Indexed OCR Text

Pages 1-20

البَفْسُبُ الوَسِطِ
لِلقُرآن الْكَرِيمْ
تفسير سور
مريم - طـ
الأنبياء - الحج
الدكور محمّد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
المجلد التاسع
دار المعارف

مراجعة
د. عبد الرحمن العَدَوى
الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية
الناشر : دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.

بِسْمِاللَّهِالرّحمنِ الرَّحِيم
رَبََّانَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(١٢٧).
صدق الله العظيم

.

بِسْمِ اللهُ الرَّحمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه
وأتباعه ، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد فهذا تفسير لسورة ((مريم)) أكتبه بعد أن كتبت قبله تفاسير لسورة: البقرة، آل
عمران ، النساء ، المائدة ، الأنعام ، الأعراف ، الأنفال ، التوبة ، يونس ، هود ، يوسف ،
الرعد ، إبراهيم ، الحجر ، النحل ، الإِسراء ، الكهف ...
والله - تعالى - أسأل، أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، ونافعًا لعباده ،
وشفيعًا لنا يوم نلقاه ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
١٦ من شوال سنة ١٤٠٤ هـ - ١٥ / ٧ / ١٩٨٤ م
د . محمد سيد طنطاوى

تفسير
سُورَةِ قَةٌ

١٢

٩
مقدمة
تعريف بسورة مريم
١ - سورة مريم من السور المكية .
قال القرطبى: وهى مكية بالإِجماع . وهى تسعون وثمان آيات(١).
وقال ابن كثير : وقد روى محمد بن إسحاق فى السيرة ، من حديث أم سلمة ، وأحمد بن
حنبل عن ابن مسعود فى قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة ، أن جعفر بن أبى طالب -
رضى الله عنه - قرأ صدر هذه السورة على النجاشى(٢).
وكان نزولها بعد سورة فاطر (٣) .
٢ - ويبدو أن تسميتها بهذا الاسم كان بتوقيف من النبى - وَله - ، فقد أخرج الطبرانى
والديلمى ، من طريق أبى بكر بن عبد الله ابن أبى مريم الغسانى عن أبيه عن جده ، قال :
أتيت النبى - وَّل - فقلت: ولدت لى الليلة جارية. فقال: والليلة أنزلت على سورة مريم.
وجاء فيما روى عن ابن عباس ، تسميتها بسورة ﴿ كهيعص ﴾(٤).
وقد تكرر اسم مريم فى القرآن ثلاثين مرة ، ولم تذكر امرأة سواها باسمها الصريح .
٣ - والذى يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها زاخرة بالحديث عن عدد من
الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .
فقد افتتحت بالحديث عن تلك الدعوات التى تضرع بها زكريا إلى ربه ، لكى يهب له
وليا ، يرثه ويرث من آل يعقوب .
وقد استجاب الله - تعالى - دعاء زکریا ، فوهبه یحیی كما قال - تعالى - : ﴿ یا زكريا
إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ﴾ .
ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن قصة مريم ، بصورة فيها شىء من التفصيل ، فذكرت
اعتزالها لقومها ومجىء جبريل إليها وما دار بينه وبينها من محاورات ، ومولدها لعيسى وإتيانها
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٧٢ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١١٠.
(٣) الاتقان فى علوم القرآن للسيوطى جـ ١ ص ٢٧ .
( ٤ ) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٥٦ .

