Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سورة الكهف
الذى أتعبت نفسى فى إقامته ، ولم يعجبك هذا منى .
أى: ﴿ وأما الجدار
فكان لغلامين يتيمين ﴾ مات أبوهما وهما صغيران ، وهذان الغلامان يسكنان فى تلك
المدينة ، التى عبر عنها القرآن بالقرية سابقا فى قوله : ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾.
قالوا : ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا ، لإظهار نوع اعتداد بها ، باعتداد مافيها من
اليتيمين ، وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح ، (١) .
وكان تحته أى تحت هذا الجدار ﴿ كنز لها﴾ أى: مال مدفون من ذهب وفضة .. ولعل
أباهما هو الذى دفنه لهما .
وكان أبوهما صالحا ﴾ أى: رجلا من أصحاب الصلاح والتقوى ، فكان ذلك منه سببا
فى رعاية ولديه ، وحفظ مالهما .
فأراد ربك ) ومالك أمرك ؛ ومدير شئونك ، والذى يجب عليك أن تستسلم وتنقاد
لإرادته .
﴿ أن يبلغا أشدهما ﴾ أى: كمال رشدهما، وتمام نموهما وقوتها .
ويستخرجا كنزهما من تحت هذا الجدار وهما قادران على حمايته ، ولولا أنى أقمته لا نقض
وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه وعلى حسن التصرف فيه .
﴿ رحمة من ربك﴾ أى: وما أراده ربك - ياموسى - بهذين الغلامين، هو الرحمة التى
ليس بعدها رحمة ، والحكمة التى ليس بعدها حكمة .
فقوله ((رحمة)) مفعول لأجله .
ثم ينفض الخضر يده من أن يكون قد تصرف بغير أمر ربه فيقول: ﴿ وما فعلته عن أمرى
ذلك تأويل مالم تسطع عليه صبرا ﴾ .
أى : وما فعلت ما فعلته عن اجتهاد منى ، أو عن رأيى الشخصى ، وإنما فعلت ما فعلت
بأمر ربى ومالك أمرى ، وذلك الذى ذكرته لك من تأويل تلك الأحداث هو الذى لم تستطع
عليه صبرا ، ولم تطق السكوت عليه ، لأنك لم يطلعك الله - تعالى - على خفايا تلك الأمور
وبواطنها .. كما أطلعنى .
وحذفت التاء من ﴿ تسطع ﴾ تخفيفا. يقال: استطاع فلان هذا الشىء واسطاعه بمعنى
أطاقه وقدر عليه .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٢ .

٥٦٢
المجلد الثامن
وبذلك انكشف المستور لموسى عليه السلام - وظهر ما كان خافيا عليه .
هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لآيات تلك القصة جملة من الأحاديث ، منها
ما رواه الشيخان ، ومنها ما رواه غيرهما ، ونكتفى هنا بذكر حديث واحد .
قال - رحمه الله - قال البخارى : حدثنا الحميدى ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن
دينار ، أخبرنى سعيد بن جبير قال . قلت لابن عباس : إن نوفا البكالى يزعم أن موسى
صاحب الخضر ليس هو موسى نبى بنى إسرائيل .
قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله - المالي19 -
يقول: ((إن موسى قام خطيبا فى بنى إسرائيل ، فسئل أى الناس أعلم ؟ فقال: أنا . فعتب
اللّه عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه: إن عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك . فقال
موسى : يارب ، وكيف لى به ؟
قال : تأخذ معك حوتا ، تجعله بمكتل ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم».
فأخذ حوتا ، فجعله فى مكتل ، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون . حتى إذا أتيا
الصخرة وضعا رءوسهما فناما ، واضطرب الحوت فى المكتل ، فخرج منه فسقط فى البحر ،
واتخذ سبيله فى البحر سربا ، وأمسك اللّه عن الحوت جِرْيَةَ الماء ، فصار عليه مثل الطاق .
فلما استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت .
فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ، فلما كان الغد قال موسى لفتاه: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من
سفرنا هذا نصبا ﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذى أمره الله به .
