Indexed OCR Text

Pages 81-100

بِسْم اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ
شرمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ومن والاه .
أما بعد: فهذا تفسير لسورة ((طه)) يأتى فى أعقاب تفاسير أخرى ، لسور أخرى ...
أسأل الله - تعالى - أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده . وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
٢٢ من شوال سنة ١٤٠٤ هـ ٧/٢٢/ ١٩٨٤ م
المؤلف
د . محمد سيد طنطاوى

٨٣
مقدمة
تعريف بسورة طه
١ - سورة ((طه)) من السور المكية. وكان ترتيبها فى النزول بعد سورة مريم.
قال الآلوسى: ((وتسمى - أيضا - بسورة الكليم .. وآياتها - كما قال الدانى - مائة
وأربعون آية عند الشاميين ومائة وخمس وثلاثون عند الكوفيين ، ومائة وأربع وثلاثون عند
الحجازيين ))(١) .
وقال القرطبى: (( سورة طه - عليه السلام - مكية فى قول الجميع ، نزلت قبل إسلام
عمر - رضى الله عنه - ، فقد قيل له: إن ختنك وأختك قد صَبَوا - أى : دخلا فى
الإِسلام - فأتاهما وعندهما رجل من المهاجرين .. يقال له : خباب وكانوا يقرءون
((طه)) .. )) (١) .
٢ - وقد افتتحت السورة الكريمة بخطاب النبى - ريل18 - وببيان وظيفته ، وببيان سمو
منزلة القرآن الكريم : الذى أنزله عليه ربه الذى له ما فى السموات وما في الأرض وما بينهما
وما تحت الثرى .
قال - تعالى -: ﴿طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا
ممن خلق الأرض والسموات العلا. الرحمن على العرش استوى ... ﴾ .
٣ - ثم فصلت السورة الكريمة الحديث عن قصة موسى - عليه السلام - فبدأت بنداء
الله - تعالى - له ، وباختياره لحمل رسالته . ثم تحدثت عن تكليفه - سبحانه - لموسى ،
بالذهاب إلى فرعون ..
قال - تعالى -: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لى صدرى. ويسر لى
أمرى . واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى . واجعل لى وزيرا من أهلى . هارون أخى .
اشدد به أزرى . وأشركه فى أمرى﴾ .
٤ - ثم حكت السورة ما دار بين موسى وبين فرعون من مناقشات ومجادلات ، وكذلك
ما دار بين موسى وبين السحرة الذين جمعهم فرعون لمنازلة موسى - عليه السلام - وكيف أن
السحرة انتهى أمرهم بالإِيمان ، وبقولهم لفرعون: ﴿ لن تؤثرك على ما جاءنا من البينات
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٤٧ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٦٣ .
٠

٨٤
المجلد التاسع
والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا . إنا آمنا بربنا ليغفر لنا
خطايانا ، وما أكرهتنا عليه من السحر ، والله خير وأبقى ﴾ .
٥ - ثم بينت السورة الكريمة ما فعله بنو إسرائيل فى غيبة موسى عنهم ، وكيف أن
السامرى قد أضلهم بأن جعلهم يعبدون عجلا له خوار ... وكيف أن موسى رجع إليهم غضبان
أسفا .. فحطم العجل وأحرقه وألقاه فى اليم وهو يقول: ﴿ إنما إلهكم الله الذى لا إله هو وسع
كل شىء علما ﴾ .
٦ - وبعد أن فصلت السورة الكريمة الحديث عن قصة موسى - عليه السلام - عقبت
على ذلك ببيان وظيفة القرآن الكريم ، وببيان جانب من أهوال يوم القيامة ، وسوء عاقبة
الكافرين ، وحسن عاقبة المؤمنين .
قال - تعالى -: ﴿وعنت الوجوه للحمى القيوم وقد خاب من حمل ظلما. ومن يعمل من
الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ﴾ .
٧ - ثم ساقت السورة فى أواخرها جانبا من قصة آدم ، فذكرت سجود الملائكة له ،
ونسيانه لأمر ربه، وقبول الله - تعالى - لتوبة آدم بعد أن وسوس له الشيطان بما
وسوس .. .
قال - تعالى -: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما . وإذ قلنا
للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى . فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا
يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ .
٨ - ثم ختمت السورة الكريمة بأمر النبى - وَ - بالصبر وبالإكثار من ذكر الله
- تعالى - وبعدم التطلع إلى زهرة الحياة الدنيا ، وبأمر أهله بالصلاة . وبالرد على مزاعم
المشركين ، وبتهديدهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا على ضلالهم ..
قال - تعالى -: ﴿ قل كل متربص فتربصوا ، فستعلمون من أصحاب الصراط السوى
ومن اهتدى
٩ - هذا عرض إجمالى لأهم المقاصد التى اشتملت عليها سورة طه . ومن هذا العرض
نرى : أن القصة قد أخذت جانبا كبيرا منها . وكذلك الحديث عن القرآن الكريم وعن يوم
القيامة ، وعن أحوال الناس فيه .. قد تكرر فيها بأسلوب يهدى للتى هى أقوم ..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

٨٥
سورة طه
التفسير
قال الله - تعالى - :
بِسـ
ـمِ اللَّهِ الرَّمَنِالرَّحِيمِ
طه ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىَ إِلَّا نَذْكِرَةَ
لِّمَنْ يَخْشَى نِ، تَزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعَلَى
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى (٥) لَّهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى ◌ْ، وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوّلِ
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلََّّهُوَّلَهُ الْأَسْمَاءُ
اَلْحُسْنَو
٨
افتتحت السورة الكريمة بلفظ ﴿طه﴾، وهذا اللفظ أظهر الأقوال فيه أنه من الحروف
المقطعة التى افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم .
وقد بينا بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ،
ويونس ... آراء العلماء فى المقصود بهذه الحروف .
وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى
افتتاح بعض سور القرآن الكريم ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه والتعجيز لمن عارضوا فى كون
القرآن من عند الله - تعالى - ، أو فى كونه معجزة للنبى - 3 18 - دالة على صدقه فيما يبلغه
عن ربه .
وقيل : إن هذا اللفظ بمعنى يارجل فى لغة بعض قبائل العرب .. .
وقيل: إنه اسم للرسول - وَليه - أو للسورة .. إلى غير ذلك من الأقوال التى رأينا أن
نضرب عنها صفحا لضعفها(١).
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٤٨ .

