Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة المؤمنون بالعقائد والعبادات والمعاملات ، وإن اختلفت فى الأحكام الفرعية . وقرأ بعض القراء السبعة: ﴿وأن هذه أمتكم .. ﴾ بفتح الهمزة ، على أن الآية من جملة ما خوطب به الرسل . والتقدير: واعلموا - أيها الرسل - أن ملتكم وشريعتكم ، ملة واحدة ، وشريعة واحدة فى عقائدها وأصول أحكامها . وأنا ربكم﴾ لا شريك لى فى الربوبية ﴿فاتقون﴾ أى: فخافوا عقابى، واحذروا مخالفة أمرى ، وصونوا أنفسكم من كل ما نهيتكم عنه . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال المصرين على كفرهم وضلالهم من دعوة الرسل عليهم - الصلاة والسلام - فقال : فَتَقَطَّعُوْأَمْرَ هُمْ بَيْتَهُمْ ذُبٌْ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَتِهِمْ أَحْسَبُونَ أَنَّمَا فَرَحُونَ ﴿ فَذَرْهُمْ فِ غَيْرَتِهِمْ حَِّينٍ ( نُمِدُّ هُرِهِ، مِنْ قَالٍ وَبَتِنَ ﴿٦ ◌َُارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَ لَّا يَشْعُرُونَ والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فتقطعوا﴾ لترتيب حالهم وما هم عليه من تفرق وتنازع واختلاف ، على ما سبق من أمرهم بالتقوى ، واتباع ما جاءهم به الرسل . وضمير الجمع يعود إلى الأقوام السابقين الذين خالفوا رسلهم ، وتفرقوا شيعًا وأحزابًا . وقوله ﴿زبرًا﴾ حال من هذا الضمير. ومفرده زُبْرَة - كغرفة - بمعنى: قطعة. والمراد به هنا : طائفة من الناس . والمراد بأمرهم : أمر دينهم الذى هو واحد فى الأصل . أى : أن هؤلاء الأقوام الذين جاء الرسل لهدايتهم ، لم يتبعوا دين رسلهم بل تفرقوا فى شأنه شيعًا وأحزابًا ، فمنهم أهل الكتاب الذين قال بعضهم : عزير ابن الله ، وقال بعضهم : المسيح ابن الله، ومنهم المشركون الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصنامًا لا تضر ولا تنفع ، وصار كل حزب من هؤلاء المعرضين عن الحق ، مسرورًا بما هو عليه من باطل ، وفرحًا بما هو فيه من ضلال . والآية القرآنية بأسلوبها البديع ، تسوق هذا التنازع من هؤلاء الجاهلين فى شأن الدين الواحد ، فى صورة حسية ، يرى المتدبر من خلالها ، أنهم تجاذبوه فيما بينهم ، حتى قطعوه فى أيديهم قطعًا ، ثم مضى كل فريق منهم بقطعته وهو فرح مسرور ، مع أنه - لو كان يعقل - لما ٤٢ المجلد العاشر انحدر إلى هذا الفعل القبيح ، ولما فرح بعمل شىء من شأنه أن يحزن له كل عاقل . والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ فذرهم فى غمرتهم حتى حين﴾ للرسول - * - والضمير المنصوب ((هم)) للمشركين . والغمرة فى الأصل : الماء الذى يغمر القامة ويسترها ، إذ المادة تدل على التغطية والسقر . - يقال : غمر الماء الأرض إذا غطاها وسترها . ويقال : هذا رجل غُمْر - بضم الغين وإسكان الميم - إذا غطاه الجهل وجعله لا تجربة له بالأمور. ويقال : هذا رجل غِيْر - بكسر الغين - إذا غطى الحقد قلبه والمراد بالغمرة هنا : الجهالة والضلالة ، والمعنى : لقد أديت - أيها الرسول - الرسالة ، ونصحت لقومك . وبلغتهم ما أمرك الله - تعالى - بتبليغه ، وعليك الآن أن تترك هؤلاء الجاحدين المعاندين فى جهالاتهم وغفلتهم وحيرتهم ﴿حتى حين﴾ أى: حتى يأتى الوقت الذى حددناه للفصل فى أمرهم بما تقتضيه حكمتنا . وجاء لفظ ((حين)) بالتنكير ، لتهويل الأمر وتفظيعه . ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى السخرية منهم لغفلتهم عن هذا المصير المحتوم ، الذى سيفاجئهم بما لا يتوقعون . فيقول: ﴿ أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين . نسارع لهم فى الخيرات ، بل لا يشعرون والهمزة فى قوله ﴿أيحسبون﴾ للاستفهام الإنكارى. و((ما)) موصوله، وهى اسم ((أن)) وخبرها جملة ((نسارع لهم ... )) والرابط مقدر أى: به. أى : أيظن هؤلاء الجاهلون . أن ما نعطيهم إياه من مال وبنين ، هو من باب المسارعة منا فى إمدادهم بالخيرات لرضانا عنهم وإكرامنا لهم ؟ كلا : ما فعلنا معهم ذلك لتكريمهم ، وإنما فعلنا ذلك معهم لاستدراجهم وامتحانهم ، ولكنهم لا يشعرون بذلك . ولا يحسون به لانطاس بصائرهم ولاستيلاء الجهل والغرور على نفوسهم . فقوله - سبحانه - ﴿ بل لا يشعرون ﴾ إضراب انتقالى عن الحسبان المذكور وهو معطوف على مقدر ينسحب إليه الكلام . أى: ما فعلنا ذلك معهم لإِكرامنا إياهم كما يظنون ، بل فعلنا ما فعلنا استدراجا لهم ، ولكنهم لا شعور لهم ولا إحساس ، وما هم إلا كالأنعام بل هم أضل . لذا قال بعض الصالحين: من يعص الله - تعالى - ولم ير نقصانًا فيما أعطاه - سبحانه - من الدنيا . فليعلم أنه مستدرج قد مكر به . ٤٣ سورة المؤمنون وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ﴿ فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث ، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملى لهم إن كيدى متين ﴾(١). وبعد أن صورت السورة الكريمة حالة أصحاب القلوب التى غمرها الجهل والعمى ، أتبعت ذلك بإعطاء صورة وضيئة مشرقة لأصحاب القلوب الوجلة المؤمنة ، المسارعة فى الخيرات فقال - تعالى - : إِنَّالَّذِينَ هُمْ مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ () وَالَّذِينَ هُم ◌ِشَّايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُرِ بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُون ٥٩ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ أَهُمْإِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴿ ٦٠ أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ وَهُمْ لَ سَبِقُونَ (٦)، وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَ كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْلاَ يُظْلَمُونَ وقوله - سبحانه - ﴿ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ بيان للصفة الأولى من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين . والإشفاق : هو الخوف من الله - تعالى - والخشية منه - سبحانه - مع شدة الرقة فى القلب وكثرة الخوف من عقابه . أى : أنهم من خشية عقابه - عز وجل - حذرون خائفون ، وهذا شأن المؤمنين الصادقين ، كما قال الحسن البصرى: إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة ، وإن المنافق جمع إساءة وآمنا . وقوله - تعالى -: ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) بيان للصفة الثانية أى: أنهم يؤمنون إيمانًا راسخًا بجميع آيات الله - سبحانه - الدالة على وحدانيته وقدرته ، سواء أكانت تلك الآيات تنزيلية أم كونية . (١ ) سورة القلم الآية ٤٤، ٤٥ . ٤٤ المجلد العاشر وقوله - عز وجل - : ﴿ والذين هم بربهم لا يشركون﴾ صفة ثالثة لهم. أى: أنهم يخلصون العبادة لله - تعالى - وحده ، ويقصدون بأقوالهم وأعمالهم وجهه الكريم ، فهم بعيدون عن الرياء والمباهاة بطاعاتهم . ثم بين - سبحانه - صفتهم الرابعة فقال: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون قرأ القراء السبعة ﴿يؤتون ما آتوا﴾ بالمد، على أنه من الإتيان بمعنى الإعطاء، والوجل: استشعار الخوف . يقال: وَجِل فلان وَجَلاً فهو واجل ، إذا خاف ، أى : يعطون ما يعطون من الصدقات وغيرها من ألوان البر ، ومع ذلك فإن قلوبهم خائفة أن لا يقبل منهم هذا العطاء ، لأى سبب من الأسباب فهم كما قال بعض الصالحين : لقد أدركنا أقوامًا كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم ، أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها . قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : أى : يعطون العطاء وهم خائفون أن لا يتقبل منهم ، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا فى القيام بشروط الإِعطاء ، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط . كما روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت: ((يارسول الله ﴿الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ هو الذى يسرق ويزنى ويشرب الخمر، وهو يخاف الله - عز وجل - ؟ قال: (( لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذى يصلى ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله - تعالى -)) . ثم قال - رحمه الله - وقد قرأ آخرون: ﴿والذين يأتون ما أتوا .. ﴾ من الإِتيان. أى : يفعلون ما فعلوا وهم خائفون ... والمعنى على القراءة الأولى - وهى قراءة الجمهور : السبعة وغيرهم - أظهر لأنه قال - بعد ذلك - ﴿ أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون ﴾ فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى ، لأوشك أن لا يكونوا من السابقين ، بل من المقتصدين أو المقتصرين(١). وجملة ﴿وقلوبهم وجلة﴾ حال من الفاعل فى قوله - تعالى - ﴿يؤتون). وجملة ﴿ أنهم إلى ربهم راجعون﴾ تعليلية بتقدير اللام، وهى متعلقة بقوله: ﴿وجلة﴾. أى : وقلوبهم خائفة من عدم القبول لأنهم إلى ربهم راجعون ، فيحاسبهم على بواعث ( ١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٤٧٤ . .-. ٤٥ سورة المؤمنون أقوالهم وأعمالهم ، وهم - لقوة إيمانهم - يخشون التقصير فى أى جانب من جوانب طاعتهم له - عز وجل - . وقد جاءت هذه الصفات الكريمة - كما يقول الإمام الرازى - فى نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغى ، والثانية: دلت على قوة إيمانهم بآيات ربهم ، والثالثة دلت على شدة إخلاصهم ، والرابعة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتى بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين ، رزقنا الله - سبحانه - الوصول إليها (١). واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ﴿أولئك يسارعون فى الخيرات﴾ يعود إلى هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك الصفات الجليلة . وهذه الجملة خبر عن قوله - تعالى - : ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ وما عطف عليه، فاسم ((إن)): أربع موصولات ، وخبرها جملة ﴿ أولئك يسارعون فى ﴾ . الخيرات .. أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات ، يبادرون برغبة وسرعة إلى فعل الخيرات ، وإلى الوصول إلى ما يرضى الله - تعالى - ﴿وهم لها﴾ أى: لهذه الخيرات وما يترتب عليها من فوز وفلاح ﴿ سابقون ﴾ لغيرهم . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة المشتملة على صفات المؤمنين الصادقين ، ببيان أن هذه الصفات الجليلة لم تكلف أصحابها فوق طاقتهم ، لأن الإيمان الحق إذا خالطت بشاشته " القلوب يجعلها لا تحس بالمشقة عند فعل الطاعات ، وإنما يجعلها تحس بالرضا والسعادة والإقدام على فعل الخير بدون تردد، فقال - تعالى - ﴿ولا نكلف نفسًّا إلا وسعها .. ﴾. أى : وقد جرت سنتنا فيما شرعناه لعبادنا من تشريعات ، أننا لا نكلف نفسًا من النفوس إلا فى حدود طاقتها وقدرتها. كما قال - تعالى -: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾(٢). والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى -: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق .. ﴾ كتاب الأعمال الذى يحصيها الله - تعالى - فيه ويشهد لذلك قوله - سبحانه - : ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق . إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ (٢) وقوله - تعالى - ﴿ووضع الكتاب (٤) فترى المجرمين مشفقين مما فيه .. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٢٠٠. (٢) سورة البقرة الآية ٢٨٦ . (٣) سورة الجاثية الآية ٢٩ . (٤ ) سورة الكهف الآية ٤٩ . ٤٦ المجلد العاشر والمراد بنطق الكتاب بالحق : أن كل ما فيه حق وصدق . أى : ولدينا صحائف أعمالكم ، التى سجلها عليكم الكرام الكاتبون ، وفيها جميع أقوالكم وأفعالكم فى الدنيا ، بدون زيادة أو نقصان، بل هى مشتملة على كل حق وصدق فقد اقتضت حكمتنا وعدالتنا أننا لا نظلم أحدًا وإنما نعطى كل إنسان ما يستحقه من خير، ونعفو عن كثير من الهفوات . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد مدحت المؤمنين الصادقين ، ووصفتهم بما هم أهله من صفات كريمة . ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن أحوال الكافرين ، فتوبخهم على استمرارهم فى غفلتهم ، وتصور جزعهم وجؤارهم عند ما ينزل بهم العذاب فتقول : بَلْ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَهُمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ (٣) حَقَّ إِذَا أَخَذْنَا مُتَرَفِيهِمْ بِلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْتَّرُونَ ﴿ لَا تَجَّْرُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُ مِنَّا لَا نُصَرُونَ (٥) قَذْ كَانَتْ ءَايَتِى نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَى أَعْقَِكُمْنَكِصُونَ ﴾﴾مُسْتَكِْینَ ٦٧ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ قال الجمل : قوله - تعالى -: ﴿ بل قلوبهم ... ﴾ هذا رجوع لأحوال الكفار المحكية فيما سبق بقوله: ﴿ أيحسبون أنما نمدهم ... ﴾ والجمل التى بينهما وهى قوله: ﴿ إن الذين هم من خشية ربهم) إلى قوله ﴿وهم لا يظلمون﴾ اعتراض فى خلال الكلام المتعلق بالكفار(١). أى : هذه هى أوصاف المؤمنين الصادقين ، أما الكافرون فقلوبهم فى ﴿ غمرة من هذا ﴾ أى : فى جهالة وغفلة مما عليه هؤلاء المؤمنون من صفات حميدة ، ومن إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وهؤلاء الكافرون ﴿ لهم أعمال﴾ سيئة كثيرة ﴿من دون ذلك﴾ أى من غير ما ذكرناه عنهم من كون قلوبهم فى غمرة وجهالة عن الحق ﴿ هم لها عاملون﴾ أى: هم مستمرون عليها ، ومعتادون لفعلها مندفعون فى ارتكابها بدون وعى أو تدبر . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٩٦. ٤٨ المجلد العاشر وقوله - تعالى - ﴿ مستكبرين به سامرا تهجرون ﴾ مقرر لمضمون ما قبله ، من إعراضهم عن آيات الله. ونكوصهم على أعقابهم عند سماعها . والضمير فى ﴿ به ﴾ يرى جمهور المفسرين أنه يعود إلى البيت الحرام، والباء للسببية. وقوله: ((سامرا)) اسم جمع كحاج وحاضر وراكب ، مأخوذ من السمر وأصله ظل القمر وسمى بذلك لسمرته ، ثم أطلق على الحديث بالليل . يقال : سمر فلان يسمر - ككرم يكرم - إذا تحدث ليلاً مع غيره بقصد المسامرة والتسلية . وقوله : ﴿ تهجرون﴾ قرأه الجمهور - بفتح التاء وضم الجيم - مأخوذ من الهجر - بإسكان الجيم - بمعنى الصد والقطيعة ، أو من الهجر - بفتح الجيم - بمعنى الهذيان والنطق بالكلام الساقط ، بسبب المرض أو الجنون . وقرأ نافع ﴿تهجرون﴾ بضم التاء وكسر الجيم - مأخوذ من هجر هجارًا إذا نطق بالكلام القبيح . والمعنى : قد كانت آياتى تتلى عليكم - أيها المستغيثون من العذاب - فكنتم تعرضون عنها ، ولم تكتفوا بهذا الإِعراض ، بل كنتم متكبرين على المسلمين بالبيت الحرام ، وكنتم تتسامرون بالليل حوله، فتستهزئون بالقرآن، وبالرسول - ﴿ - وبتعاليم الإسلام وتنطقون خلال سمركم بالقول الباطل ، الذى يدل على مرض قلوبكم ، وفساد عقولكم ، وسوء أدبكم . وقوله: ﴿ مستكبرين﴾ و﴿ سامرا﴾ و﴿ تهجرون﴾ أحوال ثلاثة مترادفة على واو الفاعل فى ﴿ تنكصون﴾ أو متداخلة، بمعنى أن كل كلمة منها حال مما قبلها . قال القرطبى: ﴿ مستكبرين﴾ حال، والضمير فى ﴿به﴾ قال الجمهور: هو عائد على الحرم ، أو المسجد ، أو البلد الذى هو مكة . وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته فى الأمر. أى : يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف . وقيل: المعنى أنهم يعتقدون فى نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل فيستكبرون لذلك . وقالت فرقة : الضمير عائد على القرآن ، من حيث ذكرت الآيات . والمعنى : يحدث لكم سماع آياتى كبرا وطغيانًا فلا تؤمنوا بى .. ))(١) . والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها تصور حسرة المشركين وجؤارهم يوم ينزل بهم (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ١٣٦ . ٤٧ سورة المؤمنون ثم بين - سبحانه - عندما ينزل بهم العذاب فقال : ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون ﴾ . وحتى هنا: ابتدائية ، أى : حرف تبتدى بعده الجمل ، وجملة ﴿إذا أخذنا ﴾ شرطية. وجوابها ﴿إذا هم يجأرون﴾. والجوار : الصراخ مطلقًا ، أو باستغاثة . يقال: جأر الثور يجأر إذا صاح . وجأر الداعى إلى الله، إذا ضج ورفع صوته بالتضرع إلى الله عز وجل. أى : حتى إذا عاقبنا هؤلاء المترفين الذين أبطرتهم النعمة . بالعذاب الذى يردعهم ويخزهم