Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة لقمان
وقوله ﴿ معروفا) صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع
الخافض . أى : بالمعروف .
ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: ﴿واتبع سبيل من أناب
إلى .. ﴾. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلى بالتوبة
والإِنابة والطاعة والإِخلاص .
ثم إلى مرجعكم ﴾ جميعا يوم القيامة - أيها الناس - ﴿فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ فى
الدنيا ، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل
مثقال ذرة شرا يره ﴾
قال القرطبى ما ملخصه : وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم ، وأن
أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت .. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين ، بما أمكن
من المال إن كانا فقيرين .. وقد قالت أسماء بنت أبو بكر الصديق، للنبى - 1983 - وقد
قدمت عليها خالتها وقيل : أمها من الرضاعة : يارسول الله ، إن أمى قدمت على وهى راغبة
أفأصلها؟ قال: (( نعم)) وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة(١).
ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا أوصى بها لقمان ابنه فقال: ﴿يابنى إنها إن تك مثقال
حبة من خردل ، فتكن فى صخرة ، أو فى السموات ، أو فى الأرض ، يأت بها الله ﴾ ..
والضمير فى قوله: ﴿ إنها﴾ يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و﴿تك﴾
مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: ((يأت بها اللّه)) والمثقال: أقل
ما يوزن به الشىء . والخردل : فى غاية الصغر والدقة .
والمعنى : يابنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة ، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر ، كمثال
حبة من خردل ، وسواء أكان هذا الشى القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاج
الأرض ، أو كائنا فى السموات أم فى الأرض ، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه
﴿ إن الله ﴾ - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها
وصغيرها .
فالمقصود من الآية الكريمة ، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى: لأنه - سبحانه -
لا يخفى عليه شىء فى هذا الكون ، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٦٥.

١٢٢
المجلد الحادى عشر
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس
شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين﴾(١) .
ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف ، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على
الأذى ، فقال: ﴿ يابنى أقم الصلاة﴾ أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص
لله رب العالمين .
﴿ وأمر بالمعروف﴾ أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله ﴿وانه عن المنكر)
أى : عن كل مانهى الشرع عن قوله أو فعله .
﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى
فى الجنة فقط .
واسم الإشارة فى قوله : ﴿إن ذلك من عزم الأمور﴾ يعود إلى الطاعات المذكورة قبله .
وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها . أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان .
قال صاحب الكشاف: ﴿إن ذلك) مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب
وإلزام .. ومنه الحديث: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يجب أن يؤخذ بعزائمه)) ومنه
عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده ، عزمت عليك إلا فعلت كذا . فإذا
قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله ، ولا مندوحة فى تركه .
وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات ، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم ، وأن
الصلاة لم تزل عظيمة الشأن ، سابقة القدم على ما سواها (٢) .
ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: ﴿ولا تصعر خدك للناس .. ﴾.
والصعر فى الأصل : مرض يصيب البعير فيجعله معوج العنق ، والمراد به هنا ، التكبر
واحتقار الناس ، ومنه قول الشاعر :
وكنا إذا الجبّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
أى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس ، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون
والمغرورون ، بل كن هينا لينا متواضعا ، كما هو شأن العقلاء ..
ولا تمش فى الأرض مرحا ﴾ أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين
(١) سورة الأنبياء . الآية ٤٧ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٩٦.

١٢٣
سورة لقمان
بأنفسهم. و﴿ مرحا﴾ مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة ، أو هو مفعول مطلق لفعل
محذوف . أى : تمرح مرحا . والجملة فى موضع الحال . أو مفعول لأجله . أى : من أجل
المرح .
وقوله: ﴿ إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ تعليل للنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال
فى مشيته ، ومنه قولهم : فلان يمشى الخيلاء . أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه .
والفخور : المتباهى على الناس بماله أو جاهه أو منصبه .. يقال فخر فلان - كمنع - فهو
فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس ، على سبيل التطاول عليهم ، والتنقيص من
شأنهم .
أى : إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس ، متفاخرا بماله أو جاهه .
ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: ﴿واقصد فى مشيك﴾ أى وكن معتدلا فى
مشيك ، بحيث لا تبطىء ولا تسرع . من القصد وهو التوسط فى الأمور .
واغضض من صوتك ﴾ واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه ،
فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس ، واطمئنان إلى صدق الحديث
. واستقامته .
وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه ، فنهى المؤمنون عن ذلك ، ومدح
- سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله - 18 - فقال: ﴿ إن الذين
يغضون أصواتهم عند رسول الله ، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، لهم مغفرة وأجر
عظيم ﴾ .
وقوله - تعالى - ﴿ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾ تعليل للأمر بخفض الصوت ،
وللنهى عن رفعه بدون موجب .
أى : إن أقبح الأصوات وأبشعها لهو صوت الحمير ، فالجملة الكريمة حض على غض
الصوت بأبلغ وجه وآكده ، حيث شبه - سبحانه - الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى
ذلك ، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها .
وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة ، فقد أمره
- أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل - ، ثم
حضه على إقامة الصلاة ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وعلى الصبر على
الأذى ، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار ، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك .
وبتفيذ هذه الوصايا ، يسعد الأفراد ، وترقى المجتمعات .