٨٦
المجلد التاسع
وقوله - سبحانه -: ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . إلا تذكرة لمن يخشى﴾.
اسئناف مسوق لتسلية الرسول - عليه - عما أصابه من المشركين، والشقاء يأتى فى اللغة
بمعنى التعب والعناء، ومنه المثل القائل ((أشقى من رائض مهر)) أى: أتعب . ومنه قول أبى
الطيب المتنبى :
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم
أى: ما أنزلنا عليك القرآن - أيها الرسول الكريم - لكى تتعب وتجهد نفسك هما وغما
بسبب إعراض المشركين عن دعوتك ، كما قال - تعالى -: ﴿فلعلك باخع نفسك على
آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ .
وإنما أنزلناه إليك لتسعد بنزوله ، ولتبلغ آياته ، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .
ومنهم من يرى أن المقصود بالآية النهى عن المغالاة فى العبادة، فقد أثر عنه - وَلا - أنه
قام الليل حتى تورمت قدماه فيكون المعنى : ما أنزلنا عليك القرآن لكى تهلك نفسك بالعبادة ،
وتذيقها ألوان المشقة والتعب ، فإن الله - تعالى - يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ،
وما جعل عليكم فى الدين من حرج .
ومنهم من يرى أن الآية مسوقة للرد على المشركين ، الذين قالوا: ما أنزل هذا القرآن على
محمد -* - إلا ليشقى ، فيكون المراد بالشقاء ما هو ضد السعادة .
قال القرطبى ما ملخصه: ((وأصل الشقاء فى اللغة العناء والتعب ، أى: ما أنزلنا عليك
القرآن لتتعب ، بسبب فرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم .. أى : ما عليك إلا أن تبلغ
وتنذر . .
وروى أن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا للنبى - * - إنك لشقى لأنك تركت دين
آبائك ، فأريد الرد على ذلك بأن دين الإِسلام ، وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز،
والسبب فى درك كل سعادة ، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها .
وروى أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى بالليل حتى اسمندّت قدماه - أى : تورمت -
فقال له جبريل: أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ، أى : ما أنزلنا عليك القرآن لتنهك نفسك
فى العبادة ، وتزيقها المشقة الفادحة ، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة .. (١).
ويبدو لنا أن الآية الكريمة وإن كانت تتسع لهذه المعانى الثلاثة ، إلا أن المعنى الأول
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٦٨.

٨٧
سورة طه
أظهرها ، وأقربها إلى سياق الآيات الكريمة ، فإن قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ إلا تذكرة لمن
يخشى﴾ بيان للحكمة التى من أجلها أنزل الله - تعالى - هذا القرآن.
أى : ما أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب من فرط تأسفك على كفر الكافرين ، وإنما
أنزلناه من أجل أن يكون ﴿تذكرة﴾ أى موعظة تلين لها قلوب من يخشى عقابنا، ويخاف
عذابنا ، ويرجو ثوابنا .
وما دام الأمر كذلك فامض فى طريقك ، وبلغ رسالة ربك ، ثم بعد ذلك لا تتعب نفسك
بسبب كفر الكافرين ، فإنك لاتهدى من أحببت ولكن اللّه يهدى من يشاء .
وخص - سبحانه - التذكرة بمن يخشى دون غيره ، لأن الخائف من عذاب الله - تعالى -
هو وحده الذى ينتفع بهدايات القرآن الكريم وآدابه وتوجيهاته وأحكامه ووعده ووعيده .. كما
قال - تعالى -: ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ وكما قال - سبحانه -: ﴿إنما أنت
منذر من يخشاها ﴾ أى : الساعة .
ثم بين - سبحانه - مصدر القرآن الذى أنزله - تعالى - للسعادة لا للشقاء فقال :
تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى ﴾ .
وقوله ﴿ تنزيلا﴾ منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله ﴿ ما أنزلنا .. ). أى: نزل هذا
القرآن تنزيلا ممن خلق الأرض التى تعيشون عليها ، وممن خلق السموات العلى ، أى :
المرتفعة . جمع العليا ككبرى وكبر ، وصغرى وصغر .
ثم مدح - سبحانه - ذاته بقوله : ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ أى: الرحمن - عز
وجل - استوى على عرش ملكه استواء يليق بذاته بلا كيف أو تشبيه ، أو تمثيل .
قال الإِمام مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإِيمان به واجب ،
والسؤال عنه بدعة .
وقد ذكر لفظ العرش فى إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم .
قال بعض العلماء : (( أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة - ومنهم الأئمة
الأربعة - إلى أنه صفة لله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ؟ لاستحالة
اتصافه - تعالى - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه - تعالى - عما لا يليق به : ﴿ ليس
كمثله شىء وهو السميع البصير ﴾ وأنه يجب الإِيمان بها كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها
إليه - تعالى - .. (١) .
(١) تفسير صفوة البيان جـ ١ ص ٢٩٣ لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف.