١٠
المجلد التاسع
به قومها ، وما دار بينها وبينهم فى شأنه . ثم ختمت هذه القصة بالقول الحق فى شأن عيسى ،
قال - تعالى -: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون . ما كان الله أن يتخذ
من ولد سبحانه ، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا
صراط مستقيم ﴾ .
٥ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن طرف من قصة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس ،
وختمت حديثها عن الرسل الكرام بقوله - تعالى - : ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من
النبيين من ذرية آدم ، ومن حملنا مع نوح . ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل . وممن هدينا
واجتبينا ، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيا ﴾ .
٦ - ثم حكت السورة الكريمة أنماطًا من الشبهات التى تفوه بها الضالون ، ومن هذه
الشبهات ما يتعلق بالبعث والنشور ، ومنها ما يتعلق بموقفهم من القرآن الكريم ومنها ما يتعلق
بزعمهم أن الله ولدًا ... وقد ردت على كل شبهة من هذه الشبهات بما يبطلها ، ويخرس ألسنة
قائليها .
ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ويقول الإِنسان أئذا مامت لسوف أخرج حيا *
أو لا يذكر الإِنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئًا ﴾ .
وقوله - سبحانه -: ﴿ أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا. أطلع الغيب
أم اتخذ عند الرحمن عهدا . كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا . ونرثه ما يقول
ويأتينا فردًا﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا . لقد جئتم شيئًا إدا . تكاد السموات
يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا للرحمن ولدا . وما ينبغى للرحمن أن
يتخذ ولدا ﴾ .
٧ - ومن هذا العرض الإجمالى لآيات السورة الكريمة ، يتبين لنا أن سورة مريم قد
اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى نفى الشريك والولد عن ذاته
- سبحانه - ، كما اهتمت - أيضًا - بإقامة الأدلة على أن البعث حق ، وعلى أن الناس
سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة .
كما زخرت السورة بالحديث عن قصص بعض الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - تارة
بشىء من التفصيل كما فى قصة زكريا وعيسى ابن مريم ، وتارة بشىء من الاختصار والتركيز
كما فى قصة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس .
كما نراها بوضوح تحكى شبهات المشركين . ثم ترد عليها بما يبطلها ...

١١
مقدمة
وقد ساقت السورة ما ساقت من قضايا ، بأسلوب عاطفى بديع ، يهيج المشاعر نحو الخير
والحق والفضيلة ، وينفر من الشر والباطل والرذيلة ، ويطلع العقول على نماذج شتى من مظاهر
رحمة الله - تعالى - بعباده الصالحين ترى ذلك فى مثل قوله - تعالى -: ﴿ذكر رحمة ربك
عبده زكريا ﴾
وفى مثل قوله - سبحانه - : ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن
ودا ﴾ .
٨ - قال بعض العلماء ما ملخصه : والظل الغالب فى جو السورة هو ظل الرحمة والرضا
والاتصال . فهى تبدأ بذكر رحمة ربك لعبده زكريا . ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها فى ثنايا
السورة كثيرًا. ويكثر فيها اسم ﴿الرحمن﴾.
وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية . ودبيبها اللطيف فى الكلمات والعبارات والظلال ، كما
تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التى لا تطيقها فطرته ...
كذلك تحس أن للسورة إيقاعًا موسيقيًّا خاصًا ، فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء ،
وفيه عمق كألفاظ : رضيا ، سريا، حفيًّا ، نجيًا ...
فأما المواضع التى تقتضى الشدة والعنف ، فتجىء فيها الفاصلة مشددة فى الغالب ،
كألفاظ: ضدًّا، هدًّا، إذًا، أَذًّا(١).
٨ - وبعد ؛ فهذا تعريف لسورة مريم ، نرجو أن يكون القارىء له ، قد أخذ صورة
مركزة عن أهم المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم .
(١) من تفسير فى ظلال القرآن جـ ١٦ ص ٤٢٢ للمرحوم سيد قطب.

١٢
المجلد التاسع
التفسير
قال الله تعالى :
مِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كَهِيعَصَ ا ذِكْرُرَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّات)
قَالَ رَبِّ إِنِ وَهَنَ اَلْعَظُمُ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ ونِدَآءَ خَفِيَّام
مِنِّ وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُ عَبِكَ رَبِّ
شَقِيًّا ، وَ إِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ
آمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَُّنكَ وَلِيَّالَّ يَرِغْنِ وَيَرِثُ
مِنْءَالٍ يَعْقُوبٌ وَاجْعَلْهُ رَبِ رَضِيًّا (٢)
سورة ﴿مريم﴾ من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى.
وقد سبق أن تكلمنا بشىء من التفصيل ، عن آراء العلماء فى المراد بهذه الحروف التى
افتتحت بها بعض السور ، وذلك عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ،
ويونس ..
ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل
الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - ، هاكم
القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم ، ومنظومًا من حروف هى من
جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند
الله فهاتوا مثله . أو عشر سور من مثله ، بل بسورة واحدة من مثله ، وادعوا من شئتم من
الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ...

