Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة الروم أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٢٨ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِيِنَ ظَلَمُوْأَهْوَآءَ هُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَالَهُمْ مِنْ تَّصِرِينَ ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِطَرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَنَبْدِيلَ لِخَلْقِ اُللَّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيِعُواْالصَّلَوَةَ ٣٠ لَا يَعْلَمُونَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ. دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ٣٢ و ﴿من﴾ فى قوله - سبحانه -: ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم﴾ ابتدائية، والجار والمجرور فى محل نصب، صفة لقوله : ﴿ مثلا ﴾. أى : ضرب لكم - أيها الناس - مثلا ، يظهر منه بطلان الشرك ظهورا واضحا ، وهذا المثل كائن من أحوال أنفسكم ، التى هى أقرب شىء لديكم . قال القرطبى: والآية نزلت فى كفار قريش، كانوا يقولون فى التلبية: ((لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك .. ))(١). وقوله - تعالى - : ﴿ هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم ﴾ تصوير وتفصيل للمثل ، والاستفهام للإِنكار والنفى. و﴿ من ﴾ الأولى للتبعيض، والثانية لتأكيد النفى ، وقوله ﴿ شركاء﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لكم) وقوله: ﴿ مما ملكت أيمانكم) متعلق بمحذوف حال من شركاء . وقوله: ﴿ فأنتم فيه سواء﴾ جواب للاستفهام الذى هو بمعنى النفى. والجملة مبتدأ (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٢٣ . ٨٢ المجلد الحادى عشر وخبر. وقوله : ﴿تخافونهم) خبر ثان لأنتم، وقوله: ﴿كخيفتكم أنفسكم) صفة لمصدر محذوف ، أى : تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم . والمعنى : ضرب الله - تعالى - لكم - أيها الناس - مثلا منتزعا من أنفسكم التى هى أقرب شىء إليكم ، وبيان هذا المثل : أنكم لا ترضون أن يشارككم فى أموالكم التى رزقناكم إياها ، عبيدكم وإماؤكم ، مع أنهم مثلكم فى البشرية ، ونحن الذين خلقناهم كما خلقناكم ، بل إنكم لتخافون على أموالكم منهم ، أن يشاركوكم فيها ، كما تخافون عليها من الأحرار المشابهين لكم فى الحرية وفى جواز التصرف فى تلك الأموال . فإذا كان هذا شأنكم مع عبيدكم - الذين هم مثلكم فى البشرية ، والذين لم تخلقوهم بل نحن الذين خلقناكم وخلقناهم - فكيف أجزتم لأنفسكم أن تشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكم ولهم ، والرازق لكم ولهم ؟ ! . إن تصرفكم هذا ظاهر التناقض والبطلان ، لأنكم لم ترضوا أن يشارككم غيركم فى أموالكم ، ورضيتم أن تشركوا مع الله - تعالى - : غيره فى العبادة ، مع أنه - سبحانه - هو الخالق والرازق لكل شىء . فالمقصود من الآية الكريمة ، إبطال الشرك بأبلغ أسلوب ، وأوضح بيان ، وأصدق حجة ، وأقوى دليل . ولذا ختمها - سبحانه - بقوله : ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾ أى : مثل ذلك التفصيل الجلى الواضح ، نفصل الآيات الدالة على وحدانيتنا ، لقوم يعقلون هذه الأمثال ، وينتفعون بها فى إخلاص العبادة لله الواحد القهار . قال الإِمام القرطبى : قال بعض العلماء : هذه الآية أصل فى الشركة بين المخلوقين ، لافتقار بعضهم إلى بعض ، ونفيها عن الله - سبحانه - وذلك أنه قال - سبحانه - : ضرب لكم مثلا من أنفسكم ﴾ فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا ، فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا أنفسكم عن مشاركة عبيدكم ، وتجعلوا عبيدى شركائى فى خلقى ، فهذا حكم فاسد ، وقلة نظر وعمى قلب !! فإذا أبطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة ، والخلق كلهم عبيد الله - تعالى - فيبطل أن يكون شىء من العالم شريكا لله - تعالى - فى شىء من أفعاله . ثم قال - رحمه الله - : وهذه المسألة أفضل للطالب ، من حفظ ديوان كامل فى الفقه ، ٨٣ سورة الروم لأن جميع العبادات البدنية ، لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة فى القلب فافهم ذلك(١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين لم ينتفعوا بهذه الأمثال لاستيلاء الجهل والعناد عليهم فقال: ﴿بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم .. ﴾. أى : لم ينتفع هؤلاء الظالمون بهذا المثل الجلى فى إبطال الشرك ، بل لجوا فى كفرهم ، واتبعوا أهواءهم الزائفة ، وأفكارهم الفاسدة ، وجهالاتهم المطبقة دون أن يصرفهم عن ذلك علم نافع ﴿ فمن يهدى من أضل الله ﴾ أى: إذا كان هذا هو حالهم، فمن الذى يستطيع أن يهدى إلى الحق، من أضله الله - تعالى - : عنه بسبب زيفه واستحبابه العمى على الهدى. إنه لا أحد يستطيع ذلك ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ينصرونهم من عقابه - سبحانه - لهم . ثم أمر سبحانه رسوله - وَ له - أن يثبت على الحق الذى هداه - عز وجل - إليه فقال : ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا .. ﴾ والفاء هى الفصيحة، وقوله: ﴿أقم) من الإقامة على الشىء والثبات عليه ، وعدم التحول عنه . قوله : ﴿ حنيفا) من الحنف، وهو الميل من الباطل إلى الحق، وضده الجنف، و ﴿ حنيفاً﴾ حال من فاعل ﴿ أقم﴾. أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من بطلان الشرك فاثبت على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، وأقبل على هذا الدين الذى أوحاه الله إليك ، بدون التفات عنه ، أو ميل إلى سواه . قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ أى: فقوم وجهك له وعدِّله ، غير ملتفت عنه يمينا أو شمالا ، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته ، واهتمامه بأسبابه ، فإن من اهتم بالشىء عقد عليه طرفه ، وسدد إليه نظره ، وقوم له وجهه ، مقبلا به عليه . والمراد بالفطرة فى قوله - تعالى -: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس﴾ الملة. أى: ملة الإِسلام والتوحيد . أو المراد بها : قابلية الدين الحق ، والتهيؤ النفسى لادراكه . والأصل فيها أنها بمعنى الخلقة . (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٢٣ . ٨٤ المجلد الحادى عشر أى : اثبت - أيها الرسول الكريم - على هذا الدين الحق ، والزموا - أيها الناس - فطرة الله، وهى ملة الحق ، التى فطر الناس عليها ، وخلقهم قابلين لها . قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يقول - تعالى - : فسدد وجهك واستمر على الدين الذى شرعه الله لك ، من الحنيفية ملة إبراهيم، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة ، التى فطر الله الخلق عليها، فإنه - تعالى - : فطر خلقه على معرفته وتوحيده . وفى الحديث: ((إنى خلقت عبادي حنفاء ، فاجتالتهم - أى حولتهم - الشياطين عن دينهم )) . وروى البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله - 18 - قال: ((ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: فطرة الله التى فطر الناس عليها .. )) (١). وقال صاحب الكشاف : فإن قلت: لم وحّد الخطاب أولا ، ثم جمع ؟ قلت : خوطب رسول الله - رَله - أولا، وخطاب الرسول خطاب لأمته، مع مافيه من التعظيم للإِمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص (٢). وقوله : ﴿ لا تبديل لخلق الله ) تعليل لما قبله من الأمر بلزوم الفطرة التى فطر - سبحانه - الناس عليها . أى : الزموا فطرة الله التى هى دين الإِسلام ، وقبول تعاليمه والعمل بها ، لأن هذا الدين قد ارتضاه الله - تعالى - لكم ، ولا تبديل ولا تغيير لما فطركم عليه وارتضاه لكم . و﴿ ذلك ﴾ الدين الذى اختاره - سبحانه - لكم، هو ﴿الدين القيم ﴾ أى: القويم المستقيم ، الذى لا اعوجاج فيه ولا انحراف . فاسم الإشارة يعود إلى الدين الذى أمرنا - سبحانه - بالثبات عليه ، فى قوله : ﴿ فأقم . وجهك للدين حنيفا وقوله - تعالى -: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ استدراك لبيان موقف الناس من هذا الدين القيم . أى : ذلك الدين الذى ارتضيته لكم هو الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٤٠. (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٧٩ . ٨٥ سورة الروم الحقيقة ، بسبب استحواذ الشيطان عليهم ، واتباعهم للأهواء الزائفة ، والتقاليد الفاسدة . ثم حرضهم - سبحانه - على الاستمرار فى اتباع توجيهات هذا الدين القيم فقال : منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة قال القرطبى : وفى أصل الإِنابة قولان : أحدهما : أنه القطع . ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع ، فكأن الإِنابة هى الانقطاع إلى الله - عز وجل - بالطاعة . والثانى : أن أصله الرجوع ، مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى ، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة، ولفظ ﴿ منيبين﴾ منصوب على الحال(١). والمعنى : أقيموا وجوهكم - أيها الناس - لخالقكم وحده ، حالة كونكم راجعين إليه بالتوبة والطاعة ، ومقبلين إليه بالاستغفار والعبادة ، ومتقين له فى كل أحوالكم ، ومداومين على إقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع واطمئنان . ولا تكونوا من المشركين﴾ المبدلين لفطرة الله - تعالى - المتبعين لأهوائهم وشهواتهم . وقوله ﴿ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ﴾ بدل مما قبله . أى : ولا تكونوا من المشركين ، الذين اختلفوا فى شأن دينهم اختلافات شتى على حسب أهوائهم ، وصاروا شيعا وفرقا وأحزابا متنازعة . ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون﴾ أى : كل حزب منهم صار مسرورا بما لديه من دين باطل ، وملة فاسدة ، وعقيدة زائفة ، وهذا الفرح بالباطل سببه جهلهم ، وانطماس بصائرهم عن الانقياد للحق . ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى السراء والضراء وعندما يوسع الله - تعالى - فى أرزاقهم ، وعندما يضيق عليهم هذه الأرزاق ، فقال - تعالى - : وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّدَ عَوْرَّهُم مُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم ـيَكْفُرُوابِمَآ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٦) ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٦) أَمْ أَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٣١ . ٨٦ المجلد الحادى عشر وَإِذَا أَذَقْنَا ٣٥ سُلْطَنَّا فَهُوَ بَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَ إِن تُصِبْهُمْ سَفِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴿٦) أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّالَّهَيَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ ٣٧ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ أى: ﴿وإذا مس الناس ضر﴾ من قحط أو مصيبة فى المال أو الولد ، ﴿ دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ أى: إذا نزل بهم الضر، أسرعوا بالدعاء إلى الله - تعالى - متضرعين إليه أن يكشف عنهم ما نزل بهم من بلاء . هذا حالهم عند الشدائد والكروب ، أما حالهم عند العافية والغنى وتفريج الهموم ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿ ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ) و ﴿ إذا﴾ الأولى شرطية، والثانية فجائية. أى : هم بمجرد نزول الضر بهم يلجأون إلى الله - تعالى - لإِزالته ، ثم إذا ماكشفه عنهم ، وأحاطهم برحمته ، أسرع فريق منهم بعبادة غيره - سبحانه - . وقوله - تعالى -: ﴿إذا فريق منهم﴾: إنصاف وتشريف لفريق آخر من الناس ، من صفاتهم أنهم يذكرون الله - تعالى - فى كل الأحوال ، ويصبرون عند البلاء ، ويشكرون عند الرخاء . والتنكير فى قوله - سبحانه - ((ضر، ورحمة)) للإشارة إلى أن هذا النوع من الناس ، يجزعون عند أقل ضر، ويبطرون ويطغون لأدنى رحمة ونعمة . واللام فى قوله - تعالى -: ﴿ ليكفروا بما آتيناهم) هى العاقبة. أى: فعلوا ما فعلوا من الجزع عند الضر ، ومن البطر عند النعم ، ليكون مآل حالهم إلى الكفر والجحود لنعم الله ، وإلى سوء العاقبة والمصير . ثم التفت إليهم - سبحانه - بالخطاب مهددا ومتوعدا فقال: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ أى: فتمتعوا - أيها الجاحدون لنعم الله - بهذا المتاع الزائل من متع الحياة الدنيا ، فسوف تعلمون ما سيترتب على ذلك من عذاب مهين . وقوله - تعالى -: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ التفات ٨٧ سورة الروم من الخطاب إلى الغيبة ، على سبيل التحقير لهم ، والتهوين من شأنهم . والاستفهام للنفى والتوبيخ . والسلطان : الحجة والبرهان . أى : هؤلاء الذين أشركوا معنا غيرنا فى العبادة ، هل نحن أنزلنا عليهم حجة ذات قوة وسلطان تشهد لهم بأن شركهم لا يخالف الحق ، وتنطق بأن كفرهم لا غبار عليه ؟ كلا ، إننا ما أنزلنا عليهم شيئا من ذلك ، وإنما هم الذين وقعوا فى الشرك ، بغير علم ، ولا هدى ولا كتاب منير . فالآية الكريمة تتهكم بهم لسفههم وجهلهم ، وتنفى أن يكون شركهم مبنيا على دليل أو ما يشبه الدليل ، أو أن يكون هناك من أمرهم به سوى تقاليدهم الباطلة ، وأهوائهم الفاسدة وأفكارهم الزائفة . ثم عادت الصورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال بعض النفوس البشرية فى حالتى العسر واليسر ، فقال - تعالى -: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة ﴾ من صحة أو غنى أو أمان ﴿ فرحوا بها ﴾ أى: فرحوا بها فرح البطر الأشر، الذى لا يقابل نعم الله - تعالى - بالشكر، ولا يستعملها فيما خلقت له . فالمراد بالفرح هنا : الجحود والكفران للنعم ، وليس مجرد السرور بالحصول على النعم . ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ شدة أو مصيبة ﴿بما قدمت أيديهم﴾ أى: بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم لشكر الله - تعالى - على نعمه ﴿إذا هم يقنطون﴾ أى: أسرعوا باليأس من رحمة اللّه، وقنطوا من فرجه ، واسودت الدنيا فى وجوههم ، شأن الذين لا يعرفون سنن الله - تعالى - فى خلقه ، والذين يعبدون الله على حرف ، فهم عند السراء جاحدون مغرورون .. وعند الضراء قانطون يائسون . وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بإذا ، وفى جانب المصيبة بإن ، للإِشعار بأن رحمته - تعالى - بعباده متحققة فى كل الأحوال . وأن ما ينزل بالناس من مصائب ، هو بسبب ما اجترحوه من ذنوب . ونسب - سبحانه - الرحمة إلى ذاته فقال: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة ) دون السيئة فقد قال: ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ لتعليم العباد الأدب مع خالقهم - عز وجل - ، وإن كان الكل بيده - سبحانه - وبمشيئته ، وشبيه بهذا قوله - تعالى -: ﴿وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا ﴾ . ٨٨ المجلد الحادى عشر والتعبير بإذا الفجائية فى قوله ﴿ إذا هم يقنطون﴾، للاشارة إلى سرعة يأسهم من رحمة الله - تعالى - حتى ولو كانت المصيبة هيئة بسيرة ، وذلك لضعف يقينهم وإيمانهم . إذ القنوط من رحمة الله ، يتنافى مع الإِيمان الحق . ثم عقب - سبحانه - على أحوالهم هذه ، بالتعجيب من شأنهم ، وبالتقريع لهم على جهلهم ، فقال: ﴿ أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾. أى : أجهل هؤلاء الناس الذين لم يخالط الإِيمان قلوبهم ، ولم يشاهدوا بأعينهم أن الله - تعالى - بمقتضى حكمته ، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده . ويضيقه على من يشاء منهم ، لاراد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل . إن واقع الناس يشهد ويعلن: أن الله - تعالى - يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، فما لهؤلاء القوم ينكرون هذا الواقع بأفعالهم القبيحة ، حيث إنهم يبطرون عند السراء ، ويقنطون عند الضراء ؟ فالمقصود بالآية الكريمة توبيخهم على عدم فهمهم لسنن الله فى خلقه . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ أى: إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أحوال الناس ، ومن قدرتنا على كل شىء ﴿لآيات ﴾ واضحات ، وعبر بينات ، لقوم يؤمنون بما أرشدناهم إليه ، ويعملون بما يقتضيه إيمانهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يجب على المسلم بالنسبة للمال الذى وهبه الله إياه ، فقال - تعالى - : فَثَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اُللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٢﴾ وَمَآءَاتَّيْتُممِّن رّبًا لِيَرَّبُواْ فِ أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَيَرْيُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانَيْتُم مِّن ذَكَوْقٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٦) اللّهُالَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّرَزَقَكُمْ نُؤَّيُّمِتُكُمْ ثُمَّيُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ ٨٩ سورة الروم شُرَّكَبِكُمْ مَّنْ يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٤٠ والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿فآت ذا القربى حقه .. ﴾ للنبى - بصل - ولكل من يصلح له من أمته . والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها . والمعنى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، من أن بسط الأرزاق وقبضها بيدى وحدى ، فأعط - أيها الرسول الكريم - ذا القربى حقه من المودة والصلة والإِحسان ، وليقتد بك فى ذلك أصحابك وأتباعك . وأعط - أيضا - ﴿ المسكين) الذى لا يملك شيئا ذا قيمة ، حقه من الصدقة والبر، وكذلك ﴿ ابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع عن ماله فى سفره ، ولو كان غنيا فى بلده . وقدم - سبحانه - الأقارب ، لأن دفع حاجتهم واجب من الواجبات التى جعلها - سبحانه - للقريب على قريبه . قال القرطبى : واختلف فى هذه الآية ، فقيل : إنها منسوخة بآية المواريث . وقيل : لا نسخ ، بل للقريب حق لازم فى البر على كل حال ، وهو الصحيح ، قال مجاهد وقتادة : صلة الرحم فرض من الله - عز وجل - ، حتى قال مجاهد : لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة(١) وقال الجمل فى حاشيته : وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة ، يدل على أن ذلك فى صدقة التطوع ، وقد احتج أبو حنيفة - رحمه الله - بهذه الآية على وجوب نفقة المحارم ، والشافعى - رحمه الله - قاس سائر الأقارب - ما عدا الفروع والأصول - على ابن العم ، لأنه لا ولادة بينهم . ثم قال : وهؤلاء الثلاثة يجب الإِحسان إليهم وإن لم يكن للإِنسان مال زائد ، لأن المقصود هنا : الشفقة العامة ، والفقير داخل فى المسكين .. ))(٢) . ثم بين - سبحانه - الآثار الطيبة المترتبة على هذا البر والعطاء فقال: ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله ، وأولئك هم المفلحون ﴾. (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٣٥. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٩٤ . ٩٠ المجلد الحادى عشر أى : ذلك الإيتاء لهؤلاء الثلاثة ، خير وأبقى عند الله - تعالى - للذين يريدون بصدقتهم وإحسانهم وجه الله ، وأولئك المتصفون بتلك الصفات الحميدة ، هم الكاملون فى الفلاح ، والظفر بالخير فى الدنيا والآخرة . وبعد أن حضهم على صلة الأقارب والمساكين وابن السبيل ، نفرهم من تعاطى الربا فقال : ﴿ وما آتيتم من ربا ليربو فى أموال الناس فلا يربو عند الله ﴾ . والربا : الزيادة مطلقا . يقال : ربا الشىء يربو إذا زاد ونما ، ومنه قوله - تعالى - : وترى الأرض هامدة ، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ﴾ . أى : زادت . قال الآلوسى ما ملخصه : والظاهر أن المراد بالربا هنا ، الزيادة المعروفة فى المعاملة التى حرمها الشارع . ويشهد لذلك ماروى عن السدى ، من أن الآية نزلت فى ربا ثقيف ، كانوا يرابون ، وكذلك كانت قريش تتعاطى الربا . وعن ابن عباس وغيره : أن المراد به هنا العطية التى يتوقع بها مزيد مكافأة ، وعليه فتسميتها ربا مجاز، لأنها سبب للزيادة(١) . ويبدو لنا أن المراد بالربا هنا، الربا الذى حرمه الله - تعالى - بعد ذلك تحريما قاطعا ، وأن المقصود من الآية التنفير منه على سبيل التدرج ، حتى إذا جاء التحريم النهائى له ، تقبلته نفوس الناس بدون مفاجأة لهذا التحريم . قال صاحب الكشاف : هذه الآية فى معنى قوله - تعالى - ﴿ يمحق اللّه الربا ويربى الصدقات . ) سواء بسواء. يريد: وما أعطيتم أكلة الربا ﴿من ربا ليربو فى ﴾ أموالهم، أى : ليزيد ويزكو فى أموالهم، فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه (٢). ثم حض - سبحانه - على التصدق فى سبيله فقال: ﴿وما آتيتم من زكاة ﴾ أى من صدقة تتقربون بها إلى الله، و﴿ تريدون﴾ بأدائها ﴿وجه الله﴾ أى: رضاه وثوابه. فأولئك ﴾ الذين يفعلون ذلك ﴿هم المضعفون﴾ أى: ذوو الأضعاف المضاعفة من الثواب والعطاء الكريم ، فالمضعفون جمع مضعف - بكسر العين - على أنه اسم فاعل من أضعف ، إذا صار ذا ضِعْف - بكسر فسكون - كأقوى وأيسر ، إذا صار ذا قوة ويسار . وقال - سبحانه -: ﴿ فأولئك هم المضعفون﴾ ولم يقل: فأنتم المضعفون، لأنه رجع (١) تفسير الألوسى جـ ٢١ ص ٤٥ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٨١ . ٩١ سورة الروم من المخاطبة إلى الغيبة ، كأنه قال لملائكته : فأولئك الذين يريدون وجهى بصدقاتهم ، هم المضعفون ، فهو أمدح لهم من أن يقول : فأنتم المضعفون . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على الناس فقال: ﴿اللّه الذى خلقكم ﴾ على غير مثال سابق ﴿ ثم رزقكم﴾ من فضله بأنواع من الرزق الذى لا غنى لكم عنه فى معاشكم ﴿ ثم يميتكم﴾ بعد انقضاء أعماركم فى هذه الحياة (ثم يحييكم﴾ يوم القيامة للحساب والجزاء . والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ للافكار والنفى . أى : ليس من شركائكم الذين عبدتموهم من يستطيع أن يفعل شيئاً من ذلك ، فكيف اتخذتموهم آلهة وأشركتموهم معى فى العبادة ؟ إن الله - تعالى - وحده هو الخالق وهو الرازق وهو المحيى وهو المميت . سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ تنزه وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين وعن جهل أولئك الجاهلين . وبعد هذا التوجيه الحكيم ، يسوق - سبحانه - الآثار السيئة التى تترتب على الكفر والمعاصى ، ويأمر بالاعتبار بالسابقين ، ويبين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار فيقول : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّوَالْبَحْرِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ بِعُونَ (٦) قُلْ سِيُرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْتُشْرِكِينَ ﴿﴿ فَأَقِرْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ الْقَيِِّ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى يَوْمَ لَّمَرَّلَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَيِذٍ يَصَدَّعُونَ (١) مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَمَنْ عَمِلَ صَِ حَا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ٤٤ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهِّ ◌َإِنَّهُ لَا يُحِبُّ اَلْكَفِرِينَ ® ٩٢ المجلد الحادى عشر قال ابن كثير ما ملخصه : قال ابن عباس وغيره : المراد بالبر هاهنا ، الفيافى . وبالبحر : الأمصار والقرى ، ما كان منها على جانب نهر . وقال آخرون : بل المراد بالبر هو البر المعروف . وبالبحر : البحر المعروف . . والقول الأول أظهر ، وعليه الأكثر ، ويؤيده ما ذكره ابن إسحاق فى السيرة : أن رسول الله - وَل - صالح ملك أيلة، وكتب له ببحره - يعنى ببلده -(١). والمعنى : ظهر الفساد فى البر والبحر ، ومن مظاهر ذلك انتشار الشرك والظلم ، والقتل وسفك الدماء ، والأحقاد والعدوان ، ونقص البركة فى الزروع والثمار والمطاعم والمشارب ، وغير ذلك مما هو مفسدة وليس بمنفعة .. قال ابن كثير - رحمه الله -: وقال أبو العالية : من عصى الله فى الأرض فقد أفسد فيها ، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة ، ولهذا جاء فى الحديث الذى رواه أبو داود: ((الحد يقام فى الأرض ، أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا)). والسبب فى هذا أن الحدود إذا أقيمت ، انكف الناس ، أو أكثرهم ، أو كثير منهم ، عن تعاطى المحرمات . وإذا ارتكبت المعاصى كان سببًا فى محق البركات .. وكلما أقيم العدل كثرت البركات والخيرات . وقد ثبت فى الحديث الصحيح: ((إن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب )) (٢) وقوله - تعالى -: ﴿ بما كسبت أيدي الناس .. ﴾ بيان لسبب ظهور الفساد. أى: عم الفساد وطم فى البر والبحر ، بسبب اقتراف الناس للمعاصى . وانهاكهم فى الشهوات ، وتفلتهم من كل ما أمرهم الله - تعالى - به ، أو نهاهم عنه. كما قال - تعالى - : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾. فظهور الفساد وانتشاره ، لا يتم عبثًا أو اعتباطًا ، وإنما يتم بسبب إعراض الناس عن طاعة اللّه - تعالى - ، وارتكابهم للمعاصى ... ثم بين - سبحانه - ما ترتب على الوقوع فى المعاصى من بلاء واختبار ، فقال : ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون ﴾ . واللام فى ((ليذيقهم)) للتعليل وهى متعلقة بظهر. أى : ظهر الفساد ... ليذيق - سبحانه - الناس نتائج بعض أعمالهم السيئة ، كى يرجعوا عن غيهم وفسقهم ، ويعودوا إلى الطاعة والتوبة . (٢,١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٢٦. ٩٣ سورة الروم ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف ، أى : عاقبهم بانتشار الفساد بينهم ، ليجعلهم يحسون بسوء عاقبة الولوغ فى المعاصى ، ولعلهم يرجعون عنها ، إلى الطاعة والعمل الصالح . ثم يلفت - سبحانه - أنظار الناس إلى سوء عاقبة من ارتكس فى الشرك والظلم ، فيقول : ﴿ قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ، كان أكثرهم مشركين﴾. أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس: سيروا فى الأرض سير المتأملين المعتبرين ، لتروا بأعينكم ، كيف كانت عاقبة الظالمين من قبلكم ... لقد كانت عاقبتهم الدمار والهلاك ، بسبب إصرار أكثرهم على الشرك والكفر ، وانغماس فريق منهم فى المعاصى والفواحش . فالمراد بالسير ، ما يترتب عليه من عظات وعبر ، حتى لا تكون عاقبة اللاحقين ، كعاقبة السابقين ، فى الهلاك والنكال . ثم أكد - سبحانه - ما سبق أن أمر به رسوله - * - من ثبات على الحق فقال: فأقم وجهك للدين القيم .. ﴾ أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من سوء عاقبة الأشرار ، وحسن عاقبة الأخيار . فاثبت على هذا الدين القويم ، الذى أوحيناه إليك ، ولا تتحول عنه إلى جهة ما . ﴿ من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله ﴾ أى: اثبت على هذا الدين القيم ، من قبل أن يأتى يوم القيامة ، الذى لا يقدر أحد على ردِّه أو دفع عذابه إلا الله - تعالى - وحده . ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال: ﴿يومئذ يصدعون﴾. أى : يتفرقون. وأصله يتصدعون، فقلبت تاؤه صادًا وأدغمت . والتصدع التفرق: يقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قول الشاعر : وكنا كندْمانَىْ جَذِيمةَ حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا أى : لن يتفرقا . والمعنى : اثبت على هذا الدين ، من قبل أن يأى يوم القيامة ، الذى يتفرق فيه الناس إلى فريقين ثم بين - سبحانه - الفريق الأول فقال: ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ أى: من كفر من الناس ، فعاقبة كفره واقعة عليه لا على غيره ، وسيتحمل وحده ما سيترتب على ذلك من عذاب مهين . قال صاحب الكشاف : قوله ﴿ فعليه كفره ﴾ كلمة جامعة لما لا غاية وراءه من المضار ، ٩٤ المجلد الحادى عشر لأن من كان ضاره كفره، فقد أحاطت به كل مضرة))(١). ثم بين - سبحانه - الفريق الثانى فقال: ﴿ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون ﴾ أى : ومن عمل فى دنياه عملاً صالحًا ، فإنه بسبب هذا العمل يكون قد مهد وسوى لنفسه مكانًا مريحًا يستقر فيه فى الآخرة . والمهاد : الفراش . ومنه مهاد الصبى أى فراشه . ويقال مهدت الفراش مهدا ، أى : بسطته ووطأته . ومهدت الأمور. أى : سويتها وأصلحتها . فالجملة الكريمة تصوير بديع للثمار الطيبة التى تترتب على العمل الصالح فى الدنيا ، حتى لكأن من يعمل هذا العمل ، يعد لنفسه فى الآخرة مكانًا معبدًا، ومضجعًا هنيئًا ، ينزل فيه وهو فى أعلى درجات الراحة والنعيم : قال ابن جرير : قوله - تعالى - ﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ أى: فلأنفسهم يستعدون ، ويسوون المضجع ، ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه ، كما قال الشاعر : أمهد لنفسك ، حان السقم والتلف ولا تضيعن نفسا مالها خلف(٢) ثم بين - سبحانه - ما اقتضته حكمته وعدالته فقال: ﴿ ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ، إنه لا يحب الكافرين أى : فعل ما فعل - سبحانه - من تقسيم الناس إلى فريقين ، ليجزى الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات ، الجزاء الحسن الذى يستحقونه ، وليعطيهم العطاء الجزيل من فضله ، لأنه بحبهم ، أما الكافرون ، فإنه - سبحانه - لا يحبهم ولا يرضى عنهم . ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن آيات الله - تعالى - الدالة على قدرته ، وعن مظاهر فضله على الناس ورحمته بهم ، وعن الموقف الجحودى الذى وقفه بعضهم من هذه النعم .. قال - تعالى - : ( وَمِنْ ءَئِهِ أَنْ يُرْسِلَ الْرِيََ مُبَشِّرَتٍ وَلِيُذِيقَكُمـ مِّن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِفَاءُ وهُم (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٨٣. ( ٢) تفسير ابن جرير جـ ٢١ ص ٣٣ . ٩٥ سورة الروم بِالْبَيِّنَتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرَّبَحَ فَنُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ. فِ السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ ◌ِخِلَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨ وَإِن كَانُواْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ﴾ فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ ٤٩ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِىِ الْمَوْنِى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيِحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ) فَإِنّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوَأ مُدْبِينَ ﴿٥)، وَمَا أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْيِ عَن ضَلَئِهِمّ إِن ◌ُْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِئَايَِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ٥٣ وقوله - سبحانه -: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ... ﴾ بيان لأنواع أخرى من الظواهر الكونية الدالة على قدرته - عز وجل - . أى : ومن الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - ونفاذ قدرته ، أنه - سبحانه - يرسل بمشيئته وإرادته الرياح ، لتكون بشارة بأن من ورائها أمطارا ، فيها الخير الكثير للناس . قال الآلوسى : قوله: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح﴾ أى: الجنوب، ومهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا ، والصبا : ومهيها من مطلع الثريا إلى بنات نعش . والشمال : ومهبها من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر ، فإنها رياح الرحمة . أما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل ، فريح العذاب ... ))(١). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٥١ . ٩٦ المجلد الحادى عشر وقوله : ﴿ وليذيقكم من رحمته ، ولتجرى الفلك بأمره ، ولتبتغوا من فضله .. ﴾ بيان للفوائد التى تعود على الناس من إرسال الرياح التى تعقبها الأمطار ، وهو متعلق بقوله ﴿ يرسل ﴾. أى : يرسل الرياح مبشرات بالأمطار ويرسلها ليمنحكم من رحمته الخصب والنماء لزرعكم ، ولتجرى الفلك عند هبوبها فى البحر بإذنه - تعالى - ولتبتغوا أرزاقكم من فضله - سبحانه - عن طريق الأسفار، والانتقال من مكان إلى آخر ، ولكى تشكروا الله - تعالى - على هذه النعم : فإنكم إذا شكرتموه - سبحانه - على نعمه زادكم منها . وقوله - تعالى -: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ... ﴾ كلام معترض بين الحديث عن نعمة الرياح، لتسلية الرسول - يوليو - عما لحقه من قومه من أذى . أى ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسلاً كثيرين ، إلى قومهم ليهدوهم إلى الرشد ، وجاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات التى تدل على صدقه . وقوله ﴿ فانتقمنا من الذين أجرموا ﴾ معطوف على كلام محذوف . أى : أرسلناهم بالحجج الواضحات ، فمن أقوامهم من آمن بهم ، ومنهم من كذبهم ، فانتقمنا من المكذبين لرسلهم . ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) أى: وكان نصر المؤمنين حقًّا أوجبناه على ذاتنا ، فضلًا منا وكرمًا، وتكريمًا وإنصافًا لمن آمن بوحدانيتنا ، وأخلص العبادة لنا . ((وحقا)) خبر كان، و((نصر المؤمنين)) اسمها و((علينا)) متعلق بقوله حقا. قال ابن كثير : قوله ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين) هو حق أوجبه على نفسه الكريمة ، تكرمًا وتفضلاً، كقوله: ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾. وعن أبى الدرداء قال: سمعت رسول الله - وَلقوله - يقول: ((ما من أمرىء مسلم يرد عن عرض أخيه، إلا كان حقًّا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة: ثم تلا - وَط ز - هذه الآية ))(١) . ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن الرياح وما يترتب عليها من منافع فتقول : الله الذى يرسل الرياح ﴾ بقدرته ومشيئته. فتثير سحابا ﴾ أى: هذه الرياح التى يرسلها الله - تعالى - تتحرك فى الجو وفق (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٢٨. ٩٧ سورة الروم إرادته - سبحانه - وتحرك السحاب وتنشره من مكان إلى آخر . فيبسطه فى السماء كيف يشاء) : أى فيبسط الله - تعالى - هذا السحاب فى طبقات الجو ، بالكيفية التى يختارها - سبحانه - ويريدها ، بأن يجعله تارة متكاثفًا ، وتارة متناثرًا ، وتارة من جهة الشمال ، وتارة من جهات غيرها . ويجعله كسفًا﴾ أى: ويجعله قطعا بعضها فوق بعض تارة أخرى . والكسف: جمع كسفه ، وهى القطعة من السحاب . ﴿ فترى الودق﴾ أى: المطر ﴿ يخرج من خلاله﴾ أى يخرج ويتساقط من خلال هذا السحاب، ومن بين ذراته . ﴿ فإذا أصاب به ﴾، أى: بهذا المطر ﴿ من يشاء) إصابته به من عباده ﴾ بأن ينزله على أراضيهم وعلى بلادهم ﴿إذا هم يستبشرون﴾ أى: يفرحون بذلك ، لأنه يكون سببًا فى حياتهم وحياة دوابهم وزروعهم .. وأعرف الناس بنعمة المطر ، أولئك الذين يعيشون فى الأماكن البعيدة عن الأنهار . كأهل مكة ومن يشبهونهم ممن تقوم حياتهم على مياه الأمطار . ثم بين - سبحانه - حالهم قبل نزول تلك الأمطار عليهم فقال : ﴿وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ﴾ . وإن مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن المحذوف ، والضمير فى ﴿ينزل ﴾ يعود للمطر ، وفى قوله ﴿ من قبله﴾ يعود لنزول المطر - أيضًا - على سبيل التأكيد. وقوله : لمبلسين ﴾ خبر كان . والإِبلاس: اليأس من الخير، والسكوت ، والانكسار غما وحزنا. يقال : أبلس الرجل ، إذا سكت على سبيل اليأس والذل والانكسار . أى : هم عند نزول الأمطار يستبشرون ويفرحون ، ولو رأيت حالهم قبل نزول الأمطار لرأيتهم فى غاية الحيرة والقنوط والإِبلاس ، لشدة حاجتهم إلى الغيث الذى طال انتظارهم له وتطلعهم إليه دون أن ينزل . قال صاحب الكشاف : وقوله ﴿ من قبله ) من باب التكرير والتوكيد، كقوله - تعالى -: ﴿ فكان عاقبتها أنها فى النار خالدين فيها﴾(١) ((ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد ، فاستحكم يأسهم ، وتمادى إبلاسهم ، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك))(٢) . (١) سورة الحشر الآية ١٧ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٨٥ . ٩٨ المجلد الحادى عشر ثم لفت - سبحانه - أنظار الناس إلى ما يترتب على نعمة المطر من آثار عظيمة فقال : فانظر إلى آثار رحمة الله .. ﴾ والفاء للدلالة على سرعة الانتقال من حالة اليأس إلى الاستبشار . أى : فانظر - أيها العاقل - نظرة تعقل واتعاظ واستبصار ، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر ، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح ، وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة . وقوله - تعالى -: ﴿ كيف يحيى الأرض بعد موتها ﴾ فى محل نصب على تقدير الخافض. أى : فانظر إلى آثار رحمة الله بعد نزول المطر، وانظر وتأمل كيف يحيى الله - تعالى - بقدرته ، الأرض بعد موتها بأن يجعلها خضراء ويانعة ، بعد أن كانت جدباء قاحلة . واسم الإشارة فى قوله - تعالى - ﴿ إن ذلك لمحبى الموتى) يعود على الله - تعالى -. أى : إن ذلك الإله العظيم الذى أحيا الأرض بعد موتها ، لقادر على إحياء الموتى ، إذ لا فرق بينهما