنزلت هذه الآية .
وأخرجه ابن جرير عن قتادة قال: دخل نساء على أزواج النبي -# - فقلن : قد
ذكركن الله - تعالى - فى القرآن، وما يذكرنا بشىء أما فينا ما يذكر ، فأنزل الله
- تعالى - هذه الآية (١).
والمعنى : ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ والإِسلام: الانقياد لأمر الله - تعالى - وإسلام
الوجه له - سبحانه - وتفويض الأمر إليه وحده .
﴿ والمؤمنين والمؤمنات ﴾ والإِيمان: هو التصديق القلبى، والإذعان الباطنى، لما جاء به
النبى - * - .
﴿والقانتين والقانتات ﴾ والقنوت: هو المواظبة على فعل الطاعات عن رضا واختيار.
والصادقين والصادقات ﴾ والصدق: هو النطق بما يطابق الواقع ، والبعد عن الكذب
والقول الباطل ..
والصابرين والصابرات ﴾ والصبر: هو توطين النفس على احتمال المكاره والمشاق فى
سبيل الحق ، وحبس النفس عن الشهوات .
والخاشعين والخاشعات ﴾ والخشوع: صفة تجعل القلب والجوارح فى حالة انقياد تام له
- تعالى - ومراقبة له ، واستشعار لجلاله وهيبته .
﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ والتصدق: تقديم الخير إلى الغير بإخلاص ، دفعا لحاجته،
وعملا على عونه ومساعدته .
والصائمين والصائمات﴾ والصوم: هو تقرب إلى الله - تعالى -، واستعلاء على
مطالب الحياة ولذائذها ، من أجل التقرب إليه - سبحانه - بما يرضيه .
والحافظين فروجهم والحافظات ﴾ وحفظ الفرج: كناية عن التعفف والتطهر والتصون
عن أن يضع الإِنسان شهوته فى غير الموضع الذى أحله الله - تعالى - .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٢١.

٢١١
سورة الأحزاب
والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) وذكر الله - تعالى - يتمثل فى النطق بما يرضيه
كقراءة القرآن الكريم ، والإِكثار من تسبيحه - عز وجل - وتحميده وتكبيره ..
وفى شعور النفس فى كل لحظة بمراقبته - سبحانه - .
هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات من الرجال والنساء ﴿أعد الله) - تعالى - ﴿ لهم
مغفرة﴾ واسعة لذنوبهم ﴿وأجرا عظيما﴾ لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل - .
وهكذا نجد القرآن الكريم يسوق الصفات الكريمة ، التى من شأن الرجل والمرأة إذا
ما اتصفا بها ، أن يسعدا فى دنياهما وفى أخراهما ، وأن يسعد بهما المجتمع الذى يعيشان فيه ...
إنها صفات نظمت علاقة الإنسان بربه ، وبنفسه ، وبغيره ، تنظيما حكيما ، يهدى الى
الرشد ، ويوصل إلى الظفر والنجاح .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الحقوق الواجبة على المسلم نحو خالقه - عز
وجل - ونحو رسوله - 14 - ، وعن تأكيد إبطال عادة التبنى التى كانت منتشرة قبل نزول
هذه السورة، وعن بيان الحكمة لهذا الإِبطال، وعن علاقة الرسول - وَل﴿ - بغيره من
أتباعه .. فقال - تعالى - :
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْضَلَّ ضَلَلًا
مُّبِيِنَّا﴿ وَإِذْتَقُولُ لِلَّذِىَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ
مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُأَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ فَمَّا قَضَى زَيْدٌ
مِنْهَا وَطَرَّزَوَجْتَكَهَا لِكَنْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرٌَ فِىّ
أَزْوَجْ أَدْعِيَآَ بِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَّ وَكَانَ أَمْرُاللَّهِ مَفْعُولًا
﴿ مَا كَانَ عَلَى النَِّّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَمْسُنَّةَ اللَّهِ فِي

٢١٢
المجلد الحادى عشر
الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرَأَ مَّقْدُ ورًّا (٦) الَّذِينَ
يَُلِّفُونَ رِسَلَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ, وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُوَّكَفَى
بِاللَّهِ حَسِيبًا ® مَّا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَأَحَدٍمِّن رِّجَالِكُمْ وَلَلَكِنْ
رَسُولَ اللَّهِ وَ خَاتَمَ النَّبِنِّ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ روايات
منها : أنها نزلت فى زينب بنت جحش - رضى الله عنها - خطبها رسول الله - * - لزيد
بن حارثة فاستنكفت ، وقالت : أنا خير منه حسبا ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .
وفى رواية أنها قالت: يارسول اللّه، لست بناكحته، فقال رسول الله - * - «بل
فانكحيه)) فقالت: يارسول اللّه، أوامر فى نفسى؟ فبينما هما يتحادثان، أنزل الله - تعالى -
هذه الآية . فقالت : يارسول الله ، قد رضيته لى زوجا ؟ قال : نعم . قالت : إذا لا أعصى
رسول الله - * - قد زوجته نفسى .
وذكر بعضهم أنها نزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت أول من هاجر من
النساء .. يعنى بعد صلح الحديبية، فوهبت نفسها للنبى - * - ، فزوجها من مولاه زيد بن
حارثة ، بعد فراقه لزينب فسخطت هى وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله - وَالخير - فزوجنا
عبده ، فنزلت الآية بسبب ذلك ، فأجابا إلى تزويج زيد (١) .
قال ابن كثير : هذه الآية عامة فى جميع الأمور . وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشىء ،
فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى ولا قول ، كما قال - تعالى - : ﴿ فلا
وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت
.(
ويسلموا تسليما
وفى الحديث الشريف: « والذى نفسى بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما
جئت به)) .
والمعنى : لا يصح ولا يحل لأى مؤمن ولا لأية مؤمنة ﴿إذا قضى الله ورسوله﴾ أى: إذا
أراد الله ورسوله أمرا، من الأمور.
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٨٦. وتفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤١٧ .

٢١٣
سورة الأحزاب
وقال - سبحانه -: ﴿إذا قضى الله ورسوله أمرا﴾ للاشعار، بأن ما يفعله الرسول
-* - إنما يفعله بأمر الله - تعالى - لأنه - وَل ﴿ - لا ينطق عن الهوى.
وقوله : ﴿أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ أى: لا يصح لمؤمن أو مؤمنة إذا أراد الله
ورسوله أمرا، أن يختاروا ما يخالف ذلك، بل يجب عليهم أن يذعنوا لأمره - ول 1 - وأن
يجعلوا رأيهم تابعا لرأيه فى كل شىء .
وكلمة الخِيّرَة: مصدر من تخيَّرَ، كالطِّيرَة مصدر من تَطَيَّر. وقوله: ﴿ من أمرهم﴾ متعلق
بها ، أو بمحذوف وقع حالا منها .
وجاء الضمير فى قوله ﴿لهم) وفى قوله ﴿ من أمرهم) بصيغة الجمع: رعاية للمعنى إذ
أن لفظى مؤمن ومؤمنة وقعا فى سياق النفى ، فيعمان كل مؤمن وكل مؤمنة .
وقوله - سبحانه -: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾ بيان لسوء عاقبة
من يخالف أمر الله ورسوله .
أى: ومن يعص الله ورسوله فى أمر من الأمور، فقد ضل عن الحق والصواب ضلالا
واضحا بينا .
ثم ذكر - سبحانه - قصة زواج النبى - وَلجر - من السيدة زينب بنت جحش ،
وما ترتب على هذا الزواج من هدم لعادات كانت متأصلة فى الجاهلية فقال - تعالى - : ﴿وإذ
تقول للذى أنعم الله عليه .. ﴾ أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلت للذى
أنعم الله - تعالى - عليه بنعمة الإِيمان ، وهو زيد بن حارثة - رضى الله عنه - .