١٣
سورة مريم
فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن من
عند الله ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾.
وقوله - تعالى -: ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ خبر لمبتدأ محذوف. أى: المتلو
عليك ذكر رحمة ربك عبده ذكريا .
ولفظ ﴿ ذكر﴾ مصدر مضاف لمفعوله. ولفظ ﴿رحمة) مصدر مضاف لفاعله وهو
ربك ، و﴿ عبده ﴾ مفعول به للمصدر الذى هو رحمة .
وزكريا ﴾ هو واحد من أنبياء الله الكرام، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم - عليهم السلام - .
والمعنى : هذا الذى نذكره لك يا محمد ، هو جانب من قصة عبدنا زكريا ، وطرف من
مظاهر الرحمة التى اختصصناه بها ، ومنحناه إياها .
وقوله : ﴿ إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ ظرف لرحمة ربك. والمراد بالنداء : الدعاء الذى
تضرع به زكريا إلى ربه - عز وجل - .
أى : هذا الذى قرأناه عليك يا محمد فى أول هذه السورة . وذكرناه لك ، هو جانب من
رحمتنا لعبدنا زكريا . وقت أن نادانا وتضرع إلينا فى خفاء وستر ، ملتمسا منا الذرية الصالحة .
وإنما أخفى زكريا دعاءه ، لأن هذا الإِخفاء فيه بعد عن الرياء ، وقرب من الإِخلاص ،
وقد أمر الله - تعالى - به فى قوله: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين ﴾.
ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زكريا إلى ربه فى أوقات تردده على مريم ، واطلاعه على
ما أعطاها الله - تعالى - من رزق وفير .
ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ﴿ ختقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا وكفلها
زكريا ، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو
من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من
لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ﴾(١).
ثم بين - سبحانه - ما نادى به زكريا ربه فقال : ﴿ قال رب إنى وهن العظم منى ... ﴾
والوهن : الضعف . يقال : وهن الجسم يهن - من باب وعد - إذا ضعف .
وخص العظم بالذكر ، لأنه دعامة البدن ، وعماد الجسم ، وبه قوامه ، فإذ ضعف كان غيره
من أجزاء الجسم أضعف . وإفراد لفظ العظم لإِرادة الجنس .
(١) سورة آل عمران من الآيتان ٣٧، ٣٨.