قال له فتاه : ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان
أن أذكره، واتخذ سبيله فى البحر عجبا﴾. قال: فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا.
فقال موسى: ﴿ ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ﴾.
قال: فرجعا يقصان أثرهما ، حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى - أى مغطى -
بثوب ، - فسلم عليه موسى ، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام .
قال : أنا موسى : قال : موسى نبى إسرائيل قال : نعم ، أتيتك لتعلمنى مما علمت رشدا .
قال : إنك لن تستطيع معى صبرا .
يا موسى: إنى على علم من علم الله علمنيه ، لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من علم الله
علمكه اللّه لا أعلمه .

٥٦٣
سورة الكهف
قال موسى : ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا . قال الخضر فإن اتبعتنى «لا
تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا .
فانطلقا بمشيان ، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه ، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير . ل -
أى بغير أجر - فلما ركبا فى السفينة ، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح لسفينة
بالقدوم .
فقال له موسى : قد حملونا بغير نول ، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها ، لتغرق أهلها ، لقد
جئت شيئاً إمرا .
قال له الخضر: ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا . قال : لا تؤاخذنى بما سيت
ولا ترهقنى من أمرى عسرا .
قال: وقال رسول الله - وَله -، كانت الأولى من موسى نسيانا، قال: وجاء عصفور
فوقع على حرف السفينة . فنقر فى البحر نقرة . فقال له الخضر: ما علمى وعلمك فى علم الله
إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر .
ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل ، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع
الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله - فقال له موسى: ﴿ أقتلت نفسا زكية بغير
نفس لقد جئت شيئاً نكرا﴾ قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا .
قال: وهذه أشد من الأولى . قال : إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى .
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا
يريد أن ينقض فأقامه . قال: لو شئت لا تخذت عليه أجرا . قال : هذا فراق بينى وبينك
سأنبئك بتأويل مالم تستطع عليه صبرا ﴾ .
فقال رسول الله - وَل * - : وددنا أن موسى كان قد صبر حتى يقص الله علينا من
خبرهما))(١) .
وقد أخذ العلماء من هذه القصة أحكاما وآدابا من أهمها ما يأتى :
١ - أن الإِنسان مهما أوتى من العلم ، فعليه أن يطلب المزيد ، وأن لا يعجب بعلمه ، فالله
- تعالى - يقول: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ وطلب من نبيه - 1 - أن يتضرع
إليه بطلب الزيادة من العلم فقال: ﴿ وقل رب زدنى علما ﴾.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٧٢ طبعة دار الشعب.

٥٦٤
المجلد الثامن
٢ - أن الرحلة فى طلب العلم من صفات العقلاء . فموسى - عليه السلام - وهو من
أولى العزم من الرسل ، تجشم المشاق والمتاعب لكى يلتقى بالرجل الصالح ؛ لينتفع بعلمه ،
وصمم على ذلك مهما كانت العقبات بدليل قوله - تعالى - حكاية عنه : ﴿ لا أبرح حتى أبلغ
مجمع البحرين أو أمضى حقبا ﴾ .
قال القرطبى عند تفسيره لهذه الآية : فى هذا من الفقه رحلة العالم فى طلب الازدياد من
العلم ، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت
أقطارهم . وذلك كان دأب السلف الصالح ، وبسبب ذلك وصل المرتحلون لطلب العلم إلى
الحظ الراجح: وحصلوا على السعى الناجح ، فرسخت لهم فى العلوم أقدام . وصح لهم من
الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام .
قال البخارى : ورحل جابر بن عبد اللّه مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس فى طلب
حديث(١) .
٣ - جواز إخبار الإِنسان عما هو من مقتضى الطبيعة البشرية ، كالجوع والعطش والتعب
والنسيان فقد قال موسى لفتاه: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ﴾ ورد عليه فتاه
بقوله : ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن
أذكره .. ﴾ .
وفى هذا الرد - أيضا - من الأدب ما فيه ، فقد نسب سبب النسيان إلى الشيطان ، وإن
كان الكل بقضاء الله - تعالى - وقدره .
