Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
سورة طه
فَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى
(٤٠
٤١
٨٥/١
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى!
قوله - سبحانه -: ﴿ قال قد أوتيت سؤلك ياموسى ﴾ حكاية لما رد الله - تعالى - به
على نبيه موسى - عليه السلام - بعد أن تضرع إليه بتلك الدعوات النافعات .
والسؤل هنا بمعنى المسئول ، كالأكل بمعنى المأكول .
قال الألوسى: ((والإِيتاء : عبارة عن تعلق إرادته - تعالى - بوقوع تلك المطالب
وحصولها له - عليه السلام - ألبتة ، وتقديره - تعالى - إياها حتما ، فكلها حاصلة له
- عليه السلام - وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرتبا بعد ، كتيسير الأمر، وشد الأزر .. (١).
أى : قال الله - تعالى - لموسى بعد أن ابتهل اليه - سبحانه - بما ابتهل : لقد أجبنا
دعاءك ياموسى ، وأعطيناك ما سألتنا إياه ، فطب نفسا وقر عينا .
وقوله - تعالى - : ﴿ ولقد مننا عليك مرة أخرى ﴾ تذكير منه - سبحانه - لموسى ،
بجانب من النعم التى أنعم بها عليه ، حتى يزداد ثباتا وثقة بوعد الله - تعالى - ولذا صدرت
الجملةَ بالقسم .
أى : وبعزتى وجلالى لقد مننا عليك، وأحسنا إليك ﴿ مرة أخرى ﴾ قبل ذلك، ومنحناك
من رعايتنا قبل أن تلتمس منا أن نشرح لك صدرك ، وأن نيسر لك أمرك .. .
ثم فصل - سبحانه - هذه المنن التى امتن بها على عبده موسى ، فذكر ثمانية منها : أما
أول هذا المنن فتتمثل فى قوله - تعالى - : ﴿ إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ﴾ .
و﴿ إذ﴾ ظرف لقوله ﴿مننا﴾ والإيحاء: الإعلام فى خفاء .. وإيحاء الله - تعالى - إلى
أم موسى كان عن طريق الإِلهام أو المنام أو غيرهما .
قال صاحب الكشاف: ((الوحى إلى أم موسى : إما أن يكون على لسان نبى فى وقتها ،
كقوله - تعالى -: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة
كما بعث إلى مريم . أو يريها ذلك فى المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله - تعالى - :
وأوحى ربك الى النحل ﴾
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٨٦ .
١٠٢
المجلد التاسع
أى: أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه ، ولا إلى العلم به، إلا بالوحى(١).
والمعنى : ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى ، وقت أن أوحينا إلى أمك بما أوحينا من أمر
عظيم الشأن ، يتعلق بنجاتك من بطش فرعون .
فالتعبير بالموصول فى قوله : ﴿ ما يوحى ﴾ للتعظيم والتهويل، كما فى قوله - تعالى -
فأوحى إلى عبده ماأوحى﴾ .
ثم وضح - سبحانه- ما أوحاه إلى أم موسى فقال: ﴿ أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى
اليم، فليلقه اليم بالساحل، يأخذه عدو لى وعدو له .. ﴾ .
و﴿ أن﴾ فى قوله ﴿ أن اقذفيه) مفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه.
والمراد بالقذف هنا: الوضع ، والمراد به فى قوله ﴿ فاقذفيه فى اليم ﴾ الإلقاء فى البحر
وهو نيل مصر .
والتابوت : الصندوق الذى يوضع فيه الشىء .
والمعنى : لقد كان من رعايتنا لك يا موسى أن أوحينا إلى أمك عندما خافت عليك القتلى :
أن ضعى ابنك فى التابوت ، ثم بعد ذلك اقذفيه بالتابوت فى البحر ، وبأمرنا وقدرتنا يلقى اليم
بالتابوت على شاطىء البحر وساحله ، وفى هذه الحالة يأخذه عدو لى وعدو له ، وهو فرعون
الذى طغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى .
والضمائر كلها تعود إلى موسى - عليه السلام - وقيل إن الضمير فى قوله ﴿فاقذفيه فى
اليم ﴾ .
وفى قوله ﴿ فليلقه ﴾ يعود إلى التابوت، والأول أرجح ، لأن تفريق الضمائر هنا لا داعى
له ، بل الذى يقتضيه بلاغة القرآن الكريم ، عودة الضمائر إلى موسى - عليه السلام - .
قال بعض العلماء : وصيغة الأمر فى قوله ﴿فليلقه اليم بالساحل﴾ فيها وجهان معروفان
عند العلماء :
أحدهما : أن صيغة الأمر معناها الخبر: قال أبو حيان فى البحر: وقوله ﴿فليلقه ) أمر
معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة ، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها .
الثانى : أن صيغة الأمر فى قوله ﴿ فليلقه ﴾ أريد بها الأمر الكونى القدرى كقوله : ﴿ إنما
أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ فالبحر لابد أن يلقيه بالساحل ، لأن الله
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٢ .
١٠٣
سورة طه
- تعالى - أمره بذلك كونا وقدرا .. (١) .
وقوله ﴿ يأخذه﴾ مجزوم فى جواب الطلب وهو قوله ﴿فليلقه ... ﴾ إذ أنه على الوجه
الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته .
وقوله - سبحانه - ﴿ وألقيت عليك محبة منى ﴾ بيان للمنة الثانية .
قال الآلوسى: وكلمة ((منى)) متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحذوف ، مؤكدة لما فى تنكيرها
من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية . أى : وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة منى - لا من
غيرى - قد زرعتها فى القلوب ، فكل من رآك أحبك(٢).
ولقد كان من آثار هذه المحبة : عطف امرأة فرعون عليه ، وطلبها منه عدم قتله ، وطلبها
منه كذلك أن يتخذه ولدا .
وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى فى صغره معززا مكرما فى بيت فرعون مع أنه فى
المستقبل سيكون عدوا له .
وهكذا رعاية الله - تعالى - ومحبته لموسى جعلته يعيش بين قوى الشر والطغيان آمنا
مطمئنا .