وأنعمت عليه ، بنعمة العتق ، والحرية ، وحسن التربية ، والمحبة ، والإكرام ..
أمسك عليك زوجك واتق الله ﴾ أى : اذكر وقت قولك له : أمسك عليك زوجك زينب
بنت جحش ، فلا تطلقها ، واتق الله فى أمرها ، واصبر على ما بدر منها فى حقك ..
وكان زيد - رضى الله عنه - قد اشتكى للنبى - وَل - من تطاولها عليه ، وافتخارها
بحسبها ونسبها ، وتخشينها له القول ، وقال : يارسول الله ، إنى أريد أن أطلقها .
وقوله - تعالى -: ﴿ وتخفى فى نفسك ما الله مبديه﴾ معطوف على ﴿تقول). أى:
تقول له ذلك وتخفى فى نفسك الشىء الذى أظهره الله - تعالى - لك ، وهو إلهامك بأن زيدا
سيطلق زينب ، وأنت ستتزوجها بأمر الله - عز وجل - .
قال الآلوسى : والمراد بالموصول ﴿ ما﴾ على ما أخرج الحكيم الترمذى وغيره عن على

٢١٤
المجلد الحادى عشر
ابن الحسين ما أوحى الله - تعالى - به إليه من أن زينب سيطلقها زيد . ويتزوجها هو
. - * -
وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين ، كالزهرى ، وبكر بن العلاء ، والقشيرى ،
والقاضى أبى بكر بن العربى ، وغيرهم(١).
وقال بعض العلماء ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿وتخفى فى نفسك ما الله مبديه ﴾
جملة: اللّه مبديه صلة الموصول الذى هو (ما). وما أبداه - سبحانه - هو زواجه
- * - بزينب، وذلك فى قوله - تعالى -: ﴿ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) وهذا
هو التحقيق فى معنى الآية، الذى دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه - ﴿ ﴿ - .
وبه تعلم أن ما قاله بعض المفسرين ، من أن ما أخفاه فى نفسه -* - وأبداه الله
- تعالى -، هو وقوع زينب فى قلبه - ﴿ - ومحبته لها ، وهى زوجة لزيد ، وأنها سمعته
يقول عندما رآها: سبحان مقلب القلوب .. إلى آخر ما قالوا ... كله لا صحة له .. (٢).
وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : ذكر ابن جرير وابن أبى حاتم - وغيرهما -
هاهنا آثارا عن بعض السلف ، احببنا أن نضرب عنها صفحا ، لعدم صحتها . فلا
نوردها .. (٣) .
1
هذا ، ولفضيلة شيخنا الجليل الدكتور أحمد السيد الكومى رأى فى معنى هذه الجملة
الكريمة ، وهو أن ما أخفاه الرسول فى نفسه : هو علمه بإصرار زيد على طلاقه لزينب ، لكثرة
تفاخرها عليه ، وسماعه منها ما يكرهه . وما لا يستطيع معه الصبر على معاشرتها .
وما أبداه الله - تعالى - : هو علم الناس بحال زيد معها ، ومعرفتهم بأن زينب تخشن له
القول ، وتسمعه ما يكره ، وتفخر عليه بنسبها ..
فيكون المعنى : تقول للذى أنعم الله عليه ، وأنعمت عليه ، أمسك عليك زوجك واتق الله ،
وتخفى فى نفسك أن زيدا لن يستطيع الصبر على معاشرة زوجه زينب لوجود التنافر بينها .. مع
أن الله - تعالى - قد أظهر ذلك ، عن طريق كثرة شكوى زيد منها ، وإعلانه أنه حريص
على طلاقها ، ومعرفة كثير من الناس بهذه الحقيقة ..
ومما يؤيد هذا الرأى أنه لم يرد لا فى الكتاب ولا فى السنة ما يدل دلالة صريحة على أن الله
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٢٤ .