١٤
المجلد التاسع
واشتعل الرأس شيبًا﴾ والمراد باشتعال الرأس شيبا : انتشار بياض الشيب فيه .
والألف واللام فى لفظ ﴿ الرأس ﴾ قاما مقام المضاف إليه .
والمراد : واشتعل رأسى شيبًا ، وهذا يدل على تقدم السن ، كما يشهد له قوله - تعالى -
وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿وقد بلغنى الكبر ... ﴾.
قال صاحب الكشاف : ((شبه الشيب بشواظ النار فى بياضه وإنارته وانتشاره فى الشعر ..
باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو
الرأس ، وأخرج الشيب مميزا ولم يضف إلى الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا ،
فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ... )) (١) .
وقوله : ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقيا﴾ أى: ولم أكن فيما مضى من عمرى مخيب الدعاء
وإنما تعودت منك يا إلهى إجابة دعائى ، وما دام الأمر كذلك فأجب دعائى فى الزمان الآتى من
عمرى ، كما أجبته فى الزمان الماضى منه .
فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر فى دعائه أسمى ألوان الأدب مع خالقه ،
حيث توسل إليه - سبحانه - بضعف بدنه ، وبتقدم سنه ، وبما عوده إياه من إجابة دعائه فى
الماضى .
ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب الأخرى لإلحاح زكريا فى الدعاء فقال: ﴿ وإنى
خفت الموالى من ورائى ، وكانت امرأتى عاقرا فهب لى من لدنك وليا * يرثنى ويرث من آل
يعقوب . .﴾ .
والموالى : جمع مولى ، والمراد بهم هنا : عصبته وأبناء عمومته الذين يلون أمره بعد موته ،
وكان لا يثق فيهم لسوء سلوكهم .
والعاقر : العقيم الذى لا يلد ، ويطلق على الرجل والمرأة ، يقال : امرأة عاقر ، ورجل
عاقر .
أى: وإنى - يا إلهى - قد خفت ما يفعله أقاربى ﴿من ورائى﴾ أى: من بعد موتى،
من تضييع لأمور الدين ، ومن عدم القيام بحقه ﴿ وكانت امرأتى عاقرا﴾ لا تلد قط فى
شبابها ولا فى غير شبابها، ﴿ فهب لى من لدنك﴾ أى: من عندك ﴿وليا﴾ أى: ولدا من
صلبى ، هذا الولد ﴿يرثنى﴾ فى العلم والنبوة ﴿ويرث﴾ أيضًا ﴿ من آل يعقوب) ابن
إسحاق بن إبراهيم العلم والنبوة والصفات الحميدة ﴿واجعله﴾ يارب ﴿رضيا﴾ أى:
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤.

١٥
سورة مريم
مرضيا عندك فى أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته .
ففى هاتين الآيتين نرى زكريا يجتهد فى الدعاء بأن يرزقه الله الولد ، لا من أجل شهوة
دنيوية ، وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من تضييعه وتبديله والحرص على من يرثه فى
علمه ونبوته ، ويكون مرضيًّا عنده - عز وجل - .
قال الآلوسى ما ملخصه: ((وقوله ﴿من ورائى﴾ المراد به من بعد موتى، والجار
والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أى : خفت فعل الموالى من ورائى أو جور
الموالى . وهم عصبة الرجل .. وكانوا على سائر الأقوال شرار بنى إسرائيل ، فخاف أن
لا يحسنوا خلافته فى أمته))(١) .
وفى قوله ﴿ فهب لى من لدنك وليا﴾ اعتراف عميق بقدرة الله - تعالى - لأن مثل هذا
العطاء لا يرجى إلا منه - عز وجل - ، بعد أن تقدمت بزكريا السن ، وبعد أن عهد من
زوجه العقم وعدم الولادة .
وقد أشار - سبحانه - فى آية أخرى إلى أنه أزال عنها العقم وأصلحها للولادة فقال :
وزکر یا إذ نادی ربه رب لا تذرنى فردًا وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى
وأصلحنا له زوجه ... ﴾(٢) أى: وجعلناها صالحة للولادة بعد أن كانت عقيًا من حين شبابها
إلى شيبها ..
والمراد بالوراثة فى قوله ﴿ يرثنى﴾ وراثة العلم والنبوة والصفات الحميدة.
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: ((وقوله: ﴿وإنى خفت الموالى من ورائى﴾ قرأ
الأكثرون بنصب الياء من الموالى على أنه مفعول ، وعن الكسائى أنه سكن الياء ..
ووجه خوفه أنه خشى أن يتصرفوا من بعده فى الناس تصرفًّا سيئًا. فسأل الله ولدًا يكون
نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته .. لا أنه خشى من وراثتهم له ماله . فإن النبى أعظم منزلة
وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى هذا الحد ، وأن يأنف من وراثة عصبته له ، ويسأل أن
یکون له ولد لیحوز ميراثه دونهم .
وقد ثبت فى الصحيحين من غير وجه أن رسول الله - وَ الله - قال: ((لا نورث ما تركنا
صدقة)) وفى رواية عند الترمذى بإسناد صحيح: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)).
وعلى هذا فتعين حمل قوله ﴿ فهب لى من لدنك وليا يرثنى ﴾ على ميراث النبوة ولهذا
قال: ﴿ويرث من آل يعقوب﴾ كقوله: ﴿وورث سليمان داود﴾ أى: فى النبوة، إذ
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٦١ .
( ٢ ) سورة الانبياء الآيتان ٨٩، ٩٠ .
٠

