Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة السجدة
التفسير
قال الله - تعالى - :
◌ِاللَّهِ الرَّحمَنِالرَّحِيمِ
الَّمَّ ا تَزِلُ الْكِتَبِ لاَرَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
﴿ أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَالْحَقٌّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا
مَّا أَتَنَّهُمْ مِّن نَّذِيرٍمِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللَّهُ
الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ
ثُمَاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَإِةٍ وَلَا شَفِيَعْ أَفَلَا
نَتَذَّكَّرُونَ نْ يُدَبِرُ اْأَمْرَمِنَ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فُمَ يَعْرُجُ
إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فَا ذَلِكَ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُالرَّحِيمُ ﴿ الَّذِىَّ أَحْسَنَ
كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ ، ثُمَّجَعَلَ
نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ قَهِينٍ ، ثُمَّسَوَّنَهُ وَنَفَخَّ فِهِ
مِن رُوحِيٌِّ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْعِدَةُقَلِيلًا
مَّا تَشْكُرُونَ
٩

١٤٢
المجلد الحادى عشر
سورة السجدة من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن ذكرنا آراء
العلماء فى ذلك بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ...
وقلنا ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى
افتتاح بعض السور، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم
القرآن ترونه مؤلفًا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ومنظومًا من حروف ، وهى
من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .
فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى
يعاونكم فى ذلك ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو سورة من مثله ...
ومع كل هذا التساهل فى التحدى . فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت بذلك أن القرآن
من عند الله - تعالى - وحده .
وقوله - تعالى -: ﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) بيان لمصدر القرآن
الكريم وأنه لا شك فى كونه من عند الله - عز وجل - .
وقوله: ﴿تنزيل الكتاب) مبتدأ. وخبره ﴿من رب العالمين) وجملة ﴿ لا ريب
فيه ﴾ معترضة بينهما، أو حال من الكتاب .. (١).
أى : تنزيل هذا الكتاب عليك - أيها الرسول الكريم - كائن من رب العالمين ، وهذا أمر
لا شك فيه ، ولا يخالطه ريب أو تردد عند كل عاقل .
وعجل - سبحانه - بنفى الريب ، حيث جعله بين المبتدأ والخبر ، لبيان أن هذه القضية
ليست محلاً للشك أو الريب، وأن كل منصف يعلم أن هذا القرآن من رب العالمين .
و ((أم)) فى قوله - تعالى -: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ هى المنقطعة التى بمعنى بل والهمزة.
والاستفهام للتعجيب من قولهم وإنكاره .
والافتراء : الاختلاق . يقال : فلان افترى الكذب ، أى: اختلقه . وأصله من الفرى
بمعنى قطع الجلد ، وأكثر ما يكون للإِفساد .
والمعنى: بل أيقول هؤلاء المشركون، إن محمدا - * - ، قد افترى هذا القرآن ،
واختلقه من عند نفسه ... ؟
(١) راجع حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤١٢ .

١٤٣
سورة السجدة
وقوله - عز وجل -: ﴿ بل هو الحق من ربك﴾ رد على أقوالهم الباطلة.
أى : لا تستمع - أيها الرسول الكريم - إلى أقاويلهم الفاسدة ، فإن هذا القرآن هو
الحق الصادر إليك من ربك - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى إرساله - بصل - وفى إنزال القرآن عليه فقال: ﴿ لتنذر
قومًا ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون ﴾ .
والإِنذار: هو التخويف من إرتكاب شىء تسوء عاقبته. و((ما)) نافية. و((نذير))
فاعل ((أتاهم)) و((من)) مزيدة للتأكيد .
أى : هذا القرآن - يا محمد - هو معجزتك الكبرى ، وقد أنزلناه إليك لتنذر قومًا لم يأتهم
نذير من قبلك بما جئتهم به من هدايات وإرشادات وآداب .
وقد فعلنا ذلك رجاء أن يهتدوا إلى الصراط المستقيم ، ويستقبلوا دعوتك بالطاعة
والاستجابة لما تدعوهم إليه .
ولا يقال : إن إسماعيل - عليه السلام - قد أرسل إلى آباء هؤلاء العرب الذين أرسل
الرسول - * - إليهم ، لأن رسالة إسماعيل قد أندرست بطول الزمن ، ولم ينقلها الخلف
عن السلف، فكانت رسالة الرسول - * - إلى قومه ، جديدة فى منهجها وأحكامها
وتشريعاتها .
ثم أثنى - سبحانه - على ذاته ، بما يستحقه من إجلال وتعظيم وتقديس فقال : ﴿ اللّه
الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ... ﴾ .
والأيام جمع يوم ، واليوم فى اللغة : مطلق الوقت ، أى : فى ستة أوقات لا يعلم مقدارها
إلا الله - تعالى - .
وهو - سبحانه - قادر على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما فى لمحة أو لحظة ،
ولكنه - عز وجل - خلقهن فى تلك الأوقات ، لكى يعلم عباده التأنى والتثبيت فى الأمور .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿ ستة أيام ﴾ قال الحسن: من أيام الدنيا. وقال ابن
عباس : إن اليوم من الأيام الستة ، التى خلق اللّه فيها السموات والأرض ، مقداره ألف سنة
من سنى الدنيا .. (١) .
وقال بعض العلماء ما ملخصه : وليست هذه الأيام من أيام هذه الأرض التى نعرفها ، إذ
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٨٦ .