٨٨
المجلد التاسع
ثم أكد - سبحانه - شمول ملكه وقدرته فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾
من كائنات وموجودات ملكا وتصرفا وإحياء وإماتة ، وله ﴿ ما بينها ﴾ من مخلوقات لا
يعلمها إلا هو وله ﴿ ما تحت الثرى﴾ والثرى: هو التراب الندى. يقال: ثريت الأرض
- كرضيت - إذا نديت ولانت بعد أن كانت جدباء يابسة .
والمقصود : وله - سبحانه - بجانب ما فى السموات وما فى الأرض وما بينهما ، ماوراء
الثرى وهو تخوم الأرض وطبقاتها إلى نهايتها .
وخص - سبحانه - ما تحت الثرى بالذكر ، مع أنه داخل فى قوله : ﴿ وما فى
الأرض ﴾ لزيادة التقرير ، ولتأكيد شمول ملكيته - سبحانه - لكل شىء .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ﴾ بيان لشمول علمه
بكل شىء ، بعد بيان شمول قدرته .
والجهر بالقول : رفع الصوت به . والسر : ما حدث به الإِنسان غيره بصورة خفية .
وأخفى أفعل تفضيل وتنكيره للمبالغة فى الخفاء .
والمعنى : وإن تجهر - أيها الرسول - بالقول فى دعائك أو فى مخاطبتك لربك ، فربك - عز
وجل - غنى عن ذلك ، فإنه يعلم ما يحدث به الإِنسان غيره سرا ، ويعلم أيضا ما هو أخفى
من ذلك وهو ما يحدث به الإِنسان نفسه دون أن يطلع عليه أحد من الخلق .
قال - تعالى -: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور . ألا يعلم من
خلق وهو اللطيف الخبير ﴾(١) .
وقال - سبحانه -: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه
﴾ (٢)
من حبل الوريد
ومنهم من يرى أن لفظ ﴿أخفى﴾ فعل ماض. فيكون المعنى: وإن تجهر بالقول فى ذكر
أو دعاء فلا تجهد نفسك بذلك فإنه - تعالى - يعلم السر الذى يكون بين اثنين ، ويعلم ما
أخفاه - سبحانه - عن عباده من غيوب لا يعلمها إلا هو ، ويعلم ما سيفعله الإِنسان من
أعمال فى المستقبل ، قبل أن يعلم هذا الإِنسان أنه سيفعلها .
قال الجمل : وقوله: ﴿ أخفى﴾ جوزوا فيه وجهين: أحدهما : أنه أفعل تفضيل . أى :
وأخفى من السر . والثانى: أنه فعل ماض . أى: وأخفى الله من عباده غيبه ، كقوله:
(١) سورة الملك الآيتان ١٣، ١٤.
(٢) سورة ق الآية ١٦.

٨٩
سورة طه
ولا يحيطون به علما ﴾ (١).
ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له فقال: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء
الحسنى ﴾ .
أى : هو الله - تعالى - وحده الذى يجب أن يخلص الخلق له العبادة والطاعة ولا أحد
غيره يستحق ذلك ، وهو صاحب الأسماء ﴿ الحسنى﴾ أى: الفضلى والعظمى، لدلالتها على
معانى التقديس والتمجيد والتعظيم والنهاية فى السمو والكمال .
وفى الحديث الصحيح عن النبى - ◌َلّم -: ((إن لله تسعة وتسعين اسما ، من أحصاها
دخل الجنة)).
قال - تعالى -: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون فى أسمائه
سيجزون ما كانوا يعملون ﴾(٢).
وقال - سبحانه -: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًّا ما تدعوا فله الأسماء
الحسنى .. ﴾ (٣).
ثم ساقت السورة الكريمة بشىء من التفصيل جانبا من قصة موسى ، التى تعتبر أكثر
قصص الأنبياء ورودا فى القرآن الكريم ، حيث جاء الحديث عنها فى سور: البقرة ، والمائدة .
والأعراف. ويونس . والإِسراء، والكهف ، والشعراء ، والقصص .
وقد بدأت السورة حديثها عن قصة موسى ببيان اختيار الله - تعالى - له لحمل رسالته ،
وتبليغ دعوته قال - تعالى - :
وَهَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ◌َ إِذْرَءَانَارًا
فَقَالَ لِأَهْلِهِآَمَّكُوْاْإِّ ءَانَسْتُ نَارَ إِلَّعَلِىْءَانِيَكُمْمِنْهَ بِقَبَسٍ
فَلَمَّآ أَنْتُهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ
١٠
وْأجدُ عَلَى النّارِهَدَى
إِّ أَنَاْرَبُّكَ فَأُخْلَعْ نَعْلَيَكٌ إِنَّكَ بِالْوَادِالْمُقَدَّسِ طُوَّى
١٢
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٨٢ .
(٢) سورة الأعراف الآية ١٨٠.
(٣) سورة الإسراء الآية ١١٠.