١٦
المجلد التاسع
لو كان فى المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان فى الإِخبار بذلك كبير فائدة ، إذ من
المعلوم المستقر فى جميع الشرائع والملل ، أن الولد يرث أباه ، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر
بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح فى الحديث: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا
فهو صدقة ))(١) .
وقال بعض العلماء ما ملخصه : ومعنى ﴿ يرثنى﴾ أى: إرث علم ونبوة، ودعوة إلى الله
والقيام بدينه ، لا إرث مال ، ويدل لذلك أمران :
أحدهما قوله : ﴿ويرت من آل يعقوب) ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان،
فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين .
والأمر الثانى ما جاء من الأدلة أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لا يورث عنهم
المال ، وإنما يورث عنهم العلم والدين ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى بكر الصديق أن
رسول الله - ﴿ - قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) (٢).
ثم بين القرآن الكريم أن الله - تعالى - قد أجاب بفضله وكرمه دعاء عبده زكريا . كما
بين ما قاله زكريا عندما بشره ربه بغلام اسمه يحيى فقال - تعالى - :
يَزَكَرِيَّآ
إِنَّانُبَشِّرُكَ بِعُلَمٍ اسْمُهُ يَحْيِى لَمْ تَجْعَل لَّهُ, مِن قَبْلُ سَمِيًّا
قَالَ رَبٍ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ آَمْرَأَتِ
٧
عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيَّا قَالَ كَذَلِكَ
قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَفْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَوْتَكُ
شَيْئًا ﴾ قَالَ رَبِّ اجْعَل ◌ِلِى ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ®)، فَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ،
مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوابِّكْرَةً وَعَشِيًّا (١)
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١١١ .
( ٢) راجع تفسير أضواء البيان ج ٤ ص ٢٠٦ للشيخ الشنقيطى - رحمه الله - .

١٧
سورة مريم
قال القرطبى : قوله - تعالى - ﴿ يا زكريا﴾ فى الكلام حذف، أى: فاستجاب الله
دعاءه فقال: ﴿ يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ... ﴾ فتضمنت هذه البشارة ثلاثة
أشياء : أحدها : إجابة دعائه وهى كرامة . الثانى: إعطاؤه الولد وهو قوة . الثالث : أن يفرد
بتسميته ... ))(١) .
وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أن الذى بشر زكريا هو بعض الملائكة ، وأن ذلك
كان وهو قائم يصلى فى المحراب ، قال - تعالى -: ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى
المحراب ، أن الله يبشرك بيحيى، مصدقًا بكلمة من الله، وسيدًا وحصورًا ونبيا من
الصالحين ﴾(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ اسمه يحيى﴾ يدل على أن هذه التسمية قد سماها الله
- تعالى - ليحيى ، ولم يكل تسميته لزكريا أو لغيره ، وهذا لون من التشريف والتكريم .
وقوله - تعالى -: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا﴾ أى لم نجعل أحدًا من قبل مشاركًا له
فى هذا الاسم، بل هو أول من تسمى بهذا الاسم الجميل .
قال بعض العلماء: ((وقول من قال : إن معناه : لم نجعل له من قبل سميا ، أى : نظيرا
يساويه فى السمو والرفعة غير صواب ، لأنه ليس بأفضل من إبراهيم ونوح وموسى فالقول
الأول هو الصواب ، وممن قال به : ابن عباس ، وقتادة ، والسدى ، وابن أسلم
وغيرهم ... ))(٣).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله زكريا بعد هذه البشارة السارة . فقال
- تعالى -: ﴿ قال رب أنى يكون لى غلام ، وكانت امرأتى عاقرا. وقد بلغت من الكبر
عتيا ﴾
فالجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال تقديره : فماذا قال زكريا عندما بشره الله
- تعالى - بيحيى ؟
ولفظ ﴿ أنى ) بمعنى : كيف. أو بمعنى : من أين .
أى: قال زكريا مخاطبًا ربه بعد أن بشره بابنه يحيى: يارب كيف يكون لى غلام ، وحال
امرأتى أنها كانت عاقرا فى شبابها وفى شيخوختها ، وحالى أنا أننى قد بلغت من الكبر عتيا ،
أى . قد تقدمت فى السن تقدمًا كبيرًا .
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٨٢ .
(٢) سورة آل عمران الآية ٣٩.
(٣) تفسير أضواء البيان جـ ٤ ص ٢١٤.