١٢٤
المجلد الحادى عشر
ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس ، ودعا المنحرفين عن الحق إلى
ترك المجادلة بالباطل ، وإلى مخالفة الشيطان ، فقال - تعالى - :
أَوْتَرَوْ أَنَّاللَّهَ سَخَّرَلَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ
عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُحَدِلُ فِى اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُّنِيرٍ ﴿ وَإِذَا قِلَ لَهُ أَّبِعُواْ
مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْبَلْ نَتَِّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِءَآبَاءَ نَا أَوَلَوْكَانَ
٢١
الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ.
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السموات وما فى
الأرض .. ﴾ لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا
غيرهم عن طريق الحق .
وسخر : من التسخير ، بمعنى التذليل والتكليف ، يقال : سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا
كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإِعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به .
والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده . أى : لقد رأيتم - أيها الناس - وشاهدتم أن الله
- تعالى - سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما فى السموات من شمس وقمر ونجوم .. وما فى
الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال .. وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله - تعالى -
على هذا التسخير ، وأخلصوا له العبادة والطاعة .
وقوله - تعالى -: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ معطوف على ما قبله .
وقوله: ﴿وأسبغ) بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه: وهى ما ينتفع به الإنسان ويستلذه من
الحلال .
والنعمة الظاهرة : هى النعمة المشاهدة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن الهيئة
والمال ، والجاه ، وما يشبه ذلك مما يراه الإِنسان ويشاهده .
والنعمة الباطنة : هى النعمة الخفية التى يجد الإِنسان أثرها فى نفسه دون أن يراها . كنعمة
الإِيمان بالله - تعالى - وإسلام الوجه له - عز وجل - ، والاتجاه إلى مكارم الأخلاق ، والبعد
عن رذائلها وسفسافها .

١٢٥
سورة لقمان
وفى تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى ، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها(١).
ثم بين - سبحانه - ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال : ﴿ومن الناس من
يجادل فى الله بغير علم، ولا هدى ، ولا كتاب منير﴾.
وقوله : ﴿ يجادل ﴾ من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة والمنازعة والمغالبة.
مأخوذ من جدلت الحبل ، إذا أحكمت فتله ، فكأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى
رأيه ، ويضعف رأى صاحبه .
والمراد من المجادلة فى اللّه : المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته ..
وقوله : ﴿ بغير علم﴾ حال من الفاعل فى ﴿ يجادل﴾، وهى حال موضحة لما تشعر به
المجادلة هنا من الجهل والعناد . أى : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم
يجادلون وينازعون فى ذات الله، وفى صفاته ، وفى وحيه ، وفى تشريعاته .. بغير مستند من علم
عقلى أو نقلى، وبغير ((هدى)) يهديه ويرشده إلى الحق ، وبغير ﴿ كتاب منير ﴾ أى : وبغير
وحى ينير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل ، من أى مستند يستند إليه فى جداله ،
سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات .
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المجادلين بالباطل ، لم يكتفوا بذلك ، بل أضافوا إلى رذائلهم
السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى ، فقال ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل
اللّه .. ﴾. أى: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله - تعالى - على نبيه
- * - من قرآن كريم ، ومن وحى حكيم .
قالوا﴾ على سبيل العناد والتقليد الأعمى ﴿بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا﴾ من
عبادة الأصنام والأوثان ، والسير على طريقتهم التى كانوا يسيرون عليها .
وقوله - سبحانه -: ﴿ أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ﴾ رد عليهم ،
وبيان لبطلان الاعتماد فى العقيدة على مجرد تقليد الآباء .
والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للحال . أى : أيتبعون ما كان عليه آباؤهم، والحال
أن هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذى يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير .
قال الآلوسى : وفى الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر . وأما اتباع الغير
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٩٣ .