١٤٤
المجلد الحادى عشر
أيام هذه الأرض ، مقياس زمنى ناشىء من دورة هذه الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة ،
تؤلف ليلاً ونهارًا على هذه الأرض .. وهو مقياس يصلح لنا نحن أبناء هذه الأرض الصغيرة
الضئيلة . أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة فى القرآن، فعلمها عند الله . ولا سبيل لنا إلى
تحديدها وتعيين مقدارها ، فهى من أيام الله التى يقول عنها: ﴿وإن يومًّا عند ربك كألف سنة
﴾(١) .
مما تعدون
وقوله - سبحانه -: ﴿ ثم استوى على العرش﴾ إشارة إلى استعلائه وهيمنته على
شئون خلقه .
وقال بعض العلماء : وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم .. وقد ذكر فى
إحدى وعشرين آية . وذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات .
أما الاستواء على العرش ، فذهب سلف الأمة، إلى أنه صفة الله - تعالى - بلا كيف
ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ،
ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به : ﴿ ليس كمثله شىء وهو السميع البصير ﴾.
وأنه يجب الإِيمان بها كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى - .
قال الإِمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإِيمان به واجب ،
والسؤال عنه بدعة .
وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعًا على الإِيمان بالصفات ، من غير تفسير
ولا تشبيه .
وقال الإِمام الرازى: إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد عليه .. ))(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ مالكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون ﴾ أى : ليس
لكم - أيها الناس - إذا تجاوزتم حدوده - عز وجل - ﴿ من ولى﴾ أى: من ناصر
ينصركم إن أراد عقابكم، ﴿ولا شفيع﴾ يشفع لكم عنده لكى يعفو عنكم ، أفلا تعقلون
هذه المعانى الواضحة ، وتسمعون هذه المواعظ البليغة ، التى من شأنها أن تحملكم على التذكر
والاعتبار والطاعة التامة لله رب العالمين .
فالآية الكريمة جمعت فى توجيهاتها الحكيمة ، بين مظاهر قدرة الله - تعالى - ، وبين
الترهيب من معصيته ومخالفة أمره ، وبين الحض على التذكر والاعتبار .
(١) فى ظلال القرآن جـ ٢١ ص ٥١٠ .
( ٢) راجع تفسير صفوة البيان ص ٢٦٣ لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف.

١٤٥
سورة السجدة
ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق أن وصف به ذاته ، صفات أخرى تليق بجلاله ،
فقال: ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة
.
مما تعدون
وقوله - تعالى -: ﴿يدبر﴾ من التدبير بمعنى الإحكام والإتقان، والمراد به هنا: إيجاد
الأشياء على هذا النحو البديع الحكيم الذى نشاهده ، وأصل التدبير : النظر فى أعقاب الأمور
محمودة العاقبة .
وقوله : ﴿يعرج﴾ من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة إليه - تعالى - .
والضمير فى ((إليه)) يعود إلى الأمر الذى دبره وأحكمه - سبحانه - .
أى: أن الله - تعالى - هو الذى يحكم شئون الدنيا السماوية والأرضية إلى أن تقوم
الساعة ، وهو الذى يجعلها على تلك الصورة البديعة المتقنة ، ثم تصعد إليه - تعالى - تلك
الأمور والشئون المدبرة ، فى يوم ، عظيم هو يوم القيامة ﴿ كان مقداره ألف سنة مما تعدون ،
من أيام الدنيا .
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: ﴿ من السماء إلى الأرض﴾ متعلقان بقوله :
يدبر ﴾ ومن ابتدائية، وإلى انتهائية. أى: يريده - تعالى - على وجه الإتقان ومراعاة
الحكمة ، منزلاً له من السماء إلى الأرض . وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه ، فإن أسبابه
سماوية من الملائكة وغيرهم .
وقوله ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ أى: ذلك الأمر بعد تدبيره. وهذا العروج مجاز عن ثبوته فى
علمه .. أو عن كتابته فى صحف الملائكة بأمره - تعالى - (١) .
وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - هنا أنه ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم
يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾. وذكر فى سورة الحج ﴿وإن يومًا عند
ربك كألف سنة مما تعدون ﴾. وذكر سورة المعارج ﴿تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان
مقداره خمسين ألف سنة ﴾ والجمع بين هذه الآيات من وجهين :
الأول : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف فى سورة الحج ، هو أحد الأيام الستة
التى خلق الله فيها السموات والأرض . ويوم الألف فى سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر
وعروجه إليه - تعالى - ، ويوم الخمسين ألفا - فى سورة المعارج - هو يوم القيامة .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٢٠.

