Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة طه
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ
يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِ بِهِ، وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَانَبِعُونِى وَأَطِيعُواْ
أَمْرِىِ { قَالُوا لَن تَّبْرَحَ عَلَيَّهِ عَكِفِينَ حَتَّى ◌َرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى
وجملة : ﴿ولقد قال لهم هارون من قبل ... ﴾ قسمية مؤكدة لما قبلها .
أى: والله لقد نصح هارون - عليه السلام - عبدة العجل من قومه ، قبل رجوع موسى
إليهم ، فقال لهم مستعطفا: ﴿ .. يا قوم إنما فتنتم به .. ﴾ أى: يا قوم إن ضلالكم وكفركم
إنما هو بسبب عبادتكم العجل ، فالضمير فى ﴿به ﴾ يعود إلى العجل .
﴿وإن ربكم الرحمن﴾ هو وحده المستحق للعبادة والطاعة.
وجمع - سبحانه - بين لفظى الرب والرحمن ، لجذبهم نحو الحق ، واستمالتهم نحوه ،
وللتنبيه على أنهم متى تابوا قبل اللّه توبتهم ، لأنه - سبحانه - هو الرحمن الرحيم .
والفاء فى قوله : ﴿ فاتبعونى وأطيعوا أمرى ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها .
أى : وما دام الأمر كذلك فاتبعونى وأطيعوا أمرى ، فى الثبات على الحق ، وفى نبذ عبادة
العجل ، وفى المحافظة على ما عاهدكم عليه موسى - عليه السلام - .
ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هارون لهم لم تجد أذنا صاغية . بل قابلوا نصيحته لهم
بالاستخفاف والتصميم على ما هم فيه من ضلال ، إذ قالوا فى الرد عليه : ﴿ لن نبرح عليه
عاكفين ﴾ أى: سنستمر على عبادة العجل ، وسنواظب على هذه العبادة مواظبة تامة ﴿ حتى
يرجع إلينا موسى ﴾ فنرى ماذا سيكون منه .
فهم لجهالاتهم وانطماس بصائرهم ، وسوء أدبهم ، يرون أن هارون - عليه السلام - ليس
أهلا للنصيحة والطاعة ، مع أنه قد خاطبهم بأحكم أسلوب ، وألطف منطق .
قال الرازى : واعلم أن هارون - عليه السلام - سلك فى هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه
زجرهم عن الباطل - أولا - بقوله: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ ثم دعاهم إلى معرفة الله
- ثانيا - بقوله : ﴿وإن ربكم الرحمن﴾ ثم دعاهم - ثالثا - إلى معرفة النبوة بقوله :
فاتبعونى﴾ ثم دعاهم - رابعا - إلى الشرائع بقوله: ﴿وأطيعوا أمرى﴾.
وهذا هو الترتيب الجيد ، لأنه لابد قبل كل شىء من إماطة الأذى عن الطريق وهو إزالة
الشبهات ، ثم معرفة الله - تعالى - هى الأصل ، ثم النبوة ، ثم الشريعة : فثبت أن هذا

١٤٢
المجلد التاسع
الترتيب على أحسن الوجوه ، ولكنهم لجهلهم وعنادهم قابلوا هذا الترتيب الحسن فى
الاستدلال ، بالتقليد والجمود فقالوا: ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾(١).
ثم بين - سبحانه - ما قاله موسى لأخيه هارون بعد أن رأى ما عليه قومهما من ضلال ،
فقال - تعالى - :
قَالَ ◌َهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْرَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ ( أَلََّتَتَّبِعَرِّ
أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ) قَالَ يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِّ
إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَقْتَ بَيْنَ بَنِّ إِسْرَِّ يلَ وَلَمْتَرْقُبْ
٩٤
قَوْلي
أى : قال موسى لأخيه هارون على سبيل اللوم والمعاتبة : يا هارون أى شىء منعك من
مقاومتهم وقت أن رأيتهم ضلوا بسبب عبادتهم للعجل و(( لا)) فى قوله: ﴿ ألا تتبعن ﴾ مزيدة
للتأكيد . والاستفهام فى قوله : ﴿ أفعصيت أمرى ﴾ للإنكار .
أى : ما الذى منعك من أن تتبعنى فى الغضب عليهم لدين الله حين رأيتهم عاكفين على
عبادة العجل ، أفعصيت أمرى فيما قدمت إليك من قولى : ﴿ اخلفنى فى قومى وأصلح ولا
تتبع سبيل المفسدين ) وفيما أمرتك به من الصلابة فى الدين ، لأن وجودك فيهم وقد عبدوا
غير الله - تعالى - يعتبر تهاونا معهم فيما لا يصح التهاون فيه .
وكأن موسى - عليه السلام - كان يريد من أخيه هارون - عليه السلام - موقفا يتسم
بالحزم والشدة مع هؤلاء الجاهلين ، حتى ولو أدى الأمر لمقاتلتهم ...
وهنا يرد هارون على أخيه موسى ردا يبدو فيه الرفق والاستعطاف فيقول: ﴿يابتؤم لا
تأخذ بلحيتى ولا برأسى ﴾ .
أى : قال هارون لموسى محاولا أن يهدئ من غضبه ، بتحريك عاطفة الرحم فى قلبه :
يابن أمى لا تمسك بلحيتى ولا برأسى على سبيل التأنيب لى . فإنى لست عاصيا لأمرك ، ولا
معرضا عن اتباعك .
( ١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٦٧ .