قال ابن عباس : أحب اللّه - تعالى - موسى ، وحيبه إلى خلقه .
وقوله - تعالى -: ﴿ولتصنع على عينى ﴾ بيان للمنة الثالثة ...
أى : أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك وألقيت عليك محبة منى ،
ليحبك الناس ، ولتصنع على عينى . أى: ولتربى وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رعايتى
وعنايتى وعينى ، كما يراعى الإِنسان بعينه من يحبه ويهتم بأمره .
وهذا ما حدث لموسى فعلا ، فقد عاش فى طفولته تحت عين فرعون ، وهو عدو الله
- تعالى - ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء إلى موسى ، لأن عين الله - تعالى -
كانت ترعاه وتحميه من بطش فرعون وشيعته .
فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى - عليه السلام - ومن الرعاية له ، ما يعجز القلم
عن وصفه .
وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال اللّه فى شأنه: ﴿ولتصنع على عينى﴾.
قال صاحب الكشاف : أى: ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل
(١ ) أضواء البيان جـ ٥ ص ٤٠٦ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٨٩ .
١٠٤
المجلد التاسع
الشىء بعينه إذا اعتنى به ، وتقول للصانع ؛ اصنع هذا على عينى إنى أنظر إليك لئلا تخالف به
عن مرادى وبغيتى .
وقوله: ﴿ولتصنع﴾ معطوف على علة مضمرة مثل: ليتعطف عليك .. أو حذف معلله
أى : ولتصنع على عينى فعلت ذلك(١).
ثم بين - سبحانه - المنة الرابعة على موسى فقال: ﴿ إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم
على من يكفله ، فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن.﴾.
وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون موسى من فوق الشاطىء ، وبعد أن امتنع عن
الرضاعة من أى امرأة سوى أمه .
أى: وكان من مظاهر إلقاء محبق عليك ، ورعايتى لك ، أن أختك بعد أن أمرتها أمك بمعرفة
خبرك ، سارت فى طرقات مصر فأبصرتك فى بيت فرعون وأنت تمتنع عن الرضاعة من أى
امرأة ، فقالت أختك لفرعون وامرأته ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾.
أى : ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا الطفل الرضاعة منها ، وتحفظه وترعاه ،
والفاء فى قوله: ﴿فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن﴾ هى الفصيحة. أى: التى
تفصح عن كلام مقدر .
والمعنى : بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته : هل أدلكم على من يكفله . أجابوها
بقولهم : دلينا عليها ، فجاءت بأمك فرجعناك إليها كى تسر برجوعك ، ويمتلىء قلبها فرحا
بلقائها بك بعد أن ألقتك فى اليم ، ولا تحزن بسبب فراقك عنها .
ثم حكى - سبحانه - المنة الخامسة فقال: ﴿وقتلت نفسا فنجيناك من الغم ﴾ وكان
ذلك عندما استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه .
أى : وقتلت نفسا هى نفس القبطى، عندما استعان بك عليه الإسرائيلى فنجيناك من الغم
الذى نزل بك بسبب هذا القتل .
قال الآلوسى: وقد حل له هذا الغم من وجهين: خوف عقاب الله - تعالى - حيث لم يقع
القتل بأمره - سبحانه - وخوف القصاص ، وقد نجاه الله من ذلك بالمغفرة حين قال :
﴿ رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له ﴾ وبالمهاجرة إلى مدين .
والغم فى الأصل : ستر الشىء ، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس . ويقال : لما يغم القلب
بسبب خوف أو فوات مقصود .. (٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٣ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٩٣ .
: ١٠٥
سورة طه
وقوله - عز وجل -: ﴿وفتناك فتونا﴾ بيان للمنة السادسة التى امتن الله - تعالى -
بها على موسى - عليه السلام - .
والفتون : جمع فَتْن كالظنون جمع ظن . والفتن: الاختبار والابتلاء تقول : فتنت الذهب
بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته .
والمعنى : واختبرناك وابتليناك - ياموسى - بألوان من الفتن والمحن .
ونظم - سبحانه - هذا الفتن والاختبار فى سلك المنن ، باعتبار أن الله - تعالى - ابتلاه
بالفتن ثم نجاه منها ، ونجاه من شرورها .
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية حديثا طويلا سماه بحديث الفتون ، ذكر
فيه قصة مولد موسى ، وإلقائه فى اليم ، وتربيته فى بيت فرعون ، وقتله للقبطى ، وهروبه إلى
مدين ، وعودته منها إلى مصر . وتكليف الله - تعالى - له بالذهاب الى فرعون ، ودعوته إلى
عبادة الله وحده .. الخ(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ فلبثت سنين فى أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى ﴾ أى :
فلبثت عشر سنين فى قرية أهل مدين ، تعمل كأجير عند الرجل الصالح . ثم جئت بعد ذلك
إلى المكان الذى ناديتك فيه ﴿ على قدر ﴾ أى على وفق الوقت الذى قدرناه لمجيئك،
وحددناه لتكليمك واستنبائك ، دون أن تتقدم أو تتأخر ، لأن كل شىء عندنا محدد ومقدر
بوقت لا يتخلف عنه .
قال - تعالى -: ﴿إنا كل شىء خلقناه بقدر﴾ وقال - سبحانه -: ﴿وكل شىء
عنده بمقدار﴾ وقال - عز وجل -: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا).
ثم حكى - سبحانه - المنة الثامنة: فقال: ﴿واصطنعتك لنفسى﴾ أى: وجعلتك محل
صنيعتى وإحسانى ، حيث اخترتك واصطفيتك لحمل رسالتى وتبليغها إلى فرعون وقومه ، وإلى
قومك بنى إسرائيل .
فالآية الكريمة تكريم عظيم لموسى - عليه السلام - اختاره الله - تعالى - واجتباه من
بين خلقه لحمل رسالته إلى فرعون وبنى إسرائيل .
هذه ثمانى منن ساقها الله - تعالى - هنا مجملة ، وقد ساقها - سبحانه - فى سورة
القصص بصورة أكثر تفصيلا ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن
أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من
( ١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٧٩ وما بعدها .
