Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة الشعراء قوله: ﴿ وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى .. ﴾(١). فهو ينكر رسالة موسى - عليه السلام - من أساسها .. وهنا يرد موسى . بقوله: ﴿ قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين أى : قال موسى : ربنا - يافرعون - هو رب السموات ورب الأرض ، ورب ما بينهما من أجرام وهواء . وإن كنتم موقنين بشىء من الأشياء ، فإيمانكم بهذا الخالق العظيم وإخلاصكم العبادة له أولى من كل يقين سواه . وفى هذا الجواب استصغار لشأن فرعون . وتحقير لمزاعمه ، فكأنه يقول له : إن ربنا هو رب هذا الكون الهائل العظيم ، أما ربوبيتك أنت - فمع بطلانها - هى ربوبية لقوم معينين خدعتهم بدعواك الألوهية ، فأطاعوك لسفاهتهم وفسقهم .. وهنا يلتفت فرعون إلى من حوله ليشاركوه التعجيب مما قاله موسى وليصرفهم عن التأثر بما سمعوا منه ، فيقول لهم: ﴿ ألا تستمعون﴾ أى: ألا تستمعون إلى هذا القول الغريب الذى يقوله موسى . والذى لا عهد لنا به ، ولا قبول عندنا له ولا صبر لنا عليه ... ولكن موسى - عليه السلام - لم يمهلهم حتى يردوا على فرعون بل أكد لهم وحدانية الله - تعالى - وهيمنته على هذا الكون ﴿ قال ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾. أى : ربنا الذى هو رب السموات والأرض وما بينهما ، هو ربكم أنتم - أيضا - وهو رب آبائكم الأولين ، فكيف تتركون عبادته ، وتعبدون عبدا من عباده ومخلوقا من مخلوقاته هو فرعون ؟ وهنا لم يملك فرعون إلا الرد الدال على إفلاسه وعجزه ، فقال ملتفتا إلى من حوله : ﴿ إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون ﴾ . أى : قال فرعون - على سبيل السخرية بموسى - مخاطبا أشراف قومه : إن رسولكم : الذى أرسل إليكم بما سمعتم ﴿ لمجنون) لأنه يتكلم بكلام لا تقبله عقولنا، ولا تصدقه آذاننا وسماه رسولا على سبيل الاستهزاء ، وجعل رسالته إليهم لا إليه ، لأنه - فى زعم نفسه - أكبر من أن يرسل إليه رسول ، ولكى يهيجهم حتى ينكروا على موسى قوله .. ولكن موسى - عليه السلام - لم يؤثر ما قاله فرعون فى نفسه ، بل رد عليه وعليهم بكل شجاعة وحزم فقال: ﴿رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾. أى : قال موسى : ربنا رب السموات والأرض ومابينهما . وربكم ورب آبائكم الأولين . (١) سورة القصص الآية ٣٨. ٢٤٢ المجلد العاشر ورب المشرق الذى هو جهة طلوع الشمس وطلوع النهار . ورب المغرب الذى هو غروب الشمس وغروب النهار . وخصهما بالذكر . لأنهما من أوضح الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ولأن فرعون أو غيره من الطغاة لا يجرؤ ولا يملك ادعاء تصريفها أو التحكم فيها على تلك الصورة البديعة. المطردة . والتى لا اختلال فيها ولا اضطراب .. كما قال إبراهيم للذى حاجه فى ربه: ﴿إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، فبهت الذى كفر .. ﴾ . وجملة ﴿إن كنتم تعقلون﴾ حض لهم على التعقل والتدبر، وتحذير لهم من التمادى فى الجحود والعناد . أى : ربنا وربكم هو رب هذه الكائنات كلها ، فأخلصوا العبادة له ، إن كانت لكم عقول تعقل ما قلته لكم ، وتفهم ما أرشدتكم إليه . وهكذا انتقل بهم موسى من دليل إلى دليل على وحدانية الله وقدرته ، ومن حجة إلى حجة ، ومن أسلوب إلى أسلوب لكى لا يترك مجالا فى عقولهم للتردد فى قبول دعوته .. ولكن فرعون - وقد شعر بأن حجة موسى قد ألقمته حجرا انتقل من أسلوب المحاورة فى شأن رسالة موسى إلى التهديد والوعيد - شأن الطغاة عندما يعجزون عن دفع الحجة بالحجة - فقال لموسى عليه السلام - : ﴿ لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من المسجونين . أى : قال فرعون لموسى بثورة وغضب : لئن اتخذت إلها غيرى يا موسى ليكون معبودا لك من دونى ، لأجعلنك واحدا من جملة المسجونين فى سجنى فهذا شأنى مع كل من يتمرد على عبادتى ، ويخالف أمرى .. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ألم يكن لأسجننك أخصر من ﴿ لأجعلتك من المسجونين ﴾ ومؤديا مؤداه ؟ قلت: أما كونه أخصر فنعم. وأما كونه مؤديا مؤداه فلا، لأن معناه: (( لأجعلتك واحدا . ممن عرفت حالهم فى سجونى وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه فى هوة ذاهبة فى الأرض ، بعيدة العمق . لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل))(١) .. (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٠٨. . ٢٤٣ سورة الشعراء ولكن موسى - عليه السلام - لم يخفه هذا التهديد والوعيد . بل رد عليه ردا حكيما فقال له : ﴿ أولو جئتك بشىء مبين﴾. والاستفهام للإنكار ، والواو العطف على كلام مقدر يستدعيه المقام ، والمعنى . أتفعل ذلك بى بأن تجعلنى من المسجونين ، ولو جئتك بشىء مبين ، يدل دلالة واضحة على صدقى فى رسالتى وعلى أنى رسول من رب العالمين ؟ وعبر عن المعجزة التى أيده الله بها بأنها ﴿شىء مبين ﴾ للتهويل من شأنها، والتفخيم من أمرها، ولعل مقصد موسى - عليه السلام- بهذا الكلام، أن يجر فرعون مرة أخرى إلى الحديث فى شأن الرسالة التى جاءه من أجلها بعد أن رآه يريد أن يحول مجرى الحديث عنها إلى التهديد والوعيد ، وأن يسد منافذ الهروب عليه أمام قومه . ولذا نجد فرعون لا يملك أمام موسى إلا أن يقول له : ﴿ فأت به إن كنت من الصادقين أى : فأت بهذا الشىء المبين ، إن كنت - يا موسى - من الصادقين فى كلامك السابق .. وهنا كشف موسى - عليه السلام - عما أيده الله - تعالى - به من معجزات حسية خارقة فألقى عصاه ) على الأرض أمام فرعون وقومه ﴿ فإذا هى ثعبان مبين أى : فإذا هى حية عظيمة فى غاية الجلاء والوضوح على أنها حية حقيقية ، لا شائبة معها للتخييل أو التمويه كما يفعل السحرة .. ولم يكتف موسى بذلك فى الدلالة على صدقه . ﴿ونزع يده﴾ أى: من جيبه ﴿فإذا هى بيضاء للناظرين ﴾ أى: فإذا هى بيضاء بياضا يخالف لون جسمه - عليه السلام - ، فهى تتلألأ كأنها قطعة من القمر ، ولها شعاع يكاد يغشى الأبصار ، وليس فيها ما يشير إلى أن بها سوءًا أو مرضا . وهنا أحس فرعون بالرعب يسرى فى أوصاله ، وبأن ألوهيته المزعومة قد أوشكت على الانكشاف . وبأن معجزة موسى توشك أن تجعل الناس يؤمنون به ، فالتفت إليهم وكأنه يحاول جذبهم إليه ، واستطلاع رأيهم فيما شاهدوه ، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِر عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ، قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَأَبْعَثْ فِ المَدَآِنِ حَشِرِينَ (٣٦ ٠٣٠ ٢٤٤ المجلد العاشر يَأْتُوَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ ﴿®، فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِيقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴿®) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُم تُجْتَمِعُونَ ٣٩ لَعَلَّنَانَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ ، فَمَّاجَآءَالسَّحَرَةُ قَالُوْلِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَا نَحْنُ الْغَلِينَ ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ ٤٢١ أى: قال فرعون للملأ المحيطين به - بعد أن زلزلته معجزة موسى - ﴿إن هذا لساحر عليم ﴾ . أى : لساحر بارع فى فن السجر ، فهو مع اعترافه بضخامة ما أتى به موسى ، يسميه سحرا . ثم يضيف إلى ذلك قوله لهم: ﴿ يريد أن يخرجكم﴾ هذا الساحر ﴿ من أرضكم ﴾ التى نشأتم عليها ﴿ فإذا تأمرون ﴾ أى: فبأى شىء تشيرون على وأنتم حاشيتى ومحل ثقتى ؟ وفى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لنفس هذا الطاغية وأمثاله .. إنه منذ قليل كان يرغى ويزيد . وإذا به بعد أن فاجأه موسى بمعجزته ، يصاب بالذعر ويقول لمن زعم أنه ربهم الأعلى ﴿ فماذا تأمرون﴾. وهكذا الطغاة عندما يضيق الخناق حول رقابهم يتذللون ويتباكون .. فإذا ما انفك الخناق من حول رقابهم ، عادوا إلى طغيانهم وفجورهم . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: ((ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين ، وبقى لا يدرى أى طرفيه أطول، حتى زل عنه ذكر دعوى الألوهية ، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية . وارتعدت فرائصه ، وانتفخ سَحَره - أى رئته - خوفا وفرقا ، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم : أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحس به من جهة موسى - عليه السلام -)»(١) . ورد الملأ من قوم فرعون عليه بقولهم: ﴿ أرجه وأخاه ﴾ أى: أخر أمرهما، يقال : (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣١٠ . ٧٠ ٢٤٥ سورة الشعراء أرجأت هذا الأمر وأرجيته . إذا أخرته . ومنه أخذ لفظ المرجئة لتلك الفرقة التى تؤخر العمل وتقول : لا يضر مع الإِيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة . وابعث فى المدائن حاشرين ﴾ أى: وابعث فى مدن مملكتك رجالا من شرطتك يحشرون السحرة ، أى : يجمعونهم عندك لتختار منهم من تشاء . وقوله : ﴿ يأتوك بكل سحار عليم﴾ مجزوم فى جواب الأمر. أى: إن تبعثهم يأتوك بكل سحار فائق فى سحره ، عليم بفنونه ومداخله . ولبى فرعون طلب مستشاريه ، فأرسل فى المدائن من يجمع له السحرة ﴿ فجمع السحرة﴾ أى المعروفون ببراعتهم فيه ﴿لميقات يوم معلوم﴾ أى: جمعوا وطلب منهم الاستعداد لمنازلة موسى - عليه السلام - فى وقت معين هو (( يوم الزينة)) أى : يوم العيد. كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ﴾. ثم حكى - سبحانه - ما فعله أعوان فرعون من حض الناس على حضور تلك المباراة فقال: ﴿وقيل للناس هل أنتم مجتمعون﴾ أى: فى ذلك اليوم المعلوم الذى ينازل فيه السحرة موسى فالمقصود بالاستفهام الحض على الحضور والحث على عدم التخلف . والترجى فى قولهم ( لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ﴾ المقصود به - أيضا - حض السحرة على بذل أقصى جهدهم ليتغلبوا على موسى - عليه السلام - ، فكأنهم يقولون لهم : ابذلوا قصارى جهدكم فى حسن إعداد سحركم فنحن نرجو أن تكون الغلبة لكم ، فنكون معكم لا مع موسى - عليه السلام - . ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله السحرة لفرعون عند التقائهم به فيقول : ﴿ فلما جاء السحرة قالوا لفرعون﴾ بعد أن التقى بهم ليشجعهم على الفوز، ﴿أئن لنا لأجرا﴾ مجزيا إن كنا نحن الغالبين ﴾ لموسى - عليه السلام - . وهنا يرد عليهم فرعون ، فيعدهم . ويمنيهم ﴿ قال نعم وإنكم إذًا لمن المقربين﴾. أى : نعم لكم الأجر العظيم الذى يرضيكم ، وفضلا عن ذلك فستكونون عندى من الرجال المقربين إلى نفسى ، والذين سأخصهم برعايتى ومشورتى . وهكذا يعد فرعون السحرة ويمنيهم ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله موسى للسحرة ، وما قال فرعون لهم بعد أن أعلنوا إيمانهم ، فقال - تعالى - : ٠٠ ٢٤٦ المجلد العاشر قَالَ لَهُمُوسَىَ الْقُوْمَ أَنْتُ مُلْقُونَ ٢) فَأَلْقَوَّْحِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْبِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ ٤٣ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٤ الْغَلْبُونَ ٤٧ ﴿ فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿) قَالُواْءَامَتَّابِرَبِّ الْعَلَمِينَ! رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ ﴿٨) قَالَءَامَنتُمْلَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ, لَكَبِيُّكُمُالَّذِى عَلَّمَّكُمُ السِّحْرَ فَلَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِعَنَّأَبْدِيَّكُمْ وَأَرْ جُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلَّنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قَالُو ◌ْلَاضَيْرِ لِنَّاً إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ ﴿ إِنَّا تَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُنَا خَطَئِنَا أَنْ كُنَّأَ ٥١) أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ قال لهم موسى ﴾ أى للسحرة بعد أن أعدوا عدتهم لمنازلته ، ومن خلفهم فرعون وقومه يشجعونهم على الفوز قال لهم: ﴿ ألقوا ما أنتم ملقون﴾ من السحر ، فسوف ترون عاقبة منازلتكم لى . وأسلوب الآية الكريمة يشعر بعدم مبالاة موسى - عليه السلام - بهم أو تلك الحشود التى من ورائهم ، فهو مطمئن إلى نصر الله - سبحانه - له . فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا ﴾ أى: عند إلقائهم لتلك الحبال والعصى ﴿ بعزة فرعون﴾ أى: بقوته وجبروته وسطوته ﴿إنا لنحن الغالبون﴾ لا موسى - عليه السلام - ولم تفصل السورة هنا ما فصلته سورة الأعراف من أنهم حين ألقوا حبالهم وعصيهم سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ﴾ أو ما وضحته سورة طه من أنهم حين ألقوا حبالهم : ﴿أوجس فى نفسه خيفة موسى ... ﴾. ولعل السر فى عدم التفصيل هنا ، أن السورة الكريمة تسوق الأحداث متتابعة تتابعا سريعا ، تربط معها قلب القارىء وعقله بما ستسفر عنه هذه الأحداث من ظهور الحق ، ومن دحور الباطل . ٢٤٧ سورة الشعراء ولذا جاء التعقيب السريع بما فعله موسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : ﴿ فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ﴾ أى: تبتلع بسرعة ، وتأخذ بقسوة ﴿ ما يأفكون﴾ أى: ما فعلوه وما يفعلونه من السحر ، الذى يقلبون به حقائق الأشياء عن طريق التمويه والتخييل . ورأى السحرة بأعينهم ومعهم الحشود من خلفهم ، رأوا ما أجراه الله - تعالى - على يد موسى - عليه السلام - رأوا كل ذلك فذهلوا وبهروا وأيقنوا أن ما جاء به موسى ليس سحرا وإنما هو شىء آخر فوق طاقة البشر ، ولو كان سحرا لعرفوه فهم رجاله ، وأيضا لو كان سحرا لبقيت حبالهم وعصيهم على الأرض ، ولكنها ابتلعتها عصا موسى - عليه السلام - عندئذ لم يتمالكوا أنفسهم ، بل فعلوا ما حكاه القرآن عنهم فى قوله - سبحانه - : فألقى السحرة ساجدين ﴾ أى: فخروا ساجدين على وجوههم بدون تردد ، وهم يقولون : ﴿ آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون﴾. وهكذا بعد أن شاهد السحرة الحق يتلألأ أمام أبصارهم . لم يملكوا إلا أن ينطقوا به على رءوس الأشهاد ، وتحولوا من قوم يلتمسون الأجر من فرعون قائلين: ﴿ أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ﴾ إلى قوم آخرين هجروا الدنيا . ومغانمها، واستهانوا بالتهديد والوعيد ، ونطقوا بكلمة الحق فى وجه من كانوا يقسمون بعزته إنا لنحن الغالبون . وصدق رسول الله - ◌َله - حيث يقول فى حديثه الذى رواه الشيخان: ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه)). ثم يحكى - سبحانه - بعد ذلك موقف فرعون وقد رأى ما حطمه وزلزله فقال - تعالى -: ﴿ قال﴾ أى فرعون للسحرة ﴿ آمنتم له﴾ أى: لموسى ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ بالإِيمان به .. ﴿ إنه﴾ أى: موسى - عليه السلام - ﴿لكبيركم الذى علمكم السحر﴾ أى: فأنتم متواطئون معه على هذه اللعبة ﴿ فلسوف تعلمون﴾ ما أنزله بكم من عذاب . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أى: لأقطعن من كل واحد منكم يده اليمنى مع رجله اليسرى . ﴿ولأصلبنكم أجمعين﴾ أى: فى جذوع النخل - كما جاء فى آية أخرى - والمتأمل فى قول فرعون - كما حكاه القرآن عنه يرى فيه الطغيان والكفر ، فهو يستنكر على السحرة إيمانهم بدون إذن . ویری فيه الكذب الباطل الذى قصد من ورائه تشکیك قومه فی صدق موسی وفی نبو ته فهو يقول لهم : ﴿ إنه لكبيركم الذى علمكم السحر ﴾. ويرى فيه بعد هذا التلبيس على قومه ، التهديد الغليظ - شأن الطغاة فى كل زمان ٢٤٨ المجلد العاشر ومكان - فهو يقول للسحرة الذين صاروا مؤمنين: ﴿ فلسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين ﴾ أى : بدون استثناء لواحد منهم . ولم يلتفت السحرة إلى هذا التهديد والوعيد بعد أن استقر الإِيمان فى قلوبهم ، بل قالوا - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿لا ضير﴾ مصدر ضاره الأمر يضوره ويضيره ضيرا، أى: ضره وألحق به الأذى . أى: قالوا - بكل ثبات وعدم مبالاة بوعيده - لا ضرر علينا من عقابك فسنتحمله صابرين فى سبيل الحق الذى آمنا به . إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ أى: راجعون إليه ، فيجازينا على صبرنا . إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ﴾ التى وقعنا فيها قبل الإيمان ، كعبادة فرعون وكتعاطى السحر ﴿ أن كنا﴾ أى: لأن كنا ﴿ أول المؤمنون) بالحق بعد أن جاءنا. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان ما أمر به نبيه موسى - عليه السلام - وما حل بفرعون وقومه من هلاك بسبب كفرهم وبغيهم ، فقال - تعالى - : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىَ إِنَّكُر تُتَبَعُونَ ﴿٥) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآَبِنِ خَشِرِينَ ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَشِرْ زِمَةٌ قَلِلُونَ ﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَا بِظُونَ ﴿ وَإِنَّالَجَمِيعُ حَذِرُونَ فَأَخْرَحْنَهُمْ مِّنْ حَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿٥٦)، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ٥٨ ٥٦ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ ، فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ ٦٠ فَلَمَّا تَزَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ اقَالَ ، فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىّ أَنِ أَضْرِبِ ٦٢ كَلََّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ ﴿ بِعَصَالَكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلْطَوْرِ الْعَظِيمِ﴾ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّالْآَخَرِينَ ﴿٦)، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ٦٥ ٢٤٩ سورة الشعراء ثُمَّ أَغْرَقْنَا ◌ُلْآَخَرِينَ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١) وقوله - سبحانه -: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى .. ﴾ معطوف على كلام مقدر يفهم من سياق القصة . والتقدير : وبعد أن انتصر موسى على السحرة نصرا جعلهم يخرون ساجدين لله - تعالى - وبعد أن مكث موسى فى مصر حينا من الدهر ، يدعو فرعون وقومه إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - فلم يستجيبوا له .. بعد كل ذلك ﴿ أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى ﴾ أى: سر ببنى إسرائيل ليلا إلى جهة البحر وعبر - سبحانه - عنهم بعبادی . تلطفا بهم بعد أن ظلوا تحت ظلم فرعون مدة طويلة . وقوله : ﴿ إنكم متبعون﴾ تعليل للأمر بالإِسراء. أى: سر بهم ليلا إلى جهة البحر، لأن فرعون سيتبعكم بجنوده ، وسأقضى قضائى فيه وفى جنده . والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين ﴾ هى الفصيحة ، والحاشرين جمع حاشر : والمراد بهم الذين يحشرون الناس ويجمعونهم فى مكان معين ، لأمر من الأمور الهامة . قالوا : جمعوا له جيشا كبيرا يتكون من مئات الآلاف من الجنود . أى : وعلم فرعون بخروج موسى ومعه بنو إسرائيل . فأرسل جنوده ليجمعوا له الناس من المدائن المتعددة فى مملكته . وبعد أن اكتمل عددهم ، أخذ فى التهوين من شأن موسى ومن معه فقال: ﴿ إن هؤلاء ﴾ . لشرذمة قليلون والشرذمة : الطائفة القليلة من الناس - وخصها بعضهم بالأخساء والسفلة منهم . ومنه قولهم : هذا ثوب شرذام ، وثياب شراذم ، أى : رديئة متقطعة . أى : إن هؤلاء الذين خرجوا بدون إذنى وإذنكم ، لطائفة قليلة من الناس الذين هم بمنزلة العبيد والخدم لى ولكم . وإنهم لنا لغائظون ﴾ أى: وإنهم بجانب قلتهم ، وخروجهم بدون إذننا ، يأتون بأقوال وأفعال تغيظنا وتغضبنا ، على رأسها اقتراحهم علينا أن نترك ديننا . ٢٥٠ المجلد العاشر وإنا لجميع حاذرون ﴾ أى: متيقظون لمكائدهم، ومحتاطون لمكرهم ، وممسكون بزمام الأمور حتى لا يؤثر فينا خداعهم . يقال : حذر فلان حذرا - من باب تعب - بمعنى : استعد للأمر وتأهب له بيقظة .. وكلام فرعون هذا - الذى حكاه القرآن عنه - يوحى بهلعه وخوفه مما فعله موسى - عليه السلام - إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع والجزع بالتهوين من شأنه ومن شأن الذين خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحاق بهم وتأديبهم ، وبالظهور بمظهر المستعد هو وقومه لمجابهة الأخطار والتمرد بكل قوة وحزم . قال صاحب الكشاف : والمعنى : أنهم - أى موسى ومن معه - لقلتهم لا يبالى بهم ، ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا ، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم فى الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده ، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه ، وقرىء : حذرون .. والحذر: اليقظ. والحاذر: الذى يجدد حذره .. (١). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما اقتضته إرادته ومشيئته فى فرعون وقومه فقال : فأخرجناهم من جنات وعيون﴾ أى: فأخرجناهم بقدرتنا وإرادتنا من ﴿جنات﴾. أى: بساتين كانوا يعيشون فيها ﴿وعيون﴾ عذبة الماء كانوا يشربون منها. ﴿وكنوز﴾ أى: وأموال كانت تحت أيديهم ﴿ومقام كريم﴾ أى: ومساكن حسنة جميلة كانوا يقيمون فيها . أى : أخرجناهم من كل ذلك بقدرتنا ومشيئتنا ، ليلقوا مصيرهم المحتوم وهو الغرق ، بسبب إصرارهم على كفرهم وطغيانهم . وقوله : ﴿ كذلك) خبر لمبتدأ محذوف. أى: الأمر كذلك. وقوله : ﴿وأورثناها بنى إسرائيل﴾ أى: وأورثنا تلك الجنات والعيون والكنوز والمنازل الحسنة لبنى إسرائيل . قال الجمل: وقوله: ﴿وأورثناها﴾ أى: الجنات والعيون والكنوز لبنى إسرائيل ، وذلك أن الله - عز وجل - رد بنى إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه ، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن الحسنة .. والظاهر أن هذه الجملة اعتراضية ، وأن قوله - بعد ذلك - ﴿ فأتبعوهم﴾ معطوف على (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣١٥. ٢٥١ سورة الشعراء قوله - تعالى -: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون﴾ .. لأن إعطاء البساتين وما بعدها لبنى إسرائيل ، كان بعد هلاك فرعون وقومه(١) . ومن العلماء من يرى أن بنى إسرائيل لم يعودوا لمصر بعد هلاك فرعون وقومه ، وأن الضمير فى قوله - تعالى -: ﴿وأورثناها) لا يعود إلى الجنات والعيون التى أخرج الله - تعالى - منها فرعون وقومه . فيقول : ولا يعرف أن بنى إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدسة ، وورثوا ملك مصر وكنوز فرعون ومقامه ، لذلك يقول المفسرون إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون وملئه . فهى وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام کریم )»(٢) . وقيل : المراد بالوراثة هنا : وراثة ما استعاره بنو إسرائيل من حلى آل فرعون عند خروجهم من مصر مع موسى - عليه السلام - . ويبدو لنا أنه لا مانع من عودة الضمير فى قوله - تعالى -: ﴿وأورثناها ) إلى الجنات والعيون والكنوز التى أخرج الله - تعالى - منها فرعون وقومه ، بأن عاد موسى ومن معه إلى مصر - لفترة معينة - بعد هلاك فرعون وملئه ، ثم خرجوا منها بعد ذلك مواصلين سيرهم إلى الأرض المقدسة ، التى أمرهم موسى - عليه السلام - بدخولها . ولعل مما يؤيد ما نرجحه قوله - تعالى -: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها ، وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾(٣). وقوله - سبحانه - : ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ويمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا (٤) يحذرون ﴾(٤) . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما حدث من فرعون وقومه ، وما قاله بنو إسرائيل عندما شاهدوهم ، فقال - تعالى - ﴿ فأتبعوهم مشرقين ﴾. أى : أخرجنا فرعون وقومه من أموالهم ومساكنهم .. فساروا مسرعين خلف موسى ومن فأتبعوهم﴾ أى: فلحقوا بهم ﴿مشرقين﴾ أى: فى وقت شروق الشمس يقال: معه ، (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٨٠ . (٢) فى ظلال القرآن جـ ١٩ ص ٢١٢. (٣) سورة الأعراف آية ١٣٧ . (٤) سورة القصص الآيتان ٥، ٦ . ٢٥٢ المجلد العاشر أشرق فلان إذا دخل فى وقت الشروق ، كأصبح إذا دخل فى وقت الصباح . ﴿ فلما تراءى الجمعان﴾ أى: تقاربا بحيث يرى كل فريق خصمه. قال﴾ بنو إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام - والخوف يملأ نفوسهم: ﴿ إنا لمدركون ﴾ أى : سيدركنا بعد قليل فرعون وجنوده ، ولا قدرة لنا .. على قتالهم .. وهنا رد عليهم موسى - عليه السلام - بثقة وثبات بقوله: ﴿ كلا﴾ أى : كلا لن يدركوكم ، فاثبتوا ولا تجزعوا ﴿ إن معى ربي سيهدين﴾. بهذا الجزم والتأكيد رد موسى على بنى إسرائيل ، وهو رد يدل على قوة إيمانه ، وثبات يقينه ، وثقته التى لا حدود لها فى نصر الله - تعالى - له ، وفى هدايته إياه إلى طريق الفوز والفلاح . ولم يطل انتظار موسى لنصر الله - تعالى - بل جاءه سريعا متمثلا فى قوله - سبحانه - فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ﴾ أى: البحر الأحمر - على أرجح الأقوال - وهو الذى كان يسمى ببحر القلزم .. ٠٠.٠٠ فضربه ﴿ فانفلق﴾ إلى اثنى عشر طريقا ﴿فكان كل فرق﴾ أى: قسم منه ﴿كالطود العظيم ﴾ أى: كالجبل الشامخ الكبير . وسار موسى ومن معه فى الطريق اليابس بين أمواج البحر - بقدرة الله - تعالى - ، وأزلفنا ثم الآخرين﴾ أى: وقربنا - بقدرتنا وحكمتنا - هنالك القوم الآخرين وهم فرعون وجنوده . أى : قربناهم من موسى وقومه فدخلوا وراءهم فى الطريق الذى سلكوه بين أمواج البحر ، فماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة أن خرج موسى ومن معه سالمين ، أما فرعون وجنوده فقد انطبق عليهم البحر فأغرقهم أجمعين . وصدق الله إذ يقول: ﴿وأنجينا) - أى: بقدرتنا ورحمتنا - ﴿موسى ومن معه أجمعين ) من الغرق ومن لحاق فرعون بهم ﴿ ثم أغرقنا الآخرين﴾ وهم فرعون وجنوده. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة - كما ختم غيرها - بقوله : ﴿إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾. أى : إن فى ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من قصة موسى وفرعون ، ﴿لآية) عظيمة تدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لنا، ومع ذلك فلم يؤمن بما جاء به نبينا موسى ، إلا عدد قليل، ﴿وإن ربك﴾ - أيها الرسول الكريم - ﴿لهو ٢٥٣ سورة الشعراء العزيز). أى: الغالب المنتقم من أعدائه ﴿الرحيم) أى: الواسع الرحمة بأوليائه، حيث جعل العاقبة لهم . وهكذا ساق لنا - سبحانه - هنا جانبا من قصة موسى - عليه السلام - بهذا الأسلوب البديع ، لتكون عبرة وعظة لقوم يؤمنون . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة إبراهيم - عليه السلام - فقال - تعالى - : . وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ ؛ إِذْقَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ (٦) قَالُواْ بَأْ إِبْرَاهِيمَ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَكِفِينَ ﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُرَإِذْ تَدْعُونَ ﴿٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ ﴿) قَالُواْبَلْ وَجَدْنَآءَابَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ قَالَ أَفَرَءَ يْتُمْ مَاكُمْ تَعْبُدُونَ ) أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِيِ إِلَّ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿الَّذِى خَقَنِ فَهُوَ يَدِينِ ﴿﴿وَلَّذِىهُوَيُطْعِمُنِ وَسَعِنِ ٧٩ وَ إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَبِشْفِينِ ٨٠ وَالَّذِى يُمِيتُنِىِ ثُمَّ يُحْبِيِنِ ﴿ وَالَّذِىَ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلِ خَطِيِّئَتِ يَوْمَ الدِّينِ ٨٢ ◌َرَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقِ بِالصََّلِحِينَ ١ وَأَجْعَلِ لِّ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِينَ ﴿ وَأَجْعَلْنِ مِن وَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِى إِنٌَّ كَانَ مِنَ الضَّآلّينَ ﴾ وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴿١٧) يَوْمَلَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨) إِلَّ مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ و ٨٩ ٢٥٤ المجلد العاشر وقصة إبراهيم - عليه السلام - قد وردت فى القرآن فى سور متعددة ، وبأساليب متنوعة ، وردت فى سورة البقرة ، وكان معظم الحديث فيها ، يدور حول بنائه للبيت الحرام هو وابنه إسماعيل ، وحكاية تلك الدعوات الخاشعات التى تضرع بها إلى ربه . ووردت فى سورة الأنعام ، وكان معظم الحديث فيها يدور حول إقامته الأدلة على وحدانية الله - تعالى - عن طريق التأمل فى مشاهد هذا الكون . ووردت فى سورة هود ، وكان معظم الحديث فيها يدور حول تبشيره بإسحاق .. ووردت فى سورة إبراهيم ، وكان معظم الحديث فيها بدور حول ما توجه به إلى ربه من دعاء بعد أن ترك بعض ذريته فى جوار بيت الله الحرام . ووردت فى سورة الحجر . وكان معظم الحديث فيها يدور حول ما دار بينه وبين الملائكة من مناقشات .. ووردت فى سورة مريم ، وفيها حكى القرآن تلك النصائح الحكيمة التى وجهها لأبيه وهو يدعوه لعبادة الله - تعالى - وحده . ووردت فى سورة الأنبياء . وفيها عرض القرآن لما دار بينه وبين قومه من مجادلات ومن تحطيم الأصنام ، ومن إلقائهم إياه فى النار فصارت بأمر الله - تعالى - بردا وسلاما عليه . أما هنا فى سورة الشعراء ، فيحكى لنا - سبحانه - ما دار بينه وبين قومه من مناقشات ، وما توجه به إلى خالقه من دعوات . لقد افتتحت بقوله - تعالى -: ﴿واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ أى: واقرأ - أيها الرسول الكريم - على قومك - أيضا - نبأ رسولنا إبراهيم - عليه السلام - الذى يزعم قومك أنهم ورثته ، وأنهم يتبعونه فى ديانته ، مع أن إبراهيم برىء منهم ومن شركهم ، لأنه ما أرسل إلا لنهى أمثالهم عن الإشراك بالله - تعالى - . وقوله : ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ﴾ منصوب على الظرفية. أى: اقرأ عليهم نبأه وقت أن قال لأبيه وقومه على سيل التبكيت وإلزامهم الحجة : أى شىء هذا الذى تعبدونه من دون الله - عز وجل - ؟ . فأجابوه بقولهم: ﴿ نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ) وكان يكفيهم فى الجواب أن يقولوا: نعبد أصناما ، ولكنهم لغبائهم وجهلهم قصدوا التباهى والتفاخر بهذه العبادة الباطلة أى : نعبد أصناما منحوتة من الحجر أو مما يشبهه ، ونداوم على عبادتها ليلا ونهارا ، ونعكف على التقرب لها كما يتقرب الحبيب إلى حبيبه . ٢٥٥ سورة الشعراء وهكذا ، عندما تنحط الأفهام ، تتباهى بما يجب البعد عنه ، وتفتخر بالمرذول من القول والفعل .. وقد رد عليهم إبراهيم - عليه السلام - بما يوقظهم من جهلهم لو كانوا يعقلون ، فقال لهم : ﴿ هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون﴾. أى : قال لهم إبراهيم على سبيل التنبيه والتبكيت : هذه الأصنام التى تعبدونها من دون الله، هل تسمع دعاءكم إذا دعوتموها ، وهل تحس بعبادتكم لها إذا عبدتموها ، وهل تملك أن تنفعكم بشىء من النفع أو تضركم بشىء من الضر؟ . ولم يستطع القوم أن يواجهوا إبراهيم بجواب . بعد أن ألقمهم حجرا بنصاعة حجته ، فلجأوا إلى التمسح بآبائهم فقالوا: ﴿بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾. أى: قالوا له : إن هذه الأصنام هى كما قلت يا إبراهيم لا تسمع دعاءنا ، ولا تنفعنا ولا تضرنا ، ولكننا وجدنا آباءنا يعبدونها ، فسرنا على طريقتهم فى عبادتها ، فهم قالوا ما قاله أمثالهم فى الجهالة فى كل زمان ومكان ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾. وأمام هذا التقليد الأعمى ، نرى إبراهيم - عليه السلام - يعلن عداوته لهم ولمعبوداتهم الباطلة ، و يجاهرهم بأن عبادته إنما هى لله - تعالى - وحده فيقول : ﴿ أفرأيتم ما كنتم تعبدون . أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم عدوّ لى إلا رب العالمين ﴾. أى: قال لهم إبراهيم على سبيل الإِنكار والتأنيب : أفرأيتم وشاهدتم هذه الأصنام التى عبدتموها أنتم وآباؤكم الأقدمون من دون الله - تعالى - إنها عدو لى لأن عبادتها باطلة لكن الله - تعالى - رب العالمين هو وليى وصاحب الفضل على فى الدنيا والآخرة ، فلذا أعبده وحده . فقوله ﴿ إلا رب العالمين﴾ استثناء منقطع من ضمير ﴿ إنهم﴾. قال صاحب الكشاف: وإنما قال: ﴿ عدولى﴾ تصويرا للمسألة فى نفسه، على معنى: أنى فكرت فى أمرى فرأيت عبادتى لها عبادة للعدو فاجتنبتها