١٤٦
المجلد الحادى عشر
الثانى : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر ويدل
لهذا الوجه قوله - تعالى -: ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين غير يسير﴾(١).
أى : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل فى حالة ألف سنة
من سنى الدنيا ، ويعادل فى حالة أخرى خمسين ألف سنة .
واسم الإشارة فى قوله ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ﴾ يعود إلى الله
- تعالى - ، وهو مبتدأ ، وما بعده أخبار له - عز وجل - .
أى : ذلك الذى اتصف بتلك الصفات الجليلة، وفعل تلك الأفعال المتقنة الحكيمة ، هو الله
- تعالى -، ﴿ عالم الغيب والشهادة﴾ أى: عالم كل ما غاب عن الحس، وكل ما هو
مشاهد له، لا يخفى عليه شىء مما ظهر أو بطن ﴿ العزيز ﴾ الذى لا يغلبه غالب
· الرحيم ﴾ بعباده .
الذى أحسن كل شىء خلقه ﴾ أى : الذى أحكم وأتقن كل شىء خلقه وأوجده فى هذا
الكون ، لأنه - سبحانه - أوجده على النحو الذى تقتضيه حكمته ، وتستدعيه مصلحة
عباده .
قال الشوكانى : وقرأ الجمهور ﴿خلقه) - بفتح اللام - على أنه فعل ماض صفة
لشىء، فهو فى محل جر. أو صفة للمضاف فيكون فى محل نصب .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر: ﴿خلقه﴾ - بسكون اللام - وفى نصبه أوجه:
الأول: أن يكون بدلاً من ﴿ كل شىء﴾ بدل اشتمال ، والضمير عائد على كل شىء ، وهذا
هو المشهور ... ﴾(٢).
والمراد بالإنسان فى قوله - تعالى -: ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ آدم - عليه
السلام - ، أى وبدأ خلق أبيكم آدم من طين ، فصار على أحسن صورة ، وأبدع شكل ﴿ ثم
جعل نسله﴾ أى : ذريته، وسميت بذلك لأنها تنسل وتنفصل منه .
﴿ من سلالة﴾ أى: من خلاصة، وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية.
﴿ من ماء مهين﴾ أى: ممتهن لا يهتم بشأنه، ولا يعتنى به، والمقصود به: المنى الذى
يخرج من الرجل .
(١) تفسير أضواء البيان جـ ٦ ص ٥٠٣ للشيخ الأمين الشنقيطى.
( ٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٦ ص ٢٤٩ .

١٤٧
سورة السجدة
ثم سواه ﴾ أى: هذا المخلوق الذى أوجده من طين ، أو من ماء مهين . والمراد: ثم
عدل خلقه ، وسوى شكله ، وناسب بين أعضائه ، وأتمه فى أحسن صورة ...
﴿ونفح فيهِ﴾ - سبحانه - ﴿من روحه﴾ أى: من قدرته ورحمته، التى صار بها هذا
الإِنسان إنسانًا كاملاً فى أحسن تقويم.
وإضافة الروح إليه - تعالى - للتشريف والتكريم لهذا المخلوق ، كما فى قولهم بيت الله.
﴿ وجعل لكم﴾ بعد ذلك ﴿ السمع﴾ الذى تسمعون به ﴿والأبصار) التى تبصرون
بها، ﴿ والأفئدة﴾ التى تعقلون بها، وتحسون الأشياء بواسطتها .
وقوله: ﴿ قليلاً ما تشكرون) بيان لموقف بنى آدم من هذه النعم المتكاثرة والمتنوعة.
ولفظ ((قليلاً)) منصوب على أنه صفة المحذوف وقع معمولاً لتشكرون .
أى : شكرًا قليلًا تشكرون ، أو زمانًا قليلًا تشكرون .
وهكذا بنو آدم - إلا من عصم الله - ، أوجدهم الله - تعالى - بقدرته ، وسخر لمنفعتهم
ومصلحتهم ما سخر من مخلوقات ، وصانهم فى كل مراحل خلقهم بأنواع من الصيانة
والحفظ ... ومع ذلك فقليل منهم هم الذين يشكرونه - عز وجل - على نعمه . وصدق
- سبحانه - حيث يقول : ﴿ وقليل من عبادي الشكور﴾.
ثم حكى - سبحانه - شبهات المشركين ورد عليها ، وصور أحوالهم الأليمة عندما تقبض
الملائكة أرواحهم ، فقال - تعالى - :
وَقَالُواْأَِذَا ضَلَلْنَا فِ الْأَرْضِ أَءِنَالَفِى
قُلْ يَنَوَقَّئُكُمْ
١٠
خَلْقٍ جَدِيدٍ بَّ هُمْ بِقَآءِ رَبِهِمْ كَفِرُونَ
مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْرُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
﴿ وَلَوْشِتْنَا لَّ فَيْنَاكُلَّ نَفْسِ هُدَنِهَا وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ

١٤٨
المجلد الحادى عشر
مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٣
فَذُ وقُواْبِمَا نَسِبِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ
وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿وقالوا أئذا ضللنا فى الأرض ﴾ هذا قول منكرى
البعث أى : هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا . وأصله من قول العرب : ضل الماء فى اللبن إذا ذهب .
والعرب تقول للشىء غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره: قد ضل .. ))(١).
أى : وقال الكافرون على سبيل الإنكار ليوم القيامة وما فيه من حساب أئذا صارت
أجسادنا كالتراب واختلطت به ، أنعاد إلى الحياة مرة أخرى ، ونخلق خلقًا جديدًا ... ؟
وقوله - سبحانه -: ﴿ بل هم بلقاء ربهم كافرون ﴾ إضراب وانتقال من حكاية كفرهم
بالبعث والحساب إلى حكاية ما هو أشنع من ذلك وهو كفرهم بلقاء الله - تعالى - الذى
خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم ... أى: بل هم لانطاس بصائرهم ، واستيلاء العناد والجهل
عليهم ، بلقاء ربهم يوم القيامة ، كافرون جاحدون ، لأنهم قد استبعدوا إعادتهم إلى الحياة بعد
موتهم ، مع أن الله - تعالى - قد أوجدهم ولم يكونوا شيئًا مذكورًا .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن مردهم إليه لا محالة بعد أن يقبض ملك الموت أرواحهم
فقال: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم، ثم إلى ربكم ترجعون
وقوله ﴿ يتوفاكم﴾ من التوفى. وأصله أخذ الشىء وافيا تاما. يقال: توفاه الله، أى:
استوفى روحه وقبضها ، وتوفيت مالى بمعنى استوفيته والمراد بملك الموت : عزرائيل .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - فى الرد على هؤلاء الجاحدين: سيتولى قبض أرواحكم
عند انتهاء آجالكم ملك الموت الذى كلفه الله - تعالى - بذلك ثم إلى ربكم ترجعون ،
فيجازيكم بما تستحقونه من عقاب ، بسبب كفركم وجحودكم .
وأسند - سبحانه - هنا التوفى إلى ملك الموت ، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح . وأسنده
إلى الملائكة فى قوله - تعالى - ﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة﴾ لأنهم أعوان ملك الموت
الذين كلفهم اللّه بذلك .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٩١.

١٤٩
سورة السجدة
وأسنده - سبحانه - إلى ذاته فى قوله : ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ لأن كل شىء
كائنا ما كان ، لا يكون إلا بقضائه وقدره .
ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ، عندما يقفون للحساب ، تصویرًا مرعبًا
مخيفًا فقال: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم :
وجواب ((لو)) محذوف ، والتقدير : لرأيت شيئًا تقشعر من هوله الأبدان .
وقوله : ﴿ ناكسو﴾ من النكس ، وهو قلب الشىء على رأسه كالتنكيس .. وفعله من
باب نصر - والخطاب يصح أن يكون للرسول - وَليه - أو لكل من يصلح له .
أى : ولو ترى - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المجرمين الذين أنكروا البعث
والجزاء ، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وخزى ، لحسابهم على أعمالهم .. لو ترى ذلك لرأيت
شيئًا ترتعد له الفرائص ، وتهتز منه القلوب .
وقوله: ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون ﴾ حكاية لما يقولونه فى
هذا الموقف العصيب . أى : يقولون بذلة وندم: ياربنا نحن الآن نبصر مصيرنا ، ونسمع
قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال ، ﴿ فارجعنا﴾ إلى الدنيا، لكى ﴿ نعمل ﴾
عملًا ﴿ صالحًا إنا موقنون﴾ الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق، وأن البعث حق. وأن
الجزاء حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق .
ولكن هذا الإِيقان والاعتراف منهم ، قد جاء فى غير أوانه ، ولذا لا يقبله - سبحانه -
منهم ، ولذا عقب - سبحانه - على ما قالوه بقوله: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس
هداها ... ﴾. أى: ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإِيمان ، لفعلنا ،
لأن إرادتنا نافذة ، وقدرتنا لا يعجزها شىء .
﴿ ولكن حق القول منى ﴾ أى : ولكن ثبت وتحقق قولى .
لأملأن جهنم من الجنة ﴾ أى من الجن وسموا بذلك لاستتارهم عن الأنظار.
ومن ﴿ الناس أجمعين) بسبب فسوقهم عن أمرنا، وتكذيبهم لرسلنا .
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شىء ، إلا أن حكمته
- سبحانه - قد اقتضت أن الذين سبق فى علمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهداية ، لسوء
استعدادهم ، يكون مصيرهم إلى النار ، وأما الذين آثروا الهداية على الضلالة لنقاء نفوسهم ،
وكمال استعدادهم ، فيكون مصيرهم إلى جنة عرضها السموات والأرض .
كما أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يميز الإنسان على غيره ، بأن يجعل له طبيعة

١٥٠
المجلد الحادى عشر
خاصة يملك معها اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال . كما قال - تعالى - ﴿ إنا خلقنا
الإِنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا. إنا هديناه السبيل، إما شاكرًا
وإما كفورا ﴾ .
ثم بين - سبحانه - ما يقال لهؤلاء المجرمين عندما يلقى بهم فى جهنم فقال - تعالى - :
فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم ، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ﴾ .
والذوق حقيقة إدراك المطعومات . والأصل فيه أن يكون فى أمر مرغوب فى ذوقه وطلبه .
والتعبير به هنا عن ذوق العذاب من باب التهكم بهم .
والفاء فى قوله: ﴿ فذوقوا﴾ لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله والباء للسببية. والمراد
بالنسيان لازمه ، وهو الترك والإِهمال .
أى : ويقال لهؤلاء المجرمين عندما يلقى بهم فى النار : ذوقوا لهيبها وسعيرها بسبب نسيانكم
وإهمالكم وجحودكم ليوم القيامة وما فيه من حساب . وإننا من جانبنا قد أهملناكم وتركناكم .
بسبب إصراركم على كفركم ، وذوقوا العذاب الذى أنتم مخلدون فيه بسبب أعمالكم القبيحة فى
الدنيا ((جزاء وفاقا)).
وكرر - سبحانه - لفظ ﴿ ذوقوا﴾ على سبيل التأكيد ، وزيادة التقريع والتأنيب.
ثم تترك السورة الكريمة هؤلاء المجرمين يذوقون العذاب ، وتنتقل إلى الحديث عن مشهد
آخر ، عن مشهد يشرح النفوس ، ويبهج القلوب ، إنه مشهد المؤمنين الصادقين ، وما أعد
الله - تعالى - من ثواب قال - تعالى - :
إِنَّمَا يُؤْمِنُ
بِثَايَئِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُ واْ بِهَا خَرُواْسُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدٍ
رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ نَجَافَى جُنُوبُهُمْ
عَنِ الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ
يُنْفِقُونَ ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَّةٌ
١٧
بِمَا كَانُوْيَعْمَلُونَ

