Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ سورة النور إياكم على دعاء بعضكم بعضا ، بل يجب عليكم متى دعاكم لأمر أن تلبوا أمره بدون تقاعس أو تباطؤ . وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة تدل على وجوب توقير الرسول - صل - وتعظيمه. وشبيه بها قوله - تعالى - : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ، ولاتجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾(١) . ثم حذر - سبحانه - المنافقين من سوء عاقبة أفعالهم فقال: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لِواذاً ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره ، أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ . وقد هنا للتحقيق . ويتسللون من التسلل ، وهو الخروج فى خفاء مع تمهل وتلصص . وقوله ﴿ لواذاً ﴾ مصدر فى موضع الحال أى: ملاوذين. والملاوذة معناها : الاستتار بشىء مخافة من يراك ، أو هى الروغان من شىء إلى شىء على سبيل الخفاء . أى: إن الله - تعالى - عليم بحال هؤلاء المنافقين الذين يخرجون من مجلس الرسول - وَله - فى خفاء واستتار : بحيث يخرجون من الجماعة قليلا قليلا ، يستتر بعضهم ببعض حتى يخرجوا جميعا . قالوا: وكان المنافقون تارة يخرجون إذا ارتقى الرسول - * - المنبر . ينظرون يمينا وشمالا. ثم يخرجون واحدا واحدا. وتارة يخرجون من مجلس الرسول - * - وتارة يفرون من الجهاد يعتذرون بالمعاذير الباطلة . وعلى أية حال فالآية الكريمة تصور خبث نفوسهم ، والتواء طباعهم ، وجبن قلوبهم ، أبلغ تصوير ، حيث ترسم أحوالهم وهم يخرجون فى خفاء متسللين ، حتى لا يراهم المسلمون . والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فليحذر ... ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها . والضمير فى قوله: ﴿ عن أمره ﴾ يعود إلى النبى - وَليه - أو إلى الله - تعالى - والمعنى واحد، لأن الرسول مبلغ عن الله - تعالى - . والمخالفة معناها : أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر فى حاله أو فعله . والمعنى: فليحذر هؤلاء المنافقون الذين يخالفون أمر النبى - وَالفر - ويصدون الناس عن دعوته . ويتباعدون عن هديه ، فليحذروا من أن تصيبهم فتنة ، أى : بلاء وكرب يترتب عليه (١) سورة الحجرات الآيتان ٢، ٣ . ١٦٢ المجلد العاشر افتضاح أمرهم ، وانكشاف شرهم ، ﴿ أو يصيبهم عذاب أليم ) يستأصلهم عن آخرهم ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . قال القرطبى : وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب ، ووجهها أن الله - تعالى - قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها بقوله : ﴿ آن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) فتحرم مخالفته، ويجب امتثال أمره))(١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ﴿ ألا إن الله ما فى السموات والأرض). أى: له - سبحانه - ما فى السموات والأرض من موجودات خلقا ومُلكا وتصرفا وإيجادًا قد يعلم ما أنتم عليه ﴾ أيها المكلفون من طاعة أو معصية ، ومن استجابة لأمره أو عدم استجابة . : ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ﴾ أى : ويعلم - سبحانه - أحوال خلقه جميعا يوم يرجعون إليه يوم القيامة . فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . ﴿ والله ﴾ - تعالى - ﴿ بكل شىء عليم) بحيث لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء . وبعد: فهذه هى سورة ((النور)) وهذا تفسير محرر لها . نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم القاهرة - مدينة نصر ظهر السبت ٢٠ من ربيع الآخر ١٤٠٥ هـ الموافق ١١ / ١ / سنة ١٩٨٥ م كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ٣٢٢. تفسير سُورَةُ الْفُرْوَكَ! ١٦٥ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة الفرقان من السور المكية ، وعدد آياتها سبع وسبعون آية ، وكان نزولها بعد سورة (( يس)). أما ترتيبها فى المصحف فهى السورة الخامسة والعشرون. ومن المفسرين الذين لم يذكروا خلافا فى كونها مكية ، الإِمام ابن كثير والإِمام الرازى . وقال القرطبى : هى مكية كلها فى قول الجمهور . وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ، وهى: ﴿ والذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر) إلى قوله - تعالى - : وكان الله غفورا رحيا ﴾. ٢ - وقد افتتحت هذه السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - الذى نزل الفرقان على عبده محمد - * - والذى له ملك السموات والأرض ... والذى خلق كل شىء فقدره تقدیرا . قال - تعالى -: ﴿ تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. الذى له ملك السموات والأرض . ولم يتخذ ولدا . ولم يكن له شريك فى الملك . وخلق كل شىء فقدره تقديرا ﴾ . ٣ - ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى حكاية بعض أقوال المشركين الذين أثاروا الشبهات حول الرسول - * - وحول دعوته ، وردت عليهم بما يمحق باطلهم ، وقارنت بين مصيرهم السئِ، وبين ما أعده الله - تعالى - للمؤمنين من جنات . قال - تعالى -: ﴿وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ٤ - وبعد أن يصور القرآن حسراتهم يوم الحشر ، وعجزهم عن التناصر ، يعود فيحکی جانبا من تطاولهم وعنادهم ، ويرد عليهم بما يكبتهم ، وبما يزيد المؤمنين ثباتا على ثباتهم .. قال - تعالى -: ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا، لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ١٦٦ المجلد العاشر ربنا ، لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتوا كبير * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ" للمجرمين ويقولون حجرا محجورا * وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا * أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ٥ - ثم تحكى السورة جانبا من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم. فيقول: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ، وأعتدنا للظالمين عذابا أليما .. ﴾ ٦ - ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن تطاول هؤلاء الجاحدين على رسولهم -* - وتعقب على ذلك بتسليته - * - عما أصابه منهم فتقول: ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا . أهذا الذى بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا * أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ﴾ . ٧ - ثم تنتقل السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - فتسوق لنا مظاهر قدرته فى مد الظل ، وفى تعاقب الليل والنهار ، وفى الرياح التى يرسلها - سبحانه - لتكون بشارة لنزول المطر ، وفى وجود برزخ بين البحرين ، وفى خلق البشر من الماء ... ثم يعقب على ذلك بالتعجب من حال الكافرين ، الذين يعبدون من دونه - سبحانه - مالا ينفعهم ولا يضرهم .. قال - تعالى -: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكنا ، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم ﴾ . سباتا وجعل النهار نشورا ٨ - ثم تسوق السورة فى أواخرها صورة مشرقة لعباد الرحمن ، الذين من صفاتهم التواضع ، والعفو عن الجاهل . وكثرة العبادة لله - تعالى - والتضرع إليه بأن يصرف عنهم عذاب جهنم ، وسلوكهم المسلك الوسط فى إنفاقهم ، وإخلاصهم الطاعة الله - تعالى - وحده . واجتنابهم للرذائل التى نهى الله - عز وجل - عنها . قال - تعالى -: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها ساءت مستقرا ومقاما ١٦٧ مقدمة ٩ - ومن هذا العرض المختصر لأبرز القضايا التى اهتمت بالحديث عنها السورة الكريمة ، نرى ما يأتى . ( أ ) أن السورة الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى الثناء عليه - سبحانه - بما هو أهله . نرى ذلك فى مثل قوله - تعالى - : ﴿ تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ... ﴾ تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك تبارك الذى جعل فى السماء بروجا ... جنات تجرى من تحتها الأنهار ... ﴾. وفى مثل قوله - تعالى -: ﴿وهو الذى مرج البحرين هذا عذاب فرات ، وهذا ملح أجاج ، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا * وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا * ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ، وكان الكافر على ربه ظهيرا ﴾ . (ب) أن السورة الكريمة زاخرة بالآيات التى تدخل الأنس والتسرية والتسلية والتثبيت على قلب النبى - 14 - بعد أن اتهمه المشركون بما هو برىء منه، وسخررا منه ومن دعوته ، ووصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، واستنكروا أن يكون النبى من البشر . نرى هذه التهم الباطلة فيما حكاه الله عنهم فى قوله - تعالى - : ﴿ وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ، فقد جاءوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا﴾. ﴿وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا﴾. ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ﴾ . وترى التسلية والتسرية والتثبيت فى قوله - تعالى -: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا * تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ﴾ . وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون ، وكان ربك بصيرا ﴾ . وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ، كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ﴾ . وهكذا نرى السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن الشبهات التى أثارها المشركون حول النبى - * - ودعوته، وزاخرة - أيضا - بالرد عليها ردا يبطلها . ويزهقها . ويسلى النبى ١٦٨ المجلد العاشر - *- عما أصابه منهم، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم. (جـ ) أن السورة الكريمة مشتملة على آيات كثيرة ، تبين ما سيكون عليه المشركون يوم القيامة من هم وغم وكرب وحسرة وندامة وسوء مصير ، كما تبين ما أعده الله - تعالى - لعباده المؤمنين من عاقبة حسنة ، ومن جنات تجرى من تحتها الأنهار . فبالنسبة لسوء عاقبة المشركين نرى قوله - تعالى -: ﴿بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنا لك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ﴾ . ونرى قوله - تعالى -: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا * ياويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى ، وكان الشيطان للإنسان خذولا ﴾ وبالنسبة للمؤمنين نرى قوله - تعالى - : ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا * لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا ﴾ . ونرى قوله - سبحانه -: ﴿ وعباد الرحمن الذى يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾. إلى قوله - تعالى -: ﴿ خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما﴾. وهكذا نرى السورة تسوق آيات كثيرة فى المقارنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين .. وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة ... هذه بعض الموضوعات التى اهتمت السورة الكريمة بتفصيل الحديث عنها ، وهناك موضوعات أخرى سنتحدث عنها - بإذن الله - عند تفسيرنا لآياتها . وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. القاهرة - مدينة نصر ٢١ من شهر ربيع الآخر ١٤٠٥ هـ ١٣ من يناير ١٩٨٥ م . المؤلف د . محمد سيد طنطاوى ١٦٩ سورة الفرقان التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِ هِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴿ الَّذِى لَهُمُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِكٌ فِى الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ تَقْدِيرَان وَأَّخَذُواْ مِن دُونِءَالِهَةٌ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا تَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ٣ وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نَشَورًا افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - ثناء يليق بجلاله وكماله . ولفظ (( تبارك)) فعل ماض لا يتصرف . أى: لم يجىِّ منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل: وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خبر . وأصلها النماء والزيادة . أى : كثر خيره وإحسانه ، وتزايدت بركاته . أو مأخوذ من البَرْكة بمعنى الثبوت . يقال : برك البعير ، إذا أناخ فى موضعه فلزمه وثبت فيه . وكل شىء ثبت ودام فقد برك. أى : ثبت ودام خيره على خلقه . والفرقان : القرآن . وسمى بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل . ونذيرا : من الإنذار، وهو الاعلام المقترن بتهديد وتخويف . أى : جل شأن الله - تعالى - وتكاثرت ودامت خيراته وبركاته ، لأنه - سبحانه - هو الذى نزل القرآن الكريم على عبده محمد - * - ليكون ((للعالمين)) أى: للإِنس وللجن (نذيرا)) أى: منذرا إياهم بسوء المصير إن هم استمروا على كفرهم وشركهم . وفى التعبير بقوله - تعالى - ﴿تبارك﴾ إشعار بكثرة ما يفيضه - سبحانه - من ١٧٠ المجلد العاشر خيرات وبركات على عباده ، وأن هذا العطاء ثابت مستقر ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله - عز وجل - . ولم يذكر - سبحانه - لفظ الجلالة ، واكتفى بالإسم الموصول الذى نزل الفرقان ، لإبراز صلته - سبحانه - وإظهارها فى هذا المقام ، الذى هو مقام إثبات صدق رسالته التى أوحاها إلى نبيه - * - . وعبر - سبحانه - بـ « نَزَّل ) بالتضعيف ، لنزول القرآن الكريم مفرقا فى أوقات متعددة ، لتثبيت فؤاد النبى - * - . ووصف الله - تعالى - رسوله -* - بالعبودية ، وأضافها لذاته ، للتشريف والتكريم والتعظيم . وأن هذه العبودية لله - تعالى - هى ما يتطلع إليه البشر . واختير الإِنذار على التبشير . لأن المقام يقتضى