٩٠
المجلد التاسع
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿) إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ
فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ ﴿ إِنَّالسَّاعَةَ ءَانِيَةٌ
أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا تَسْعَى ◌َ﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ
١٦
عَنْهَا مَنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَآَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى
قال ابن كثير - رحمه الله -: ((من هاهنا شرع - تبارك وتعالى - فى ذكر قصة موسى ،
وكيف كان ابتداء الوحى إليه وتكليمه إياه ، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذى كان بينه
وبين صهره فى رعاية الغنم وسار بأهله ، قيل : قاصدا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر
من عشر سنين ، ومعه زوجته فأضل الطريق ، وكانت ليلة شاتية ، ونزل منزلا بين شعاب
وجبال ، فى برد وشتاء ، وسحاب وظلال وضباب ، وجعل يقدح بزند معه ليُورِى نارا ، كما
جرت العادة به ، فجعل لا يقدح شيئا ، ولا يخرج منه شرر ولا شىء ، فبينما هو كذلك ، إذ
آنس من جانب الطور نارا .
أى : ظهرت له نار من جانب الجبل الذى هناك عن يمينه ، فقال لأهله يبشرهم :
... امكثوا إنى آنست نارا لعلى آتيكم منها بقبس﴾ أى: شهاب من نار .. (١) .
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿وهل أتاك .. ﴾ لتقرير الخبر وتثبيته ، وهذا أبلغ
عن مجيئه بصورة الخبر المجرد . لأن فى الاستفهام التقريرى تطلع واشتياق لمعرفة الخبر .
والجملة الكريمة مستأنفة لتأكيد ما سبق الحديث عنه من وحدانية الله - تعالى - ولتسلية
الرسول - 18 - عما أصابه من قومه . ببيان جانب من جهاد أخيه موسى - عليه
السلام - .
والمعنى : لقد أتاك - أيها الرسول الكريم - خبر أخيك موسى ، وقت أن رآى نارا وهو
عائد ليلا من مدين إلى مصر ﴿فقال لأهله﴾ أى لامرأته ومن معها ﴿امكنوا ﴾ أى:
أقيموا فى مكانكم ولا تبرحوه حتى أعود إليكم .
وجملة ﴿ إنى آنست نارا﴾ تعليل للأمر بالمكوث، وآنست من الإِيناس بمعنى الإبصار
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٧٠ طبعة دار الشعب.
٦

٩١
سورة طه
الواضح الجلى . أى : إنى أبصرت إبصارا بينا لا شبهة فيه نارا على مقربة منى ، فامكثوا فى
أماكنكم ﴿ لعلى آتيكم منها بقبس
والقبس : الشعلة التى تؤخذ من النار فى طرف عود أو نحوه . ووزنه فعل - بفتح العين -
بمعنى مفعول أى : لعلى آتيكم من هذه النار بشعلة مقتبسة منها ، ومأخوذة عنها .
وقوله : ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ معطوف على ما قبله.
أى : امكنوا فى مكانكم حتى أذهب إلى النار التى شاهدتها ، لعلى آتيكم منها بشعلة ، أو
أجد عندها هاديا يهدينى الى الطريق الذى أسلكه لكى أصل إلى المكان الذى أريده .
فقوله ﴿ هدى﴾ مصدر بمعنى اسم الفاعل أى : هاديا.
وقد دلت آية أخرى على أن موسى قد ذهب إلى النار ليأتى منها بما يدفى أهله من البرد .
وهذه الآية هى قوله - تعالى -: ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب
الطور نارا . قال لأهله امكثوا إنى آنست نارا ، لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم
تصطلون
.
ثم بين - سبحانه - ما حدث لموسى بعد أن اقترب من النار فقال: ﴿ فلما أتاها نودى
يا موسى * إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ﴾ .
أى: فلما أتى موسى - عليه السلام - إلى النار، واقترب منها .. ﴿نودى﴾ من قبل الله
- عز وجل - ﴿ يا موسى إنى أنا ربك﴾ الذى خلقك فسواك فعدلك .. ﴿فاخلع
نعليك ) تعظيما لأمرنا. وتأدبا فى حضرتنا .
وقوله ﴿ إنك بالواد المقدس طوى) تعليل للأمر بخلع النعل ، أى : أزل نعليك من
رجليك لأنك الآن موجود بالوادى ﴿المقدس﴾ أى: المطهر المبارك، المسمى طوى: فهو
عطف بيان من الوادى .
وأنا اخترتك ﴾ أى: اصطفيتك من بين أفراد قومك لحمل رسالتى ، وتبليغ دعوتى
فاستمع لما يوحى ﴾ إليك منى، ونفذ ما آمرك به .
إننى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ مستحق للعبادة والطاعة والخضوع ﴿فاعبدنى﴾ عبادة
خالصة لوجهى .
: وأقم الصلاة ) التى هى من أشرف العبادات ، وأفضل الطاعات ﴿لذكرى ﴾ أى:
(١) سورة القصص الآية ٢٩ .