١٤٣
سورة طه
قال الآلوسى ما ملخصه : خص الأم بالاضافة استعطافا وترقيقا لقلبه ، لا لما قيل من أنه
كان أخاه لأمه ، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين .
وقوله: ﴿ لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى﴾ ... روى أنه أخذ شعر رأسه بيمينه ، ولحيته
بشماله ، وكان موسى - عليه السلام - حديدا متصلبا غضوبا لله - تعالى - ، وغلب على ظنه
أن هارون قد قصر معهم .. (١) .
وقوله : ﴿ إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى ﴾ استئناف لتعليل
موجب النهى ، بتحقيق أنه غير عاص لأمره ، وغير معرض عن اتباعه .
أى : يابن أمى لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى ، فإنى ما حملنى على البقاء معهم وعلى ترك
مقاتلتهم بعد أن عبدوا العجل ، إلا خوفى من أن تقول لى - لو قاتلتهم أو فارقتهم بمن معى
من المؤمنين - إنك بعملك هذا قد جعلت بنى اسرائيل فرقتين متنازعتين ﴿ ولم ترقب قولى ﴾
أى: ولم تتبع وتطع قولى لك: ﴿ اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) ولذلك
لم أقدم على مقاتلتهم بمن معى من المؤمنين ، ولم أقدم كذلك على مفارقتهم ، بل بقيت معهم
ناصحا واعظا ، حتى تعود أنت إليهم ، فتتدارك الأمر بنفسك ، وتعالجه برأيك .
قال بعض العلماء ما ملخصه : وهذه الآية الكريمة ... تدل على لزوم إعفاء اللحية وعدم
حلقها ، لأنه لو كان هارون حالقا لحيته لما أخذ بها موسى - إذ من المشهور أن اللحية تطلق
على الشعر النابت فى العضو المخصوص وهو الذقن - وبذلك يتبين لك أن إعفاء اللحية سمت
الرسل الكرام الذين أمرنا الله - تعالى - بالاقتداء بهم .
فقد قال - تعالى -: بعد أن ذكر عددا من الأنبياء منهم هارون: ﴿ أولئك الذين هدى
اللّه فبهداهم اقتده ... ﴾(٢) .
والعجب من الذين مسخت ضمائرهم ... حتى صاروا ينفرون من صفات الذكورية ، وشرف
الرجوله إلى خنوثة الأنوثة .. (٣) .
هذا ، وبعد أن انتهى موسى من سماع اعتذار أخيه هارون ، اتجه بغضبه إلى السامرى -
رأس الفتنة ومدبرها - فأخذ فى زجره وتوبيخه ، وقد حكى - سبحانه - ذلك فى قوله
- تعالى - :
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٥١ .
( ٢) سورة الأنعام الآية ٩٠ .
( ٣) راجع تفسير أضواء البيان جـ ٤ ص ٥٠٧ .

١٤٤
المجلد التاسع
قَالَ بَصُرْتُ
٩٥
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ
بِمَا لَمْ يَصُرُواْبِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
قَالَ
فَتَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى
فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوَةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌِّ وَإِنَّلَكَ
مَوِْدًا لَنْ تُخْلَفَةٌ، وَأَنْعُلْ إِلَ إِلَهِقَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ
عَاكِمَا لَنُخَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَفْسِفَنَّهُ فِ اَلْيَمِّ نَسْفَارَ إِنَّهَا
إِلَهُكُمُ اللَّهُالَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّ هُؤْ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ◌َ)
أى : قال موسى - عليه السلام - للسامرى: ﴿ ما خطبك﴾ أى: ما شأنك، وما
الأمر العظيم الذى جعلك تفعل ما فعلت ؟ مصدر خطب يخطب - كقعد يقعد - ومنه قولهم :
هذا خطب يسير أو جلل ، وجمعه خطوب . وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور ، وأصله :
الأمر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب والتشاور ، ويخطب الخطيب الناس من أجله .
وقد رد السامرى على موسى بقوله: ﴿ بصرت بما لم يبصروا به﴾ أى: علمت ما لم يعلمه
القوم، وفطنت لما لم يفطنوا له ، ورأيت ما لم يروه .
قال الزجاج : يقال : بصر بالشىء يبصر - ككرم وفرح - إذا علمه ، وأبصره إذا نظر
إليه .
وقيل : هما بمعنى واحد .
: فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ) روى أن السامرى رأى جبريل - عليه
السلام - حين جاء إلى موسى ليذهب به إلى الميقات لأخذ التوراة عن الله - عز وجل - ولم
ير جبريل أحد غير السامرى من قوم موسى ، ورأى الفرس كلما وضعت حافرها على شىء
اخضرت ، فعلم أن للتراب الذى تضع عليه الفرس حافرها شأنا ، فأخذ منه حفنة وألقاها فى
الحلى المذاب فصار عجلا جسدا له خوار .
والمعنى قال السامرى لموسى : علمت ما لم يعلمه غيرى فأخذت حفنة من تراب أثر حافر

١٤٥
سورة طه
فرس الرسول وهو جبريل - عليه السلام - فألقيت هذه الحفنة فى الحلى المذاب ، فصار
عجلا جسدا له خوار .
﴿ وكذلك سولت لى نفسى ﴾ أى: ومثل هذا الفعل سولته لى نفسى، أى زينته وحسنته
لى نفسى ، لأجعل بنى اسرائيل يتركون عبادة إلهك يا موسى ، ويعبدون العجل الذى صنعته
لهم .
وعلى هذا التفسير الذى سار عليه كثير من المفسرين ، يكون المراد بالرسول : جبريل
- عليه السلام - ويكون المراد بأثره : التراب الذى أخذه من موضع حافر فرسه .
هذا ، وقد نقل الفخر الرازى عن أبى مسلم الأصفهانى رأيا آخر فى تفسير الآية فقال
ما ملخصه : ليس فى القرآن ما يدل على ما ذكره المفسرون ، فهنا وجه آخر ، وهو أن يكون
المراد بالرسول : موسى - عليه السلام - وبأثره : سنته ورسمه الذى أمر به ، فقد يقول
الرجل : فلان يقص أثر فلان ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه ، والتقدير : أن موسى لما
أقبل على السامرى بالتوبيخ وبسؤاله عن الأمر الذى دعاه إلى إضلال القوم بعبادة العجل ،
رد عليه بقوله : بصرت بما لم يبصروا به ، أى : عرفت أن الذى أنتم عليه ليس بحق ، وقد
كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول ، أى : أخذت شيئا من علمك ودينك فنبذته ، أى :
طرحته .. (١) .
وعلى هذا التفسير الذى ذهب إليه أبو مسلم يكون المراد بالرسول : موسى - عليه
السلام - ويكون المراد بأثره : دينه وسنته وعلمه .
ويكون المعنى الإجمالى للآية : أن السامرى قال لموسى - عليه السلام - كنت قد أخذت
جانبا من دينك وعلمك ، ثم تبين لى أنك على ضلال فنبذت ما أخذته عنك وسولت لى نفسى
أن أصنع للناس عجلا لكى يعبدوه لأن عبادته أراها هى الحق .
وقد رجح الإمام الرازى فى تفسيره ما ذهب إليه أبو مسلم فقال : واعلم أن هذا القول
. الذى قاله أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة للمفسرين ، ولكنه أقرب الى التحقيق لوجوه .
١ - ان جبريل ليس مشهورا باسم الرسول ، ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام
التعريف إشارة إليه .
٢ - أنه لابد فيه من الإضمار ، وهو قبضته من أثر حافر فرس الرسول ، والإِضمار خلاف
الأصل .
( ١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٧٠ .