بالنسبة لقدرة اللّه التى لا يعجزها شىء. ﴿وهو﴾ - سبحانه - ﴿ على كل شىء قدير ) ومن جملة الأشياء المقدور عليها، إحياء الموتى . وهكذا يسوق القرآن الكريم الأدلة على البعث ، بأسلوب منطقى ، منتزع من واقع الناس ، ومن المشاهد التى يرونها فى حياتهم . وبعد أن صور - سبحانه - أحوال الناس عند رؤيتهم للرياح التى تثير السحب المحملة بالأمطار ، وأنهم عند رؤيتها يفرحون ويستبشرون . بعد أن صور ذلك بأسلوب بديع ، أتبع ذلك بتصوير حالهم عندما يرون ريحًا تحمل لهم الرمال والأتربة ، وتضر بمزروعاتهم فقال - تعالى - ﴿ولئن أرسلنا ريحًا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ﴾. والضمير فى ((رأوه)» يعود إلى النبات المفهوم من السياق . أى : هذا حال الناس عندما يرون الرياح التى تحمل لهم الأمطار ، أما إذا أرسلنا عليهم ريحًا معها الأتربة والرمال ، فرأوا نباتهم وزروعهم قد اصفرت واضمحلت وأصابها ما يضرها أو يتلفها .. فإنهم يظلون من بعد إرسال تلك الريح عليهم ، يكفرون بنعم الله، ويجحدون آلاءه السابقة ، ويقابلون ما أرسلناه عليهم بالسخط والضيق ، لا بالاستسلام لقضائنا ، وملازمة طاعتنا . قال الآلوسى ما ملخصه: واللام فى قوله: ﴿ولئن﴾ موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، والفاء فى ((فرأوه)) فصيحة، واللام فى قوله ((لظلوا)) لام جواب القسم الساد مسد الجوابين ، والماضى بمعنى المستقبل .. وفيما ذكر - سبحانه - من ذمهم على عدم تثبتهم ما لا يخفى ، حيث كان من الواجب عليهم أن يتوكلوا على الله - تعالى - فى كل حال ، ويلجأوا إليه بالاستغفار، إذا احتبس منهم المطر ، ولا ييأسوا من روح الله - تعالى - ٩٩ سورة الروم ويبادروا إلى الشكر بالطاعة ، إذا أصابهم برحمته ، وأن يصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة ، فعكسوا الأمر ، وأبوا ما يجديهم، وأتوا بما يؤذيهم ... ))(١). ثم سلى - سبحانه - نبيه عما لحقه منهم من أذى ، بعد أن ذكر له جانبًا من تقلب أحوالهم ، فقال - تعالى -: ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ، ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ . أى : فاصبر - أيها الرسول - لحكم ربك ، واثبت على ما أنت عليه من حق فإنك لا تسمع الموتى﴾ إذا ناديتهم ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ إذا ما دعوتهم أو وعظتهم . وقوله ﴿إذا ولوا مدبرين﴾ بيان لإِعراضهم عن الحق ، بعد بيان كونهم كالأموات وكالصم . ثم وصفهم بالعمى فقال: ﴿وما أنت بهاد العمى عن ضلالتهم﴾ بسبب فقدهم الانتفاع بأبصارهم ، كما فقدوا الانتفاع ببصائرهم . إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ﴾ أى: ما تستطيع أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ﴿فهم مسلمون﴾ أى: منقادون للحق ومتبعون له . فالآيتان الكريمتان تسلية للرسول - ٤ - عما أصابه من هؤلاء المشركين ، وعن إخفاق جهوده مع كثير منهم ، لانطاس بصائرهم ، حيث شبههم - سبحانه - بالموتى وبالصم وبالعمى ، فى عدم انتفاعهم بالوعظ والإِرشاد .. وبعد هذا التطواف فى أعماق الأنفس والآفاق . أخذت السورة الكريمة فى أواخرها ، تذكر الناس بمراحل حياتهم ، وبأحوالهم يوم القيامة ، وبفضائل القرآن الكريم ، وبأمر النبى - 14 - بالصبر والثبات .. قال - تعالى - : اللهُ الَّذِى خَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةَ يُخْلَقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ٥٤ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَالَبِئُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ (١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٥٤ . ١٠٠ المجلد الحادى عشر كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ وَآلْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦ فَيَوْمَيِدٍ لَّا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥)، وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَيِن جِئْتَهُمْ بَِايَةٍ ◌َيَّقُولَنَّالَّذِينَ كَفَرُوْإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥، فَأَصْبِرْ إِنَّ (٦٠ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿ اللّه الذى خلقكم من ضعف .. ﴾ استدلال آخر على قدرته - تعالى - ومعنى ﴿ من ضعف ﴾ من نطفة ضعيفة، أو فى حال ضعف ، وهو ما كانوا عليه فى الابتداء من الطفولة والصغر .. وقرأ الجمهور بضم الضاد ، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها ، والضعف - بالضم والفتح - خلاف القوة ، وقيل بالفتح فى الرأى ، وبالضم فى الجسد ... ))(١). وقال - سبحانه -: ﴿ خلقكم من ضعف﴾ ولم يقل خلقكم ضعافًا .. للإِشعار بأن الضعف هو مادتهم الأولى التى تركب منها كيانهم ، فهو شامل لتكوينهم الجسدى ، والعقلى ، والعاطفى ، والنفسى ... إلخ. أى: الله - تعالى - بقدرته ، هو الذى خلقكم من ضعف ترون جانبًا من مظاهره فى حالة طفولتكم وحداثة سنكم ... ﴿ ثم جعل﴾ - سبحانه - ﴿ من بعد ضعف قوة﴾ أى: ثم جعل لكم من بعد مرحلة الضعف مرحلة أخرى تتمثل فيها القوة بكل صورها الجسدية والعقلية والنفسية .. ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة﴾ أى : ثم جعل من بعد مرحلة القوة ، مرحلة ضعف (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٤٦.