(٢) تفسير أضواء البيان جـ ٦ ص ٥٨٠ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٢٠.

٢١٥
سورة الأحزاب
قد أوحى إلى نبيه - - أن زيدا سيطلق زينب، وأنه - * - سيتزوجها ، وكل ما ورد
فى ذلك هى تلك الرواية التى سبق أن ذكرناها عن على بن الحسين - رضى الله عنها - .
قال صاحب الظلال: وهذا الذى أخفاه النبى - ﴿ - فى نفسه، وهو يعلم أن الله
مبديه ، هو ما ألهمه الله أن سيفعله . ولم يكن أمرا صريحا من اللّه. وإلا ما تردد فيه ولا أخره
ولا حاول تأجيله . ولجهر به فى حينه مهما كانت العواقب التى يتوقعها من إعلانه . ولكنه
- * - كان أمام إلهام يجده فى نفسه ، ويتوجس فى الوقت ذاته من مواجهته ومواجهة
الناس به حتى أذن الله بكونه . فطلق زيد زوجه فى النهاية . وهو لا يفكر لا هو ولا زينب فيما
سيكون بعد .. (١) .
وهذه الأقوال جميعها تهدم هدما تاما كل الروايات التى رويت عن هذا الحادث ، والتى
تشبث بها أعداء الإسلام فى كل زمان ومكان ، وصاغوا حولها الأساطير والمفتريات .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) معطوف على ما قبله،
ومؤكد لمضمونه .
أى: تقول له ماقلت ، وتخفى فى نفسك ما أظهره اللّه، وتخشى أن تواجه الناس بما ألهمك
الله - تعالى - به من أمر زيد وزينب ، مع أن الله - تعالى - أحق بالخشية من كل ما سواه .
فالجملة الكريمة عتاب رقيق من الله - تعالى - لنبيه - وليه - وإرشاد له إلى أفضل
الطرق ، وأحكم السبل ، لمجابهة أمثال هذه الأمور، وحلها حلا سليما .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من زواجه - 1 - بزينب فقال: ﴿ فلما قضى زيد منها
وطرا زوجناكها ، لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ،
وكان أمر الله مفعولا ﴾.
والوطر : الحاجة . وقضاء الوطر : بلوغ منتهى ما تريده النفس من الشىء ، يقال : قضى
فلان وطره من هذا الشىء : إذا أخذ أقصى حاجته منه .
والمراد هنا : أن زيدا قضى حاجته من زينب ، ولم يبق عنده أدنى رغبة فيها ، بل صارت
رغبته العظمى فى مفارقتها .
أى : فلما قضى زيد حاجته من زينب ، وطلقها ، وانقضت عدتها ، زوجناكها ، أى :
جعلناها زوجة لك، ﴿ لكى لا يكون على المؤمنين حرج﴾ أو ضيق أو مشقة ﴿فى أزواج
أدعيائهم﴾ أى: فى الزواج من أزواج أدعيائهم، الذين تبنوهم ﴿إذا قضوا منهن وطرا﴾
(١) فى ظلال القرآن جـ ٢٢ ص ٥٩٥ .

٢١٦
المجلد الحادى عشر
أى : إذا طلق هؤلاء الأدعياء أزواجهم، وانقضت عدة هؤلاء الأزواج ، فلا حرج على الذين
سبق لهم تبنى هؤلاء الأدعياء أن يتزوجوا بنسائهم ، ولهم فى رسول الله -# - أسوة
حسنة .
وكان أمر الله مفعولا﴾ أى: وكان ما يريده الله - تعالى - حاصلا لا محالة.
قال الإِمام ابن كثير: قوله: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها .. ﴾ أى: لما فرغ
منها وفارقها زوجناكها ، وكان الذى ولى تزويجها منه هو الله - عز وجل - . بمعنى : أنه أوحى
إليه أن يدخل بها بلا ولىّ ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر ..