١٤٦
المجلد التاسع
٣ - أنه لابد من التعسف فى بيان أن السامرى كيف اختص من بين جميع الناس برؤية
جبريل ومعرفته ؟ ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر ؟ والذى ذكروه أن جبريل
هو الذى رباه بعيد .. (١) .
وقد رد الإمام الآلوسى على الإِمام الفخر الرازى - رحمهما الله - فقال ما ملخصه :
١ - عهد فى القرآن الكريم إطلاق الرسول على جبريل ، كما فى قوله - تعالى - :
إنه لقول رسول كريم ﴾. وعدم جريان ذكره فيما تقدم لا يمنع أن يكون معهودا ، ويجوز
أن يكون إطلاق الرسول عليه كان شائعا فى بنى إسرائيل .
٢ - تقدير المضاف فى الكلام أكثر من أن يحصى ، وقد عهد ذلك فى كتاب الله غير مرة .
٣ - رؤية السامرى دون غيره لجبريل ، كان ابتلاء من الله - تعالى - ليقضى الله أمرا
كان مفعولا، ومعرفته تأثير ذلك الأثر دون غيره كانت بسبب ما ألقى فى روعه من أنه لا يلقيه
على شىء فيقول له كن كذا إلا كان - كما فى خبر ابن عباس - أو كانت لما شاهد من خروج
النبات بالوطء - كما فى بعض الآثار -.. (٢).
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه أبو مسلم ، أقرب إلى ما يفيده ظاهر القرآن الكريم ، إذا
ما استبعدنا تلك الروايات التى ذكرها المفسرون فى شأن السامرى وفى شأن رؤيته لجبريل .
ولا نرى حرجا فى استبعادها، لأنها عارية عن السند الصحيح إلى النبى - بصل - أو إلى
أصحابه ، ويغلب على ظننا أنها من الإسرائيليات التى نرد العلم فيها إلى الله - تعالى - .
وقوله - سبحانه -: ﴿ قال فاذهب فإن لك فى الحياة أن تقول لا مساس ﴾ حكاية لما
قاله موسى - عليه السلام - للسامرى .
والمساس : مصدر ماس - بالتشديد - كقتال من قاتل ، وهو منفى بلا التى لنفى الجنس .
والمعنى : قال موسى للسامرى : مادمت قد فعلت ذلك فاذهب ، فإن لك فى مدة حياتك ،
أن تعاقب بالنبذ من الناس ، وأن تقول لهم إذا ما اقترب أحد منك: ﴿ لا مساس﴾ أى
لا أُمَسُّ أحدا ولا يَسُّنى أحد، ولا أخالط أحدًا ولا يخالطنى أحد .
قال صاحب الكشاف : عوقب فى الدنيا بعقوبة لا شىء أطم منها وأوحش وذلك أنه مُنِع من
مخالطة الناس منعا كليا ، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته ، وكل ما يعايش به
الناس بعضهم بعضا . وإذا اتفق أن يماس أحدا - رجلا أو امرأة - حم الماس والممسوس -
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٧١ .
(٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٥٤ .

١٤٧
سورة طه
أى أصيبا بمرض الحمى - فتحامى الناس وتحاموه ، وكان يصيح : لا مساس . وعاد فى الناس
أوحش من القاتل اللاجىء إلى الحرم ، ومن الوحش النافر فى البرية .. (١).
وقال الآلوسى ما ملخصه : والسر فى عقوبته على جنايته بما ذكر . أنه ضد ماقصده من
إظهار ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه ، فكان ما فعله سببا لبعدهم عنه وتحقيره . وقيل :
عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل ، حيث نبذ فنبذ ، فإن ذلك التحامى عنه أشبه
شىء بالنبذ .. (٢) .
قالوا : وهذه الآية الكريمة أصل فى نفى أهل البدع والمعاصى وهجرانهم وعدم مخالطتهم .
ثم بين - سبحانه - عقوبة السامرى فى الآخرة ، بعد بيان عقوبته فى الدنيا فقال :
وإن لك موعدا لن تخلفه ﴾ .
وقوله: ﴿ تُخْلَفه﴾ قرأها الجمهور بضم التاء وفتح اللام . أى: وإن لك موعدا فى الآخرة
لن يخلفك الله - تعالى - إياه . بل سينجزه لك، فيعاقبك يومئذ العقاب الأليم الذى تستحقه
بسبب ضلالك وإضلالك ، كما عاقبك فى الدنيا بعقوبة الطرد والنفور من الناس .
وقرأ ابن كثير وأبو عمر ﴿ لن تُخِلفه) بضم التاء وكسر اللام أى : وإن لك موعدا فى
الآخرة لن تستطيع التخلف عنه ، أو المهرب منه ، بل ستأتيه وأنت صاغر ..
ثم بين - سبحانه - ما فعله موسى - عليه السلام - بالعجل الذى صنعه السامرى
الإضلال الناس . فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا﴾.
أى : وقال موسى - أيضا - للسامرى : وانظر الى معبودك العجل الذى أقمت على
عبادته أنت وأتباعك فى غيبتى عنكم .
لنحرقنه ﴾ بالنار أمام أعينكم، والجملة جواب القسم محذوف، أى: والله لنحرقنه ﴿ ثم
لننسفنه فى اليم نسفا﴾ أى: ثم لنذرِينه فى البحر تذرية، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر .
يقال : نسف الطعام ينسفه نسفا، إذا فرقه وذراه بحيث لا يبقى منه شىء .
وقد نفذ موسى - عليه السلام - ذلك حتى يظهر للأغبياء الجاهلين الذين عبدوا العجل ،
أنه لا يستحق ذلك. وإنما يستحق الذبح والتذرية ، وأن عبادتهم له إنما هى دليل واضح على
انطماس بصائرهم ، وشدة جهلهم .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٨٥ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٥٦ .