٤ - أن العلم على قسمين : علم مكتسب يدركه الإِنسان باجتهاده وتحصيله .. بعد عون
اللّه تعالى - له . وعلم لدنى يهبه الله - سبحانه - لمن يشاء من عباده فقد قال - تعالى - فى
شأن الخضر ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ أى: علما خاصا أطلعه الله عليه يشمل بعض الأمور
الغيبية .
٥ - أن على المتعلم أن يخفض جناحه للمعلم ، وأن يخاطبه بأرق العبارات وألطفها ، حتى
يحصل على ما عنده من علم بسرور وارتياح .
قال بعض العلماء ما ملخصه : وتأمل ما حكاه اللّه عن موسى فى قوله للخضر: ﴿هل
أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ﴾ فقد أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة ، فكأنه
يقول له : هل تأذن لى فى ذلك أولا ، مع إقراره بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١١.

٥٦٥
سورة الكهف
الكبر ، الذى لا يظهر للمعلم افتقاره إلى علمه .. (١) .
.٦ - أنه لا بأس على العالم، إذا اعتذر للمتعلم عن تعليمه، لأن المتعلم لا يطيق ذلك،
لجهله بالأسباب التى حملت العالم على فعل تلك الأمور التى ظاهرها يخالف الحق والعدل والمنطق
العقلى ، وأن معرفة الأسباب تعين على الصبر .
فقد قال الخضر لموسى: ﴿ إنك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على مالم تحط به
خبرا﴾ فقد جعل الموجب لعدم صبره عدم إحاطته خبرا بالأمر .
٧ - إن من علامات الإِيمان القوى ، أن يقدم الإِنسان المشيئة عند الإقدام على الأعمال ،
وأن العزم على فعل الشىء ليس بمنزلة فعله ، فقد قال موسى للخضر: ﴿ ستجدنى إن شاء الله
صابرا ولا أعصى لك أمرا ﴾ ومع ذلك فعندما رأى منه أفعالا يخالف ظاهرها الحق والصلاح ،
لم يصبر .
وأنه لا بأس على العالم أن يشترط على المتعلم أمورا معينة قبل أن يبدأ فى تعليمه .
فقد قال الخضر لموسى : ﴿ إن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا ﴾.
٨ - أنه يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر ، فإن خرق السفينة فيه ضرر
ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا ، وإن قتل الغلام شر ، ولكنه أقل من الشر الذى سيترتب
على بقائه . وهو إرهاقه لأبويه ، وحملهما على الكفر .
كما يجوز للإنسان أن يعمل عملا فى ملك غيره بدون إذنه بشرط أن يكون هذا العمل فيه
مصلحة لذلك الغير كأن يرى حريقا فى دار إنسان فيقدم على إطفائه بدون إذنه . ويدفع ضرر
الحريق بضرر أقل منه ، فقد خرق الخضر السفينة ، لكى تبقى لأصحابها المساكين .
٩ - أن التأنى فى الأحكام . والتثبت من الأمور ، ومحاولة معرفة العلل والأسباب ... كل
ذلك يؤدى إلى صحة الحكم ، وإلى سلامة القول والعمل .
وصدق رسول الله - * - حيث يقول: ((رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على
صاحبه لرأى العجب )).
١٠ - أن من دأب العقلاء الصالحين. استعمال الأدب مع الله - تعالى - فى التعبير،
فالخضر قد أضاف خرقه للسفينة إلى نفسه فقال: ((فأردت أن أعيبها .. )) وأضاف الخير الذى
(١) تيسير الكريم الرحمن فى تفسير كلام المنان جـ ٥ ص ٢٣ للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى.

٥٦٦
المجلد الثامن
فعله من أجل الغلامين اليتيمين إلى الله فقال: ﴿ فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا
:
كنزهما رحمة من ربك
وشبيه بهذا ما حكاه الله - تعالى - عن صالحى الجن فى قولهم: ﴿وأنا لا ندرى أشر
﴾ .
أريد بمن فى الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا
١١ - قال القرطبى: قوله - تعالى - ﴿يريد أن ينقض﴾ أى: قرب أن يسقط. وهذا
مجاز وتوسع .
وقد فسره فى الحديث بقوله ((مائل )) فكان فيه دليل على وجود المجاز فى القرآن ، وهو
مذهب الجمهور .
وجميع الأفعال التى حقها أن تكون للحى الناطق إذا أسندت إلى جماد أو بهيمة ، فإنما هى
استعارة .
أى : لو كان مكانها إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل ، وهذا فى كلام العرب وأشعارهم كثير ،
كقول الأعشى :
كالطّعن يذهب فيه الزيتُ والفُتُل
أنتهون ولا يَنْهَىَ ذوى شطَط
والشطط : الجور والظلم ، يقول : لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن العميق الذى يغيب
فيه الفتل - فأضاف النهى إلى الطعن .
وذهب قوم إلى منع المجاز فى القرآن فإن كلام الله عز وجل - وكلام رسوله - ◌َليزر - حمله
على الحقيقة أولى بذى الفضل والدين ، لأنه يقص الحق كما أخبر الله - تعالى - فى
كتابه .. (١).
وقد صرح صاحب أضواء البيان أنه لا مجاز فى القرآن فقال ما ملخصه : قوله
- تعالى -: ﴿ فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ﴾.
هذه الآية من أكبر الأدلة التى يستدل بها القائلون : بأن المجاز فى القرآن ، زاعمين أن
إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة وإنما هى مجاز.
وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من أن تكون إرادة الجدار حقيقة ، لأن الله
- تعالى - يعلم للجمادات إرادات وأفعالا وأقوالا لا يدركها الخلق ، كما صرح - تعالى -
بأنه يعلم من ذلك مالا يعلمه خلقه فى قوله - سبحانه - ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده
ولكن لا تفقهون تسبيحهم ..
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢٥ .

٥٦٧
سورة الكهف
فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم ، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها - سبحانه - ونحن
لا نعلمها .
ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت فى صحيح مسلم أن النبى - صل * - قال: ((إنى
لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة )) . وما ثبت فى صحيح البخارى من حنين الجذع الذى كان
يخطب عليه - * - حزنا لفراقه .
فتسليم ذلك الحجر ، وحنين ذلك الجزع ، كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن
لا نعلمه .. (١) .
١٢ - أن صلاح الأباء ينفع الأبناء. بدليل قوله - تعالى - : ﴿وكان أبوهما صالحا﴾.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ فى
ذريته وتشمل بركة عبادته ما ينفعهم فى الدنيا والآخرة ، بشفاعته فيهم ، ورفع درجتهم إلى
أعلى درجة فى الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء فى القرآن ووردت السنة به .
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما .
١٣ - أن على الصاحب أن لا يفارق صاحبه حتى يبين له الأسباب التى حملته على ذلك ،
فأنت ترى أن الخضر قد قال لموسى: ((هذا فراق بينى وبينك ، سأنبئك بتأويل مالم تستطع
عليه صبرا))(٢) أى : قبل مفارقتى لك سأخبرك عن الأسباب التى حملتنى على فعل ما فعلت مما
لم تستطع معه صبرا .
ويفهم من ذلك أن موافقة الصاحب لصاحبه - فى غير معصية الله - تعالى - على رأس
الأسباب التى تعين على دوام الصحبة وتقويتها ، كما أن عدم الموافقة ، وكثرة المخالفة ، تؤدى
إلى المقاطعة .
كما يفهم من ذلك - أيضاً - أن المناقشة والمحاورة متى كان الغرض منها الوصول إلى
الحق ، وإلى المزيد من العلم ، وكانت بأسلوب مهذب ، وبنية طيبة ، لا تؤثر فى دوام المحبة
والصداقة ، بل تزيدهما قوة وشدة .
نسأل الله - تعالى - أن يؤدبنا بأدبه ، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا .
ثم ساق - سبحانه - قصة ذى القرنين ، وهى القصة الرابعة والأخيرة فى السورة فقد
سبقتها قصة أصحاب الكهف . وقصة صاحب الجنتين وقصة موسى والخضر .