روى الإمام أحمد عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب - رضى الله عنها - قال رسول الله
- رَله - لزيد بن حارثة: ((اذهب فاذكرها على)) فانطلق حتى آتاها وهى تخمر عجينها .
قال : فلما رأيتها عظمت فى صدرى حتى ما أستطيع أن أنظر إليها . وجعلت أقول - وقد
وليتها ظهرى ، ونكصت على عقبى - يازينب . أبشرى. أرسلنى رسول انه - # : -
يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربى - أى: أستشيره فى أمرى - ، فقامت إلى
مسجدها . ونزل القرآن. وجاء رسول الله - * - فدخل عليها بغير إذن ...
وروى البخارى عن انس بن مالك ، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبى
- * - فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجنى الله من فوق سبع سماوات .(١).
وقال الإِمام الشوكانى: وقوله: ﴿لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج
أدعيائهم .. ﴾ .
أى : فى التزوج بأزواج من يجعلونه ابنا ، كما كانت تفعله العرب ، فإنهم كانوا يتبنون من
يريدون .. وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه ، كما تحرم نساء أبنائهم على
الحقيقة . والأدعياء: جمع دعى ، وهو الذى يدعى ابنا من غير أن يكون ابنا على الحقيقة .
فأخبرهم الله - تعالى - أن نساء الأدعياء حلال لهم - بعد انقضاء العدة - بخلاف الأبناء من
الصلب ، فإن نساءهم تحرم على الآباء بنفس العقد عليها .. (٢).
وبعد أن بين - سبحانه - الحكمة من زواج النبى - ليزر - بالسيدة زينب بنت جحش ،
التى كانت قبل ذلك زوجة لزيد بن حارثة - الذى كان الرسول قد تبناه وأعتقه - بعد كل
ذلك أخذت السورة الكريمة فى تقرير هذه الحكمة وتأكيدها ، وإزاله كل ما علق بالأذهان
بشأنها ، فقال - تعالى -: ﴿ ما كان على النبى من حرج فيما فرض اقه له ... ﴾
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٢٠ .
(٢) تفسير فتح القدير جــ ٦ ص ٢٨٥.

٢١٧
سورة الأحزاب
أى: ما كان على النبى - في - من حرج أو لوم أو مؤاخذة ، فى فعل ما أحله الله له،
وقدره عليه ، وأمره به من زواجه بزينب بعد أن طلقها ابنه بالتبنى زيد بن حارثه فقوله :
{فيما فرض الله له ﴾ أى: فيما قسمه له ، وقدره عليه، مأخوذ من قولهم: فرض فلان
لفلان كدا ، أى : قدر له هذا الشىء ، وجعله حلالا له .
وقوله - تعالى - : ﴿ سنة الله فى الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) زيادة
فى تأكيد هذه الحكمة، وفى تقرير صحة ما فرضه الله - تعالى - لنبيه - دولز - .
أى: ما فعله الرسول - * - من زواجه بزينب بعد طلاقها من زيد، قد جعله الله
- تعالى - سنة من سننه فى الأمم الماضية ، وكان أمر الله - تعالى - قدرا مقدورا . أى :
واقعا لا محالة .
والقدر: إيجاد الله - تعالى - للأشياء على قَدْرِ مخصوص حسبما تقتضى حكمته .
ويقابله القضاء : وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هى عليه . وقد يستعمل كل
منهما بمعنى الآخر . والأظهر أن قدر الله - تعالى - هنا بمعنى قضائه .
ولفظ ﴿ مقدورا﴾ وصف جىء به للتأكيد، كما فى قولهم: ظل ظليل، وليل أليل، ثم مدح
- سبحانه - هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يبلغون دعوته دون أن يخشوا أحدا سواه فقال :
الذين يبلغون رسالات الله ﴾ للذين يكلفهم - سبحانه - بتبليغها لهم. والموصول فى محل
جر صفة للذين خلوا . أو منصوب على المدح .