١٤٨
المجلد التاسع
وقوله - تعالى -: ﴿ إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو وسع كل شىء علما﴾. استئناف
مسوق لإِحقاق الحق وإبطال الباطل . أى : إنما المستحق للعبادة والتعظيم هو الله - تعالى -
وحده ، الذى وسع علمه كل شىء . ولا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء .
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد قصت علينا بأسلوب بليغ حكيم ، جوانب من رعاية الله
- تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - ورحمته به ، كما قصت علينا تلك المحاورات التى تمت
بين موسى وفرعون ، وبين موسى والسحرة كما حدثتنا عن جانب من النعم التى أنعم الله
- تعالى - بها على بنى إسرائيل ، وكيف أنهم قابلوها بالجحود والكنود وبإيذاء نبيهم موسى
- عليه السلام - .
ثم أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى العبرة من قصص الأولين ، وإلى التنويه بشأن القرآن
الكريم ، وإلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، فقال - تعالى - :
كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَاقَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِنْ لَُّنَا
ذِكْرًا ﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا
خَلِينَ فِيَّةِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١) يَوْم ◌ُفَخُ
١٠٠
فِي الصُّورِّ وَغَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا ◌ٌ يَتَخَفَتُونَ
بَيْنَهُمْ إِن ◌َِّثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (٦) ◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ
أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن ◌َّئْتُمْ إِلََّ يَوْمَال
والكاف فى قوله - تعالى -: ﴿ كذلك﴾ فى محل نصب نعت لمصدر محذوف، أى: نقص
عليك - أيها الرسول الكريم - من أنباء ما قد سبق من أحوال الأمم الماضية ، قصصا مثل
ما قصصناه عليك عن موسى وهارون . وما دار بينهما وبين فرعون وبين بنى إسرائيل .
و﴿ من﴾ فى قوله ﴿ من أنباء ما قد سبق﴾ للتبعيض، ويشهد لذلك أن القرآن قد
صرح فى كثير من آياته ، أن الله - تعالى - لم يقص على الرسول - صلى - جميع أحوال
الأمم السابقة ، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم

١٤٩
سورة طه
نقصصهم عليك
﴾ (١).
ومن فوائد ما قصه الله - تعالى - عليه من أنباء السابقين: زيادة علمه - وَلّ - ،
وتكثير معجزاته ، وتثبيت فؤاده ، وتسليته عما أصابه من سفهاء قومه ، وتذكير المؤمنين بأحوال
تلك الأمم السابقة ليعتبروا ويتعظوا .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكرا﴾ تنويه وتعظيم لشأن القرآن
الكريم .
أى : وقد أعطيناك ومنحناك من عندنا وحدنا ﴿ذكرا﴾ عظيما. وهو القرآن الكريم،
كما قال - تعالى -: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون
قال الفخر الرازى : وفى تسمية القرآن بالذكر وجوه :
أحدها : أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم .
وثانيها : أنه يذكر أنواع آلاء اللّه ونعمائه على الناس ، ففيه التذكير والوعظ .
وثالثها: أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك، كما قال - سبحانه -: ﴿وإنه لذكر لك
ولقومك وسوف تسألون﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يعرض عن هداية هذا القرآن فقال: ﴿ من أعرض
عنه فإن يحمل يوم القيامة وزرا .. خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا ﴾ .
والوزر فى الأصل يطلق على الحمل الثقيل ، وعلى الإِثم والذنب ، والمراد به هنا العقوبة
الثقيلة الأليمة المترتبة على تلك الأثقال والآثام .
قال صاحب الكشاف : والمراد بالوزر : العقوبة الثقيلة الباهظة ، سماها وزرا تشبيها فى
ثقلها على المعاقب ، وصعوبة احتمالها ، بالحمل الذى يفدح الحامل ، وينقض ظهره ، أو لأنها
جزاء الوزر وهو الإِثم(٣).
وقد أخبرنا القرآن فى كثير من آياته ، أن الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون
أوزارهم ، أى: أثقال ذنوبهم على ظهورهم ، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ ليحملوا أوزارهم
كاملة يوم القيامة ، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ، ألا ساء ما يزرون ﴾(٤).
(١) سورة النساء الآية ١٦٤ .
( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٧١ .
( ٣) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٨٦ .
( ٤) سورة النحل الآية ٢٥ .

١٥٠
المجلد التاسع
أى : من أعرض عن هذا الذكر وهو القرآن الكريم فإنه بسبب هذا الإعراض والترك ،
يحمل يوم القيامة على ظهره آثاما كثيرة : تؤدى إلى العقوبة المهينة من الله - تعالى - .
وقوله : ﴿ خالدين فيه﴾ أى: فى العذاب المترتب على هذا الوزر.
﴿ وساء لهم يوم القيامة حملا ﴾ أى: وبئس ما حملوا على أنفسهم من الإِثم بسبب
إعراضهم عن هداية القرآن الكريم .
قال الألوسى: قوله: ﴿وساء لهم يوم القيامة حملاً﴾ إنشاء للذم، على أن ((ساء)) فعل.
ذم بمعنى بئس .. وفاعله على هذا هنا مستقر يعود على ((حملا)) الواقع تمييزا .. والمخصوص
بالذم محذوف ، والتقدير : ساء حملهم حملا وزرهم(١) .
ثم بين - سبحانه - أحوال المجرمين عند الحشر فقال: ﴿ يوم ينفخ فى الصور ونحشر
المجرمين يومئذ زرقا﴾ .
أى : اذكر - أيها العاقل - يوم ينفخ إسرافيل فى الصور النفخة الثانية ، ونحشر المجرمين
يومئذ ونجمعهم للحساب حالة كونهم زرق العيون من شدة الهول، أو حالة كونهم ((زرقا))
أى: عميا، لأن العين إذا ذهب ضوؤها أزرق ناظرها. أو ((زرقا)) معناه: عطاشا ، لأن
العطش الشديد يغير سواد العين فيجعله كالأزرق .
قال - تعالى -: ﴿ ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء
الله. ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ﴾ استئناف لبيان ما يقوله
بعضهم لبعض على سبيل الهمس وخفض الصوت .
أى : إن هؤلاء المجرمين يتهامسون فيما بينهم فى هذا اليوم العصيب ، قائلين ما لبثم فى
قبوركم إلا عشرا من الليالى أو الأيام .
ومقصدهم من هذا القول : استقصار المدة ، وسرعة انقضائها ، والندم على ما كانوا
يزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب ، بعد أن تبين لهم أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن
الامر على عكس ما كانوا يتوهمون .
وقوله - تعالى -: ﴿ نحن أعلم بما يقولون ... ﴾ بيان لشمول علمه - سبحانه - .
أى : نحن وحدنا أعلم بما يقولون فيما بينهم ، لا يخفى علينا شىء مما يتخافتون به من شأن
(١) تفسر الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٥٩.
( ٢) سورة الزمر الآية ٦٨ .