:
١٥١
سورة السجدة
أى: ﴿إنما يؤمن﴾ ويصدق ﴿بآياتنا) الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا، أصحاب
النفوس النقية الصافية ، الذين إذ ذكروا بها ، أى : بهذه الآيات .
خروا سجدًا ﴾ الله - تعالى - من غير تردد ﴿وسبحوا بحمد ربهم﴾ أى: ونزهوه
عن كل ما لا يليق به - عز وجل -
﴿ وهم لا يستكبرون﴾ عن طاعته - سبحانه - ، وعن الانقياد لأمره ونهيه.
ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى عبادتهم وتقربهم إلى الله ، تصويرًا بديعًا فقال :
تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا﴾.
والتجانى : التحرك إلى جهة أعلى . وأصله من جفا فلان السرج عن فرسه ، إذا رفعه .
ويقال تجافى فلان عن مكانه ، إذا انتقل عنه .
والجنوب : جمع جنب. وأصله الجارحة ، والمراد به الشخص .
والمضاجع : جمع مضجع ، وهو مكان الاتكاء للنوم .
والمعنى : أن هؤلاء المؤمنين الصادقين ، تتنحى وترتفع أجسامهم ، عن أماكن نومهم ،
وراحتهم ، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص وإنابة ﴿ خوفًا ﴾ من سخطه عليهم ،
فى رضاه عنهم .
وطمعًا ﴾
﴿ ومما رزقناهم﴾ من فضلنا وخيرنا ﴿ينفقون﴾ فى وجوه البر والخير.
وقوله - سبحانه -: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ... ) بيان للعطاء
الجزيل ، والثواب العظيم . أى : فلا تعلم نفس من النفوس سواء أكانت لملك مقرب ، أم
لنبى مرسل ، ما أخفاه الله - تعالى - لهؤلاء المؤمنين المتهجدين بالليل والناس نيام ، من
ثواب تقر به أعينهم ، وتسعد به قلوبهم ، وتبتهج له نفوسهم ..
وهذا العطاء الجزيل إنما هو بسبب أعمالهم الصالحة فى الدنيا .
وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة صورة مشرقة لعباد الله الصالحين ، وللثواب الذى
لا تحيط به عبارة ، والذى أكرمهم الله - تعالى - به .
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، عددًا من الأحاديث الواردة فى فضل
قيام الليل ، منها ما رواه الإِمام أحمد عن معاذ بن جبل - رضى الله عنه - قال : كنت مع
النبى - * - فى سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه. ونحن نسير، فقلت: يانبى الله،
أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة، ويباعدنى من النار. فقال: ((لقد سألت عن عظيم ، وأنه ليسير

١٥٢
المجلد الحادى عشر
على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج
البيت . ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة ، والصدقة تطفىء الخطيئة ، وصلاة
الرجل فى جوف الليل شعار الصالحين ، ثم قرأ - * - : تتجافى جنوبهم عن المضاجع
يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ... ))
وعن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله - * -: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين
يوم القيامة ، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق : سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى
بالكرم . ثم يرجع فينادى: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع)).
وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - وَل1 - إن الله - تعالى -
قال: (( أعددت لعبادى الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب
: بشر)) ١١) .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن عدالته قد اقتضت عدم التسوية بين الأخيار والأشرار ،
وأن كل إنسان إنما يجازى يوم القيامة على حسب عمله فقال - تعالى - .
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا
لَّا يَسْتَوُونَ ﴿ أَمَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ فَلَهُمْ
جَنَّثُ اَلْمَأْوَى نُزْلاً بِمَا كَانُوْيَعْمَلُونَ ﴿ وَأَمَّالَّذِينَ فَسَقُواْ
فَأْوَنَّهُمُ النَّارُ كَّمَا أَرَدُوَأَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُ وافِيهَا وَقِيلَ
لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُمْ يِهِ تُكَّذِّبُونَ (٥)
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿١) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذِكْرِ نَايَتِ رَبِّهِ ثُمَّ
أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٦)
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٦٥.
٠٫٠