١٨
المجلد التاسع
يقال : عتى الشيخ يعتو عتيا - بكسر العين وضمها - إذا بلغ النهاية فى الكبر .
قال ابن جرير: ((قوله: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيا﴾ يقول: وقد عتوت من الكبر
فصرت نحيل العظام يابسها ، يقال منه للعود اليابس : عات وعاس . وقد عتا يعتو عتوا
وعتيا ... وكل متناه فى كبر أو فساد أو كفر فهو عات ... ))(١).
فإن قيل: (( ما المراد باستفهام زكريا - عليه السلام - مع علمه بقدرة الله - تعالى -
على كل شىء ؟
فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار ، لأنه لم يكن يعلم أن الله
- تعالى - سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر ، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى ،
فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها .
ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث رزقه الله
الولد مع تقدم سنه وسن زوجته .
ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن يأتى الغلام مع تقدم
سنه وسن زوجته . وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة الله - تعالى - لأنه
- سبحانه - لا يعجزه شىء .
ثم حكى - سبحانه - ما رد به على استفهامٍ زكريا فقال : ﴿ قال كذلك قال ربك هو
على هين ، وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا ﴾ .
وقوله: ﴿ كذلك﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أى: الأمر كذلك .
قال الآلوسي: وذلك إشارة إلى قول زكريا - عليه السلام - وجملة ﴿هو على هين ﴾
مفعول ﴿ قال﴾ الثانى وجملة ((الأمر كذلك)) مع جملة ﴿قال ربك﴾ إلخ مفعول
قال﴾ الأول ... ))(٢).
والمعنى : قال الله - تعالى - مجيبًا على استفهام زكريا ، الأمر كما ذكرت يا زكريا من كون
امرأتك عاقرا ، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا ، ولكن ذلك لا يحول بينناوبين تنفيذ إرادتنا فى
منحك هذا الغلام ، فإن قدرتنا لا يعجزها شىء ، ولا تخضع لما جرت به العادات .
وهذا الأمر وهو إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها ﴿ هو على هين ﴾ أى:
یسیر سهل .
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ٣٨ طبعة بولاق سنة ١٣٢٨ هـ.
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٦٧ .