(١) راجع أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن جـ ٤ ص ١٧٨ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٨٣ .

٥٦٨
المجلد الثامن
استمع إلى القرآن الكريم وهو يقص علينا بأسلوبه البليغ المؤثر خبر ذى القرنين فيقول :
٠
وَيَسْتَلُونَكَ
عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا !
إِنَّا مَكَّالَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا (٥) فَأَنْبَعَ سَبَبًا
؛ حَّ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَ هَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِنَّةٍ
٨٥
٠
وَوَجَدَ عِندَ هَا قَوْمَاً قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَا أَنْ نَشَّخِذَ
فِيِهِمْ حُسْنَا (٦)، قَالَ أَمَا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّيُرَدُّإِلَى رَبِّهِ،
فَيُعَذِّبُهُ, عَذَابَاتِّكْرًا)، وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُ جَزَآءً
اْحُسْنِى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِ نَا يُسْرًا ﴿ٌ، ثُمَنبَعَ سَبَبًا ﴾، حَتَّى
إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمِن
دُونِهَا سِتْرَ ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَ حَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً ا)، ثُمَّ أَنْبَعَ
سَبَبًا ﴾، حَتَّى إِذَابَلَغَ بَّنَ السََّّبْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا
لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلَ ﴿٢) قَالُوْيَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ بَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَاوَيْنَهُ
سَدَّا ﴿ قَالَ مَا مَكّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَدْمَاَ)َاتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
قَالَ أَنفُخُواْ حَتَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَانُونِ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا !
٩٦

٥٦٩
سورة الكهف
فَمَا أَسْطَعُوْأَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَعُوْ لَهُ نَقْبًا!
٩٧١
قَالَ هَذَارَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُرَبِى جَعَلَهُ ذَكَاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبٍِ
٩٨
حَقًّا
وقوله - سبحانه -: ﴿ويسألونك عن ذى القرنين .. ﴾ معطوف على قصة موسى
والخضر - عليهما السلام - عطف القصة على القصة .
قال البقاعى : كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم ، وكانت
قصة ذى القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد فى سبيل الله ، ولما كان العلم أساس
الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذى القرنين .. (١) .
والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود ، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة
أصحاب الكهف. أن اليهود قالوا لوفد قريش: سلوه - أى الرسول - صل19 - عن ثلاث
نأمركم بهن .. سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من أمرهم .. وسلوه عن رجل
طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها .. وسلوه عن الروح .
وجاء التعبير بصيغة المضارع - مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم - لاستحضار الصورة
الماضية ، أو للدلالة على أنهم استمروا فى لجاجهم إلى أن نزلت الآيات التى ترد عليهم .
أما ذو القرنين ، فقد اختلفت فى شأنه أقوال المفسرين اختلافا كبيرا، لعل أقربها إلى
الصواب ما أشار إليه الآلوسى بقوله: وذكر أبو الريحان البيرونى فى كتابه المسمى ((بالآثار
الباقية عن القرون الخالية))، أن ذا القرنين هو أبو كريب الحميرى ، وهو الذى : افتخر به
تبع اليمنى حيث قال :
قد كان ذو القرنين جدى مسلما ملكا علا فى الأرض غير مفند
أسباب ملك من حكيم مرشد
بلغ المغارب والمشارق يبتغى
ثم قال أبو الريجان : ويشبه أن يكون هذا القول أقرب ، لأن ملوك اليمن كانوا يلقبون
بكلمة ذى . كذى نواس ، وذى يزن . إلخ . (٢) .
(١) نظم الدرر البقاعى جـ ١٢ ص ١٢٨.
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٧ .

٥٧٠
المجلد الثامن
ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا : ليس هو الإِسكندر المقدوثى الملقب بذى القرنين .
تلميذ أرسطو ، فإن الإِسكندر هذا كان وثنيا .. بخلاف ذى القرنين الذى تحدث عنه القرآن ،
فإنه كان مؤمنا بالله - تعالى - ومعتقدا بصحة البعث والحساب .