٩٢
المجلد التاسع
وأدم إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص ، ليشتد تذكرك لى . واتصالك بى ، وذلك لأن الصلاة
مشتملة على الكثير من الأذكار التى فيها الثناء على ذاتى وصفاتى .
أو المعنى : وأدم الصلاة لذكرى خاصة ، بحيث تكون خالصة لوجهى ، ولا رياء فيها
لأحد .
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿ لذكرى﴾ الظاهر أنه متعلق بأقم، أى: أقم الصلاة
لذكرى فيها لاشتمالها على الأذكار . وقيل : المراد أقم الصلاة لذكرى خاصة لاترائى بها ولا
تشوبها بذكر غيرى .. أو لكى أذكرك بالثناء وأثيبك بها . أو لذكرى إياها فى الكتب السماوية
وأمرى بها . أو لأوقات ذكرى وهى مواقيت الصلاة . فاللام وقتية بمعنى عند ؛ مثلها فى قوله
- تعالى - ﴿ ياليتنى قدمت لحياتي ﴾.
ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها . والمراد : أقم الصلاة عند
تذكرها . .
ففى الحديث الصحيح: ((من نام عن صلاة أو نسيها . فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ، لا
كفارة لها إلا ذلك .. )) (١).
وخص - سبحانه - الصلاة بالذكر مع أنها داخلة فى العبادة المأمور بها فى قوله
فاعبدنى ﴾ على سبيل التشريف والتكريم، إذ الصلاة أكمل وسيلة توصل الإنسان إلى
مداومة ذكر الله - تعالى - وخشيته ، لاشتمالها على ألوان متعددة من صور العبادة والطاعة ،
إذ فيها قراءة للقرآن الكريم، وفيها الصلاة على النبى - 3 198 - وفيها تسبيح الله وتمجيده.
ثم بين - سبحانه - أن الساعة آتية لا ريب فيها فقال : ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها
لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى﴾ .
أى : إن الساعة التى هى وقت البعث والحساب والثواب والعقاب ، آتية أى : كائنة
وحاصلة لاشك فيها .
وقوله ﴿ أكاد أخفيها ﴾ أى: أقرب أن أخفى وقتها ولا أظهره لا إجمالا ولا تفصيلا،
ولولا أن فى إطلاع أصفيائى على بعض علاماتها فائدة ، لما تحدثت عنها .
قالوا: ((والحكمة فى إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت ، أن الله - تعالى - وعد بعدم
قبول التوبة عند قربهما ، فلو عرف وقت الموت لاشتغل الإِنسان بالمعصية إلى قرب ذلك
الوقت ثم يتوب ، فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف الموت كالإِغراء بفعل المعصية ، وهو لا
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٧١ .

٩٣
سورة طه
يجوز(١).
قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ﴿ أكاد أخفيها ﴾ أقرب أن أخفى الساعة
ولا أظهرها ، بأن أقول إنها آتية .. أو أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره .. فكاد بمعنى
أراد ، وإلى هذا ذهب الأخفش وغيره .. وروى عن ابن عباس أن المعنى : أكاد أخفيها من
نفسى ، فكيف أظهركم عليها .. وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا
أراد المبالغة فى كتمان الشىء قال : كدت أخفيه عن نفسى .
وقال أبو على : المعنى أكاد أظهرها بأن أوقعها ، وهذا بناء على أن أخفيها من ألفاظ السلب
بمعنى أزيل خفاءها .. (٢).
ويبدو لنا أن الإِخفاء هنا على حقيقته ، وأن المقصود من الآية الكريمة إخفاء وقت مجىء
الساعة عن الناس . حتى يكونوا على استعداد لمجيئها عن طريق العمل الصالح الذى ينفعهم
يوم القيامة .
فحكمة الله - تعالى - اقتضت إخفاء وقت الساعة ، وعدم إطلاع أحد عليها إلا بالمقدار
الذى يأذن الله - تعالى - به لرسله .
قال الإِمام ابن جرير ما ملخصه: (( والذى هو أولى بتأويل الآية من القول : قول من قال
معناه : أكاد أخفيها من نفسى .. لأن المعروف من معنى الإِخفاء فى كلام العرب : الستر .
يقال : قد أخفيت الشىء إذا سترته .. وإنما اخترنا هذا القول على غيره لموافقته أقوال أهل
العلم من الصحابة والتابعين .. (٣).
وقوله: ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ متعلق بآتية، وجملة ﴿أكاد أخفيها) معترضة
بينهما.
أى : إن الساعة آنية لا ريب فيها ، لكى تجزى كل نفس على حسب سعيها وعملها فى
الدنيا .
قال - تعالى -: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، فأولئك كان سعيهم
مشكورا ﴾(٤) .
وقال - سبحانه - : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا
يره ﴾ .
ثم حذر - سبحانه - من عدم الاستعداد للساعة . ومن الشك فى إتيانها فقال :
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٨٥ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٧٢ .
( ٣) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ١١٤ .
(٤ ) سورة الإسراء الآية ١٩.

٩٤
المجلد التاسع
فلا يصدنك عنها﴾ أى : فلا يصرفنك عن الإيمان بها ، وعن العمل الصالح الذى ينفعك
عند مجيئها ﴿ من لا يؤمن بها﴾ من الكافرين والفاسقين ﴿واتبع هواه﴾ فى إنكارها وفى
تكذيب ما يكون فيها من ثواب أو عقاب ﴿فتردى﴾ أى: فتهلك، إن أنت أطعت هذا
الذى لا يؤمن بها . يقال: ردى فلان - كرضى - إذا هلك، وأرداه غيره إذا أهلكه .
فالآية الكريمة تحذير شديد من اتباع المنكرين لقيام الساعة والمعرضين عن الاستعداد لها ،
بعد أن أكد - سبحانه - فى آيات كثيرة أن الساعة آتية لا ريب فيها .
قال - تعالى -: ﴿ ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحيى الموتى ، وأنه على كل شىء قدير .
وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من فى القبور ﴾(١).
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أثبتت وحدانية الله - تعالى - كما فى قوله : ﴿ إنى أنا
الله لا إله إلا أنا﴾ كما أثبتت وجوب التوجه إليه وحده بالعبادة كما فى قوله - سبحانه - :
فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى﴾ . كما أثبتت أن يوم القيامة لاشك فى إتيانه فى الوقت الذى
يريده الله - تعالى -. كما قال - عز وجل -: ﴿إن الساعة آتية ...
ثم بين - سبحانه - بعض التوجيهات والأوامر التى وجهها - عز وجل - إلى نبيه موسى
- عليه السلام - كما حكى ما التمسه موسى من خالقه - تعالى - فقال :
وَمَاتِلْكَ
قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّةُ أَعَلَيْهَا
بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ١٧
وَأَهُتُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلَِ فِيهَا مَثَارِبُ أُخْرَى ٨ قَالَ أَلْفِهَا
يَمُوسَى ® فَأَلْقَنَهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾ قَالَ خُذْهَا
وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُ هَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى ، وَأَضْمُمْ يَدَ
إِلَى جَنَلِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءِ ءَايَةً أُخْرَى ، لِيَكَ
مِنْءَيْتِنَا الْكُبْرَى: ﴿ أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى )، قَالَ
(١) سورة الحج الآيتان ٦، ٧ .