١٢٦
المجلد الحادى عشر
فى الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق ، فاتباع فى الحقيقة لما أنزل الله - تعالى - وليس من
التقليد المذموم فى شىء، وقد قال - سبحانه -: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا
تعلمون ﴾(١) .
ثم فصل سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار الذين لا يحسنون
التدبر فى أنفسهم ، أو فيما حولهم ، فقال تعالى - :
وَمَنْ يُسْلِمْ
وَجْهَهُ: إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىّ
وَمَن كفر فلا يحزنك كفره.
٢٢
وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَة الأمُورِ هـ
ج
ـودرو
إِلَيْنَا مَرْجِعُ هُمْ فَنُقِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوْإِنَّاللَّهَ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
(٢) تُعِعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَ نَضْطَرُهُمْ إِلَى عَذَادٍ غَلِظٍ ﴿
٢٤
وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ قُلِ
اْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْتُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ اللَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّالْحِيدُ
٢٦
وقوله - تعالى -: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن﴾ أى: ومن يتجه إلى الله
- تعالى - ويذعن لأمره ، و يخلص له العبادة ، وهو محسن فى أقواله وأفعاله .
من يفعل ذلك ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ والعروة فى أصل معناها: تطلق على
ما يتعلق بالشىء من عراه ، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها . وتجمع على عرا .
والعروة من الدلو مقبضه ، ومن الثوب : مدخل زره .
والوثقى : تأنيث الأوثق ، وهو الشىء المحكم الموثق . يقال : وثق - بالضم - وثاقه ،
أى : قوى وثبت فهو وثيق ، أى : ثابت محكم .
والمعنى : ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن ، فقد
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٤١ .

١٢٧
سورة لقمان
ثبت أمره ، واستقام على الطريقة المثلى ، وأمسك من الدين بأقوى سبب ، وأحكم رباط .
فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره ، المحسن فى أفعاله ، بمن ترقى فى حبل
شاهق ، وتدلى منه ، فاستمسك بأوثق عروة ، من حبل متين مأمون انقطاعه .
وخص - سبحانه - الوجه بالذكر ، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة ، فإذا خضع
الوجه الذى هو أكرم الأعضاء ، فغيره أكثر خضوعا .
وقوله: ﴿وإلى اللّه عاقبة الأمور﴾ أى: وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور،
وترجع إليه ، و تخضع لحكمه وإرادته .
وقوله - تعالى -: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره ... ﴾ تسلية للرسول - والخ - ، عما
أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم .
أى : ومن استمر - أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا ، فلا يحزنك
بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله ، فأنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب ، وإنك لا تهدى
من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إلينا مرجعهم ، فننبئهم بما عملوا ... ﴾ بيان لسوء مصيرهم.
أى : إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين ، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة ،
ونجازهم عليها بما يستحقونه من عقاب .
﴿ إن اللّه) - تعالى - ﴿عليم) علما تاما ﴿بذات الصدور) أى: بمكنونات
الصدور وخفاياها ..
تمتعهم قليلا ﴾ فى هذه الحياة الدنيا . أى تمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم ، بأن نعطيهم
الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج .
ثم نضطرهم الى عذاب غليظ ﴾ أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال
وصحة ... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع ، لضخامة ثقله ، وشدة
وقعه .
والمراد بالاضطرار : الإلجاء والقسر والإلزام ، أى : أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك
عن هذا العذاب الذى أعد لهم .
ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ ، لزيادة تهويله وشدته . فهو ثقيل عليهم ثقل
الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان ، فتشل حركته وتهلكه .
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال :

١٢٨
المجلد الحادى عشر
ولئن سألتهم ﴾ أيها الرسول الكريم - ﴿ من خلق السموات والأرض) وأوجدهما على
هذا النظام البديع .. ﴿ليقولن﴾ فى الجواب ﴿اللّه ) أى: الله - تعالى - هو الذى
خلقهما ، وهو الذى أوجدهما .
قل الحمد للّه﴾ قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده ، حيث
اعترفتم بأن خالقها هو الله ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره ؟ إن
قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة ، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال .
وقوله - سبحانه - ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم ،
أى : بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما ، وإنما هم يقولون بألسنتهم ، وما يتباين تباينا
تاما مع أفعالهم ، وهذا شأن الجاهلين ، الذين انطمست بصائرهم ..
ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظيم قدرته ، وشمول ملكه فقال: ﴿لله ما فى
السموات والأرض). أى: لله - تعالى - وحده، ما فى السموات وما فى الأرض ، خلقا،
وملكا ، وتصرفا ..
إن الله هو الغنى﴾ عن كل ما سواه ﴿ الحميد﴾ أى: المحمود من أهل الأرض
والسماء ، لأنه هو الخالق لكل شىء، والرازق لكل شىء .
ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه ، ونفاذ قدرته ، فقال
- سبحانه - :
وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ
مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْحُرٍ
مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُّ اللَّه ◌ِنَّ اللَّهَ عَزٌِ حَكِيمٌ﴿ مَا خَلْقُكُمْ
وَلَبَعْتُكُمْإِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّاللَّهَ سَمِعُ بَصِبُ
٢٨
قال ابن كثير : قال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال
- تعالى - ﴿ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام .. ﴾.
وعن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا للنبى - ﴿ - أرأيت قولك: ﴿وما أوتيتم من
العلم إلا قليلا ﴾؟ إيانا تريد أم قومك؟ فقال - ﴿ -: ((كلا عنيت)) فقالوا: ألست

١٢٩
سورة لقمان
تتلو فيها جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شىء؟ فقال - 14 -: ((إنها فى علم الله
قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم )) وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿ولو أن ما فى
الأرض من شجرة أقلام ﴾(١).
و(( لو)) شرطية، وجوابها ((ما نفدت كلمات الله .. )) و((من)) فى قوله ﴿ من شجرة﴾
للبيان ، وفى الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق .
والمعنى : ولو أن ما فى الأرض من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام ، ولو أن
البحر - أيضا - تحول إلى مداد لتلك الأقلام ، وأمد هذا البحر بسبعة أبحر أخرى . وكتبت
بتلك الأقلام ، وبذلك المداد كلمات اللّه التى يحيط بها علمه - تعالى - ..
لتفدت الأقلام ، ولتفد ماء البحر، لتناهى كل ذلك، وما نفدت كلمات الله - تعال - ولا
معلوماته ، لعدم تناهيها .
إن الله عزيز) لا يعجزه شىء، ولا يغلبه غالب ﴿حكيم﴾ فى كل أقواله وأفعاله.
فالآية الكريمة المقصود منها بيان أن علم الله - تعالى - لا نهاية له ، وأن مشيئته لا يقف
أمامها شىء، وكلماته لا أول لها ولا آخر .
وقال - سبحانه - ﴿من شجرة﴾ بالإِفراد ، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه
شجرة فشجرة ، حتى لا تبقى واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام .
وجمع - سبحانه - الأقلام ، للتكثير ، أى : أقلام كثيرة يصعب عدها .
والمراد بالبحر : البحر المحيط بالأرض ، لأنه المتبادر من التعريف ، إذ هو الفرد الكامل .
وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر ، وإلا فلو اجتمعت
عشرات البحار ما نفدت كلمات الله .
قال صاحب الكشاف فإن قلت : مقتضى الكلام أن يقال : ولو أن الشجر أقلام ، والبحر
مداد ؟ قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله ﴿ يمده﴾ لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها. جعل
البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا ، فهى تصب فيه مدادها أبدا
صبا لا ينقطع .
فإن قلت: الكلمات جمع قلة ، والموضع موضع التكثير لا التقليل، فهلا قيل : كلم الله ؟.
قلت : معناه أن كلماته لا تفى بكتابتها البحار فكيف بكلمه؟(٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٢.
( ٢ ) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٠١ .