١٥٣
سورة السجدة
والاستفهام فى قوله: ﴿ أفمن كان مؤمنًا .. ﴾ للإِنكار، والفسوق: الخروج عن طاعة
الله .
أى: أفمن كان فى هذه الدنيا مؤمنًا بالله حق الإِيمان ، كمن كان فيها فاسقًا وخارجًا عن
طاعة الله - تعالى - وعن دينه الذى ارتضاه لعباده؟
كلا ، إنهم لا يستوون لا فى سلوكهم وأعمالهم ، ولا فى جزائهم الدنيوى أو الأخروى .
وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت فى شأن الوليد بن عقبة ، وعلى بن أبى طالب - رضى الله
عنه - ، حيث قال الوليد لعلى: أنا أبسط منك لسانًا، وأحد سنانا، وأملأ فى الكتيبة جسدًا ،
فقال له على: اسكت، فإنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية(١) .
ثم فصل - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الفاسقين ، فقال : ﴿ أما الذين
آمنوا﴾ باللّه حق الإِيمان ﴿وعملوا﴾ الأعمال ﴿الصالحات
﴿ فلهم جنات المأوى) أى: فلهم الجنات التى يأوون إليها، ويسكنون فيها ﴿نزلاً
بما كانوا يعملون﴾ والنزل: أصله ما يهيَّ للضيف النازل من الطعام والشراب والصلة ، ثم
عمم فى كل عطاء . أى : فلهم جنات المأوى ينزلون فيها نزولاً مصحوبًا بالتكريم والتشريف
جزاء أعمالهم الصالحة التى عملوها فى الدنيا .
:وأما الذين فسقوا﴾ أى: خرجوا عن طاعتنا، وعن دعوة رسولنا - * - .
1
فمأواهم النار ﴾ أى: فمنزلتهم ومسكنهم ومستقرهم النار وبئس القرار.
كلما أرادوا أن يخرجوا منها ﴾ هربًا من لهيبها وسعيرها وعذابها .
أعيدوا فيها ﴾ مرغمين مكرهين ، وردوا إليها مهانين مستذلين .
وقيل لهم﴾ على سبيل الزجر والتأنيب وزيادة الحسرة فى قلوبهم.
ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون ﴾ فى الدنيا ، وتستهزئون بمن ينذركم به ،
ويخوفكم منه .
﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ أى الأهون والأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا، عن
طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام ومصائب متنوعة .
﴿ دون العذاب الأكبر) أى: الأشد والأعظم والأبقى، وهو عذاب الآخرة .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٠٤.

١٥٤
المجلد الحادى عشر
﴿ لعلهم يرجعون﴾ عما هم فيه من شرك وكفر وفسوق وعصيان.
ثم بين - سبحانه - حال من يدعى إلى الهدى فيعرض عنه، فقال: ﴿ومن أظلم ممن
ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ﴾ .
أى: لا أحد أشد ظلًا وكفرًا ممن ذكره المذكر بالآيات الدالة على وحدانية الله - تعالى -
وقدرته ، وعلى أن دين الإِسلام هو الحق ، ثم أعرض عنها جحودًا وعنادًا .
: إنَّا من المجرمين منتقمون ﴾ أى: إنّ من أهل الإجرام والجحود لآياتنا منتقمون انتقامًا
يذلهم وهینهم .
قال صاحب الكشاف: ((ثم)» فى قوله ﴿ ثم أعرض عنها﴾ للاستبعاد.
والمعنى : أن الإعراض عن مثل آيات الله ، فى وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء
السبيل ، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد فى العقل والعدل . كما تقول
لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها ، استبعادًا لتركه الانتهاز. ومنه ((ثم )) فى
بيت الحماسة :
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها
إستبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها .
فإن قلت : هلا قيل : إنا منه منتقمون ؟ قلت: لما جعله أظلم كل ظالم ، ثم توعد المجرمين
عامة بالانتقام منهم ، فقد دل على إصابة الأظلم بالنصيب الأوفر من الانتقام ، ولو قاله
بالضمير لم يفد هذه الإفادة(١).
ثم أشارت السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه
السلام - من نعم. وما منحه للصالحين من قومه من منن ، فقال - تعالى - :
وَلَقَدْءَانَيْنَا
٠٠٠٠
مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَةِمِّنْ لِقَابِهِ، وَجَعَلْنَهُ
هُدِّى لِبَنِ إِسْرَهِ يَ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةً يَهْدُونَ
. (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥١٥ .

١٥٥
سورة السجدة
بِأَمِّنَا لَمَّا صَبَرُ واْ وَكَانُوْرِعَايَتِنَا يُوقِنُونَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْفِيهِيَخْتَلِفُونَ
٢٥
والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ التوراة التى أنزلها
- سبحانه - لتكون هداية لبنى إسرائيل .
قالوا: وإنما ذكر موسى لقربه من النبى - * - ووجود من كان على دينه إلزامًا لهم .
وإنما لم يختر عيسى - عليه السلام - للذكر وللاستدلال ، لأن اليهود ما كانوا يوافقون على
نبوته ، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى - عليه السلام - (١) .
والضمير المجرور فى قوله : ﴿ فلا تكن فى مرية من لقائه ﴾ يعود إلى موسى على أرجح
الأقوال - أو إلى الكتاب .
أى : آتينا موسى الكتاب فلا تكن - أيها الرسول الكريم - فى مرية أو شك من لقاء
موسى للكتاب الذى أوحيناه إليه ، بقبول ورضا وتحمل لتكاليف الدعوة به ، فكن مثله فى
ذلك، وبلغ ما أنزل إليك من ربك دون أن تخشى أحدًا سواه .
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ أى: جنس الكتاب
فلا تكن فى مرية﴾ أى: شك ﴿ من لقائه ﴾ أى: من لقائك ذلك الجنس.
وحمل بعضهم ﴿ الكتاب) على العهد، أى الكتاب المعهود وهو التوراة .
ونهيه - ﴿ - عن أن يكون فى شك ، المقصود به أمته ، والتعريض بمن اتصف بذلك .
وقيل الكتاب ، المراد به التوراة ، وضمير ، لقائه ، عائد إليه من غير تقدير مضاف . ولقاء
مصدر مضاف إلى مفعوله ، وفاعله موسى ، أى : فلا تكن فى مرية من لقاء موسى الكتاب ،
أو مضاف إلى فاعله ، ومفعوله موسى. أى: من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه .. (١) .
وهذا الرأى الأخير الذى عبر عنه الآلوسى - رحمه الله - بقوله ((وقيل )) وهو فى رأينا
أرجح الآراء ، وأقربها إلى الصواب ، لبعده عن التكلف .
قال الجمل فى حاشيته ، بعد أن ساق ستة أقوال فى عودة الضمير فى قوله ﴿من لقائه ﴾:
«وأظهرها أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب . أى : لا ترتب فى أن موسى لقى الكتاب
وأنزل عليه))(٣) .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٤١٩.
(٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٣٧.
(٣) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤١٩.