ذلك ، إذ أن المشركين قد لجوا فى طغيانهم وتمادوا فى كفرهم وضلالهم ، فكان من المناسب تخويفهم من سوء عاقبة ما هم عليه من عناد . وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته -* - للناس جميعا. حيث قال - سبحانه -: ﴿ ليكون للعالمين نذيرا﴾ أى: لعالم الإنس وعالم الجن، وشبيه بها قوله - تعالى -: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا ... ﴾(٢) ثم وصف - سبحانه - ذاته بجملة من الصفات التى توجب له العبادة والطاعة فقال : الذى له ملك السموات والأرض ﴾ فهو الخالق لهما. وهو المالك لأمرهما، لا يشاركه فى ذلك مشارك . والجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف . أو بدل من قوله : ﴿والذى نزل ﴾. ﴿ ولم يتخذ ولدا ﴾ فهو - سبحانه - منزه عن ذلك وعن كل ما من شأنه أن يشبه الحوادث . ولم يكن له شريك فى الملك ﴾ بل هو المالك وحده لكل شىء فى هذا الوجود . ﴿ وخلق كل شىء فقدره تقديرا﴾ أى: وهو - سبحانه - الذى خلق كل شىء فى هذا الوجود خلقا متقنا حكيما بديعا فى هيئته ، وفى زمانه ، وفى مكانه ، وفى وظيفته ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته. وصدق الله إذ يقول: ﴿إنا كل شىء خلقناه بقدر﴾(١). (١) سورة الأنبياء الآية ١٠٧ . (٢) سورة الأعراف الآية ١٥٨. (٣) سورة القمر الآية ٤٩. ١٧١ سورة الفرقان فجملة ((فقدره تقديرا)» بيان لما اشتمل عليه هذا الخلق من إحسان وإتقان فهو - سبحانه - لم يكتف بمجرد إيجاد الشىء من العدم ، وإنما أوجده فى تلك الصورة البديعة التى عبر عنها فى آية أخرى بقوله: ﴿ ... صنع الله الذى أتقن كل شىء ... ﴾(١). قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فى الخلق معنى التقدير . فما معنى قوله: ﴿وخلق كل شىء فقدره تقدیرا قلت : معناه أنه أحدث كل شىء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له . مثاله : أنه خلق الإِنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذى تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به فى بابى الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد ، جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير .. (٢) . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن المشركين لم يفطنوا إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من تنظيم دقيق ، ومن صنع حكيم يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، بل إنهم - لانطاس بصائرهم - عبدوا مخلوقا مثلهم فقال - تعالى -: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ... والضمير فى قوله ﴿ واتخذوا .. ﴾ يعود على المشركين المفهوم من قوله ﴿ولم يكن له شريك فى الملك ﴾ أو من المقام . أى : واتخذ هؤلاء المشركون معبودات باطلة يعبدونها من دون الله - عز وجل - ، وهذه المعبودات لا تقدر على خلق شىء من الأشياء ، بل هى من مخلوقات الله - تعالى - . وعبر عن هذه الآية بضمير العقلاء فى قوله ﴿ لا يخلقون﴾ جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع ، أو لأن من بين من اتخذوهم آلهة بعض العقلاء كالمسيح والعزير والملائكة .. وأيضا هؤلاء الذين اتخذهم المشركون آلهة: ﴿ لا يملكون لأنفسهم ﴾ فضلا عن غيرهم ضرا ولا نفعا﴾ فهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم، ولا جلب النفع لذواتهم ﴿ ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا﴾ أى: ولا يقدرون على إماتة الأحياء. ولا على إحياء الموتى فى الدنيا ، ولا على بعثهم ونشرهم فى الآخرة . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف تلك الآلهة المزعومة بسبع صفات ، كل صفة منها كفيلة بسلب صفة الألوهية عنها ، فكيف وقد اجتمعت هذه الصفات السبع فيها ؟ !! . (١) سورة النمل الآية ٨٨. (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٦٣. ١٧٢ المجلد العاشر إن كل من يشرك مع الله - تعالى - أحدا فى العبادة . لو تدبر هذه الآية وأمثالها من آيات القرآن الكريم لأيقن واعتقد أن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله رب العالمين . ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى أثارها المشركون حول القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه -* - فقال : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَأَإِنْ هَذَآإِلََّ إِنُْ أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونَ فَقَدْجَاءُوظُلْمًا وَزُورًا ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًارَّحِيمًا )) والإِفك : أسوأ الكذب . يقال : أفك فلان - كضرب وعلم - أفكا ، إذا قال أشنع الكذب وأقبحه . والزور فى الأصل : تحسين الباطل . مأخوذ من الزوَّرِ وهو الميل وأطلق على الباطل زور لما فيه من الميل عن الصدق إلى الكذب ، ومن الحق إلى ما يخالفه . أى: وقال الذين كفروا فى شأن القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه -* -، ما هذا القرآن إلا كذب وبهتان ﴿افتراه﴾ واختلقه محمد - صلالخ ح من عند نفسه، ﴿وأعانه عليه﴾ أى وأعانه وساعده على هذا الاختلاق ﴿قوم آخرون﴾ من اليهود أو غيرهم ، كعداس - مولى حويطب بن عبد العزى - ويسار - مولى العلاء بن الحضرمى - وأبى فكيهة الرومى . وكان هؤلاء من أهل الكتاب الذين أسلموا . وقوله - تعالى -: ﴿ فقد جاءوا ظلما وزورا﴾ رد على أقوال الكافرين الفاسدة وجاءوا بمعنى فعلوا ، وقوله: ﴿ ظلا) منصوب به . والتنوين للتهويل. أى : فقد فعل هؤلاء الكافرون بقولهم هذا ظلم عظيما وزورا كبيرا ، حيث وضعوا الباطل موضع الحق ، والكذب موضع الصدق . ويصح أن يكون قوله: ﴿ ظلا﴾ منصوبا بنزع الخافض أى: فقد جاءوا بظلم عظيم ، وكذب فظيع ، انحرفوا به عن جادة الحق والصواب . ١٧٣ سورة الفرقان ثم حكى - سبحانه - مقولة أخرى من مقولاتهم الفاسدة فقال: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا ﴾ . والأساطير : جمع أسطورة بمعنى أكذوبة واكتتبها : أى : أمر غيره بكتابتها له . أو جمعها من بطون كتب السابقين . أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بقولهم السابق فى شأن القرآن ، بل أضافوا إلى ذلك قولا آخر أشد شناعة وقبحا ، وهو زعمهم أن هذا القرآن أكاذيب الأولين وخرافاتهم ، أمر الرسول -* - غيره بكتابتها له، وبجمعها من كتب السابقين ﴿فهى ﴾ أى: هذه الأساطير ﴿تملى عليه﴾ أى: تلقى عليه - * - بعد اكتتابها ليحفظها ويقرأها على أصحابه ﴿ بكرة وأصيلا﴾ أى: فى الصباح والمساء أى: تملى عليه خفية فى الأوقات التى يكون الناس فيها نائمين أو غافلين عن رؤيتهم . وقد أمر الله - تعالى - رسوله - جزر - بالرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال: ﴿ قل أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض .. ﴾ . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وأنك افتريته من عند نفسك ، وأعانك على هذا الافتراء قوم آخرون ... قل لهم : كذبتم أشنع الكذب وأقبحه ، فأنتم أول من يعلم بأن هذا القرآن له من الحلاوة والطلاوة ، وله من حسن التأثير ما يجعله باعتراف زعمائكم ليس من كلام البشر وإنما الذى أنزله علىَّ هو الله - تعالى - الذى يعلم السر فى السموات والأرض ، أى : يعلم ما خفى فيهما ويعلم الأسرار جميعها فضلا عن الظواهر . ٠ قال الآلوسى: ((قل)) لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق: أنزله الله - تعالى - الذى لا يعزب عن علمه شىء من الأشياء ، وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع ، لا تحوم حوله الأفهام ، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته ، وأخبركم بمغيبات مستقبلة ، وأمور مكنونة ، لا يهتدى إليها ولا يوقف - إلا بتوفيق الله - تعالى - العليم الخبير - عليها .. (١) ثم ختم - سبحانه - الآية بما يفتح باب التوبة للتائبين ، وبما يحرضهم على الإِيمان والطاعة لله رب العالمين فقال - تعالى -: ﴿ إنه كان غفورا رحيما ﴾. أى: إنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة ، لمن ترك الكفر وعاد إلى الإِيمان ، وترك العصيان وعاد إلى الطاعة . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٢٣٦ . ١٧٤ المجلد العاشر قال الإِمام ابن كثير: وقوله: ﴿إنه كان غفورا رحيما) دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن رحمته واسعة ، وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه ، فهؤلاء مع كذبهم . وافترائهم . وفجورهم . وبهتهم. وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا ، يدعوهم - سبحانه - إلى التوبة والإقلاع عما هم عليه من كفر إلى الإِسلام والهدى . كما قال - تعالى -: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله هو، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ، أفلا يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه ، والله غفور رحيم﴾ .. قال الحسن البصرى: أنظروا إلى هذا الكرم والجود. قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة .. (١) ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة ثالثة ، تتعلق بشخصية النبى - * - حيث أنكروا أن يكون الرسول من البشر وأن يكون آكلا للطعام وماشيا فى الأسواق ، فقال - تعالى - : وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ن أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَنْ أَوْتَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّرَجُلًا مَّسْحُورًا (٨) أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُو ◌ْلَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْفَلَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْ نَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١) (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٠٢. ١٧٥ سورة الفرقان ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآيات أن جماعة من قريش قالوا للنبى - * - إن كنت تريد بما جئت به مالا جمعنا لك المال حتى تكون أغنانا ، وإن كنت تريد ملكا ، جعلناك ملكا علينا .. فقال - * -: ((ما أريد شيئا مما تقولون ، ولكن اللّه تعالى بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا ، وأمرنى أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا ، فبلغتكم رسالة ربى ، ونصحت لكم . فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله - تعالى - حتى يحكم بينى وبينكم ». فقالوا : فإن كنت غير قابل شيئا مما عرضنا عليك ، فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا .. فقال لهم - -: (( ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله - تعالى - بعثنى بشيرا ونذيرا)) فأنزل الله تعالى فى قولهم ذلك .. (١). والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿وقالوا﴾ يعود إلى مشركى قريش و((ما)) استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه، وهى مبتدأ، والجار والمجرور بعدها الخبر. وجملة ((يأكل الطعام)» حال من الرسول . أى: أن مشركى قريش لم يكتفوا بقولهم إن محمدا -* - قد افترى القرآن ، وأن القرآن أساطير الأولين . بل أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل السخرية والتهكم والإِنكار لرسالته: كيف يكون محمدا -* - رسولا، وشأنه الذى نشاهده بأعيننا. أنه ((يأكل الطعام)) كما يأكل سائر الناس ((ويمشى فى الأسواق)) أى : ويتردد فيها كما نتردد طلبا للرزق. « لولا أنزل إليه ملك)» أى : هلا أنزل إليه ملك يعضده ويساعده ويشهد له بالرسالة ((فيكون)) هذا الملك ((معه نذيرا)) أى: منذرا من يخالفه بسوء المصير . ((أو يلقى إليه)) أى: إلى الرسول - ﴿﴿ - ((كنز)) أى: مال عظيم يغنيه عن التماس الرزق بالأسواق كسائر الناس ، وأصل الكنز ، جعل المال بعضه على بعض وحفظه . من كنز التمر فى الوعاء، إذا حفظه. ((أو تكون له)) -* - ((جنة يأكل منها)) أى: حديقة مليئة بالأشجار المثمرة ، لكى يأكل منها ونأكل معه من خيرها . ((وقال الظالمون)) فضلا عن كل ذلك ((إن تتبعون)) أى: ما تتبعون ((إلا رجلا مسحورا)) أى : مغلوبا على عقله، ومصابا بمرض قد أثر فى تصرفاته . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٢٣٧ . ١٧٦ المجلد العاشر فأنت ترى أن هؤلاء الظالمين قد اشتمل قولهم الذى حكاه القرآن عنهم - على ست قبائح - قصدهم من التفوه بها صرف الناس عن اتباعه - * - . قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : أى: إن صح أنه رسول الله فما باله حاله كحالنا (« يأكل الطعام » كما نأكل ، ويتردد فى الأسواق لطلب المعاش كما نتردد . يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش ، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى ، اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك ، حتى يتساندا فى الإِنذار والتخويف ، ثم نزلوا - أيضا - فقالوا : وإن لم يكن مرفودا بملك ، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش . ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق ... وأراد بالظالمين : إياهم بأعيانهم . وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا .. (١). وقد رد الله - تعالى - على مقترحاتهم الفاسدة ، بالتهوين من شأنهم وبالتعجيب من تفاهة تفكيرهم، وبالتسلية للرسول - * - عما أصابه منهم فقال: ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ﴾ . أى : انظر - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء الظالمين ، وتعجب من تعنتهم ، وضحالة عقولهم . وسوء أقاويلهم . حيث وصفوك تارة بالسحر . وتارة بالشعر . وتارة بالكهانة . وقد ضلوا عن الطريق المستقيم فى كل ما وصفوك به . وبقوا متحيرين فى باطلهم ، دون أن يستطيعوا الوصول إلى السبيل الحق . وإلى الصراط المستقيم. فالآية الكريمة تعجيب من شأنهم ، واستعظام لما نطقوا به . وحكم عليهم بالخيبة والضلال ، وتسلية للرسول - * - عما قالوه فى شأنه . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية. تسلية أخرى لرسوله - * - فقال - تعالى -: ﴿ تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا أى : جل شأن الله تعالى، وتكاثرت خيراته ، فهو - سبحانه - الذى - إن شاء - جعل لك فى هذه الدنيا - أيها الرسول الكريم - خيرا من ذلك الذى اقترحوه من الكنوز والبساتين ، بأن يهبك جنات عظيمة تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، وبهبك قصورا فخمة ضخمة . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٦٥ . ١٧٧ سورة الفرقان ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، لأن ما ادخره لك من عطاء كريم خير وأبقى . فقوله - تعالى -: ﴿ إن شاء﴾ كلام معترض لتقييد عطاء الدنيا، أى: إن شاء أعطاك فى الدنيا أكثر مما اقترحوه ، أما عطاء الآخرة فهو محقق ولا قيد عليه . وقوله - سبحانه - : ﴿ جنات تجرى من تحتها الأنهار ) تفسير لقوله: ﴿ خيرا من ذلك ﴾ فهو بدل أو عطف بيان . ثم انتقل - سبحانه - من الحديث عن قبائحهم المتعلقة بوحدانية الله تعالى ، وبشخصية رسول الله # - إلى الحديث عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتكاثرة، ألا وهى إنكارهم للبعث والحساب ، فقال - تعالى - : ﴿بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا﴾. أى؛ إن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا باتخاذا آلهة من دون الله - تعالى - ، ولم يكتفوا بالسخرية من رسوله - * - بل أضافوا إلى ذلك أنهم كذبوا بيوم القيامة وما فيه من بعث وحشر وثواب وعقاب . والحال أننا بقدرتنا وإرادتنا قد أعددنا وهيأنا لمن كذب بهذا اليوم سعيرا . أى : نارا عظيمة شديدة الاشتعال . وقال - سبحانه -: ﴿وأعتدنا لمن كذب بالساعة ) ولم يقل: لمن كذب بها . للمبالغة فى التشنيع عليهم ، والزجر لهم ، إذ أن التكذيب بها كفر يستحق صاحبه الخلود فى النار المستعرة . ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يعرضون على النار ، وهلعهم عندما يلقون فيها ، كما بين - سبحانه - حال المتقين وما أعد لهم من نعيم مقيم ، فقال - تعالى - : إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْلَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١) وَإِذَا أُلْقُواْمِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ! لَّانَدْعُوْالْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَأَدْعُواْثُبُورًا كَثِيرً ا قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْجَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وَعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَمُمْ جَزَاءُ وَمَصِيرًا (٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُ ونَ خَلِينَ ١٦ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا ١٧٨ المجلد العاشر وقوله تعالى: ﴿إذا رأتهم ... ﴾ الضمير فيه يعود إلى ((سعيرا)) والتغيظ فى الأصل: إظهار الغيظ ، وهو شدة الغضب الكامن فى القلب . والزفير : ترديد النفس من شدة الغم والتعب حتى تنتفخ منه الضلوع ، فإذا ما اشتد كان له صوت مسموع . والمعنى : أن هؤلاء الكافرين الذين كذبوا بالساعة ، قد اعتدنا لهم بسبب هذا التكذيب نارا مستعرة ، إذا رأتهم هذه النار من مكان بعيد عنها . سمعوا لها غليانا كصوت من اشتد غضبه ، وسمعوا لها زفيرا. أى : صوتا مترددا كأنها تناديهم به . فالآية الكريمة تصور غيظ النار من هؤلاء المكذبين تصويرا مرعبا ، يزلزل النفوس ويخيف القلوب . والتعبير بقوله - تعالى -: ﴿ من مكان بعيد ) يزيد هذه الصورة رعبا وخوفا، لأنها لم تنتظرهم إلى أن يصلوا إليها ، بل هى بمجرد أن تراهم من مكان بعيد - والعياذ باله - يسمعون تغيظها وزفيرها وغضبها عليهم ، وفرحها بإلقائهم فيها . قال الآلوسى : وإسناد الرؤية إليها حقيقة على ما هو الظاهر ، وكذا نسبة التغيظ والزفير فيما بعد ، إذ لا امتناع فى أن يخلق الله تعالى النار حية مغتاظة زافرة على الكفار ، فلا حاجة إلى تأويل الظواهر الدالة على أن لها إدراكا كهذه الآية ، وكقوله - تعالى -: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾(١). وقوله : - * - فى الحديث الصحيح الذى رواه الإمام البخارى: ((شكت النار إلى ربها فقالت : رب أكل بعضى بعضا، فَأَذِنَ لها بنفسين : نفس فى الشتاء ونفس فى الصيف .. ))(٢). ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يستقرون فيها فقال: ﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ﴾ . أى : أن النار إن رأت هؤلاء المجرمين سمعوا لها ما يزعجهم ويفزعهم، ﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا﴾ أى: وإذا ما طرحوا فيها فى مكان ضيق منها، حالة كونهم ﴿مقرنين﴾ أى: مقيدين بالأغلال بعضهم مع بعض أو مع الشياطين الذين أضلوهم . : دعوا هنالك﴾ أى: تنادوا هنالك فى ذلك المكان بقولهم ﴿ثبورا﴾ أى: هلاكا وخسرانا يقال فلان ثبره الله - تعالى - أى : أهلكه إهلاكا لا قيام له منه . (١) سورة ق الآية ٣٠. (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٢٤٢ . ١٧٩ سورة الفرقان أى : يقولون عندما يلقون فيها ، يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك ، فإنك أرحم بنا مما نحن فيه . ووصف - سبحانه - المكان الذى يلقون فيه بالضيق ، للإشارة إلى زيادة كربهم ، فإن ضيق المكان يعجزهم عن التفلت والتململ . وهنا يسمعون من يقول لهم على سبيل الزجر والسخرية المريرة ، ﴿ لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا﴾. أى: اتركوا اليوم طلب الهلاك الواحد . واطلبوا هلاكا كثيرا لا غاية لكثرته ، ولا منتهى لنهايته . قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿وادعوا ثبورا كثيرا﴾ أى: أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، وإنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم(١). ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صل﴿ - أن يبين لهم ما أعده - سبحانه - لعباده المتقين ، فقال: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا ، لهم فيها ما يشاءون خالدين . كان على ربك وعدا مسئولا ﴾ . واسم الإشارة . ذلك يعود إلى ما ذكر من العذاب المهين لهم والاستفهام للتقريع والتهكم . والعائد إلى الموصول محذوف ، أى: وعدها الله - تعالى - للمتقين ، وإضافته الجنة إلى الخلد للمدح وزيادة السرور للذين وعدهم الله - تعالى - بها . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين ، أذلك العذاب المهين الذى أعد لكم خير ، أم جنة الخلد التى وعدها الله - تعالى - للمتقين، والتى ﴿ كانت لهم ﴾ بفضل الله وكرمه ﴿ جزاء﴾ على أعمالهم الصالحة ﴿ومصيرا﴾ طيبا يصيرون إليه. ﴿ لهم فيها﴾ فى تلك الجنة ﴿ ما يشاءون﴾ أى: ما يشاءونه من خيرات وملذات حالة كونهم ﴿ خالدين ﴾ فيها خلودا أبديا . كان على ربك وعدا مسئولا ﴾ أى: كان ذلك العطاء الكريم الذى تفضلنا به على عبادنا المتقين ووعدناهم به ، من حقهم أن يسألونا تحقيقه لعظمه وسمو منزلته ، كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية أخرى ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٦٧. (٢) سورة آل عمران الآية ١٩٤. ١٨٠ المجلد العاشر وعلى هذا المعنى يكون قوله ﴿ مسئولا ﴾ بمعنى جديرا أن يسأل عنه المؤمنون لعظم شأنه. ويجوز أن يكون السائلون عنه الملائكة ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ ربنا وأدخلهم جنات (١) عدن التى وعدتهم .. ويرى بعضهم أن المعنى . كان ذلك العطاء للمؤمنين وعدا منا لهم ، ونحن بفضلنا وکرمنا سننفذ هذا الوعد، قال - تعالى -: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده .. ﴾(٢). هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن المراد بلفظ ((خير)) فى قوله - تعالى - ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد﴾ وقالوا: إن هذا اللفظ صيغة تفضيل ، والمفضل عليه هنا وهو العذاب لا خير فيه البته ، فكيف عبر - سبحانه - بلفظ خير ؟ وقد أجابوا عن ذلك بأن المفاضلة هنا غير مقصودة ، وإنما المقصود هو التهكم بهؤلاء الكافرين الذين آثروا الضلالة على الهداية ، واستحبوا الكفر على الإِيمان . قال أبو حيان - رحمه الله -: و((خير)) هنا ليست تدل على الأفضلية ، بل هى على ما جرت به عادة العرب فى بيان فضل الشىء ، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة . كقول الشاعر : فشر كما لخير كما الفداء .. وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة . وكقوله - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام -: ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه ﴾ (٣). ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن حالهم عندما يعرضون هم وآلهتهم للحشر والحساب يوم القيامة ، وقد وقفوا جميعا أمام ربهم السؤال والجواب ، قال - تعالى - : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ، قَالُواْ سُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَطْبَغِى لَنَآ أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَّتَّعْتَهُمْ (١ ) سورة غافر الآية ٨. ( ٢) سورة الروم الآية ٦ . (٣) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٦ ص ٤٨٦ .