١٣٠
المجلد الحادى عشر
وقال الآلوسي : والمراد بكلماته - تعالى - كلمات علمه - سبحانه - وحكمته . وقيل :
المراد بها : مقدوراته وعجائب فى خلقه ، والتى إذا أراد - سبحانه - شيئا منها قال له : ﴿ كن
فيكون ﴾(١) .
ثم أتبع - سبحانه - ذلك بيان نفاذ قدرته فقال: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس
واحدة ... ﴾. أى: ما خلقكم - أيها الناس - جميعا، ولا بعثكم يوم القيامة ، إلا كخلق
نفس واحدة أو بعثها ، لأن قدرته - عز وجل - يتساوى معها القليل والكثير ، والصغير
والكبير ، قال - تعالى - ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾.
وقال - سبحانه -: ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾.
إن الله﴾ - تعالى -: ﴿سميع﴾ لكل شىء ﴿ بصير﴾ بأحوال خلقه لا يخفى
عليه شىء منهم .
ثم ذكر - سبحانه - الناس بجانب من مظاهر قدرته ونعمه عليهم ، لكى يخلصوا له.
العبادة والطاعة ، فقال - تعالى - :
أَمْ تَرَأَنَّالَّهُ يُولِيعُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِيُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ
وَسَخَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلُّ يَجْرِئٍ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى وَأَبَّ اللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّاللّهَ هُوَ الْعَلىِ الْكَبِيرُ ﴾َ أَلَزَّرَأَنَ
الْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِلِيُرِيَكُ مِنْءَايَتِهِةٍ إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِ صَبَّارٍ شَكُورٍ ، وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ
كَلِتُُّلَلِ دَعَوُا ◌َللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ فَلَمَّا تَحَّتُهُمْ إِلَى الْبَّرِّ
فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ وَمَايَجْحَدُ بِعَايَكِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٠٠.
(٣٢

١٣١
سورة لقمان
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار ... ﴾ للتقرير.
والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ ، ويخلص العبادة لله - تعالى - .
وقوله ﴿ يولج﴾ من الإِيلاج بمعنى الإِدخال. يقال: ولج فلان منزله ، إذا دخله ...
ثم استعير لزيادة زمان النهار فى الليل وعكسه ، بحسب المطالع .
أى : لقد رأيت وشاهدت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - ، يدخل الليل فى النهار،
ويدخل النهار فى الليل ، ويزيد فى أحدهما وينقص من الآخر ، على حسب مشيئته وحكمته ..
وأنه - سبحانه - ﴿سخر الشمس والقمر .. ﴾ أى : ذللهما وجعلهما لمنفعة الناس
ومصلحتهم ، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار، بنظام بديع لا يتخلف .
وقوله: ﴿ كل يجرى إلى أجل مسمى ﴾ كل من الشمس والقمر يجريان فى مدارهما بنظام
ثابت محكم ، إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - لنهاية سيرهما ، وهو يوم القيامة. قال ابن
كثير: قوله: ﴿ إلى أجل مسمى) قيل: إلى غاية محدودة .
وقيل : إلى يوم القيامة ، وكلا المعنيين صحيح . ويستشهد للقول الأول بحديث أبى ذر
الذى فى الصحيحين، أن رسول الله -* - قال: ((يا أباذر ، أتدرى أين تذهب هذه
الشمس ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن
ربها، فيوشك أن يقال لها: ارجعى من حيث جئت))(١) .
وقال الجمل : قوله: ﴿ إلى أجل مسمى) قاله هنا بلفظ ( إلى)، وفى سورتى فاطر
والزمر، بلفظ ((لأجل))، لأن ما هنا وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق ،
وهما قوله: ﴿ماخلقكم ولا بعثكم ... ) الآية. وقوله ﴿ اتقوا ربكم واخشوا يوما ... ﴾
الآية، فناسب هنا ذكر ﴿ إلى﴾ الدالة على الانتهاء، وما فى فاطر والزمر خال عن ذلك. إذ
ما فى فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه ، وما فى الزمر ذكر مع ابتدائه ، فناسب ذكر
اللام، والمعنى يجرى كل كما ذكر لبلوغ أجل مسمى(٢) .
وجملة ﴿وأن اللّه بما تعملون خبير﴾ معطوفة على قوله: ﴿ أن اللّه يولج .. ﴾ أى: لقد
علمت أن الله - تعالى - قد فعل ذلك، وأنه - سبحانه - خبير ومطلع على كل عمل تعملونه
- أيها الناس - دون أن يخفى عليه شيء منها .
(١) تفسر ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٢ .
(٢) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤٠٩.