٩٥
سورة طه
رَبِّ أَشْرَعْ لِ صَدْرِى ﴿ وَيَسِرْلِّ أَمْرِىِ ، وَأَحْلُلْ عُقْدَةُمِنْ
لِسَانِىِ ﴿ يَفْقَهُواْ قَولِ ﴿ وَأَجْعَل لِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِ ، هَرُونَ
أَخِىِ ® آشْدُدْ يِهِ، أَزْرِى ، وَأَشْرِكِهُ فِي أَمْرِىِ ل ◌َكَىْ نُسَيِّحَكَ
٣٥١
كَثِيرًا، وَنَذْكُرَ كَثِيرًا (٦) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا
الاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ للتقرير، لأن الله
- تعالى - عالم بما فى يمين موسى ، فالمقصود من هذا السؤال اعتراف موسى وإقراره بأن ما فى
يده إنما هى عصا فيزداد بعد ذلك يقينه بقدرة الله - تعالى - عندما يرى العصا التى بيمينه قد
انقلبت حية تسعى .
قال صاحب الكشاف : إنما سأله - سبحانه - ليريه عظم ما يخترعه - عز وعلا - فى
الخشبة اليابسة من قلبها حية نضاضة - أى تحرك لسانها فى فمها - ، وليقرر فى نفسه المباينة
البعيدة بين المقلوب عنه ، والمقلوب إليه ، وينبهه على قدرته الباهرة . ونظيره أن يريك الزراد
زبرة من حديد - أى قطعة من حديد - ويقول لك : ما هى ؟ فتقول : زبرة حديد . ثم
يريك بعد أيام لبوسا مسردا فيقول لك : هى تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب
الصنعة ، وأنيق السرد .. (١) .
والآية الكريمة : شروع فى بيان ما كلف الله - تعالى - به عبده موسى - عليه السلام -
من الأمور المتعلقة بالخلق ، إثر حكاية ما أمر - سبحانه - به موسى من إخلاص العبادة له ،
والإِيمان بالساعة وما فيها من حساب وثواب وعقاب .
والمعنى : وأى شىء بيدك اليمنى يا موسى ؟ فأجاب موسى بقوله - كما حكى القرآن عنه
قال هى عصاى ﴾ أى: الشىء الذى بيمينى هو عصاى .. ونسبها إلى نفسه لزيادة التحقق
والتثبت من أنها خاصة به وكائنة بيده اليمنى .
ثم بين وظيفتها فقال: ﴿ أتوكأ عليها﴾ أى: أعتمد عليها لتساعدنى فى حال السير
وأهشن بها على غنمى ﴾ أى: وأضرب بها الشجر اليابس ليسقط ، ورقه فترعاه أغنامى.
يقال هش فلان الشجرة بالعصا - من باب رد - فهو يهشها هشا ، إذا ضربها بعصاه أو
بما يشبهها ليتساقط ورقها . ومفعول أهش محذوف . أى : وأهش بها الشجر والورق .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٧ .

٩٦
المجلد التاسع
ولى فيها معرب أخرى ﴾ والمآرب: جمع مأربة - بتثليث الراء - بمعنى حاجة . تقول:
لا أَرَب لى فى هذا الشىء، أى : لا حاجة لى فيه .
أى : ولى فى هذه العصا حاجات أخرى ، ومنافع غير التى ذكرتها .
وقد كان يكفى موسى - عليه السلام - فى الجواب أن يقول : هى عصاى ، ولكنه أضاف
إلى ذلك أتوكأ عليها وأهش بها على غنمى .. لأن المقام يستدعى البسط والإطالة فى الكلام ،
إذ هو مقام حديث العبد مع خالقه ، والحبيب مع حبيبه .
وأجمل فى قوله: ﴿ ولى فيها مآرب أخرى﴾ إما حياء من الله - تعالى - لطول الكلام فى
الجواب ، وإما رجاء أن يسأل عن هذه المآرب المجملة ، فيجيب عنها بالتفصيل تلذذا فى
الخطاب .
قال القرطبى : وفى هذه الآية دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل ، لأنه لما قال :
وما تلك بيمينك ياموسى ﴾ ذكر معانى أربعة وهى: إضافة العصا إليه ، وكان حقه أن
يقول عصا ، والتوكؤ، والهش ، والمآرب المطلقة . فذكر موسى من منافع عصاه معظمها .
وفى الحديث: سئل النبى - 14 - عن ماء البحر فقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))
وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم ولك أجر)) (١).
وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لقوله ﴿ولى فيها مآرب أخرى ﴾: وقد تكلف بعضهم
لذكر شىء من تلك المآرب التى أبهمت ، فقيل : كانت تضىء له بالليل ، وتحرس له الغنم إذا
نام ، ويغرسها فتصير شجرة تظلله ، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة .
والظاهر أنها لم تكن كذلك ، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانا ، ولما فر
منها هاربا ، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية (٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ قال ألقها ياموسى ﴾ جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر ،
كأنه قيل : فماذا قال الله - تعالى - لموسى بعد ذلك؟.
فكان الجواب : قال - سبحانه - لموسى : اطرح ياموسى هذه العصا التى بيمينك لترى
ما يكون بعد ذلك. ﴿ فألقاها فإذا هى حية تسعى
أى : فامتثل موسى أمر ربه ، فألقاها على الأرض ، ونظر إليها فإذا هى قد تحولت بقدرة
الله - تعالى - إلى ((حية)) - أى ثعبان عظيم - ((تسعى))، أى: تمشى على الأرض
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٨٦ وقد تعرض لمنافع العصا فليرجع إليها من شاء.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٧٣ .