١٩
سورة مريم
ثم ذكر له - سبحانه - ما هو أعجب مما سأل عنه فقال : ﴿وقد خلقتك من قبل ولم تك
شيئًا ﴾ .
أى : لا تعجب يا زكريا من أن يأتيك غلام وأنت وزوجك بتلك الحالة ، فإنى أنا الله الذى
أوجدتك من العدم ، ومن أوجدك من العدم ، فهو قادر على أن يرزقك بهذا الغلام المذكور .
فالآية الكريمة قد ساقت بطريق منطقى برهانى ، ما يدل على كمال قدرة الله - تعالى -
وما يزيد فى اطمئنان قلب زكريا - عليه السلام - .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما التمسه زكريا - عليه السلام - من خالقه فقال :
قال رب اجعل لى آية ... ﴾ .
أى : اجعل لى علامة أستدل بها على وقوع ما بشرتنى به ، لأزداد سرورًا واطمئنانًا.
ولأعرف الوقت الذى تحمل فيه امرأتى بهذا الغلام فأكثر من شكرك وذكرك .
فأجابه الله - تعالى - بقوله: ﴿ قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ﴾.
أى : قال الله - تعالى - لعبده زكريا: يا زكريا. علامة وقوع ما بشرتك به ، أنك تجد
نفسك عاجزًا عن أن تكلم الناس بلسانك ، لمدة ثلاث ليال بأيامهن حال كونك سوى الخلق ،
سليم الحواس ليس بك من خرس، أو بكم ولكنك ممنوع من الكلام بأمرنا وقدرتنا على سبيل
خرق العادة .
فقوله: ﴿سويا﴾ حال من فاعل ((تكلم)) وهو زكريا أى : حال كونك يا زكريا سوى
الخلق ، سليم الجوارح ، لا علة تمنعك من ذلك سوى قدرتنا . ثم بين - سبحانه - ما كان من
زكريا بعد ذلك فقال: ﴿ فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة
وعشيا
والمحراب : المصلى ، أو الغرفة التى كان يجلس فيها فى بيت المقدس ، أو هو المسجد ، فقد
كانت مساجدهم تسمى المحاريب . لأنها الأماكن التى تحارب فيها الشياطين .
أى : فخرج زكريا - عليه السلام - على قومه من المكان الذى كان يصلى فيه ،
﴿ فأوحى إليهم﴾ أى: فأشار إليهم أو كتب لهم دون أن ينطق بلسانه ﴿ أن سبحوا﴾ الله
- تعالى - وقدسوه ﴿ بكرة﴾ أى: فى أوائل النهار ﴿وعشيا﴾ أى: فى أواخره.
وقد ذكر - سبحانه - فى آية أخرى ، ما يشير إلى أن هذا المحراب الذى خرج منه
زكريا - عليه السلام - على قومه . هو ذلك المكان الذى بشره الله - تعالى - فيه بيحيى .
قال - تعالى -: ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى،

٢٠
المجلد التاسع
﴾(١).
مصدقًا بكلمة من اللّه وسيدًا وحصورًا ونبيا من الصالحين
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبًا من رحمة الله - تعالى -
بعبده زكريا ، ومن الدعوات التى تضرع بها إلى خالقه - عز وجل - ، وأن الله - تعالى -
قد أجاب له دعاءه ، وبشره بيحيى ، وعرفه بالعلامة التى بها يعرف وقوع مابشره به ، زيادة
فى اطمئنانه وسروره .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن يحيى ، فبينت ما أمره الله - تعالى - به ،
وما منحه من صفات فاضلة . فقال - تعالى - :
يَيَحْنِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
١٢
وَحَنَانَامِن لَُّنَا وَزَكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا (١٦)، وَبَرَّابِوَ لِدَيْهِ وَلَمْ
يَكُنْ جَبَّارًاعَصِيًّا ﴿ وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ
١٥
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
وقوله - سبحانه -: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ مقول لقول محذوف ، والسر فى
حذفه المسارعة إلى الإِخبار بإنجاز الوعد الكريم .
والتقدير : وبعد أن ولد يحيى، ونما وترعرع قلنا له عن طريق وحينا : ﴿ يا يحيى خذ
الكتاب ﴾ الذى هو التوراة ﴿بقوة﴾ أى: بجد واجتهاد، وتفهم لمعناه على الوجه
الصحيح ، وتطبيق ما اشتمل عليه من أحكام وآداب ، فإن بركة العلم فى العمل به .
والجار والمجرور ﴿بقوة﴾ حال من فاعل خذ وهو يحيى، والباء للملابسة أى: خذه
حالة كونك ملتبسًا بحفظه وتنفيذ أحكامه بشدة وثبات .
وقوله: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ أى: وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا ﴿الحكم﴾ أى: فهم
الكتاب والعمل بأحكامه ، وهو فى سن الصبا .
قيل : كان سنه ثلاث سنين ، وقيل سبع سنين .
(١) سورة آل عمران الآية ٣٩ .