١٠٦
المجلد التاسع
المرسلين * فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا
خاطئين * وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم
(١) .
لا يشعرون ﴾
وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض المنن التى امتن بها على نبيه موسى - عليه السلام -
أتبع ذلك بذكر بعض التوجيهات التى أمره بفعلها ، حيث كلفه بتبليغ الدعوة إلى فرعون ،
فقال - تعالى - :
أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِئَايَتِ وَلَاَنَنِيَا
فِى ذِكْرِى ﴿) اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى { فَقُولَا لَهُ فَوْلا ◌َِّنًا
لَعَلَّهُ يَنَّذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ قَالَ رَبَّنَا إِنَّنَا فَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَاً
أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾ قَالَ لَا تَخَافً إِنَّفِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
، فَأَنْيَاهُ فَقُولَا إِنَّارَسُولَاَرَبِّكَ فَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ
٤٦
وَلَا تُعَذِّبْهُمِّ قَدِْثْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنْ أَّبَعَ
اٌلْهُدَىَةِ ﴿ إِنَّا قَدْ أُوْحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّب
٤٨
وتولى
وقوله - سبحانه - ﴿ولا تنيا ﴾ فعل مضارع مصدره الونى - بفتح الواو وسكون
النون - بمعنى الضعف والفتور والتراخى فى الأمر .
يقال : ونى فلان فى الأمر ينى ونيا - كوعد يعد وعدا - إذا ضعف وتراخى فى فعله .
وقوله : ﴿ أخوك ﴾ فاعل لفعل محذوف . أى : وليذهب معك أخوك.
والمراد بالآيات : المعجزات الدالة على صدق موسى - عليه السلام - ، وعلى رأسها
عصاه التى ألقاها فإذا هى حية تسعى ، ويده التى ضمها إلى جناحه فخرجت بيضاء من غير
سوء .
(١ ) سورة القصص الآيات من ٧ - ٩ .
٦
١٠٧
سورة طه
والمعنى : اذهب يا موسى أنت وأخوك إلى حيث آمركما متسلحين بآياتى ومعجزاتى ، ولا
تضعفا أو تتراخيا فى ذكرى وتسبيحى وتقديسى بما يليق بذاتى وصفاتى من العبادات والقربات .
فإن ذكركما لى هو عدتكما وسلاحكما وسندكما فى كل أمر تقدمان عليه .
فالآية الكريمة تدعو موسى وهارون ، كما تدعو كل مسلم فى كل زمان ومكان إلى المداومة
على ذكر الله - تعالى - فى كل موطن ، بقوة لا ضعف معها وبعزيمة صادقة لافتور فيها ولا
كلال .
وقد مدح - سبحانه - المداومين على تسبيحه وتحميده وتقديسه فى كل أحوالهم فقال :
﴿إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ، الذين
يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ﴾(١) .
قال صاحب الكشاف : قوله ﴿ ولا تنيا فى ذكرى ﴾ الونى: الفتور والتقصير. أى
لا تنسيانى ولا أزال منكما على ذكر حيث تقلبتما ، واتخذا ذكرى جناحا تصيران به مستمدين
بذلك العون والتأييد منى ، معتقدين أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكرى . ويجوز أن
يريد بالذكر تبليغ الرسالة ، فإن الذكر يقع على سائر العبادات ، وتبليغ الرسالة من أجلها
وأعظمها فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر .. (٢) .
وقال ابن كثير: والمراد بقوله ﴿ ولا تنيا فى ذكرى﴾ أنهما لا يفتران فى ذكر اللّه، بل
يذكران الله فى حال مواجهة فرعون ، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما . وسلطانا
كاسرا له، كما جاء فى الحديث ((إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو مناجز قرنه))(٣).
ثم أرشدهما - سبحانه - إلى الوجهة التى يتوجهان اليها فقال: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه
طغى ﴾ .
أى : اذهبا إلى فرعون لتبلغاه دعوتى ، ولتأمراه بعبادتى ، فإنه قد طغى وتجاوز حدوده ،
وأفسد فى الأرض ، وقال لقومه : أنا ربكم الأعلى . وقال لهم - أيضا - ما علمت لكم من إله
غيرى .
قال الجمل : وقوله: ﴿اذهبا إلى فرعون﴾ جمعهما فى صيغة أمر الحاضر مع أن هارون لم
يكن حاضرا محل المناجاة بل كان فى ذلك الوقت بمصر - للتغليب فغلب الحاضر على غيره ،
وكذا الحال فى صيغة النهى . أى: قوله ﴿ولا تنيا﴾ روى أنه - تعالى - أوحى إلى هارون
(١) سورة آل عمران الآيتان ١٩٠، ١٩١.
(٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٥ .
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢٨٧ .
١٠٨
المجلد التاسع
وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليه السلام - وقيل: سمع بإقباله فتلقاه .. (١).
وقوله - تعالى -: ﴿ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ إرشاد منه - سبحانه -
إلى الطريقة التى ينبغى لها أن يسلكاها فى مخاطبة فرعون .
أى : اذهبا اليه ، وادعواه إلى ترك ما هو فيه من كفر وطغيان ، وخاطباه بالقول اللين ،
وبالكلام الرقيق . فإن الكلام السهل اللطيف من شأنه أن يكسر حدة الغضب ، وأن يوقظ
القلب للتذكر ، وأن يحمله على الخشية من سوء عاقبة الكفر والطغيان .
وهذا القول اللين الذى أمرهما الله - تعالى - به هنا قد جاء ما يفسره فى آيات أخرى ،
وهى قوله - تعالى -: ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى . فقل هل لك إلى أن تزكى ، وأهديك
إلى ربك فتخشى .. ﴾ .
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على ألطف أساليب المخاطبة وأرقها وألينها
وأحكمها .
قال ابن كثير : قوله ﴿فقولا له قولا لينا ... ﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهى أن
فرعون كان فى غاية العتو والاستكبار ، وموسى كان صفوة اللّه من خلقه إذ ذاك ، ومع هذا أمر
أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين كما قال يزيد الوقاشى عند قراءته لهذه الآية : يا من
يتحبب إلى من يعاديه ، فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟ .
والحاصل أن دعوتها له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل ، ليكون أوقع فى النفوس وأبلغ
وأنجع ، كما قال - تعالى -: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتى
هى أحسن .. ﴾(٢).
والترجى فى قوله - تعالى -: ﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ على بابه إلا أنه يعود إلى موسى
وهارون .
أى: اذهبا إليه ، وألينا له القول، وباشرا الأمر معه مباشرة من يرجو ويطمع فى نجاح
سعيه ، وحسن نتيجة قوله .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : والترجى لهما أى : اذهبا على رجائكما
وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر عمله فهو يجتهد بطوقه ، ويحتشد - أى -
يستعد ويتأهب - بأقصى وسعه، وجدوى إرسالهما إليه مع العلم أنه لن يؤمن ، إلزام الحجة ،
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٩٣ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢٨٨ .
١٠٩
سورة طه
وقطع المعذرة ، كما قال - تعالى - : ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا
أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ﴾(١) .
ويرى بعضهم أن الترجى هنا للتعليل . أى : فقولا له قولا لينا لأجل أن يتذكر أو يخشى .
قال الآلوسى: قال الفراء: ((لعل)) هنا بمعنى كى التعليلية .. وعن الواقدى : أن جميع
ما فى القرآن من (لعل)) فإنها للتعليل ، إلا قوله - تعالى - ﴿وتتخذون مصانع لعلكم
تخلدون﴾ فإنها للتشبيه أى: كأنكم تخلدون (٢).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله موسى وهارون عندما أمرهما - جل جلاله - بذلك فقال :
قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ﴾ .
أى : قال موسى وهارون بعد أن أمرهما ربهما بالذهاب إلى فرعون لتبليغه دعوة الحق :
ياربنا إننا نخاف ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أى يعاجلنا بالعقوبة قبل أن ننتهى من الحديث معه فى
الأمر .
يقال : فرط فلان على فلان يفرط إذا عاجله بالعقوبة وأذاه بدون تمهل ، ومنه قولهم :
فرس فارط ، أى سابق لغيره من الخيل .
أو أن يطغى ﴾ أى يزداد طغيانه ، فيقول فى حقك ياربنا مالا نريد أن نسمعه ، ويقول
فى حقنا ما نحن برءاء منه ، ويفعل معنا ما يؤذينا .
وقد جمع - سبحانه - بين القولين اللذين حكاهما عنهما ، لأن الطغيان أشمل من
الإفراط ، إذ الجملة الأولى تدل على الإسراع بالأذى لأول وهلة ، أما الثانية فتشمل الإِسراع
بالأذى ، وتشمل غيره من ألوان الاعتداء سواء أكان فى الحال أم فى الاستقبال .
وهنا يجيبهما الخالق - جل وعلا - بما يثبت فؤداهما، ويزيل خوفهما فقال: ﴿ لا تخافا
إنى معكما أسمع وأرى ﴾ .
أى: قال الله - تعالى - لهما لا تخافا من بطش فرعون، إننى معكما بقوتى وقدرتی
ورعايتى ، وإننى أسمع كلامكما وكلامه ، وأرى فعلكما وفعله . لا يخفى على شىء من حالكما
وحاله ، فاطمئنا أننى معكما بحفظى ونصرى وتأييدى ، وأن هذا الطاغية ناصيته بيدى ، ولا
يستطيع أن يتحرك أو يتنفس إلا بإذنى ...
ثم رسم لهما - سبحانه - طريق الدعوة فقال: ﴿ فأتياه فقولا إنا رسولا ربك .. ﴾.
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٥ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٩٥ .
١١٠
المجلد التاسع
أى : فأتيا فرعون ، وادخلا عليه داره أو مكان سلطانه ، وقولا له بلا خوف أو وجل
إنا رسولا ربك ﴾ الذى خلقك فسواك فعدلك .
وكان البدء بهذه الجملة لتوضيح أساس رسالتهما ، ولإِحقاق الحق من أول الأمر ،
ولإِشعاره منذ اللحظة الأولى بأنهما قد أرسلهما ربه وربهما ورب العالمين ، لدعوته إلى الدين
الحق ، وإلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وإلى التخلى عن الكفر والطغيان . وأنها لم
يأتياه بدافع شخصى منهما وإنما أتياه بتكليف من ربه ورب العالمين .
أما الجملة الثانية التى أمرهما الله - تعالى - أن يقولاها لفرعون فقد حكاها - سبحانه -
بقوله : ﴿ فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم ﴾ أى: فأطلق سراح بنى إسرائيل ، ودعهم
يعيشون أحرارا فى دولتك ولا تعذبهم باستعبادهم وقهرهم ، وقتل أبنائهم ، واستحياء نسائهم .
قال - تعالى -: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، يذبحون
أبناءكم ويستحيون نساءكم ، وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾(١) .
قال الآلوسى : والمراد بالإِرسال : إطلاقهم من الأسر ، وإخراجهم من تحت يده العادية ،
لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام، كما ينبىء عنه قوله - سبحانه - ﴿ ولا تعذبهم ﴾
أى : بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب ، فإنهم كانوا تحت سيطرة القبط ، يستخدمونهم
فى الأشغال الشاقة كالحفر والبناء .. (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿ قد جئناك بآية من ربك ﴾ جملة ثالثة تدل على صدقها فى
رسالتها .
والمراد بالآية هنا : جنسها ، فتشمل العصا واليد وغيرهما من المعجزات التى أعطاها الله
- تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - .
أى : قد جئناك بمعجزة من ربك تثبت صدقنا ، وتؤيد مدعانا ، وتشهد بأنا قد أرسلنا الله
- تعالى - إليك لهدايتك ودعوتك أنت وقومك إلى الدخول فى الدين الحق .
فالجملة الكريمة تقرير لما تضمنه الكلام السابق من كونهما رسولين من رب العالمين ، وتعليل
لوجوب إطلاق بنى إسرائيل ، وكف الأذى عنهم .
أما الجملة الرابعة التى أمرهما الله - تعالى - بأن يقولاها لفرعون فهى قوله
- سبحانه - : ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾.