٩٧
سورة طه
بسرعة وخفة حركة ووصفها - سبحانه - هنا بأنها ﴿ حية تسعى ﴾، ووصفها فى سورة
الشعراء بأنها ﴿ثعبان مبين﴾(١) ووصفها فى سورة النمل بأنها (تهتز كأنها جان﴾(٢).
ولا تنافى بين هذه الأوصاف ، لأن الحية اسم جنس يطلق على الصغير والكبير ، والذكر
والأنثى ، والثعبان : هو العظيم منها ، والجان : هو الحية الصغيرة الجسم ، السريعة الحركة .
وقد صرحت بعض الآيات أن موسى - عليه السلام - عندما رأى عصاه قد تحولت إلى
ذلك ، ولى مدبرا ولم يعقب. قال - تعالى -: ﴿وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان
ولى مدبرا ولم يعقب .. ﴾ .
ولكن الله - تعالى - ثبت فؤاده، وطمأن نفسه: ﴿ قال خذها ولا تخف ﴾ أى: خذ هذه
الحية التى تحولت عصاك إليها ولا تخف منها ، كما هو الشأن فى الطبائع البشرية ، فإنا
سنعيدها سيرتها الأولى﴾ أى: سنعيد هذه الحية إلى هيئتها الأولى التى كانت عليها قبل
أن تصير حية تسعى ، وهى أن نعيدها بقدرتنا التى لا بعجزها شىء إلى عصا كما كانت من
قبل .
فالجملة الكريمة مسوقة لتعليل وجوب الامتثال للأمر وعدم الخوف ، أى : خذها ولا تخف
منها ، فإن هذه الحية سنرجعها عصا كما كانت من قبل .
وقوله - تعالى - ﴿ سيرتها﴾ فِعلة من السّير، وهى الحالة والهيئة التى يكون عليها
الإِنسان ، وهو منصوب بنزع الخافض . أى: سنعيدها إلى هيئتها وحالتها الأولى .
قالوا: ومن الحكم التى من أجلها حول الله - تعالى - العصا إلى حية تسعى: توطين قلب
موسى - عليه السلام - على ذلك ، حتى لا يضطرب إذا ما تحولت إلى ثعبان عظيم عندما
يلقيها أمام فرعون وقومه .
فقد جرت عادة الإنسان أن يقل اضطرابه من الشىء العجيب الغريب بعد رؤيته له لأول
مرة .
ثم وجه - سبحانه - أمرا آخر إلى عبده موسى فقال: ﴿واضمم يدك إلى جناحك تخرج
بيضاء من غير سوء آية أخرى :
والضم : الجمع . يقال: ضم فلان أصابعه إذا جمعها . والجناح ، يطلق على العضد وعلى
الجنب ، وعلى الإِبط . وأصله جناح الطائر وسمى بذلك لأنه يجنحه ، أى : يميله عند
الطيران ، ثم توسع فيه فأطلق على العضد وغيره .
(١) الآية ٣٢ .
( ٢) الآية ١٠ .

٩٨
المجلد التاسع
والمراد باليد هنا : كف يده اليمنى .
والسوء : الردىء والقبيح من كل شىء ، وكنى به هنا عن البرص لشدة قبحه .
والمعنى : واضمم - ياموسى - يدك اليمنى الى عضد يدك اليسرى بأن تجعلها تحته عند
الإِبط . ثم أخرجها فإنها تخرج ﴿ بيضاء من غير سوء﴾ أى: تخرج منيرة مشرقة واضحة
البياض دون أن يعلق بها أى سوء من برص أو مرض أو غيرهما ، وإنما يكون بياضها بياضا
مشرقا بقدرة الله - تعالى - وإرادته .
قال الحسن البصرى : أخرجها - والله - كأنها مصباح ، فعلم موسى أنه قد لقى ربه
- تعالى - .
وقوله: ﴿ تخرج بيضاء ... ﴾ جواب الأمر وهو قوله: ﴿واضمم يدك﴾.
وقوله : ﴿من غير سوء﴾ احتراس لدفع توهم أن يكون بياضها بسبب مرض أو أذى،
وهو متعلق بتخرج .
وقوله : ﴿ آية أخرى ﴾ أى : معجزة أخرى غير معجزة العصا التى سبق أن منحناها
لك .
كما قال - تعالى : ﴿واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى
فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين ﴾(١).
وقوله: ﴿لنريك من آياتنا الكبرى)، تعليل لمحذوف، أى: فعلنا ما فعلنا من
إعطائك معجزة العصا ومعجزة اليد ، لنريك بهاتين المعجزتين بعض معجزاتنا الكبرى ، الدالة
على عظيم قدرتنا ، وانفرادنا بالربوبية والأولية .
ثم صرح - سبحانه - بالمقصود من إعطاء موسى هاتين المعجزتين العظيمتين فقال :
اذهب إلى فرعون إنه طفى ﴾ أى: اذهب ياموسى ومعك هاتان المعجزتان ، فادعه إلى
عبادتى وحدى ، ومره فليحسن إلى بنى اسرائيل ولا يعذبهم ، وانهه عن التجبر والظلم ، فإنه
قد طغى وبغى وتجاوز حدود الحق والعدل ، وزعم للناس أنه ربهم الأعلى .
وهنا التمس موسى - عليه السلام - العون من خالقه ، لكى يتسنى له أداء ما كلفه به
فقال: ﴿رب اشرح لى صدرى﴾ أى: أسألك يا إلهى أن توسع صدرى بنور الإيمان
والنبوة ، وأن تجعله يتقبل تكاليفك بسرور وارتياح .
ويسر لى أمرى﴾ أى: وسهل لى ما أمرتنى به، فإنك إن لم تحطنى بهذا التيسير ، فلا
(١) سورة القصص الآية ٣٢ .