١٥١
سورة طه
مدة لبثهم فى قبورهم أو فى الدنيا .
إذ يقول أمثلهم طريقة﴾ أى: أعد لهم رأيا، وأرجحهم عقلا ﴿ إن لبثتم إلا يوما ﴾
واحدا وقيل المراد باليوم : مطلق الوقت ، وتنكيره للتقليل والتحقير . أى : ما لبثتم فى
قبوركم إلا زمنا قليلا .
ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لا لكونه أقرب إلى الصدق ، بل لكونه أدل على شدة الهول .
قال - تعالى -: ﴿ كأنهم يوم يرونها﴾ أى الساعة ﴿لم يلبثوا إلا عشية أو
ضحاها ﴾(١).
ثم بين - سبحانه - أحوال الجبال وأحوال الناس يوم القيامة فقال - تعالى - :
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ
١٠٦
فَيَذَرُهَاقَاعَا صَفْصَفًا
١٠٥
فَقُلْ يَنْسِفُهَارَبِنَسْفًا
لَا تَرَى فِيَهَا عِوَ جًا وَلَا أَمْتًا ) يَوْمَيِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّعِىَ
لَ عِوَجَلَهٌ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّهَمْسًا
يَوْمَيِذٍلَّا تَفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ.
١٠٨
قَوْلاَ ﴿٢) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِطُونَبِهِ،
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ
عِلْمَّاس
حَلَ ظُلْمًا (١) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَِّحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا
يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا
والسائلون عن أحوال الجبال يوم القيامة كفار مكة، روى أنهم قالوا للرسول - واله -
على سبيل الاستهزاء ، يا محمد إنك تدعى أن هذه الدنيا تفنى ، وأننا نبعث بعد الموت ، فأين
تكون هذه الجبال ، فنزل قوله - تعالى - : ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى
نسفا ﴾ .
(١) سورة النازعات الآية ٤٦.

١٥٢
المجلد التاسع
وقيل : السائلون هم المؤمنون على سبيل طلب المعرفة والفهم .
وقوله : ﴿ينسفها﴾ من النسف بمعنى القلع. يقال: نسفت الريح التراب نسفا - من
باب ضرب - إذا اقتلعته وفرقته .
أى : ويسألك - أيها الرسول الكريم - بعض الناس عن أحوال الجبال يوم القيامة ،
فقل لهم : ينسفها ربى نسفا ، بأن يقلعها من أصولها ، ثم يجعلها كالرمل المتناثر ، أو كالصوف
المنفوش الذى تفرقه الرياح .
والفاء فى قوله : ﴿ فقل ﴾ للمسارعة إلى إزالة ما فى ذهن السائل من توهم أن الجبال قد
تبقى يوم القيامة .
والضمير فى قوله ﴿ فيذرها قاعا صفصفا ﴾ يعود إلى الجبال باعتبار أجزائها السفلى الباقية
بعد النسف ، ويصح أن يعود إلى الأرض المدلول عليها بقرينة الحال ، لأنها هى الباقية بعد قلع
الجبال . والقاع : هو المنكشف من الأرض دون أن يكون عليه نبات أو بناء .
والصفصف : الأرض المستوية الملساء حتى لكأن أجزاءها صف واحد من كل جهة .
أى : فيتركها بعد النسف أرضا منكشفة متساوية ملساء ، لا نبات فيها ولا بناء ...
لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ أى : لا ترى فى الأرض بعد اقتلاع الجبال منها ، مكانا
منخفضا ، كما لا ترى فيها ﴿ أمتا﴾ أى: مكانا مرتفعا، بل تراها كلها مستوية ملساء
كالصف الواحد .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قد فرقوا بين العوج والعَوج ، فقالوا : العوج بالكسر
فى المعانى: والعوج بالفتح فى الأعيان ، والأرض عين ، فكيف صح فيها المكسور العين ؟ .
قلت : اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع فى وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفى
الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون ، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها ، وبالغت
فى التسوية على عينك وعيون البصراء ، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط ، ثم
استطلعت رأى المهندس فيها ، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية ، لعثر فيها
على عوج فى غير موضع ، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسى ، فنفى اللّه ذلك
العوج الذى دق ولطف عن الإدراك ، اللهم إلا بالقياس الذى يعرفه صاحب التقدير
والهندسة ، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإِحساس لحق بالمعانى ، فقيل فيه ،
عوج بالكسر والأمت : النتوء اليسير ، يقال : مد حبله حتى ما فيه أمت .. (١)
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٨٨ .