-
(١) سورة البقرة الآية ٤٩ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٩٨.
١١١
سورة طه
أى : وقولا له - أيضا - السلامة من العذاب فى الدارين لمن اتبع الهدى بأن آمن بالله
- تعالى - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .. .
فالسلام مصدر بمعنى السلامة ، وعلى بمعنى اللام . ويفهم من الآية الكريمة أن من لم يتبع
الهدى ، لا سلامة له ، ولا أمان عليه .
وفى هذه الجملة من الترغيب فى الدخول فى الدين الحق ما فيها ، ولذا استعملها النبى
- رَد - فى كثير من كتبه، ومن ذلك قوله - رب ◌ّله - فى رسالته إلى هرقل ملك الروم: بسم
الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم . سلام على من اتبع الهدى ..
ثم حكى - سبحانه - الجملة الخامسة التى أمر موسى وهارون أن يخاطبا بها فرعون
فقال: ﴿ إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ﴾.
أى : وقولا له ﴿ إنا قد أوحى إلينا﴾ من عند ربنا وخالقنا ﴿ أن العذاب ﴾ فى الدنيا
والآخرة ﴿ على من كذب﴾ بآياته وحججه - سبحانه - ﴿وتولى﴾ عنها. وأعرض عن
الاستجابة لها .
وبذلك نرى فى هذه الآيات الكريمة أسمى ألوان الدعوة إلى الحق وأحكمها ، فهى قد
بدأت بالأساس الذى تقوم عليه كل رسالة سماوية ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ وثنت ببيان أهم
ما أرسل موسى وهارون من أجله ، ﴿ فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم ﴾ وثلثت بإقامة
الأدلة على صدقهما ﴿قد جئناك بآية من ربك ﴾ وربعت بالترغيب والاستمالة ﴿والسلام
على من اتبع الهدى ﴾ .
ثم ختمت بالتحذير والترهيب من المخالفة ﴿ إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب
وتولى ﴾ .
وبعد أن غرس - سبحانه - الطمأنينة فى قلب موسى وهارون وزودهما بأحكم الوسائل
وأنجعها فى الدعوة إلى الحق .. أتبع ذلك بحكاية جانب من الحوار الذى دار بينهما وبين فرعون
بعد أن التقوا جميعا وجها لوجه فقال - تعالى - :
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ﴾ قَالَ رَبَّا الَّذِىّ أَعْطَى
كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَ هَدَى ٥) قَالَ فَمَابَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى
٥١
قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَرَبٍ فِ كِتَبِّ لَايَضِلُ رَبِوَلَايَنسَى
٥٢
١١٢
المجلد التاسع
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَا سُبُلًا وَأَنْزَ
مِنَ السَّمَآءِ مَاءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، أَزْوَجَا مِنِ تَبَاتٍ شَقّ ◌َ كُواْ
ـهَا
وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِى النُّعَى )
خَلَقْتَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُّكُمْ وَمِنْهَا مُخْرِ مُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥) وَلَقَدْ
أَرََّهُ ءَايَقِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ◌ْ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا
مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرَِكَ يَمُوسَى ﴿ فَلَنَأْنِيَتَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ،
فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُهُ فَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا
سُوَىٌ ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى
فَتَّوَلَّ فِرْعَوْنٌ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّأَ ))
٥٩
فقوله - تعالى - : ﴿ قال فمن ربكما ياموسى ﴾ حكاية لما قاله فرعون لموسى وهارون
- عليهما السلام - بعد أن ذهبا إليه ليبلغاه دعوة الحق كما أمرهما ربهما - سبحانه - .
ولم تذكر السورة الكريمة كيف وصلا إليه .. لأن القرآن لا يهتم بجزئيات الأحداث التى لا
تتوقف عليها العبر والعظات ، وإنما يهتم بذكر الجوهر واللباب من الأحداث .
والمعنى : قال فرعون لموسى وهارون بعد أن دخلا عليه . وأبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه :
من ربكما يا موسى الذى أرسلكما إلى ؟ .
وكأنه - لطغيانه وفجوره - لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه وخالقه .
﴿إنا رسولا ربك
كما قالا له قبل ذلك
وخص موسى بالنداء مع أنه وجه الخطاب إليهما لظنه أن موسى - عليه السلام - هو
الأصل فى حمل رسالة الحق اليه ، وأن هارون هو وزيره ومعاونه أو أنه لخبته ومكره ، تجنب
مخاطبة هارون لعلمه أنه أفصح لسانا من موسى - عليهما السلام - .
قال صاحب الكشاف : خاطب فرعون الاثنين ، ووجه النداء إلى أحدهما وهوموسى ، لأنه
١١٣
سورة طه
الأصل فى النبوة ، وهارون وزيره وتابعه ، ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته - أى فسقه - على
استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه ، لما عرف من فصاحة هارون والرَّتة فى لسان موسى ،
ويدل عليه قوله : ﴿ أم أنا خير من هذا الذى هومهين ولا يكاد يبين﴾(١) .
ولاشك أن ما حكاه الله - تعالى - عن فرعون من قوله ﴿ من ربكما يا موسى ﴾ يدل
على نهاية الغرور والفجور والجحود ، وشبيه بذلك قوله : - سبحانه - حكاية عنه : ﴿وقال
فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى ... ﴾ (٢)
وقوله - تعالى -: ﴿ فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ﴾.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن موسى قد رد على فرعون ردا يخرسه ويكبته فقال :
قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ﴾ .
وقوله ﴿ خلقه) مصدر بمعنى اسم المفعول، وهو المفعول الثانى لقوله ﴿أعطى ﴾
والمفعول الأول قوله : ﴿ كل شىء﴾.
وللعلماء فى تفسير هذه الآية الكريمة اتجاهات يؤيد بعضها بعضا ، منها ما يراه بعضهم من أن
معنى الآية الكريمة :
١ - قال موسى فى رده على فرعون: يا فرعون ربنا وربك هو الله الواحد الأحد الفرد
الصمد ، الذى أعطى كل مخلوق من مخلوقاته ، وكل شىء من الأشياء ، الصورة التى تلائمه ،
والهيئة التى تتحقق معها منفعته ومصلحته ، ثم هداه إلى وظيفته التى خلقه من أجلها ، وأمده
بالوسائل والملكات التى تحقق هذه الوظيفة .