١٥٦
المجلد الحادى عشر
قال صاحب الكشاف: والضمير فى ((لقائه)) له - أى لموسى - ، ومعناه : إنا آتينا
موسى - عليه السلام - مثل ما آتيناك من الكتب ، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحى ،
فلا تكن فى شك من أنك لقيت مثله ، ولقيت نظيره كقوله - تعالى - : ﴿فإن كنت فى شك
مما أنزلنا إليك ، فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ﴾(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ وجعلناه هدى لبنى إسرائيل﴾ أى: وجعلنا الكتاب الذى أنزلناه
على نبينا موسى - عليه السلام - هداية لبنى إسرائيل إلى طريق الحق والسداد .
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ﴾ والأئمة: جمع إمام، وهو من يقتدى به فى
الأمور المختلفة . والمراد بهم هنا : من يقتدى بهم فى وجوه الخير والبر .
أى : وجعلنا من بنى إسرائيل أئمة فى الخير والصلاح ، يهدون غيرهم إلى الطريق الحق ،
بأمرنا وإرادتنا وفضلنا ، وقد وفقناهم لذلك حين صبروا على أداء ما كلفناهم به من عبادات ،
وحين تحملوا الشدائد والمحن فى سبيل إعلاء كلمتنا .
وأنت ترى أن جعلهم أئمة فى الخير لم يكن اعتباطًا ، وإنما كان بسبب صبرهم على الأذى ،
وعلى مشاق الدعوة إلى الحق ، وعلى كل أمر يستلزم الصبر وحبس النفس .
وفى ذلك إرشاد وتعليم للمسلمين ، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين ، ممن كانوا قبلهم ،
وأن يبلغوا دعوة الله إلى غيرهم بصبر ويقين .
وقوله - سبحانه -: ﴿وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ زيادة فى مدحهم، وفى تقرير أنهم أهل
للإِمامة فى الخير . أى : وكانوا بسبب إدراكهم السليم لمعانى آياتنا: يوقنون إيقانًا جازمًا بأنهم
على الحق الذى لا يحوم حوله باطل وبأنهم متبعون لشريعة الله - تعالى - التى لا يضل من
اتبعها وسار على نهجها .
ثم أشار - سبحانه - إلى أن بنى إسرائيل جميعًا لم يكونوا كذلك ، وإنما كان منهم الأخيار
والأشرار ، وأنه - تعالى - سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه العادل ، فقال: ﴿إن ربك
هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ .
أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده الذى يتولى القضاء والحكم بين المؤمنين
والكافرين يوم القيامة ، فيما كانوا يختلفون فيه فى الدنيا من أمور متنوعة . على رأسها
ما يتعلق بالأمور الدينية .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥١٦ .

١٥٧
سورة السجدة
ثم يسوق - سبحانه - فى أواخر السورة ما من شأنه أن يهدى الضالين إلى الصراط
المستقيم، وما يرشدهم إلى مظاهر نعمه عليهم، وما يزيد النبى - صل﴿ - ثباتًا على ثباته ،
ويقينا على يقينه ، فيقول - عز وجل - :
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ
يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ
٦) أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ اَلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ
بِهِ زَرْعَاتَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ
٢٧
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ
٢٨
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِيمَانُهُمْ وَلَ هُ يُنْظُرُونَ
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَأَنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُسْتَظِرُونَ
٣٠
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ أو لم يهد لهم كم أهلكنا ... ﴾ لإِنكار عدم اهتدائهم
إلى ما ينفعهم مع وضوح أسباب هذا الاهتداء . والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام .
والخطاب للمشركين وعلى رأسهم كفار مكة. و((كم)) خبرية بمعنى كثير . فى محل نصب
لأهلكنا .
والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون عما أصاب الظالمين من قبلهم ، ولم يتبين لهم - لانطماس
بصائرهم - أننا قد أهلكنا كثيرًا من أهل الأزمان السابقة من قبلهم ، بسبب تكذيبهم
لأنبيائهم ، وإيثارهم الكفر على الإِيمان .
وقوله - تعالى - ﴿يمشون فى مساكنهم﴾ حال من الضمير فى ﴿لهم)، لتسجيل
أقصى أنواع الجهالة والعناد عليهم . أى : أبلغ بهم الجهل والعناد أنهم لم يعتبروا بالقرون
المهلكة من قبلهم ، مع أنهم يمشون فى مساكن هؤلاء السابقين ، ويمرون على ديارهم مصبحين
· وممسين ، ويرون بأعينهم آثارهم الدارسة ، وبيوتهم الخاوية على عروشها .