١٥٣
سورة طه
ثم بين - سبحانه - أحوال الناس يوم القيامة فقال : ﴿ يومئذ يتبعون الداعى لا عوج
له ... ﴾ .
والمراد بالداعى : الملك الذى يدعوهم إلى المثول للحساب .
قيل : يناديهم بقوله : أيتها العظام البالية ، والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة .. قومى إلى
ربك للحساب والجزاء ، فيسمعون الصوت ويتبعونه .
والمعنى : فى هذا اليوم الذى تنسف فيه الجبال ، وتصير الأرض قاعا صفصفا يقوم الناس
من قبورهم ، ويتبعون من يناديهم للحساب والجزاء دون أن يحيدوا عن هذا المنادى ، أو أن
يملكوا مخالفته أو عصيانه ، بل الجميع يسمع دعاءه ويستجيب لأمره .
كما قال - تعالى -: ﴿ فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شىء نكر . خشعا أبصارهم
يخرجون من الأحداث كأنهم جراد منتشر : مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم
عسر ﴾ (١) .
وقوله: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ﴾ أى : وخفتت وسكنت
الأصوات كلها هيبة وخوفا من الرحمن - عز وجل - فلا تسمع - أيها المخاطب - فى هذا
اليوم الهائل الشديد ﴿ إلا همسا﴾ أى: إلا صوتا خفيا خافتا. يقال: همس الكلام يهمسه
همسا ، إذا أخفاه ، ويقال للأسد : الهموس ، لخفاء وطئه .
يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ، ورضى له قولا ﴾ أى : فى هذا اليوم
الذى تخشع فيه الأصوات لا تنفع الشفاعة أحدا كائنا من كان ، إلا شفاعة من أذن له الرحمن
فى ذلك ﴿ ورضى له قولا﴾ أى: ورضى - سبحانه - قول الشافع فيمن يشفع له.
قال الإِمام ابن كثير : وهذه الآية كقوله - تعالى - : ﴿ من ذا الذى يشفع عنده إلا
بإذنه ﴾ وكقوله: ﴿وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله
لمن يشاء ويرضى ﴾، وكقوله: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ ...
وفى الصحيحين من غير وجه، عن رسول الله - والله - أنه قال: ((آتى تحت العرش ،
وأخر لله ساجدا، وبفتح على بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقول - سبحانه -: (( يا محمد ،
ارفع رأسك، وقل يسمع قولك، واشفع تشفع. قال - وَله - : فيحد لى حدا ، فأدخلهم
الجنة، ثم أعود، فذكر أربع مرات)) -مَ ل1 - وعلى سائر الأنبياء ...
وفى الحديث: يقول - تعالى -: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان
( ١) سورة القمر الآيات ٦ - ٨ .

١٥٤
المجلد التاسع
فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقول - سبحانه - : أخرجوا من النار من كان فى قلبه نصف
مثقال من إيمان ، أخرجوا من النار من كان فى قلبه ما يزن ذرة ، من كان فى قلبه أدنى أدنى
أدنى مثقال ذرة من إيمان)»(١).
وقوله - تعالى - : ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ﴾ بيان لشمول
علمه - سبحانه - لكل شىء .
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان منها يتعلق بما بين
أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف ، أم ما كان منها يتعلق بما خلفهم من أمور الدنيا ، أما
هم فإنهم لا يحيط علمهم لا بذاته - تعالى - ولا بصفاته ، ولا بمعلوماته .
فالضمير فى قوله ﴿ ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ يعود على المتبعين للداعى وهم الخلق
جميعا .. .
وقيل : يعود للشافعين ، وقيل للملائكة ، والأول أولى لعمومه .
وقوله - سبحانه - : ﴿وعنت الوجوه للحى القيوم ... ﴾ مؤكد ومقرر لما قبله من
خشوع الأصوات يوم القيامة للرحمن ، ومن عدم الشفاعة لأحد إلا بإذنه - عز وجل - .
والفعل ﴿ عنت﴾ بمعنى ذلت يقال: عنا فلان يعنو عُنوا - من باب سما - إذا ذل لغيره
وخضع وخشع ، ومنه قيل للأسير عانٍ لذله وخضوعه لمن أسره .
أى : وذلت وجوه الناس وخضعت فى هذا اليوم الله - تعالى - وحده ﴿الحى﴾ أى:
الباقى الذى له الحياة الدائمة التى لافناء معها ﴿القيوم﴾ أى: الدائم القيام بتدبير أمر
خلقه وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم .. وسائر شئونهم .
وهذا اللفظ مبالغة فى القيام . وأصله قيووم بوزن فيعول .. من قام بالأمر .
إذا حفظه ودبره .
وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء ، وآثار الذل أكثر ما تكون ظهورا عليها .
وظاهر القرآن يفيد أن المراد بالوجوه جميعها ، سواء أكانت للمؤمنين أم لغيرهم ، فالكل
يوم القيامة خاضع لله - تعالى - ومستسلم لقضائه ، فالألف واللام للاستغراق .
قال ابن كثير : قوله - تعالى -: ﴿وعنت الوجوه للحى القيوم ﴾ قال ابن عباس وغير
واحد - من السلف - خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لخالقها وجبارها الحى الذى لا
يموت .. (٢) .
(١)، (٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٣١١ .

١٥٥
سورة طه
ويرى بعضهم أن المراد بالوجوه التى ذلت وخشعت فى هذا اليوم ، وجوه الكفار
والفاسقين ، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال : المراد بالوجوه وجوه العصاة ، وأنهم
إذا عاينوا - يوم القيامة - الخيبة والشقوة وسوء الحساب وصارت وجوههم عانية ، أى :
ذليلة خاشعة ، مثل وجوه العناة وهم الأسارى ، ونحوه قوله - تعالى - : ﴿ فلما رأوه زلفة
سيئت وجوه الذين كفروا ﴾(١) .
ويبدو لنا أن القول الأول أقرب إلى الصواب ، لأن جميع الوجوه يوم القيامة تكون خاضعة
لحكم الله - تعالى - ومستسلمة لقضائه .
وقوله: ﴿وقد خاب من حمل ظلما﴾ جملة حالية، أى: ذلت جميع الوجوه لله - تعالى -
يوم القيامة ، والحال أنه قد خاب وخسر من حمل فى دنياه ظلما ، أى: شركا بالله - تعالى - أو
فسوقا عن أمره - سبحانه - ولم يقدم العمل الصالح الذى ينفعه فى ذلك اليوم العسير .
ثم بشر - سبحانه - المؤمنين بما يشرح صدورهم فقال : ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو
مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ﴾ .
أى : ومن يعمل فى دنياه الأعمال الصالحات ، وهو مع ذلك مؤمن بكل ما يجب الإِيمان به .
فإنه فى هذه الحالة ﴿ لا يخاف ظلما﴾ ينزل به . ولا يخاف ﴿هضما﴾ لشىء من حقوقه أو
ثوابه .
يقال : هضم فلان حق غيره ، إذا انتقصه حقه ولم يوفه إياه .
قالوا : والفرق بين الظلم والهضم : أن الظلم قد يكون بمنع الحق كله ، أما الهضم فهو منع
لبعض الحق . فكل هضم ظلم ، وليس كل ظلم هضما .
فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين ، بأن الله - تعالى - بفضله وكرمه سيوفيهم أجورهم يوم
القيامة ، بدون أدنى ظلم أو نقص من ثوابهم ، فالتنكير فى قوله ﴿ ظلما ولا هضما ﴾ للتقليل.
ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه محمد - صل * - وبين بعض
الحكم من إنزاله، وطلب من نبيه - * - أن يسأله المزيد من العلم فقال - تعالى - :
وَكَذَالِكَ أَنْزَ لْنَهُ قُرْءَ انَّا عَرَبِيًّا
وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْيُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًاً
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٨٩.