وآثرت عبادة الذى الخير كله منه ، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أولا ، وبنى عليها تدبير أمره ، لينظروا فيقولوا : ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ، ليكون أدعى لهم إلى القبول . ولو قال : فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة ، ولأنه دخل فى باب من التعريض ، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح ، لأنه يتأمل فيه ، فربما قاده التأمل إلى التقبل ومنه ما يحكى عن ٢٥٦ المجلد العاشر الشافعى - رحمه الله - : أن رجلا واجهه بشىء، فقال: لو كنتُ بحيث أنت ، لاحتجتُ إلى الأدب . وسمع رجل ناسا يتحدثون فى الحِجْر فقال: ما هو بيتى ولا بيتكم .. (١). ثم حكى القرآن الكريم ، ما وصف به إبراهيم خالقه من صفات كريمة تليق بجلاله - سبحانه - فقال: ﴿الذى خلقنى فهو يهدين﴾ أى: أخلص عبادتى لرب العالمين، الذى أوجدنى بقدرته ، والذى يهدينى وحده إلى ما يصلح شأنى فى دنياى وفى آخرتى . قال الجمل وقوله: ﴿الذى خلقنى ) يجوز فيه أوجه: النصب على النعت لرب العالمين أو البدل أو عطف البيان .. أو الرفع على الابتداء . وقوله ﴿فهو يهدينَ﴾ جملة اسمية فى محل رفع خبر له (٢) . وقوله: ﴿ والذى هو يطعمنى ويسقين﴾ معطوف على ما قبله . أى: وهو - سبحانه - وحده الذى يطعمنى ويسقينى من فضله ، ولو شاء لأمسك عنى ذلك . وأضاف المرض إلى نفسه فى قوله ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين﴾ وإن كان الكل من الله - تعالى - تأدبا مع خالقه - عز وجل - وشكرا له - سبحانه - على نعمة الخلق والهداية . والإطعام والإِسقاء والشفاء .. والمراد بالإِحياء فى قوله: ﴿ والذى يميتنى ثم يحيين﴾ إعادة الحياة إلى الميت يوم القيامة أى: ومن صفات رب العالمين الذى أخلص له العبادة ، أنه - سبحانه - الذى بقدرته وحده أن يميتنى عند حضور أجلى، ثم يعيدنى إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والحساب . وجاء العطف بـ ﴿ ثم﴾ فى قوله ﴿ ثم يحيين﴾ لاتساع الأمر بين الإماتة فى الدنيا والإِحياء فى الآخرة . ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله: ﴿والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتي يوم الدين﴾ أى: وهو وحده الذى أطمع أن يغفر لى ذنوبى يوم ألقاه لأنه لا يقدر على ذلك أحد سواه - عز وجل - . وفى هذه الآية أسمى درجات الأدب من إبراهيم مع ربه - سبحانه - ، لأنه يوجه طمعه فى المغفرة إليه وحده ، ويستعظم - عليه السلام - ما صدر منه من أمور قد تكون خلاف الأولى ، ويعتبرها خطايا ، هضما لنفسه ، وتعليما للأمة أن تجتنب المعاصى ، وأن تكون منها على حذر وأن تفوض رجاءها إلى الله - تعالى - وحده . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣١٨ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٨٢ . ٢٥٧ سورة الشعراء وبعد أن أثنى إبراهيم - عليه السلام - على ربه بهذا الثناء الجميل ، أتبع ذلك بتلك الدعوات الخاشعات فقال: ﴿رب هب لى حكما﴾ أى: علما واسعا مصحوبا بعمل نافع. وألحقنى بالصالحين ﴾ من عبادك الذين رضيت عنهم - ورضوا عنك ، بحيث ترافقنى بهم فى جنتك . واجعل لى لسان صدق فى الآخرين ﴾ أى: واجعل لى ذكراً حسناً، وسمعة طيبة ، وأثراً كريما فى الأمم الأخرى التى ستأتى من بعدى . وقد أجاب - سبحانه - له هذه الدعوة ، فجعل أثره خالدًا ، وجعل من ذريته الأنبياء والصالحين، وعلى رأسهم سيدنا محمد - * - . واجعلنى من ورثة جنة النعيم ﴾ أى: واجعلنى فى الآخرة عندما ألقاك - ياربى - للحساب ، من عبادك الذين أكرمتهم بدخول جنتك وبوراثتها فضلا منك وكرما . واغفر لأبى إنه كان من الضالين ﴾ عن طريق الحق ، فإنى قد وعدته بأن استغفر له عندك - يا إلهى - . قال ابن كثير : وهذا مما رجع عنه إبراهيم - عليه السلام - كما قال - تعالى - : ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه ، إن إبراهيم لأواه حليم ﴾(١). وقد قطع - تعالى - الإِلحاق فى استغفاره لأبيه ، فقال: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم : إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ، إلا قول إبراهيم لأبيه : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شىء .. (٢) ﴾. ولا تخزنى﴾ أى: ولا تفضحنى ﴿ يوم يبعثون﴾ أى: يوم تبعث عبادك فى الآخرة للحساب ، بل استرنى واجبرنى وتجاوز عن تقصيرى . ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ من أحد لديك . ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ أى: واسترنى - يا إلهى - ولا تفضحنى يوم القيامة ، يوم لا ينتفع الناس بشىء من أموالهم ولا من أولادهم ، ولكنهم ينتفعون بإخلاص قلوبهم (١) سورة التوبة الآية ١١٤ . (٢) سورة الممتحنة الآية ٤ . ٢٥٨ المجلد العاشر لعبادتك . وبسلامتها من كل شرك أو نفاق ، وبصيانتها من الشهوات المرذولة . والأفعال القبيحة . وهكذا نرى فى قصة إبراهيم : الشجاعة فى النطق بكلمة الحق ، حيث جابه قومه وأباه ببطلان عبادتهم للأصنام . ونرى الحجة الدامغة التى جعلت قومه لا يجدون عذرا يعتذرون به عن عبادة الأصنام سوى قولهم : ﴿ وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾. ونرى الثناء الحسن الجميل منه على ربه - عز وجل - : ﴿الذى خلقنى فهو يهدين . والذى هو يطعمنى ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ . ونرى الدعاء الخاشع الخالص الذى يتضرع به إلى خالقه - عز وجل - ، لكى