ويخشونه﴾ أى: ويخافونه وحده ﴿ولا يخشون أحدا إلا الله) - عز وجل - فى كل
ما يأتون وما يذرون ، وما يقولون وما يفعلون .
وكفى باقه حسيبا﴾ أى: وكفى بالله - تعالى - محاسبا لعباده على نيات قلوبهم
وأفعال جوارحهم ، وأقوال ألسنتهم .
ثم حدد - سبحانه - وظيفة رسوله - ﴿ - وأننى عليه بما هو أهله ، فقال - تعالى - :
ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ أى: لم يكن محمد - ويز - أبا لأحد من رجالكم
أبوة حقيقية ، تترتب عليها آثارها وأحكامها من الإِرث ، والنفقة والزواج ... وزيد كذلك
ليس ابنا له -# - فزواجه - - بزينب التى طلقها زيد لاحرج فيه ، ولا شبهة فى
صحته، وقوله : ﴿ ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ استدراك لبيان وظيفته وفضله.
أى: لم يكن - - أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة، ولكنه كان رسولا من عند الله
- تعالى - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان وكان - أيضا - خاتم النبيين ، بمعنى

٢١٨
المجلد الحادى عشر
٠
أنهم ختموا به ، فلا نبى بعده ، فهو كالخاتَم والطابع لهم . ختم الله - تعالى - به الرسل
والأنبياء ، فلا رسول ولا نبى بعده إلى قيام الساعة .
قال القرطبى: قرأ الجمهور ﴿وخاتم﴾ - بكسر التاء - بمعنى أنه ختمهم ، أى : جاء
آخرهم .
وقرأ عاصم ﴿وخاتم﴾ - بفتح التاء - بمعنى أنهم ختموا به ، فهو كالخاتم والطابع لهم .
وقيل : الخاتم والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان ، مثل طابع وطابع ..
وقد روى الإمام مسلم عن جابر أن رسول الله -* - قال: ((مثلى ومثل الأنبياء من
قبلى كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها ، إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون
منها ويقولون: ما أجمل هذه الدار، هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال -# - فأنا موضع اللبنة
جئت فختمت الأنبياء))(١) .
وقد ذكر الإمام ابن كثير عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الإمام مسلم عن أبى
هريرة أن رسول الله -# - قال: ((فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم
ونصرت بالرعب ، وأحلت لى الغنائم ، وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى
الخلق كافة ، وختم بى النبيون)) .
ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : والأحاديث فى هذا كثيرة ، فمن
رحمة الله - تعالى - بالعباد إرسال محمد -# - إليهم ، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء
والمرسلين به ، وإكمال الدين الحنيف له ، وقد أخبر - تعالى - فى كتابه ، وأخبر رسوله فى
السنة المتواترة عنه ، أنه لا نبي بعده ، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب
أفاك دجال ضال مضل ، ولو تخرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم .. (٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿وكان اللّه بكل شىء عليها﴾.
أى: وكان - عز وجل - ومازال ، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه ، وبما ينفعهم
ويصلحهم ، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم فى حاجة إليه من تشريعات ، واختار رسالة نبيكم محمد
- 4 - لتكون خاتمة الرسالات ، فعليكم أن تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة ، ليزيدكم
- سبحانه - من فضله وإحسانه .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٩٦.
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٢٤.

٢١٩
سورة الأحزاب
ثم جاءت الآيات الكريمة بعد ذلك لتؤكد هذا المعنى وتقرره ، فأمرت المؤمنين بالإكثار من
ذكر الله - تعالى - ومن تسبيحه وتحميده وتكبيره ، فقال - سبحانه - :
يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَذْكُرُ واْاللَّهَ ذِكْرًاكَثِيرًا ، وَسَبِّحُوهُ بَكْرَةً
وَأَصِيلًا ﴿ هُوَلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ
مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا فَ
١٠/٧/٠١١٠
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ وَأَعَدَّلَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا(@)
والمقصود بذكر الله - تعالى - فى قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ﴾
ما يشمل التهليل والتحميد والتكبير وغير ذلك من الأقوال والأفعال التى ترضيه - عز
وجل - .