١٥٦
المجلد التاسع
فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ
يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيَةٌ، وَقُل رَبِّ زِدْ فِ عِلْمًا )
وقوله - سبحانه -: ﴿وكذلك أنزلناه ... ﴾ معطوف على قوله: ﴿كذلك نقص عليك
من أنباء ما قد سبق .. ﴾ والكاف للتشبيه ، واسم الإشارة يعود على إنزال ما سبق من
آيات .
أى: ومثل ما أنزلنا الآيات السابقة المشتملة على الآداب والأحكام والقصص ، أنزلنا
عليك يا محمد القران كله ، فما نزل منه متأخرا يشبه فى هدايته وإعجازه ما نزل منه متقدما .
وقد اقتضت حكمتنا أن نجعله ﴿قرآنا عربيا﴾ أى: بلغة العرب ، لكى يفهموه ويقعوا
على ما فيه من هدايات وإرشادات وإعجاز للبشر .
وقوله: ﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ معطوف على ﴿أنزلناه﴾ أى: أنزلناه قرآنا عربيا
وكررنا ونوعنا فيه ألوانا من الوعيد على سبيل التخويف والتهديد .
لعلهم يتقون ﴾ أى: لعل الناس يتقون - بسبب ذلك - الوقوع فى الكفر والفسوق
والعصيان ، ويجتنبون الآثام والسيئات ، ويصونون أنفسهم عن الموبقات فمعمول
يتقون ﴾ محذوف .
وقوله - سبحانه -: ﴿ أو يحدث لهم ذكرا﴾ بيان لحكمة أخرى من الحكم التى من
أجلها أنزل الله القرآن الكريم .
أى : أنزلناه بهذه الصفة ، وجعلناه مشتملا على ضروب من الوعيد ، لعل قومك - أيها
الرسول الكريم ، يتقون الكفر والمعاصى ، أو لعل القرآن يحدث فى نفوسهم ﴿ذكرا﴾.
أى: اتعاظا واعتبارا يصرفهم عن التردى فيما تردت فيه الأمم السابقة من آثام وموبقات
أدت إلى هلاكها .
وقال - سبحانه -: ﴿ أنزلناه ﴾ بالإضمار مع أن القرآن لم يسبق له ذكر فى الآيات
السابقة ، للإِيذان بنباهة شأنه ، وعلو قدره ، وكونه مركوزا فى العقول ، حاضرا فى الأذهان
والقلوب .
ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما يستحقه من صفات كريمة فقال: ﴿ فتعالى الله الملك
الحق ﴾ .

١٥٧
سورة طه
أى : فجل وعظم شأن الله - سبحانه - عن إلحاد الملحدين ، وإشراك المشركين فإنه هو
وحده ﴿ الملك ﴾ المتصرف فى شئون خلقه، وهو وحده الإِله ﴿ الحق﴾ وكل ما سواه فهو
باطل .
ثم أرشد الله - تعالى - نبيه - وير - إلى كيفية تلقى القرآن من جبريل - عليه السلام
فقال: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه .. ﴾ .
أى : ولا تتعجل بقراءة القرآن من قبل أن ينتهى جبريل من إبلاغه إليك، قالوا : وكان
النبى - # - كلما قرأ عليه جبريل آية قرأها معه، وذلك لشدة حرصه على حفظ القرآن،
ولشدة شوقه إلى سماعه ، فأرشده الله - تعالى - فى هذه الآية إلى كيفية تلقى القرآن عن
جبريل ، ونهاه عن التعجل فى القراءة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه
وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه ﴾(١).
ثم أمر - سبحانه - نبيه - بقالة - : ان يسأله المزيد من العلم فقال : ﴿وقل رب زدنى
علما ﴾ .
أى : وقل - أيها الرسول الكريم - مخاطبا ربك ومتوسلا إليه ، يارب زدنى من علمك
النافع .
قال الآلوسى: واستدلوا بالآية على فضل العلم حيث أمر - وَله - بطلب الزيادة منه ،
وذكر بعضهم أنه - وَ له - ما أمر بطلب الزيادة من شىء سوى العلم. وكان - وَالر -
يقول: ((اللهم انفعنى بما علمتنى، وعلمنى ما ينفعنى، وزدنى علما)) وكان يقول: ((اللهم
زدنى إيمانا وفقها ويقينا وعلما))(٢).
ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة آدم - عليه السلام - فذكر لنا كيف أنه نسى عهد
ربه له ، فأكل من الشجرة التى نهاه اللّه - تعالى - عن الأكل منها ، ومع ذلك فقد قبل
- سبحانه - توبته ، وغسل حوبته .. قال - تعالى - :
وَلَقَدْ عَهِدْنَا
إِلَى ءَدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَان ®)، وَإِذْ قُلْنَا
(١) سورة القيامة الآيات ١٦ - ١٩ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٦٩ .