والرأى الراجح أنه كان عبدا صالحا ، ولم يكن نبيا .
ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى - عليه السلام - ، ويرى آخرون غير ذلك ومن
المعروف أن القرآن الكريم يهتم فى قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة ، لا ببيان
الزمان أو المكان للأشخاص .
وسمى بذى القرنين - على الراجح - لبلوغه فى فتوحاته قرنى الشمس من أقصى المشرق
والمغرب .
والمعنى : ويسألك قومك - يا محمد - عن خبر ذى القرنين وشأنه .
((قل)) لهم - على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك. ((سأتلو عليكم منه ذكرا)).
والضمير فى ((منه)) يعود على ذى القرنين و((من)) للتبعيض.
أى : قل لهم: سأتلو عليكم من خبره - وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن
الذى أوحاه اللّه إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون .
ثم بين - سبحانه - ما أعطاه الله لذى القرنين من نعم فقال: ﴿ إنا مكنا له فى الأرض
وآتيناه من كل شىء سببا . فأتبع سببا ﴾ .
وقوله: (( مكنا )) من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل التى جعلته صاحب نفوذ وسلطان فى
أقطار الأرض المختلفة . والمفعول محذوف ، أى : إنا مكنا له أمره من التصرف فيها كيف
يشاء . بأن أعطيناه سلطانا وطيد الدعائم ، وآتيناه من كل شىء أراده فى دنياه لتقوية ملكه
((سببا)) أى سبيلا وطريقا يوصله إلى مقصوده ، كآلات السير ، وكثرة الجند ، ووسائل البناء
والعمران .
وهذه الأسباب التى أعطاها الله إياه ، لم يرد حديث صحيح بتفصيلها ، فعلينا أن نؤمن بأن
الله - تعالى - قد أعطاه وسائل عظيمة لتدعيم ، ملكه ، دون أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض
المفسرين من إسرائيليات لا قيمة لها .
والفاء فى قوله ﴿ فأتبع سببا ﴾ فصيحة . أى: فأراد أن يزيد فى تدعيم ملكه، فسلك
طريقا لكى يوصله إلى المكان الذى تغرب فيه الشمس .

٥٧١
سورة الكهف
حتى إذا بلغ مغرب الشمس ﴾ أى حتى إذا وصل إلى منتهى الأرض المعمورة فى زمنه
من جهة المغرب .
وجدها تغرب فى عين حمئة ﴾ أى: رآها فى نظره عند غروبها ، كأنها تغرب فى عين
مظلمة ، وإن لم تكن هى فى الحقيقة كذلك .
وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ماء فإنه يراها كأنها تشرق منه وتغرب فيه ،
كما أن الذى يكون فى أرض ملساء واسعة ، يراها كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها .
وحمئة : أى : ذات حمأة وهى الطين الأسود . يقال: حمأَّتِ البئر تَحمأُ حَماً ، إذا صارت فيها
الحمأة وهى الطينة السوداء .
وقرأ ابن عامر ، وحمزة، والكسائى: ((وجدها نغرب فى عين حامية)) أى: حارة . اسم
فاعل من ◌َِى يَحْمَى ◌َمْياً .
ووجد عندها قوما ﴾ أى : ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما .
الظاهر أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة ، فدعاهم ذو القرنين إلى عبادة الله
- تعالى - وحده ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فخيره الله - تعالى - فيهم فقال: ﴿ قلنا
ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ﴾.
أى : قال الله - تعالى - له عن طريق الالهام ، أو على لسان ملك أخبره بذلك : ياذا
القرِنين إما أن تعذب هؤلاء القوم الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو غيره ، وإما أن تتخذ فيهم
أمراً ذا حسن ، أو أمرا حسنا ، تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية .
ثم حكى الله - تعالى - عنه فى الجواب ما يدل على سلامة تفكيره ، فقال: ﴿ قال أما
من ظلم .. ﴾ أى: قال ذو القرنين فى الرد على تخيير ربه له فى شأن هؤلاء القوم، يارب: أما
من ظلم نفسه بالإصرار على الكفر والفسوق والعصيان ((فسوف نعذبه)) فى هذه الدنيا بالقتل
وما يشبهه. ثم يرد هذا الظالم نفسه إلى ربه - سبحانه - فيعذبه فى الآخرة عذابا (نكرا))
أى : عذابا فظيعا عظيما منكرا وهو عذاب جهنم .