٩٩
سورة طه
طاقة لى بحمل أعباء هذه الرسالة .
قال صاحب الكشاف: (( لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغى - لعنه الله - عرف أنه
كلف أمرا عظيما ، وخطبا جسيما يحتاج معه إلى احتمال مالا يحتمله إلا ذو جأش رابط ، وصدر
فسيح ، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ، ويفسح قلبه ، ويجعله حليما حمولا يستقبل ما عسى
يرد عليه من الشدائد التى يذهب معها صبر الصابر .. وأن يسهل عليه فى الجملة أمره الذى هو
خلافة الله فى أرضه، وما يصحبها من مزاولة معاظم الشئون ، ومقاساة جلائل الخطوب .(١) .
وقوله: ﴿واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولى ﴾ دعاء ثالث تضرع به إلى خالقه
- تعالى - أى : وأسألك يارب أن تحل عقدة من لساني حتى يفهم الناس قولى لهم ، وحديثى
معهم ، فهما يتأتى منه المقصود، فمن للتبعيض ، أى : واحلل عقده كائنة من عقده .
وقد روى أنه كان بلسانه حبسة ، والأرجح أن هذا هو الذى عناه ، ويؤيده قوله
- تعالى - فى آية أخرى: ﴿ وأخى هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردًا يصدقنى ،
إنى أخاف أن يكذبون ﴾(٢) .
قال ابن كثير: (( ذلك لما كان أصابه من اللثغ ، حين عرض عليه - فرعون - التمرة
والجمرة ، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه .. وما سأل أن يزول ذلك بالكلية ، بل حيث يزول
العى ، ويحصل لهم فَهْم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ولو سأل الجميع لزال ، ولكن الأنبياء لا
يسألون إلا بقدر الحاجة ، ولهذا بقيت بقية .
قال الحسن البصرى : سأل موسى ربه أن يحل عقدة واحدة من لسانه ، ولو سأل أكثر من
ذلك لأعطى(٣) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ واجعل لى وزيرا من أهلى * هارون أخى * اشدد به أزرى *
وأشركه فى أمرى) دعاء آخر تضرع به إلى ربه فى أمر خارجى عنه ، بعد أن دعاه فى أمر
يتعلق بصدره ولسانه .
وقوله : ﴿وزيرا﴾ من الموازرة وهى المعاونة. يقال: وازرت فلانا موازرة، إذا أعنته
على أمره . أو من الوزر - بفتح الواو والزاى - وهو الملجأ الذى يعتصم به الإِنسان لينجو
من الهلاك .
أى: وأسألك - يا إلهى - أن تجعل لى ((وزيرا)) أى: معينا وظهيرا من أهلى فى إبلاغ
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٠.
(٢) سورة القصص الآية ٣٤ .
(٣) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٧٦ .

١٠٠
المجلد التاسع
رسالتك ، وهذا الوزير والمعين هو أخى هارون ، الذى أسألك أن تقوى به ظهرى ، وأن تجعله
شريكا لى فى تبليغ رسالتك ، حتى نؤديها على الوجه الأكمل، وكأن موسى - عليه السلام - قد
علم من نفسه حدة الطبع ، وسرعة الانفعال ، فالتجأ إلى ربه لكى يعينه بأخيه هارون ، ليقويه
ويتشاور معه فى الأمر الجليل الذى هو مقدم عليه ، وهو تبليغ رسالة الله إلى فرعون الذى طغى
وبغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى .
قال ابن عباس: نبئ هارون ساعتئذ حين نبىُّ موسى .
وقوله: ﴿ كى نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا ﴾ تعليل
الدعوات الصالحات التى تضرع بها موسى إلى ربه - تعالى - .
أى : أجب - يا إلهى - دعائى بأن تشرح صدرى .. وتشد بأخى هارون أزرى ، كى
نسبحك تسبيحا كثيرا ، ونذكرك ذكرا كثيرا ، إنك - سبحانك - كنت ومازلت بنا بصيرا ، لا
يخفى عليك شىء من أمرنا أو من أمر خلقك ، فأنت المطلع على حالنا وعلى ضعفنا ، وأنت
العليم بحاجتنا إليك وإلى عونك ورعايتك .
بهذه الدعوات الخاشعات ابتهل موسى إلى ربه ، وأطال الابتهال فى بسط حاجته ، وكشف
ضعفه .. فماذا كانت النتيجة ؟ .
لقد كانت النتيجة أن أجاب الله له دعاءه، وحقق له مطالبه ، وذكره ببعض مننه عليه فقال
- تعالى - : .
قَالَقَدْ
٣٧
أُوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَ.
إِذْأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىَ ﴿®) أَنِ آَقْذِ فِيهِ فِ التَّابُوتِ فَاقْذِفِهِ
فِ آلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّلِ وَعَدُوٌّلَّةٌ، وَأَلْقَيْتُ
عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِّى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى ٦) إِذْتَمْشِىّ أُخْتُكَ
فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَتََّ فُنُونَاً