وثم فى قوله ﴿ ثم هدى﴾ للتراخى فى الرتبة ، إذ اهتداء المخلوق إلى وظيفته مرتبة تعلو
كثيرا عن خلقه دون أن يفقه شيئا .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((أعطى كل شىء صورته وشكله الذى
يطابق المنفعة المنوطة به ، كما أعطى العين الهيئة التى تطابق الإِبصار ، والأذن الشكل الذى
يوافق الاستماع ، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان ، كل واحد منها مطابق لما علق به من
المنفعة غير ناب عنه .
﴿ ثم هدى ﴾ أى: عرفه كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه ولله در هذا
الجواب ، وما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ، ونظر بعين الإِنصاف وكان طالبا
للحق(٣) .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٧ .
(٢) سورة القصص الآية ٣٨.
(٣) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٧ .
١١٤
المجلد التاسع
٢ - ومنهم من يرى أن المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا الذى أعطى كل شىء نظير
خلقه فى الصورة والهيئة ، كالذكور من بنى آدم ، أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجا ،
وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها فى صورتها وهيئها من الإناث أزواجا .. ثم هدى
الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب ووسائل التناسل .
وقد صدر الإِمام ابن جرير تفسيره للآية بهذا المعنى فقال ما ملخصه : وقوله : ﴿ قال ربنا
الذى أعطى كل شىء خلقه ﴾ يعنى نظير خلقه فى الصورة والهيئة .. ثم هداهم للمأتى الذى منه
النسل والنماء كيف يأتيه ، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك(١) .
٣ - ويرى بعضهم أن: المعنى أعطى كل شىء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه .
٤ - ومنهم من يرى أن قوله ﴿خلقه﴾ هو المفعول الأول لأعطى، وأن قوله ﴿كل
شىء﴾ هو المفعول الثانى فيكون المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا الذى أعطى الخلائق كل
شىء يحتاجون إليه ، ثم هداهم الى طريق استعماله والانتفاع به .
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذه المعانى جميعها لأنه - سبحانه - هو الذى أعطى خلقه
كل شىء يحتاجون إليه فى معاشهم ، ثم هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم، كما أعطى كل
نوع من أنواع خلقه الصورة التى تناسبه ، والشكل الذى يتناسب مع جنسه ﴿صنع الله الذى
أتقن كل شىء ... ﴾ .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله فرعون لموسى : ﴿ قال فما بال القرون
الأولى ﴾ .
والبال فى الأصل : الفكر . تقول : خطر ببالى كذا ، أى: بفكرى وعقلى ، ثم أطلق على
الحال التى يهتم بشأنها ، وهذا الإِطلاق هو المراد هنا .
أى : قال فرعون بعد أن رد عليه موسى هذا الرد الحكيم : يا موسى فما حال القرون
الأولى ، كقوم نوح وعاد وثمود .. الذين كذبوا أنبياءهم ، وعبدوا غير الله - تعالى - الذى
تدعونى لعبادته ؟ .
وسؤاله هذا يدل على خبثه ومكره ، لأنه لما سمع من موسى الجواب المفحم له على سؤاله
السابق ﴿ من ربكما يا موسى ﴾ أراد أن يصرف الحديث إلى منحى آخر يتعلق بأمور لاصلة
لها برسالة موسى إليه وهى دعوته لعبادة الله - تعالى - وحده ، وإطلاق سراح بنى إسرائيل
من الأسر .
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ١٣١.
١١٥
سورة طه
ولذا رد عليه موسى - عليه السلام - بما يخرس لسانه ، ويبطل كيده ، فقال - كما حكى
القرآن عنه - ﴿ علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى ﴾.
أى : علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربى وحده فى كتاب هو اللوح المحفوظ ،
وهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء من حالهم ، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو
عقاب .
وقوله : ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى﴾ مؤكد لما قبله. أى: لا يخطىء ربى فى علمه، ولا
ينسى شيئا مما علمه لأنه منزه عن ذلك ، فالضلال هنا بمعنى الخطأ وقلة الإِدراك .
وجمع - سبحانه - بين نفى الضلال والنسيان ، لإفادة تنزهه عن أن يغيب شىء من أحوال
هذا الكون عن علمه الشامل لكل شىء ، ولبيان أن علمه باق بقاء أبديا لا نسيان معه ، ولا
زوال له .
ثم بين له آثار علم الله - تعالى - وقدرته فقال: ﴿ الذى جعل لكم الأرض مهدا .. ﴾.
أى : هو - سبحانه - الذى جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش ، ليتسنى لكم الانتفاع
بخيراتها ، وقرأ الأكثرون من السبعة ، ﴿ مهادا﴾ أى : فراشا. والمهاد فى الأصل ما يمهد
للصبى لينام عليه .
وسلك لكم فيها سبلا ﴾ والسلك: الإدخال . أى: وجعل لكم فى داخلها طرقا
تنتقلون فيها من مكان إلى مكان ، ومن بلدة إلى أخرى ، لقضاء مصالحكم .
وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى﴾ والازواج : الأصناف .
أى : وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء نافعا كثيرا فأخرجنا بسبب هذا الماء من
الأرض أصنافا شتى - أى متفرقة - من النبات ، وهذه الأصناف مختلفة المنافع والألوان
والطعوم والروائح ، مما يدل على كمال قدرتنا ، ونفاذ إرادتنا .
وفى قوله ﴿ فأخرجنا ﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم، للتنبيه على عظم
شأن هذا الإِخراج ، وأثره الكبير فى حياة الناس .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أربع منن قد امتن الله بها على عباده ،
وهى : تمهيد الأرض ، وجعل الطرق فيها ، وإنزال المطر من السماء ، وإخراج النبات المتنوع
من الأرض .