١٣٢
المجلد الحادى عشر
واسم الإشارة فى قوله : ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ... ﴾ يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج
الليل فى النهار ، وتسخير الشمس والقمر. وهو مبتدأ . وقوله ﴿ بأن الله هو الحق﴾ خبره.
والباء للسببية . أى : ذلك الذى فعلناه سببه ، أن الله - تعالى - هو الإِله الحق ، الذى لا إله
سواه ، وأن ما يدعون من دونه من آلهة أخرى هو ﴿ الباطل) الذى لا يصح أن يسمى بهذا
الاسم ، لأنه مخلوق زائل متغير ، لا يضر ولا ينفع .
ثم ذكر - سبحانه - الناس بنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى فقال : ﴿ ألم تر أن
الفلك تجرى فى البحر بنعمة الله ليريكم من آياته .. ﴾.
أى : ولقد علمت - أيضا - وشاهدت - أيها العاقل - حال السفن ، وهى تجرى فى
البحر ، بمشيئة الله وقدرته ، وبلطفه ورحمته وإحسانه . ليطلعكم على بعض آياته الدالة على
باهر قدرته ، وسمو حكمته وسابغ نعمته .
﴿ إن فى ذلك﴾ الذى شاهدتموه وانتفعتم به من السفن وغيرها ﴿لآيات﴾ واضحات
على قدرة الله - تعالى - ورحمته لعباده ﴿ لكل صبار﴾ أى: لكل إنسان كثير الصبر
شكور﴾. أى: كثير الشكر لله - تعالى - على نعمه ورحمته .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس عندما تحيط بهم المصائب وهم فى وسط البحر
فقال: ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ﴾.
وقوله ﴿ غشيهم﴾ من الغشاء بمعنى: الغطاء. فيقال: غشى الظلام المكان، إذا حل به
وأصل ((الموج)) الحركة والازدحام. ومنه قولهم: ماج البحر إذا اضطرب وارتفع ماؤه .
والظلل : جمع ظلة - كغرفة وغرف - ، وهى ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما .
أى: وإذا ما ركب الناس فى السفن، وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب ، وأوشكت أن
تعلوهم وتغطيهم ... فى تلك الحالة لجأوا إلى الله - تعالى - وحده ، يدعونه بإخلاص وطاعة
وتضرع ، أن ينجيهم مما هم فيه من بلاء ..
فلما نجاهم﴾ - سبحانه - بفضله وإحسانه، وأوصلهم ﴿إلى البر﴾ انقسموا إلى
قسمين ، أما القسم الأول ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ﴿ فمنهم مقتصد ﴾ أى :
فمنهم من هو مقتصد ، أى : متوسط فى عبادته وطاعته ، يعيش حياته بين الخوف والرجاء .
قال ابن كثير : قال ابن زيد: هو المتوسط فى العمل ، ثم قال ابن كثير : وهذا الذى قاله
ابن زيد هو المراد فى قوله - تعالى -: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ،
فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات ﴾ فالمقتصد هاهنا هو المتوسط فى
العمل . ويحتمل أن يكون مرادا هنا - أيضا - ويكون من باب الإِنكار على من شاهد تلك

١٣٣
سورة لقمان
الأهوال ، والأمور العظام ، والآيات الباهرات فى البحر ، ثم بعد ما أنعم الله عليه من
الخلاص ، كان ينبغى أن يقابل ذلك بالعمل التام ، والمبادرة إلى الخيرات ، فمن اقتصد بعد
ذلك كان مقصرا ، والحالة هذه(١).
وأما القسم الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار
كفور ﴾ .
والختار: من الختر ، وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة . يقال : فلان خاتر وختار وختير ،
إذا كان شديد الغدر والنقض لعهوده ، ومنه قول الشاعر :
وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر
والكفور : هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله - تعالى - .
أى: وما يجحد بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا ، إلا من كان كثير النقض العهودنا ،
شديد النكران لنعمنا .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعداد ليوم الحساب وإلى
مراقبة الله - تعالى - فى كل أحوالهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء منها . فقال :
يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِهَ
عَنِ وَلَدِهِ، وَلَمَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنِ وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَّ فَلَا تَغُرَّنَِّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
اٌلْغَرُورُ ﴿ إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّلُ الْغَيْثَ
وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّا
وَمَاتَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّاللَّهُ عَلِيُخَبِيرٌ
٣٤
والمعنى : ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم﴾ بأن تطيعوه ولا تعصوه، وبأن تشكروه ولا
٠٠
تكفروه ، واخشوا يوما ، أى : وخافوا أهوال يوم عظيم .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٣.