ويذلهم ، إذا هم يجأرون إلينا بالصراخ وبالاستغاثة . وعبر عن عقابهم ، بالأخذ ، للإشعار بسرعة هذا العقاب وشدته ، كما فى قوله - تعالى - (١) ... أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون وخص المترفين بالذكر ، للإشارة إلى أن ما كانوا فيه من التنعم والتمتع والتطاول فى الدنيا ، لن ينفعهم شيئًا عند نزول هذا العذاب بهم . وقوله - سبحانه - ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون﴾ تأتيب وزجر لهم على جؤارهم وصراخهم . والمراد باليوم . الوقت الذى فيه نزل العذاب بهم . أى : عندما أخذناهم بالعذاب المباغت المفاجئ ، وضجوا بالاستغاثة والجزار ، قلنا لهم على سبيل التقريع والزجر : لا تجأروا ولا تصرخوا فى هذا الوقت الذى أصابكم ما أصابكم فيه من عذاب . فإنكم لن تجدوا من ينجيكم من عذابنا ، أو من يدفع عنكم هذا العذاب .. ---- ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أفضت بهم إلى هذا العذاب المهين ، فقال - تعالى - : قد كانت آياتى تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون ... ﴾ . والأعقاب : جمع عقب، وهو مؤخر القدم و﴿ تنكصون﴾ من النكوص، وهو الرجوع إلى الخلف . يقال : فلان نكص على عقبيه ، إذا رجع إلى الوراء ، وهو هنا كناية عن الإِعراض عن الآيات . أى : لا تجأروا ولا تصرخوا ، فإن ذلك لن يفيدكم شيئًا ، بسبب إصراركم على كفركم فى حياتكم الدنيا ، فقد كانت آياتى الدالة على وحدانيتى تتلى على مسامعكم من نبينا - الز - ومن المؤمنين به ، فكنتم تعرضون عن سماعها أشد الإِعراض ، وكنتم تستهزئون بها ، وتكادون تسطون بالذين يتلونها عليكم . (١) سورة الأنعام آية ٤٤ . ٤٩ سورة المؤمنون العذاب تصويرًا بديعًا، كما تبين ما كانوا عليه من غرور وسوء أدب ، مما جعلهم أهلاً لهذا المصير الأليم . ثم تنتقل السورة الكريمة من تأنيبهم وتيئيسهم من الاستجابة لجؤراهم ، إلى سؤالهم بأسلوب توبيخى عن الأسباب التى أدت بهم إلى الإعراض عما جاءهم به رسولهم - ◌َالي - فتقول : ◌َفَلَمْ يَدَّبَّرُواْالْقَوْلَ أَمْ جَاءَ هُمْ مَالَرَيَأْتِ ◌َبَآءَ هُمُ آلْأَوَّلِينَ ﴿٢) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْرَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُمُنْكُرُونَ ﴿ أَمْيَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ بَلْ جَآءَ هُم بِالْحَقِّ وَأَكْتُ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ، وَلَوِأَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِرَبَهْ بَلْ أَنَيْنَهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنِ ذِكْرِ هِمْ مُعْرِضُونَ ﴿ أَمَْتْلُهُمْ خَرْهَا فَخَرَاجُ رَيِّكَ خَيرٌ. وَهُوَ خَيْ الزَّزِقِينَ ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٧٣ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الْصِّرَطِ لَكُبُونَ ٧٤ قال الجمل : قوله - تعالى -: ﴿ أفلم يدبروا القول ... ﴾ شروع فى بيان أسباب حاملة لهم على ما سبق من قوله - تعالى -: ﴿ فكنتم على أعقابكم تنكصون ... ﴾ إلخ (١). والهمزة لإِنكار ما هم فيه من عدم التدبر واستقباحه ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام : والمراد بالقول : القرآن الكريم وما اشتمل عليه من هدايات . والمعنى : أفعلوا ما فعلوا من النكوص على الأعقاب ، ومن الغرور ومن الهذيان بالباطل من القول ، فلم يتدبروا هذا القرآن ، ولم يتفكروا فيما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة .. إنهم لو تدبروه لوجدوا فيه من العظات والآداب والأحكام ، والقصص ، والعقائد ، والتشريعات .. ما يسعدهم ويهدبهم إلى الصراط المستقيم . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٩٧ . ٥٠ المجلد العاشر فالجملة الكريمة تحضهم على تدبر هذا القرآن ، لأنهم إن تدبروه تدبرا صادقًا . لعلموا أنه الحق الذى لا يحوم حوله باطل . وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾(١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾(٢) وبعد أن وبخهم - سبحانه - على تركهم الانتفاع بالقرآن . أتبع ذلك بتقريعهم على أن ما جاءهم به الرسول - * - يتفق فى أصوله مع ما جاء به الرسل السابقون لآبائهم الأولين . أى : أكذبوا رسولهم لأنه جاءهم بما لم يأت به الرسل لآبائهم ؟ كلا ، فإن ما جاءهم به الرسول - ﴿ - يطابق - فى جوهره - ما جاء به إبراهيم وإسماعيل وغيرهما، من آبائهم الأولين . قال - تعالى - ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا، والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. ﴾(٣). وقال - سبحانه -: ﴿ قل ما كنت بدءًا من الرسل، وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم ... ﴾ (٤). ويجوز أن يكون المعنى: أكذب هؤلاء الجاهلون رسولهم - * - لأنهم فى أمان من العذاب ، وهذا الأمان لم يكن فيه آباؤهم الأولون ؟ كلا، وإن من شأن العقلاء أنهم لا يأمنون مكر اللّه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون . قال الآلوسى: وأم فى قوله - تعالى - ﴿أم جاءهم مالم بأت آباءهم الأولين﴾ منقطعة، وما فيها من معنى بل ، للإضراب والانتقال من التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بآخر . والهمزة لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع . أى : بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت آباءهم الأولين ، حتى استبعدوه فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال ، بمعنى أن مجىء الكتب من جهته - تعالى - إلى الرسل سنة قديمة له - تعالى - وأن مجىء القرآن جار على هذه السنة فلماذا ينكرونه ؟ وقيل المعنى : أفلم يدبروا القرآن ليخافوا عند تدبر آياته ، ما نزل بمن قبلهم من المكذبين ، (١) سورة النساء آية ٨٢ . (٢) سورة محمد آية ٢٤. (٣) سورة الشورى آية ١٣ . (٤ ) سورة الأحقاف آية ٩. ٥١ سورة المؤمنون أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم الأولين ، حين خافوا الله - تعالى - فآمنوا به ويكتبه ورسله، فالمراد بآبائهم: ((المؤمنون)) منهم كإسماعيل - عليه السلام ... (٥). ثم انتقلت السورة إلى توبيخهم - ثالثًا - على كفرهم مع علمهم بصدق الرسول وأمانته ، فقال - تعالى - ﴿ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ﴾. أى: أيكون سبب كفرهم أنهم لم يعرفوا رسولهم محمدًا - بَير -؟ كلا فإن هذا لا يصلح سببًا ، إذ هم يعرفون حسبه ونسبه ، وأمانته ، وصدقه ، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين قبل بعثته ، وأبوسفيان - قبل أن يدخل فى الإِسلام - شهد أمام هرقل ملك الروم ، بأن الرسول - * - كانم معروفا بصدقه وأمانته قبل البعثة . ثم انتقلت السورة - للمرة الرابعة - إلى توبيخهم على أمر آخر ، فقال - تعالى - : ﴿أم يقولون به جنة ... ﴾. أى: أيكون سبب إصرارهم على كفرهم اتهامهم للرسول - صل﴿ر - بالجنون ؟ كلا ، فإنهم يعلمون حق العلم أن الرسول - * - هو أكمل الناس عقلا، وأرجحهم فكرا ، وأثقبهم رأيا ، وأوفرهم رزانة . وقوله - تعالى - ﴿بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون﴾ إضراب عما يدل عليه ما سبق من اتهامات باطلة دارت على ألسنة المشركين . أى: ليس الأمر كما زعموا من أنه - إليه - به جنة أو أنه أتاهم بما لم يأت آباءهم الأولين، بل الأمر الصدق، أن الرسول - وَليه - جاءهم بالحق الثابت الذى لا يحوم حوله باطل ولكن هؤلاء القوم أكثرهم كارهون للحق ، لأنه يتعارض مع أنانيتهم وشهواتهم ، وأهوائهم .. وقال - سبحانه -: ﴿وأكثرهم للحق كارهون) لأن قلة من هؤلاء المشركين كانت تعرف أن الرسول - * - قد جاءهم بالحق، وتحب أن تدخل فى الإِسلام ، ولكن حال بينهم وبين ذلك ، الخوف من تعيير أقوامهم لهم بأنهم فارقوا دين آبائهم وأجدادهم ، كأبى طالب - مثلا - فإنه مع دفاعه عن الرسول - ﴿ - بقى على كفره . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: قوله ﴿وأكثرهم﴾ فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق ؟ قلت : كان فيهم من يترك الإِيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه ، وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه ، لا كراهة للحق ، كما يحكى عن أبى طالب . (٥ ) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٥٠ . ٥٢ المجلد العاشر فإن قلت : يزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه ؟ قلت : يا سبحان الله . كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله -﴿ - حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس - رضى الله عنهما - ويخفى إسلام أبى طالب))(١) . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان سينزل بالعالم من فساد . فيما لو اتبع الحق - على سبيل القرض - أهواء هؤلاء المشركين ، فقال - تعالى -: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ... ﴾ . والمراد بالحق هنا - عند كثير من المفسرين - هو الله - عز وجل - إذ أن هذا اللفظ من أسمائه - تعالى - . والمعنى: ولو أجاب الله - تعالى - هؤلاء المشركين إلى ما يهوونه ويشتهونه من باطل وقبيح . لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ؛ لأن أهواءهم الفاسدة من شرك . وظلم ، وحقد ، وعناد ... ، لا يمكن أن يقوم عليها نظام هذا الكون البديع ، الذى أقمناه على الحق والعدل .. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالحق هنا ما يقابل الباطل ويدل على ذلك قوله - تعالى -: ﴿بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ﴾. فيكون المعنى: ولو اتبع الحق الذى جاءهم به الرسول -* - أهواء المشركين ، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، وذلك لأن الرسول -﴿ - جاءهم بالتوحيد وهم يريدون الشرك، وجاءهم بمكارم الأخلاق ، وهم يريدون ما ألفوه من شهوات ، وجاءهم بالتشريعات العادلة الحكيمة ، وهم يريدون التشريعات التى ترضى غرورهم وأوضاعهم الفاسدة ، والتى منها تفضيل الناس بحسب أحسابهم وغتاهم ، لا بحسب إيمانهم وتقواهم ... ومع وجاهة الرأيين ، إلا أننا نميل إلى الرأى الثانى ، لأنه أقرب إلى سياق الآيات ، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى -: ﴿بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ﴾. وقوله - سبحانه -: ﴿بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ﴾ انتقال من توبيخهم على كراهيتهم للحق ، إلى توبيخهم على نفورهم مما فيه عزهم وفخرهم . والمراد بذكرهم: القرآن الذى هو شرف لهم، كما قال - تعالى -: ﴿وإنه لذكر لك (٢) ولقومك ﴾(٢) . (١) تفسير الكاشف جـ ٣ ص ١٩٥ . ( ٢) سورة الزخرف الآية ٤٤ . ٥٣ سورة المؤمنون أى : كيف يكرهون الحق الذى جاءهم به رسولهم - ير - مع أنه قد أتاهم بالقرآن الكريم الذى فيه شرفهم ومجدهم ؟ إن إعراضهم عن هذا القرآن ليدل دلالة قاطعة ، على غبائهم ، وجهلهم ، لأن العاقل لا يعرض عن شىء يرفع منزلته ، ويكرم ذاته . ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى توبيخهم على كفرهم ، مع أن الرسول - وَ﴾ - لم يسألهم أجرًا على ما ينقذهم من ظلمات هذا الكفر إلى نور الإِيمان . فقال - تعالى -: ﴿ أم تسألهم خرجًا .. ﴾ أى: أجرًا وجعلا وجزاء ... أى : أيكون السبب فى عدم إيمانهم بك - أيها الرسول الكريم - أنك تسألهم أجراً على دعوتك لهم إلى إخلاص العبادة لنا ؟. لا : ليس الأمر كما يتوهمون ، فإنك لم تسألهم أجرًا على دعوتك إياهم إلى الدخول فى الإِسلام . والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ أم يقولون به جنة .. ﴾ وما بينهما اعتراض وقوله - سبحانه -: ﴿ فخراج ربك خير، وهو خير الرازقين ﴾ تعليل لنفى سؤاله إياهم الأجر على دعوتهم إلى الحق . أى: أنت - أيها الرسول الكريم - ما طالبتهم بأجر على دعوتك إياهم إلى الإِيمان بالله - تعالى - وحده ، لأن ما أعطاك الله - تعالى - من خير وفضل أكبر وأعظم من عطاء هؤلاء الضعفاء الذين لا يستغنون أبدًا عن عطائنا . والله - تعالى - هو خير الرازقين ، لأن رزقه دائم ورزق غيره مقطوع ، ولأنه هو المالك لجميع الأرزاق ، وغيره لا يملك معه شيئًا . قال بعض العلماء : المراد بالخرج والخراج هنا . الأجر والجزاء والمعنى: أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيرى الدنيا والآخرة أجرا وأصل الخرج والخراج : هو ما تخرجه إلى كل عامل فى مقابلة أجرة أو جعل . وقرأ ابن عامر: ﴿أم تسألهم خرجًا فخرج ربك خير﴾ - بإسكان الراء فيهما معًا وحذف الألف - . وقرأ حمزة والكسائى: ﴿ أم تسألهم خراجًا فخراج ربك خير﴾ - بفتح الراء بعدها ألف فيهما معًا - . وقرأ الباقون: ﴿ أم تسألهم خرجًا فخراج ربك خير﴾ بإسكان الراء وحذف الألف فى الأول وفتح الراء وإثبات الألف فى الثانى . والتحقيق : أن معنى اللفظين واحد، وأنهما لغتان فصيحتان ، وقراءتان سبعيتان، خلافًا لمن ٥٤ المجلد العاشر زعم أن بين معناهما فرقًا زاعًا أن الخرج ما تبرعت به، وأن الخراج مالزمك أداؤه))(١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، ببيان أن الرسول - صلفي - لا يدعو إلا إلى الحق ، وأن المعرضين عن دعوته عن طريق الحق خارجون ، فقال - تعالى - ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم .. ﴾ .. أى : وإنك - أيها الرسول الكريم - لتدعو هؤلاء المشركين إلى طريق واضح قويم ، تشهد العقول باستقامته وسلامته من أى عوج . وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ككفار قريش ومن لف لفهم ﴿عن الصراط ﴾ المستقيم ﴿لتاكبون﴾ أى: لمائلون وخارجون. يقال : نكب فلان عن الطريق ينكب نكوبًا - من باب دخل - ، إذا عدل عنه . ومال إلى غيره . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة. قد شهدت للرسول - * - بالبراءة من كل تهمة تفوه بها المشركون ، وقطعت معاذيرهم ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، حيث حكت شبهاتهم بأمانة ثم كرت عليها بالإِبطال، وأثبتت أن الرسول - * - إنما جاءهم ليدعوهم إلى الصراط المستقيم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أن هؤلاء المشركين ، قد قست قلوبهم ، وفسدت نفوسهم ، وماتت ضمائرهم، وصاروا لا يؤثر فيهم الابتلاء بالخير أو الشر، فقال - تعالى - : وَلَوْرَحْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنِ ضُرِ لَّلَقُواْ فِ طُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُو ◌ْلِرَيْهِمْ وَمَايَنَضَرَّعُونَ ﴿ حََّإِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابَاذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَاهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أى : ولو رحمنا هؤلاء المشركين الذين تنكبوا الصراط المستقيم وكشفنا ما بهم من ضر. أى : من سوء حال بسبب ما نزل بهم من قحط وجدب وفقر . ( ١) تفسير أضواء البيان جـ ٥ ص ٨٠٦ . ٥٥ سورة المؤمنون للجوا فى طغيانهم يعمهون ﴾ أى: لتمادوا فى طغيانهم ، وتجاوزوا الحدود فى كفرهم وضلالهم ، وفى تحيرهم وترددهم بدون تمييز بين الحق والباطل . والتعبير بقوله - تعالى - ﴿ للجوا﴾ يشعر بأنهم لقسوة قلوبهم ، صاروا لا تؤثر فيهم المصائب بل يزدادون بسببها طغيانًا وكفرًا، إذ الفعل ((لجوا)) مأخوذ من اللجاج. هو التمادى والعناد فى ارتكاب المنهى عن ارتكابه . يقال: لج فلان فى الأمر يلج لججا ولجاجة. إذا لازمه وواظب عليه. ومنه ((اللَّجة)) - بفتح اللام - لكثرة الأصوات . ولَجة البحر - بضم اللام - لتردد أمواجه .. وقوله : ﴿يعمهون﴾ من العمه، بمعنى التردد والتحير، وهو للقلوب بمنزلة العمى للعيون . وهو مأخوذ من قولهم : أرض عمهاء ، إذ لم يكن فيها علامات ترشد إلى الخروج منها . وقوله - سبحانه - : ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ مؤكد لما قبله من وصف هؤلاء المشركين بالجحود والعناد . والمراد بالعذاب هنا : العذاب الدنيوى كالجوع والقحط والمصائب . والاستكانة : الانتقال من كون إلى كون ومن حال إلى حال . ثم غلب استعمال هذه الكلمة فى الانتقال من حال التكير والغرور إلى حال التذلل والخضوع . أى : ولقد أخذنا هؤلاء الطغاة ، بالعذاب الشديد ، كالفقر ، والمصائب والأمراض فما خضعوا لربهم - عز وجل - وما انقادوا له وأطاعوه ، وما تضرعوا إليه - سبحانه - بالدعاء الخالص لوجهه الكريم ، لكى يكشف عنهم - عز وجل - ما نزل بهم من ضر . ولفظ « حتى » فى قوله - تعالى - ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ... ﴾ يقصد به ابتداء الكلام ، وإذا الأولى شرطية ، والثانية وهى قوله ﴿ إذا هم فيه مبلسون ﴾ رابطة للجواب . أى : هم مستمرون على جحودهم وعنادهم ، حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ، من أبواب عذاب الآخرة المعد لهم إذا هم فيه مبلسون ، أى : ساكتون من شدة الحيرة ، وآيسون من كل نجاء . يقال: أبلس فلان إبلاسًا، إذا سكت فى حيرة ويأس من الخلاص مما هو فيه من عذاب وبلاء . وقريب من هذه الآيات فى المعنى قوله - تعالى -: ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم ٥٦ المجلد العاشر معرضون ﴾(١) . وقوله - عز وجل -: ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ﴾(٢) . وقوله - سبحانه -: ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ﴾(٣). ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى تذكيرهم بنعم الله عليهم ، لعلهم يتوبون أو يتذكرون ، فتقول : وَهُوَ الَّذِى أَنْشَلَكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَ وَالْأَفْئِدَةُ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ () وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَ كُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيَِّ تُحْشَرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى يُحِيءٍ وَيُمِيتُ وَلَهُ أَخْتِلَفُ ٠٠/١ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ٨٠ أى: ((وهو)) الله - تعالى - وحده، ((الذى أنشأ لكم)) أيها الناس بفضله ورحمته ((السمع)) الذى تسمعون به ((والأبصار)) التى تبصرون بها ((والأفئدة)) التى بواسطتها تفهمون وتدركون ... ولو تدبر الإِنسان هذه النعم حق التدبر : لاهتدى إلى الحق . ولآمن بأن الخالق لهذه الحواس وغيرها . هو الله الواحد القهار. ولكن الإِنسان - إلا من عصم الله - قليل الشكر لله - تعالى - ولذا قال - سبحانه -: ﴿ قليلاً ما تشكرون﴾ أى: شكرًا قليلاً ما تشكرون هذه النعم الجليلة، بدليل أن أكثر الناس فى هذه الحياة ، كافرون بوحدانية الله - تعالى - . فلفظ ((قليلاً)) صفة الموصوف محذوف، و((ما)) لتأكيد هذه القلة وتقريرها . (١) سورة الأنفال آية ٢٢، ٢٣. (٢) سورة الأنعام آية ٢٨ . (٣) سورة الأنعام الآية ٤٢، ٤٣. ٥٧ سورة المؤمنون وقوله - سبحانه -: ﴿ وهو الذى ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون ﴾ بيان لنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى . أى : وهو - سبحانه - الذى أوجدكم من الأرض ، ونشركم فيها عن طريق التناسل ، وإليه وحده تجمعون يوم القيامة للحساب . ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته فقال: ﴿وهو الذى يحيى ويميت﴾ بدون أن يشاركه فى ذلك مشارك ، ﴿وله ﴾ وحده التأثير فى اختلاف الليل والنهار وتعاقبها، وزيادة أحدهما ونقص الآخر ، ﴿ أفلا تعقلون) وتدركون ما فى هذا كله من دلائل واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ؟ ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين ، لم يقابلوا نعم الله - تعالى - عليهم بالشكر ، وإنما قابلوها بالجحود وبإنكار البعث والحساب ، وأمر - سبحانه - رسوله - وجّ - أن يرد عليهم فقال - تعالى - : بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَاقَالَ اٌلْأَوَّلُونَ ﴾ قَالُواْ أَءِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَعِنَا لَمَبْعُوتُونَ ﴿ لَقَدْ وُ عِذْنَا فَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ قُل لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ١٠ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، سَيَقُولُونَ اللَّهِ قُلْ أَفَلَا تَنَّقُونَ ٨٦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرٌ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُتْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ٨٩٧ ولفظ ((بل)) فى قوله - تعالى -: ﴿ بل قالوا مثل ما قال الأولون ﴾ للإضراب الانتقالى . وهو معطوف على مضمر يقتضيه المقام . ٥٨ المجلد العاشر أى : لقد سقنا لهم ألوانًا من النعم ، وسقنا لهم ما يدل على قدرتنا ومع ذلك فلم يؤمنوا . بل قالوا مثل ما قال من هم على شاكلتهم فى الكفر من الأقوام الأولين . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه فقال: ﴿قالوا﴾ على سبيل التعجب والإنكار ﴿ أئذا متنا ، وكنا ترابًا وعظامًا أننا لمبعوثون ﴾ . فهم يرون - لجهلهم وغبائهم - أنه من المستحيل أن يعادوا إلى الحياة بعد أن يموتوا ويصيروا ترابًا وعظامًا نخرة . وهذا الذى قالوه هنا. قد حكى القرآن عنهم مثله فى آيات كثيرة ، من ذلك قوله - تعالى - ﴿أئذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد﴾(١). وقوله - سبحانه - : ﴿يقولون أننا لمردودون فى الحافرة * أئذا كنا عظامًا نخرة * قالوا تلك إذًّا كرة خاسرة ﴾(٢). ثم بين - سبحانه - أنهم لم يكتفوا بإنكارهم للبعث ، بل أضافوا إلى ذلك سوء الأدب ، والسخرية ممن يؤمن به فقال: ﴿لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ... ﴾. أى: لقد وعدنا على لسان هذا الرسول - ول﴿ - بأن البعث حق، كما وعد آباؤنا قبل ذلك على ألسنة الرسل السابقين ، ونحن لا نصدق هذا الرسول ، ولا أولئك الرسل . ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ أى: ما هذا البعث الذى وعدنا جميعًا به ، إلا أساطير الأولين . أى : أكاذيبهم التى سطروها من عند أنفسهم فى كتبهم . والأساطير : جمع أسطورة ، كأحدوثة ، وأعجوبة ، وأكذوبة . وهكذا الجهلاء المغرورون ، لا يقفون من الحق موقف المنكر له فحسب ، بل يضيفون إلى ذلك سوء الأدب، وقبح المنطق ، والقول بغير علم . وقد أمر الله - تعالى - رسوله أن يرد على أباطيلهم ، وأن يلزمهم بثلاث حجج ، تدل على أن الله - تعالى - قادر على إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم . أما الحجة الأولى فتتجلى فى قوله - سبحانه - : ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾ أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - لمن هذه الأرض ملكًا وتصرفًا، ولمن هذه المخلوقات التى عليها ، خلقًا وتدبيرًا، إن كنتم من أهل العلم والفهم ؟ أو كنتم عالمين بذلك فأخبرونى من خالقهم ؟ فجواب الشرط محذوف لدلالة الاستفهام عليه . (١) سورة ق الآية ٣. (٢) سورة النازعات الآيات ١٠ - ١٢ . ٥٩ سورة المؤمنون سيقولون الله ﴾ ولا يملكون أن يقولوا غير ذلك ، لأن بداهة العقل تضطرهم إلى أن يعترفوا بأن الأرض ومن فيها لله - تعالى - . قل أفلا تذكرون ﴾ أى : قل لهم فى الجواب على اعترافهم هذا، أتعلمون ذلك ، فلا تتذكرون بأن من خلق الأرض ومن فيها قادر على إحياء الناس بعد موتهم . وأما الحجة الثانية فهى قوله - سبحانه - : ﴿ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ) وهو كرسيه الذى وسع السموات والأرض ؟ سيقولون الله﴾ فهو رب كل شىء. ﴿قل أفلا تتقون) أى: قل لهم على سبيل التبكيت والتقريع ، أتقولون ذلك ، ومع هذا لا تتقون اللّه ، ولا تخافون عقابه ، بسبب عبادتكم لغيره ، وإنكاركم لما نهاكم عن إنكاره ؟ وأما الحجة الثالثة ، فتتجلى فى قوله عز وجل : ﴿قل من بيده ملكوت كل شىء .. ﴾ أى : قل لهم من بيده ملك كل شىء كائناً ما كان . فالملكوت من الملك ، وزيدت الواو والتاء للمبالغة فى هذا الملك . ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه﴾ أى: وهو - سبحانه - يغيث من يشاء من خلقه فلا يستطيع أحد أن يناله بسوء ، أما من يريد الله - تعالى - أن ينزل به عقابه ، فلن يستطيع أحد أن يمنع هذا العقاب عنه . يقال : أجرت فلانًا على فلان ، إذا أغثته وأنقذته منه . وعدى بعلى لتضمينه معنى النصر . إن كنتم تعلمون﴾ أى: إن كنتم - أيضًا - من أهل العلم والفهم . سيقولون لله ﴾ أى: سيقولون ملك كل شىء لله، والقدرة على كل شىء الله. قل فأنى تسحرون ﴾ أى : قل لهم فى الجواب عليهم ، ما دمتم قد اعترفتم بأن كل شىء تحت قدرة الله وسيطرته ، فكيف تخدعون وتصرفون عن الحق وعن الرشد مع علمكم بهما، إلى ما أنتم عليه من باطل وغى !! يقال: سحر فلان غيره ، بمعنى خدعه ، أو أتى عمل السحر . والمسحور هو الشخص المخدوع أو من تأثر بما عمل له من سحر . وبهذه الحجج الدامغة ، أخرس الله - تعالى - ألسنة المنكرين للبعث ، وأثبت لهم أنه - سبحانه - لا يعجزه شىء . وبعد أن أثبت - سبحانه - أن البعث حق ، أتبع ذلك بإثبات وحدانيته ، وإبطال ما يزعمون له - تعالى - من الولد والشريك . فقال : ٦٠ المجلد العاشر بَلْ أَنْيَّنَهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٥) مَا أَتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَةٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا ٠/١/٠١١٠٠ عَلِم بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (ا ٩٢ اٌلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وقوله - سبحانه - ﴿ بل أتيناهم بالحق ... ﴾ إضراب عن قول أولئك الكافرين ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ . أى : ما كان ما أخبرناهم به من أن هناك بعثًا وحسابًا ، أساطير الأولين بل أخبرناهم وأتيناهم بالحق الثابت ، والوعد الصادق ، وإنهم لكاذبون فى دعواهم أن البعث غير واقع ، وأن مع الله - تعالى - آلهة أخرى، وأن الرسول - * - لم يجئهم بالحق الذى يريدونه . ثم وبخهم - سبحانه - على قولهم إن لله ولدًا وشريكًا فقال: ﴿ ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من آله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ... ﴾ . أى : لم يتخذ الله - تعالى - ولدًا - كما يزعم هؤلاء الجاهلون ؛ لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك. ولم يكن معه من إله يشاركه فى ألوهيته وربوبيته - عز وجل - . ولو كان الأمر كما يزعمون ﴿إذا لذهب كل إله بما خلق﴾ واستقل به عن غيره. ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ أى: ولحدث بينهم التحارب والتغالب ... ولفسد هذا الكون ، كما قال - تعالى -: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا ... ﴾. سبحان الله عما يصفون﴾ أى: تنزه الله - تعالى - وتقدس عما يصفه به هؤلاء الجاهلون . فهو - سبحانه - الواحد الأحد . الفرد الصمد ، الذى لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد . ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أى: هو العليم بما يغيب عن عقول الناس ومداركهم وهو العليم - أيضًا - بما يشاهدونه بأبصارهم وحواسهم . فتعالى﴾ الله - عز وجل - وتقدس ﴿عما يشركون) معه من آلهة أخرى، لا تضر ولا تنفع : ولا تملك لعابديها موتًا ولا حياة ولا نشورًا. ثم تترك السورة الحديث مع هؤلاء المشركين ، وتوجه حديثها إلى النبى - - فتأمره أن يلتجىء إلى خالقه، وأن يستعيذ به من شرور الشياطين .. قال - تعالى - : ٠٠