وهذه المنن وإن كانت ظاهرة وواضحة فى جميع فجاج الأرض ، إلا أنها أظهر ما تكون
وأوضح ما تكون فى أرض مصر التى كان يعيش فيها فرعون حيث تبدو الأرض فيها منبسطة
١١٦
المجلد التاسع
ممهدة على جانبى النيل الممتد امتدادا كبيرا .
وكان الأجدر بفرعون - لو كان يعقل - أن يخلص العبادة لواهب هذه المنن ، ومسدى
هذه النعم ، وهو الله رب العالمين .
والأمر فى قوله - سبحانه -: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ للإِباحة.
أى : هذه الأرض وما اشتملت عليه من طرق ومن نبات شتى هى لمنفعتكم ومصلحتكم ،
فكلوا - أيها الناس - من هذه الثمار المتنوعة التى انشقت عنها الأرض ، وارعوا أنعامكم من
إبل وبقر وغنم فى المكان الصالح للرعى من هذه الأرض ، واشكروا الله - تعالى - على هذه
النعم لكى يزيدكم منها .
واسم الإشارة فى قوله ﴿إن فى ذلك لآيات لأولى النهى ﴾ يعود إلى المذكور من تلك النعم
السابقة .
و﴿ النهى﴾ جمع نهية - بضم النون وإسكان الهاء - وهى العقل. سمى بذلك لأنه ينهى
صاحبه عما لا يليق . تقول العرب : نهو الرجل - ككرم - إذا كملت نهيته ، أى عقله .
والمعنى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من نعمة تمهيد الأرض ، وجعل الطرق فيها : وإنزال
المطر عليها ، وإخراج النبات منها .. إن فى كل ذلك لآيات وعظات وعبر ، لأصحاب العقول
السليمة ، والأفكار القويمة .
ثم بين - سبحانه - أن هذه الأرض منها خلق الإِنسان ، واليها يعود ، ومنها يبعث
الحساب يوم القيامة ، فقال - تعالى -: ﴿ منها خلقناكم ، وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة
أخرى ﴾ .
والضمير فى (( منها ، وفيها)) يعود إلى الأرض المذكورة قبل ذلك فى قوله - تعالى - :
الذى جعل لكم الأرض مهدا .. ﴾ والتارة : بمعنى المرة .
أى: من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم ، وأنتم تبع له ، وفرع عنه ، كما قال - تعالى - :
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾.
وقوله: ﴿وفيها نعيدكم﴾ أى: وفى الأرض نعيدكم عند موتكم، حيث تكون محل
دفنكم واستقرار أجسادكم .
وقوله : ﴿ ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴾ أى: ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى أحياء
يوم القيامة ، للحساب والجزاء .
قال - تعالى -: ﴿ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون * يوم
١١٧
سورة طه
(١)
يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون
وقال - سبحانه - : ﴿ ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا
ياويلنا من بعثنا من مرقدنا ، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾(٢).
قال ابن كثير : وهذه الآية كقوله - تعالى - : ﴿ قال فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها
تخرجون
(٣) .
وفى الحديث الذى فى السنن أن رسول الله - * - حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة
من التراب فألقاها فى القبر ثم قال: ((منها خلقناكم)) ثم أخذ أخرى وقال: ((وفيها
نعيدكم)) ثم أخرى وقال: ((ومنها نخرجكم تارة أخرى)) (٤).
وقوله - تعالى -: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ﴾ بيان للموقف الجحودى
الذى وقفه فرعون من الحجج والمعجزات التى طرحها أمامه موسى - عليه السلام - .
وأريناه : من الرؤية البصرية المتعدية إلى مفعول واحد فلما دخلت عليها الهمزة تعدت إلى
اثنين أولهما الهاء والثانى آياتنا .
والإِضافة فى ﴿ آياتنا﴾ قائمة مقام التعريف العهدى. أى: آياتنا المعهودة لموسى، والتى
على رأسها اليد والعصا .
والمعنى : ولقد أرينا فرعون بعينيه آياتنا كلها الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق نبينا
موسى ، فكانت نتيجة ذلك أن كذب بها ، وأبى أن يستجيب للحق ..
كما قال - تعالى -: ﴿وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ﴾ (٥)
٠
وكما قال - سبحانه -: ﴿ فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ﴾(١).
والآية الكريمة تؤكد جحود فرعون وطغيانه بجملة من المؤكدات ، وهى لام القسم ، وقد ،
والرؤية البصرية، ولفظ (( كل)) الدال على الشمول والإِحاطة.
والفاء فى قوله ﴿ فكذب﴾ للتعقيب، أى: فكذب بدون تريث أو تمهل.
والمفعول محذوف . أى : فكذب الآيات أو فكذب موسى بدون تردد أو تأخير .
والتعبير بقوله ﴿ فكذب وأبى ﴾ لزيادة ذمه وتحقير شأنه . لأنه لم يكتف بالتكذيب بل
أضاف إلى ذلك الامتناع عن قبول الآيات ، والجحود لها ، والتعالى على من جاء بها كما ينبىء
(١) سورة المعارج الآيتان ٤٢، ٤٣ .
(٢) سورة يس الآيتان ٥١، ٥٢ .
( ٣) سورة الأعراف الآية ٢٥ .
(٤) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢٩٢ .
(٥) سورة الأعراف الآية ١٣٢.
( ٦) سورة الزخرف الآية ٤٧ .
١١٨
المجلد التاسع
عنه قوله : - تعالى - بعد ذلك : ﴿ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ﴾
أى : قال فرعون لموسى على سبيل التهديد والوعيد : يا موسى أجئتنا من المكان الذى
هربت إليه ، ومعك هذه الآيات التى رأيناها ، لكى تخرجنا من أرضنا التى عشنا فيها وهى
أرض مصر بسبب ما أظهرته أمامنا من سحر وخفة يد .
وسمى اللعين ما جاء به موسى - عليه السلام - من معجزات سحرا ، ليزيل من أذهان
قومه أثر هذه المعجزات الباهرة .
وقال : ﴿ لتخرجنا من أرضنا ﴾ ليحمل أتباعه على الوقوف فى وجه موسى بإبراز أن
موسى جاء ليحتل أرضهم ، ويحوز أموالهم ، ويجعل السلطان لغيرهم .