((وأما من آمن وعمل عملا صالحا)» يقتضيه إيمانه ((فله)) فى الدارين ((جزاء الحسنى))
أى : فله المثوبة الحسنى ، أو الفعلة الحسنى وهى الجنة .
((وسنقول له)) أى لمن آمن وعمل صالحا ((من أمرنا)) أى مما نأمره به قولا ((يسرا))
لا صعوبة فيه ولا مشقة ولا عسر .

٥٧٢
المجلد الثامن
فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد اتبع فى حكمه الطريق القويم ،
والأسلوب الحكيم ، الذى يدل على قوة الإِيمان ، وصدق اليقين ، وطهارة النفس .
إنه بالنسبة للظالمين ، يعذب ، ويقتص ، ويرهب النفوس المنحرفة ، حتى تعود إلى
رشدها ، وتقف عند حدودها .
وبالنسبة للمؤمنين الصالحين ، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح واستقامتهم
بالتكريم والقول الطيب ، والجزاء الحسن .
وهكذا الحاكم الصالح فى كل زمان ومكان : الظالمون والمعتدون .. يجدون منه كل شدة
تردعهم وتزجرهم وتوقفهم عند حدودهم .
والمؤمنون والمصلحون يجدون منه كل تكريم وإحسان واحترام وقول طيب .
وقوله: ﴿ ثم أتبع سببا﴾ بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس.
أى: وبعد أن بلغ مغرب الشمس ، ونال مقصده ، كر راجعا من جهة غروب الشمس إلى
جهة شروقها .
﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس﴾ أى: حتى إذا كر راجعا وبلغ منتهى الأرض المعمورة فى
زمنه من جهة المشرق .
وجدها﴾ أى الشمس ﴿تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا﴾ أى: لم نجعل
لهم من دون الشمس ما يستقرون به من البناء أو اللباس ، فهم قوم عراة يسكنون الأسراب
والكهوف فى نهاية المعمورة من جهة المشرق .
وقوله: ﴿ كذلك﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أى: أمر ذى القرنين كذلك من حيث إنه آتاه
الله من كل شىء سبيا ، فبلغ ملك مشارق الأرض ومغاربها .
وقوله ﴿ وقد أحطنا بما لديه خبرا ﴾ بيان لشمول علم الله - تعالى - بأحوال ذى القرنين
الظاهرة والباطنة ولأحوال غيره .
أى : كذلك كان شأن ذى القرنين . وقد أحطنا إحاطة تامة وعلمنا علما لا يعزب عنه شىء ،
بما كان لدى ذى القرنين من جنود وقوة وآلات ... وغير ذلك من أسباب الملك والسلطان .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ثم أتبع سببا﴾ بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس
ومشرقها .
أى : ثم بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها ... سار فى طريق ثالث معترض بين المشرق
والمغرب ، آخذا فيه ﴿ حتى إذا بلغ﴾ فى مسيره ذلك ﴿بين السدين﴾ أى : الجبلين،
وسمى الجبل سدا، لأنه سد فجا من الأرض .

٥٧٣
سورة الكهف
قالوا : والسدان هما جبلان من جهة أرمينية وأذربيجان ، وقيل هما فى نهاية أرض الترك مما
يلى المشرق :
وجد من دونها ﴾ أى: من دون السدين ومن ورائهما ﴿قوما﴾ أى: أمة من الناس
لغتهم لا تكاد تعرف لبعدهم عن بقية الناس ، ولذا قال - سبحانه - .
﴿ لا يكادون يفقهون قولا ﴾ أى: لا يكاد هؤلاء القوم يفهمون أو يقرءون ما يقوله
الناس لهم ، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم ، ولا يعرف الناس - أيضا - ما يقوله هؤلاء القوم
لهم ، لشدة عجمتهم .