يرزقه العلم والعمل ، وبأن يحشره مع الصالحين ، وأن يجعل له أثرا طيبا بعد وفاته بين الأمم الأخرى ، وبأن يجعله من الوارثين لجنة النعيم ، وبأن يستره بستره الجميل يوم القيامة ، يوم لا ينفع الناس شىء سوى إخلاص قلوبهم وعملهم الصالح ، وهى دعوات يرى المتأمل فيها شدة خوف إبراهيم - وهو الحليم الأواه المنيب - من أهوال يوم الحساب . نسأل الله - تعالى - بفضله وكرمه ، أن يجنبنا إياها ، وأن يسترنا بستره الجميل . ثم يبين - سبحانه - بعد ذلك مشهدا من مشاهد يوم القيامة ، ويحكى أقوال الغاوين وحسراتهم .. فيقول : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ وَقِيلَ لَهُمْأَيْنَ مَ كُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٦) مِن دُونِلَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ ٩١ أَوْ يَنَصِرُونَ ﴿®»، فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿ وَحُنُودُ إِيْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿ْ تَاللَّهِ إِن كُنَّالَفِى ضَلَلِ مُّبِينٍ ﴿®) إِذْ نُوِيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ﴿﴿ فَمَالَنَا مِن شَفِعِينَ ﴿ وَلَا صَدِيقٍ حَم ١٠١ ٢٥٩ سورة الشعراء ١٠٢ ﴾ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةٌ وَمَاكَانَ فَلَوْ أَنَّ لَا كَرَّةٌ فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٢)، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ١٠٤٣ وقوله - سبحانه -: ﴿ وأزلفت الجنة ... ) من الإِزلاف بمعنى القرب والدنو. أى : وقربت الجنة يوم القيامة للمتقين ، الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضاه الله - تعالى - ، وصارت بحيث يشاهدونها ويتلذذون برؤيتها . ﴿وبرزت الجحيم للغاوين﴾ أى: أما الغاوون الذين استحبوا العمى على الهدى، وآثروا . الغواية على الهداية ، فقد برزت الجحيم لهم بأهوالها وسعيرها ثم قيل لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتأنيب : ﴿أين ما كنتم تعبدون من دون الله﴾ أى: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها فى الدنيا من دون الله - تعالى - وتزعمون أنها شفعاؤكم عنده ؟! ﴿ هل ينصرونكم﴾ الآن من هذا العذاب المعد لكم ﴿ أو ينتصرون) هم من العذاب الذى سيحل بهم معكم ؟ . كلا ثم كلا ، إنكم وهم حصب جهنم ، وستدخلونها جميعا خاسئين . وليس المقصود بالسؤال الاستفهام ، وإنما المقصود به التقريع والتوبيخ ، ولذا لا يحتاج إلى جواب . ثم ذكر - سبحانه - ما حل بهؤلاء الأشقياء من عذاب فى أعقاب هذا التأنيب فقال : فكبكبوا فيها هم والغاوون . وجنود إبليس أجمعون والكبكبة : تكرير الكب ، وهو الإلقاء على الوجه مرة بعد أخرى ، وضمير الجمع للآلهة التى عبدها الكافرون من دون الله - تعالى - : وجىء بضمير العقلاء على سبيل التهكم بهم ، أى : فألقى المعبودون والعابدون فى جهنم، ومعهم جنود إبليس كلهم سواء أكانوا من الشياطين أم من أتباعه من الجن والإِنس . وفى التعبير بكبكبوا تصوير صادق مؤثر لحالة هؤلاء الضالين ، وهم يتساقطون - والعياذ بالله - فى جهنم، بلا رحمة ، ولا عناية، ولا نظام، بل بعضهم فوق بعض وقد تناثرت أشلاؤهم .. ثم بين - سبحانه - ما قاله الغاوون لآلهتهم فقال: ﴿قالوا وهم فيها يختصمون. تالله إن كنا لفى ضلال مبين . إذ نسويكم برب العالمين ﴾ .. ٢٦٠ المجلد العاشر أى : قال العابدون لمعبوديهم على سبيل المخاصمة لهم، والتبرؤ منهم: تالله ما كنا إلا فى ضلال مبين ، وقت أن كنا فى الدنيا نسويكم برب العالمين فى العبادة مع أنكم خلق من خلقه لا تضرون ولا تنفعون . وما أضلنا﴾ عن اتباع طريق الحق ﴿إلا المجرمون﴾ من شياطين الإنس والجن. الذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان ، وصدونا عن الإِيمان والطاعة والهداية . ﴿ فما لنا﴾ اليوم ﴿ من شافعين) يشفعون لنا عند ربنا. وما لنا - أيضا - من صديق حميم ﴾ أى: مخلص فى صداقته ، يدافع عنا عند ربنا، ويهتم بأمرنا فى هذا الموقف العصيب . قال الآلوسى ، والمراد التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه ، أو صديق شفيق يهمه ذلك . وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم فى التأسف ، حيث نفوا - أولا - أن يكون لهم من ينفعهم فى تخليصهم من العذاب بشفاعته ، ونفوا - ثانيا - أن يكون لهم من يهمه : أمرهم ويشفق عليهم، ويتوجع لهم، أو يخلصهم .. (١) . و﴿لو﴾ فى قوله - تعالى- ﴿فلو أن لنا كرة ... ﴾ للتمنى الدال على كمال التحسر. والكرة : الرجعة إلى الدنيا مرة أخرى لتدارك ما فاتهم من الإِيمان . أى : فياليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى ، فنستدرك ما فاتنا من طاعة الله - تعالى - فنكون من المؤمنين ﴾ الذين أزلفت الجنه لهم، وأبعدت عنهم النار التى نحن مخلدون فيها . ثم ختم - سبحانه - قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى - عليهما السلام - فقال : إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ... ﴾ . إن فى ذلك الذى ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن حال إبراهيم مع قومه ومع أبيه ، وعن أهوال يوم القيامة ، إن ذلك كله لحجة وعظة لمن أراد أن يؤمن ويعتبر ، ومع ذلك فإن أكثر قوم إبراهيم ما كانوا مؤمنين ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم). ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه ، فقال - تعالى - : .