١٣٤
المجلد الحادى عشر
لا يجزى والد عن ولده ﴾ أى: لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشىء من النفع فى هذا
اليوم . أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء .
﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئا﴾ أى: ولا يستطيع المولود - أيضا - أن يدفع عن
والده شيئا مما يحتاجه منه .
وخص - سبحانه - الوالد والمولود بالذكر ، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هى أقوى
الروابط وأوثقها ، فإذا انتفى النفع بينهما فى هذا اليوم ، كان انتفاؤه بالنسبة لغيرهما من باب
أولى .
وقوله : ﴿ إن وعد الله حق﴾ أى: إن ما وعد الله - تعالى - به عباده من البعث
والحساب والثواب والعقاب ، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف .
وما دام الأمر كذلك ﴿ فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾ أى: فلا تخدعنكم الحياة الدنيا
بزخارفها وشهواتها ومتعها ، ولا تشغلنكم عن طاعة الله - تعالى - وعن حسن الاستعداد لهذا
اليوم الهائل الشديد . فإن الكيسُّ الفطن هو الذى يتزود لهذا اليوم بالإِيمان الحق ، والعمل
الصالح النافع .
﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ أى: ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، وعن امتثال
أمره . فالمراد بالغرور: الشيطان . أو كل ما يصرفك عن طاعة الله - تعالى.
قال الآلوسي: ﴿ولا يغرنكم باقه الغرور﴾ أى: الشيطان ، كما روى عن ابن عباس.
وغيره . بأن يحملكم على المعاصى بتزيينها لكم ... وعن أبى عبيدة : كل شىء غرك حتى
تعصى الله - تعالى - فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال :
الغرور كل ما يغر الإنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان .. وأصل الغرور : من غر فلان
فلانا ، إذا أصاب غرته ، أى : غفلته ، ونال منه ما يريد . والمراد به الخداع ..
والظاهر أن ((بالله)) صلة ((يغرنكم)) أى: لا يخدعنكم بذكر شىء من شئونه
- تعالى - ، يجركم بها على معاصيه - سبحانه -(١).
ثم بين - سبحانه - جانبا من الأمور التى استأثر - عز وجل - بعلمها فقال: ﴿إن الله
عنده علم الساعة ﴾ أى: عنده وحده علم وقتها، وعلم قيامها ، كما قال - تعالى - :
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٠٨.

١٣٥
سورة لقمان
يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، قل إنما علمها عند ربى ، لا يجليها لوقتها إلا
﴾(١).
هـ
وينزل الغيث ﴾ أى: وينزل بقدرته المطر، ويعلم وحده وقت نزوله. ﴿ويعلم ما فى
الأرحام ﴾ أى : ويعلم ما فى أرحام الأمهات من ذكر أو أنثى .
﴿ وما تدرى نفس﴾ من النفوس كائنة من كانت ﴿ماذا تكسب غدا﴾ من خير أو
شر، ومن رزق قليل أو كثير ، لأنها لا تملك عمرها إلى الغد .
وما تدرى نفس ﴾ من النفوس - أيضا - كائنة من كانت ﴿بأى أرض تموت ﴾
أى : بأى مكان ينتهى أجلها .
إن الله﴾ - تعالى - ﴿عليم) بكل شىء ﴿ خبير) بما يجرى فى نفوس عباده.
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث والآثار ، منها ما رواه
الإمام أحمد عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله - 18 -: «مفاتيح
الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ هذه الآية)) ..
وعن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال للنبى - # -: ((إن أمرأتى حبلى
فأخبرنى ما تلد ؟ وبلادنا جدبة فأخبرنى متى ينزل الغيث ؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرنى متى
أموت ؟ فأنزل الله الآية))(٢).
وهذه الأمور الخمسة من الأمور التى استأثر الله - تعالى - بها على سبيل العلم اليقينى
الشامل المطابق للواقع ..
ولا مانع من أن يطلع الله - تعالى - بفضله وكرمه ، بعض أصفيائه على شىء منها .
وليست المغيبات محصورة فى هذه الخمسة ، بل كل غيب لا يعلمه إلا الله - تعالى - داخل
فيما استأثر الله - تعالى - بعلمه ، وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر لأنها من أهم المغيبات ، أو
لأن السؤال كان عنها .
وما يخبر به المنجم والطبيب وعلماء الأرصاد الجوية من الأمور التى لم تتكشف بعد ، فمبناه
على الظن لا على اليقين ، وعلى احتمال الخطأ والصواب .
أما علم الله - تعالى - بهذه الأمور وغيرها ، فهو علم يقينى قطعى شامل . لا يحتمل الظن
أو الشك أو الخطأ .
(١) سورة الأعراف الآية ١٨٧ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٧.