وقد تكرر هذا المعنى فى آيات كثيرة منه قوله - تعالى - : ﴿ قال للملأ حوله إن هذا
الساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ، وتكون لكما الكبرياء
(٢)
فى الأرض ، وما نحن لكما بمؤمنين
ثم أضاف فرعون إلى تهديده لموسى تهديدا آخر فقال: ﴿ فلنأتينك بسحر مثله ، فاجعل
بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى
وقوله : ﴿ فلنأتينك ... ﴾ جواب لقسم محذوف . أى: والله لنأتينك بسحر مثله ..
قال الجمل: وقوله: ﴿موعدا﴾ يجوز أن يكون زمانا، ويرجحه قوله: ﴿ قال موعدكم
يوم الزينة ﴾ .
والمعنى: عين لنا وقت اجتماع: ولذلك أجابهم بقوله: ﴿موعدكم يوم الزينة ) ويجوز أن
يكون مكانا ، والمعنى : بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت فنأتيه ، وهذا يؤيده قوله :
مكانا سوى
.
ويجوز أن يكون مصدرا ، ويؤيد هذا قوله ﴿لا نخلفه نحن ولا أنت﴾ لأن المواعدة
توصف بالخلف وعدمه (٣) .
وقوله : ﴿ لا نخلفه﴾ من الإِخلاف بمعنى عدم إنجاز الوعد .
وقوله : ﴿ سوى﴾ قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين، وقرأه الباقون بالكسر
ومعنى القراءتين واحد .
(١) سورة الشعراء الآيتان ٣٤، ٣٥.
(٢) سورة يونس الآية ٧٨ .
( ٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٩٧ .
١١٩
سورة طه
وأصله من الاستواء . يقال : مكان سوى وسواء . أى : عدل ووسط ، بحيث يستوى
طرفاه بالنسبة للفريقين .
أى : قال فرعون لموسى مهددا ومتوعدا : أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ،
والله لنأتينك بسحر مثل سحرك ، فاجعل بيننا وبينك موعدا للمباراة والمنازلة ، لا نخلف نحن
ولا أنت هذا الموعد ، وأن يكون مكان منازلتنا لك فى مكان يتوسط المدينة ، بحيث يستطيع
جميع سكانها أن يحضروا إليه .
والمتأمل فى الآية الكريمة يرى أن فرعون قد قال ما قال لموسى وهو كأنه قد جمع أطراف
النصر بين يديه .
ويشهد لذلك : تصديره كلامه بالقسم ﴿ فلنأتينك .. ﴾ وتركه لموسى اختيار الموعد الذى
يناسبه ﴿ فاجعل بيننا وبينك موعدا﴾ واشتراطه عدم الخلف فى الوعد ﴿ لا نخلفه نحن ولا
أنت ) واقتراحه أن يكون مكان المبارزة فى وسط المدينة ، حتى يراها جميع الناس ﴿ مكانا
سوى﴾ .
ولقد حكى القرآن أن موسى - عليه السلام - قد قيل تحدى فرعون ، ورد عليه يقول :
قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ﴾ .
والمراد بيوم الزينة : يوم كانوا يتزينون فيه ، ويجتمعون فيه ، لأنه يوم عيد لهم .
قيل إنه كان يوم عاشوراء ، وقيل يوم النيروز .. .
أى : قال موسى لفرعون : موعد المنازلة بينى وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم ، وفى هذا
اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا فى وقت الضحى عند ارتفاع الشمس ، لكى يشهدوا
ما سيكون بينى وبين سحرتك يا فرعون .
وبذلك نرى أن موسى - عليه السلام - قد قابل تهديد فرعون له ، بتهديد أشد وأعظم ،
فقد طلب منه أن يكون موعد المبارزة يوم العيد ، كما طلب منه - أيضا - أن يجمع الناس فى
وقت الضحى لكى يشاهدوا تلك المباراة .
قال صاحب الكشاف : وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم ، ليكون علو كلمة اللّه ، وظهور
دينه ، وكبت الكافر ، وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفى المجمع الغاص لتقوى رغبة من
رغب فى اتباع الحق ، ويكل حد المبطلين وأشياعهم ، ويكثر الحديث بذلك فى كل بدو وحضر ،
ويشيع فى جميع أهل الوبر والمدر(١).
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٧١ .
١٢٠
المجلد التاسع
ثم حكى القرآن ما كان من فرعون بعد أن حدد موسى - عليه السلام - موعد المبارزة
فقال: ﴿ فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ﴾ .
أى : وبعد أن استمع فرعون إلى موسى ، انصرف من المجلس ، وولى مدبرا ﴿ فجمع
کیده ﴾
أى : فجمع كبار سحرته من أطراف مملكته ﴿ ثم أتى ﴾ بهم فى الموعد المحدد ، ليتحدى
موسى - عليه السلام - .
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من المحاورات التى دارت
بين موسى وفرعون ، وأرتنا كيف واجه موسى طغيان فرعون وغروره ، برباطة جأش ، وقوة
إرادة ، ومضاء عزيمة ..
ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عما دار بين موسى والسحرة من محاورات . انتهت
بإيمانهم واعترافهم بالحق الذى جاء به موسى من عند ربه ، قال - تعالى - :
قَالَ لَهُم
مُوسَى وَيْلَكُمْ لَتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبَا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ
وَقَدْ خَابَ مَنِ آَفْتَرَىْ ﴿﴿ فَزَعُواْأَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ
النَّجْوَى ) قَالُوَاْإِنْ هَذَانِ لَسَحِزَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم
مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِخْرِهِمَا وَبَذْ هَبَا بِطَرِيِقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) فَأَ جِعُواْ
٦٤
كَيْدَكُمْ ثُمَ أَقْتُواْ صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى
قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٥) قَالَ
بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَاِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْأََّ تَمْعَى
﴾ فَأَوْجَسَ فِ نَفْسِهِ، خِيفَةٌ مُوسَى (®) قُلْنَا لَا تَّخَفْ إِنَّكَ
أَنْتَ الْأَعْلَى (٦) وَأَلْقِ مَا فِ يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُوْ إِنَّمَا صَنَعُواْ