أى: يا من آمنتم باللّه حق الإِيمان، اكثروا من التقرب إلى الله - تعالى - بما يرضيه ، فى
كل أوقاتكم وأحوالكم ، فإن ذكر الله - تعالى - هو طب النفوس ودواؤها ، وهو عافية
الأبدان وشفاؤها ، به تطمئن القلوب ، وتنشرح الصدور ..
والتعبير بقوله: ﴿ اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ يشعر بأن من شأن المؤمن الصادق فى إيمانه،
أن يواظب على هذه الطاعة مواظبة تامة .
ومن الأحاديث التى وردت فى الحض على الإكثار من ذكر الله ، ما رواه الإِمام أحمد عن أبى
الدرداء .. رضى الله عنه .. قال: قال رسول الله - وَ ل -: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم ،
وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها فى درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِقِ - أى :
الفضة ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ، قالوا :
وما هو يارسول الله ؟ قال: ذكر الله - عز وجل - )).
وعن عمرو بن قيس قال : سمعت عبد الله بن بسر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله
- وَله - فقال أحدهما: يارسول الله، أى الناس خير؟ قال: ((من طال عمره وحسن
عمله)).
وقال الآخر: يارسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرنى بأمر أتشبث به .
قال: ((لايزال لسانك رطبا بذكر الله)).

٢٢٠
المجلد الحادى عشر
وقال ابن عباس: لم يفرض اللّه - تعالى - فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ، ثم عذر
أهلها فى حال العذر ، غير الذكر ، فإن اللّه - تعالى - لم يجعل له حدا ينتهى إليه ، ولم يعذر
أحداً فى تركه إلا مغلوبا على عقله، وأمرهم به فى الأحوال كلها. فقال - تعالى -: ﴿ الذين
يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم .. ﴾ وقال - سبحانه -: ﴿فإذا قضيتم الصلاة
فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم .. ﴾ أى: بالليل وبالنهار، فى البر والبحر ، وفى
السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال .. (١).
وقوله: ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ معطوف على ﴿اذكروا ... ) والتسبيح: التنزيه.
مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء . فالمسبح مسرع فى تنزيه الله وتبرئته
من السوء . والبكرة : أول النهار. والأصيل : آخره .
أى : اكثروا - أيها المؤمنون - من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم ، ونزهوه
- سبحانه - عن كل ما لا يليق به ، فى أول النهار وفى آخره .
وتخصيص الأمر بالتسبيح فى هذين الوقتين ، لبيان فضلهما ، ولمزيد الثواب فيها ، وهذا لا
يمنع أن التسبيح فى غير هذين الوقتين له ثوابه العظيم عند الله - تعالى - .
- وأيضا - خص - سبحانه - التسبيح بالذكر مع دخوله فى عموم الذكر ، للتنبيه على
مزيد فضله وشرفه ..
قال صاحب الكشاف : والتسبيح من جملة الذكر . وإنما اختصه - تعالى - من بين أنواعه
اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة ، ليبين فضله على سائر الأذكار ، لأن معناه تنزيه
ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال .. (٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ هو الذى يصلى عليكم وملائكته .. ﴾ استئناف جار مجرى
التعليل لما قبله ، من الأمر بالإِكثار من الذكر ومن التسبيح .
والصلاة من الله - تعالى - على عباده معناها : الرحمة بهم ، والثناء عليهم ، كما أن الصلاة
من الملائكة على الناس معناها : الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة .
قال القرطبى : قوله - تعالى -: ﴿ هو الذى يصلى عليكم وملائكته﴾ .. قال ابن
عباس: لما نزل: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبى ... ﴾ قال المهاجرون والأنصار: هذا
لك يارسول الله خاصة، وليس لنا فيه شىء، فأنزل الله هذه الآية.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٢٦ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٤٥ .