١٥٨
المجلد الحادى عشر
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تبكيتهم وتقريعهم فقال: ﴿إن فى ذلك
لآيات أفلا يسمعون ﴾ .
أى: إن فى ذلك الذى يرونه من مصارع الغابرين، وآثار الماضين ، لآيات بينات ،
وعظات بليغات ، فهلا تدبروا فى ذلك ، واستمعوا إلى صوت الحق بتعقل وتفهم ؟
فقوله - تعالى -: ﴿ أفلا يسمعون﴾ حض لهم على الاستماع إلى الآيات الدالة على
سوء عاقبة الظالمين ، بتدبر وتعقل واتعاظ ، وتحول من الباطل إلى الحق ، قبل أن يحل بهم
ما حل بأهل الأزمنة الغابرة .
ثم نبههم - سبحانه - إلى نعمة من نعمه الكثيرة فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى
الأرض الجرز، فنخرج به زرعًا، تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ﴾ والأرض
الجرز : هى الأرض اليابسة التى جرز نباتها وقطع ، إما لعدم نزول الماء عليها ، وإما لرعيه
منها .
قال القرطبى ما ملخصه : والأرض الجرز هى التى جرز نباتها أى: قطع ، إما لعدم الماء ،
وإما لأنه رعى وأزيل ، ولا يقال للتى لا تنبت كالسباخ جرز.
وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئًا إلا أكله ، وكذلك ناقة جروز :
إذا كانت تأكل كل شىء تجده، وسيف جراز، أى: قاطع ... ))(١).
أى: أعموا ولم يشاهدوا بأعينهم ﴿ أنا نسوق﴾ بقدرتنا ورحمتنا ﴿الماء) الذى تحمله
السحب ﴿ إلى الأرض الجرز﴾ أى: اليابسة الخالية من النبات ، فينزل عليها.
﴿ فتخرج به﴾ أى: فنخرج بهذا الماء النازل على الأرض القاحلة ﴿زرعا﴾ كثيرًا
نافعًا ﴿ تأكل منه﴾ أى: من هذا الزرع ﴿ أنعامهم﴾ أى: تأكل منه ما يصلح لأكلها
كالأوراق والأغصان وما يشبه ذلك .
وقوله ﴿وأنفسهم ) معطوف على أنعامهم . أى: تأكل أنعامهم من الزرع ما يناسبها،
ويأكل منه الناس ما يناسبهم كالبقول والحبوب .
وقدم - سبحانه - الأنعام على بنى آدم للترقى من الأدنى إلى الأشرف .
وقوله - تعالى - ﴿ أفلا يبصرون) حض لهم على التأمل فى هذه النعم، والحرص على
شكر المنعم عليها ، وإخلاص العبادة له .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١١٠.

١٥٩
سورة السجدة
ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه المشركون من غرور واستخفاف بالوعيد فقال :
ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ﴾ .
والمراد بالفتح : الحكم والقضاء والفصل فى الخصومة بين المتخاصمين ، ومنه قوله
- تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام -: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت
خير الفاتحين). أى: ((احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين)).
أى: ويقول المشركون للنبى -* - ولأصحابه على سبيل الاستهزاء ، واستعجال
العقاب : متى هذا الذى تحدثوننا عنه من أن الله - تعالى - سيفصل بيننا وبينكم ، ويجعل لكم
النصر ولنا الهزيمة ؟
لقد طال انتظارنا لهذا اليوم الذى يتم فيه الحكم بيننا وبينكم ، فإن كنتم صادقين فى
قولكم ، فادعوا ربكم أن يعجل بهذا اليوم .
وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه -* - أن يرد عليهم بما يخرسهم فيقول: ﴿ قل يوم
الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون﴾. أى: قل - أيها الرسول - فى الرد
على هؤلاء الجاهلين المغرورين : إن يوم الفصل بيننا وبينكم قريب ، وهو آت لا محالة فى
الوقت الذى يحدده الله - تعالى - ويختاره ، سواء أكان هذا اليوم فى الدنيا ، عندما تموتون
على الكفر ، أم فى الآخرة عندما يحل بكم العذاب ، ولا ينفعكم إيمانكم ، ولا أنتم تمهلون
أو تنظرون ، بل سينزل بكم العذاب سريعًا وبدون مهلة .
وما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - ﴿ فأعرض عنهم وانتظر إنهم
منتظرون﴾. أى: فأعرض عن هؤلاء المشركين ، وعن أقوالهم الفاسدة دون أن تلتفت
إليها ، وامض فى طريقك أنت وأتباعك ، وانتظر النصرة عليهم بفضلنا وإرادتنا ، إنهم -
أيضًا - منتظرون ما سيؤول إليه أمرك ، وسيكون أمرك بخلاف ما يمكرون وما ينتظرون .
وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة السجدة ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا
لوجهه ، ونافعًا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء السبت : ٧ من شعبان سنة ١٤٠٥ هـ
٢٧ / ٤ / ١٩٨٥ م
كتبه الراجى عفو ربه
د. محمد سيد طنطاوى