١٥٨
المجلد التاسع
لِلْمَلَبِكَةِ اسْجُدُ واْلِأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ
فَقُلْنَا يَتََّادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّلَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَتَّكُا
١١٦
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ®) إِنَّلَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى!
١١٨
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأُفِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴿1﴾ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ
الشَّيْطَانُ قَالَ يَتَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ
لََّيَبْلَ ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَمُمَا سَوْءَ تُهُمَا وَطِفِقَا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىّءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
٠٠٠١٠/١٠٠
١٢١
ثُمَ اجْتَهُ رَبُّهُ فَذَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا
جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِيَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأَنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
١٢٣
واللام فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد عهدنا ... ﴾ هى الموطئة للقسم، والمعهود محذوف،
وهو النهى عن الأكل من شجرة معينة ، كما وضحه فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - :
﴿ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين
أى: والله لقد عهدنا إلى آدم - عليه السلام - وأوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة ﴿ من
قبل ﴾ أن يخالف أمرنا فيقربها ويأكل منها ، أو من قبل أن نخبرك بذلك - أيها الرسول
الكريم - .
والفاء فى قوله ﴿ فنسى ﴾ للتعقيب، والمفعول محذوف. أى: فنسى العهد الذى أخذناه
عليه بعدم الأكل منها .
والنسيان هنا يرى بعضهم أنه بمعنى الترك ، وقد ورد النسيان بمعنى الترك فى كثير من آيات
القرآن الكريم . ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم
هذا ﴾(١) أى: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وهو يوم القيامة .
(١) سورة الجاثية الآية ٣٤.

١٥٩
سورة طه
وعليه يكون المعنى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة فترك الوفاء
بعهدنا وخالف ما أمرناه به .
وعلى هذا التفسير فلا إشكال فى وصف الله - تعالى - له بقوله: ﴿ وعصى آدم ربه
فغوى ﴾ لأن آدم بمخالفته لما نهاه الله - تعالى - عنه وهو الأكل من الشجرة - صار عاصيا
لأمر ربه .
ومن العلماء من يرى أن النسيان هنا على حقيقته ، أى : أنه ضد التذكر فيكون المعنى :
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ما عاهدناه عليه ، وغاب عن ذهنه ما نهيناه عنه ، وهو
الأكل من الشجرة .
فإن قيل: إن الناسى معذور. فكيف قال الله - تعالى - فى حقه: ﴿وعصى آدم ربه
فغوى ﴾؟.
فالجواب : أن آدم - عليه السلام - لم يكن معذورا بالنسيان ، لأن العذر بسبب الخطأ
والنسيان والإِكراه. من خصائص هذه الأمة الإسلامية، بدليل قوله - وصل -: (( إن الله
تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى .. ﴾
للنسيان معنيان : أحدهما : الترك ، أى ترك الأمر والعهد، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ،
ومنه ﴿ نسوا الله فنسيهم) وثانيهما: قال ابن عباس: ((نسى)) هنا من السهو والنسيان،
وإنما أخذ الإِنسان من أنه عهد اليه فنسى ... وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم فى ذلك
الوقت مؤاخذا بالنسيان ، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا .
والمراد تسلية النبى - * - أى: أن طاعة بنى آدم للشيطان أمر قديم أى: إن نقَض
هؤلاء - المشركون - العهد، فإن آدم - أيضا - عهدنا إليه فنسى .. )(١).
وقوله : ﴿ولم نجد له عزما ﴾ مقرر لما قبله من غفلة آدم عن الوفاء بالعهد.
قال الجمل : وقوله: ﴿ نجد ﴾ يحتمل أنه من الوجدان بمعنى العلم ، فينصب مفعولين ،
وهما ((له)) و((عزما)) ويحتمل أنه من الوجود الذى هو ضد العدم فينصب مفعولا وهو
﴿ عزما﴾ والجار والمجرور متعلق بنجد (٢).
والعزم : توطين النفس على الفعل ، والتصميم عليه ، والمضى فى التنفيذ للشىء ..
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢٥١ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١١٣.

١٦٠
المجلد التاسع
أى: فنسى آدم عهدنا ، ولم نجد له ثبات قدم فى الأمور ، يجعله يصبر على عدم الأكل من
الشجرة بل لانت عريكته وفترت همته بسبب خديعة الشيطان له .
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك بشىء من التفصيل ، الأسباب التى أدت إلى نسيان آدم
وضعف عزيمته فقال: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ﴾ .
أى : واذكر - أيها المخاطب - وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تكريم لا
سجود عبادة ، فامتثلوا لأمرنا ، إلا إبليس فإنه أبى السجود لآدم تكبرا وغرورا وحسدا له على
هذا التكريم .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال: ﴿ يا آدم إن
هذا﴾ أى: إبليس ﴿عدو لك ولزوجك﴾ بسبب حسده لكما وحقده عليكما ﴿ فلا يخرجنكما
من الجنة فتشقى ﴾ أى: فاحذرا أن تطيعاه، فإن طاعتكما له ستؤدى بكما الى الخروج من
الجنة ، فيترتب على ذلك شقاؤك ، أى : تعبك فى الحصول على مطالب حياتك .
وأسند سبحانه إلى إبليس الإخراج لهما من الجنة ، لأنه هو المتسبب فى ذلك ، عن طريق
الوسوسة لهما ، وطاعتهما له فيما حرضهما عليه وهو الأكل من الشجرة ، وعبر عن التعب فى
طلب المعيشة بالشقاء ، لأنه بعد خروجه من الجنة سيقوم بحراثة الأرض وفلاحتها وزرعها
وربها ... ثم حصدها .. ثم إعداد نتاجها للأكل ، وفى كل ذلك ما فيه من شقاء وكد وتعب .
وقال - سبحانه -: ﴿ فتشقى﴾ ولم يقل فتشقيا كما قال ﴿فلا يخرجنكما﴾ لأن الكلام
من أول القصة مع آدم وحده : أو لأن شقاء الرجل يدخل فيه شقاء أهله ، كما أن سعادته
سعادتهم ، أو لأنه هو الذى يعود عليه التعب إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب
الحياة . كالمسكن والملبس والمطعم والمشرب .
قال القرطبى ما ملخصه : قوله ﴿فتشقى ﴾ يعنى أنت وزوجك لأنهما فى استواء العلة
واحد ، ولم يقل : فتشقيا لأن المعنى معروف ، وآدم - عليه السلام - هو المخاطب ، وهو
المقصود . وأيضا لما كان هو الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص .
وفى ذلك تعليم لنا أن نفقة الزوجة على الزوج ، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على
الأزواج ، فلما كانت نفقة حواء على آدم ، كانت كذلك نفقات بناتها على بنى آدم بحق
الزوجية .. (١).
وقوله - تعالى - : ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢٥٣ .