١٣٦
المجلد الحادى عشر
وصدق الله إذ يقول: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾.
وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة ((لقمان)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه،
ونافعا لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
القاهرة - مدينة نصر
الخميس : ٥ من شعبان سنة ١٤٠٥ هـ
٢٥ من إبريل سنة ١٩٨٥ م
كتبه الراجي عفو ربه
د. محمد سيد طنطاوى

تفسير
سُورَةُ السَّعْدَة

.

١٣٩
مقدمة
بِسْم اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١ - سورة ((السجدة)» هى السورة الثانية والثلاثون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها
بعد سورة ((المؤمنون )) ، أى : أنها من أواخر السور المكية .
قال الآلوسى ما ملخصه: وتسمى - أيضًا - بسورة (( المضاجع)). وهى مكية ، كما روى
عن ابن عباس .
وروى عنه أنها مكية سوى ثلاث آيات ، تبدأ بقوله - تعالى - : ﴿ أفمن كان مؤمنًا كمن
كان فاسقًا ... ) وهى تسع وعشرون آية فى البصرى . وثلاثون آية فى المصاحف
الباقية ... )) (١) .
ومن فضائل هذه السورة ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال: كان النبى - وَله - يقرأ
فى الفجر يوم الجمعة ﴿الم. تنزيل ... ﴾ السجدة. و﴿ هل أتى على الإنسان ... ﴾.
وروى الإمام أحمد عن جابر قال: ((كان النبى - وَ لجر - لا ينام حتى يقرأ هذه السورة،
وسورة تبارك))(٢) .
٢ - وتبدأ هذه السورة الكريمة ، بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان أنه من عند الله
- تعالى -، وبالرد على الذين زعموا أن الرسول - 3 198 - قد افتراه من عند نفسه ...
ثم تسوق ألوانًا من نعم الله - تعالى - على عباده ، ومن مظاهر قدرته ، وبديع خلقه ،
وشمول إرادته ، وإحسانه لكل شىء خلقه ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم . الذى
أحسن. كل شىء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين
٣ - ثم تذكر السورة الكريمة بعد ذلك جانبًا من شبهات المشركين حول البعث والحساب ،
وترد عليها بما يبطلها ، وتصور أحوالهم عندما يقفون أمام خالقهم للحساب تصويرًا مؤثرًا
مرعبًا قال - تعالى -: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم، ربنا أبصرنا
وسمعنا ، فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون ﴾ .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١١٥.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٦٣.

٠٠
١٤٠
المجلد الحادى عشر
٤ - وبعد أن تذكر السورة الكريمة ما أعده الله - تعالى - للمؤمنين من ثواب لا تعلمه
نفس من الأنفس ، وما أعده للكافرين من عقاب .. بعد كل ذلك تبين أن عدالته - تعالى -
قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار وإنما يجازى كل إنسان على حسب عمله .
قال - تعالى -: ﴿ أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا، لا يستوون ﴾
٥ - ثم تشير السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه
السلام - من نعم ، وما منحه للصالحين من قومه من منن ، لكى يتأسى بهم المؤمنون ﴿ولقد
آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه ، وجعلناه هدى لبنى إسرائيل . وجعلنا منهم
أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ، وكانوا بآياتنا يوقنون
٦ - ثم حضت السورة الكريمة المشركين على التدبر والتفكر فى آيات الله - تعالى - ،
ونهتهم عن الجحود والعناد، وحكت جانبًا من سفاهاتهم، وأمرت النبى - ® - بأن يرد
عليهم ، وأن يمضى فى طريقه دون أن يعير سفاهاتهم اهتمامًا .
قال - تعالى -: ﴿ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين . قل يوم الفتح لا ينفع
الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون . فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ﴾ .
٧ - وبعد فهذا عرض إجمالى لسورة ((السجدة)) ومنه نرى أنها زاخرة بالأدلة على
وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى أن القرآن حق ، والبعث حق ، والحساب حق ،
والجزاء حق ..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
کتبه الراجی عفو ربه
٣ من شعبان ١٤٠٥ هـ - ٢٣ / ٤ / ١٩٨٥ م
د . محمد سيد طنطاوى