قالوا ﴾ أى: هؤلاء القوم لذى القرنين: ﴿ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون
فى الأرض ﴾.
ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان ، قيل : مأخوذان من الأوجة وهى الاختلاط أو شدة
الحر : وقيل : من الأوج وهو سرعة الجرى .
واختلف فى نسبهم ، فقيل : هم من ولد يافث بن نوح والترك منهم . وقيل : يأجوج من
الترك ، ومأجوج من الديلم .
أى : قال هؤلاء القوم - الذين لا يكادون يفقهون قولا - لذى القرنين ، بعد أن توسموا
فيه القوة والصلاح .. ياذا القرنين إن قبيلة يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض بشتى أنواع
الفساد والنهب والسلب .
وفى الصحيحين من حديث زينب بنت جحش - رضى الله عنها - قالت : استيقظ رسول
الله - وَل - من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد
اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق - بين أصابعه - قلت :
يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث».
وقوله - تعالى - ﴿ فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾ حكاية لما
عرضه هؤلاء القوم على ذى القرنين من عروض تدل على ثقتهم فيه وحسن أدبهم معه ، حيث
خاطبوه بصيغة الاستفهام الدالة على أنهم يفوضون الأمر إليه .
والخَّرْج : اسم لما يخرجه الإِنسان من ماله لغيره . وقرأ حمزة والكسائى خراجا : وهما بمعنى
واحد ، وقيل الخرجة : الجزية . والخراج: اسم لما يخرجه عن الأرض .
أى : فهل نجعل لك مقدارا كبيرا من أموالنا على سبيل الأجر ، لكى تقيم بيننا وبين قبيلة
يأجوج ومأجوج سدا يمنعهم من الوصول إلينا . ويحول بيننا وبينهم ؟

٥٧٤
المجلد الثامن
وهنا يرد عليهم ذو القرنين - كما حكى القرآن عنه بما يدل على قوة إيمانه وحرصه على -
إحقاق الحق وإبطال الباطل . فيقول ﴿ قال ما مكنى فيه ربى خير ... ﴾.
أى : قال ذو القرنين لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا : إن ما بسطه الله
- تعالى - لى من الرزق والمال والقوة .. خير من خرجكم ومالكم الذى تريدون أن تجعلوه لى
فى إقامة السد بينكم وبين يأجوج ومأجوج، فوفروا عليكم أموالكم ، وقفو إلى جانبى
فأعينونى ﴾ بسواعدكم وبآلات البناء ﴿بقوة﴾ أى: بكل ما أتقوى به على المقصود
وهو بناء السد، لكى ﴿أجعل بينكم) وبين يأجوج ومأجوج ((ردما)).
أى : حاجزاً حصينا . وجدارا متينا ، يحول بينكم وبينهم .
والردم : الشىء الذى يوضع بعضه فوق بعض حتى يتصل ويتلاصق . يقال : ثوب مردم ،
أى : فيه رقاع فوق رقاع. وسحاب مردم ، أى: متكاتف بعضه فوق بعض . ويقال : ردمت
الحفرة ، إذا وضعت فيها من الحجارة والتراب وغيرهما ما يسويها بالأرض .
قال ابن عباس : الردم أشد الحجاب .
وجملة ﴿ أجعل بينكم وبينهم ردما﴾ جواب الأمر فى قوله: ﴿فأعينونى بقوة
ثم شرع فى تنفيذ ما راموه منه من عون فقال لهم: ﴿ آتوني زبر الحديد .. ﴾.
والزبرَ - كالغُرَف - جمع زُبرة - كغرفة - وهى القطعة الكبيرة من الحديد وأصل الزبر .
الاجتماع ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله . ويقال : زبرت الكتاب أى كتبته
وجمعت حروفه .
١
..-
. أى : أحضروا لى الكثير من قطع الحديد الكبيرة ، فأحضروا له ما أراد ﴿ حتى إذا ساوى
بين الصدفين ﴾ أى بين جانبى الجبلين . وسمى كل واحد من الجانبين صدفا . لكونه مصادفا
ومقابلا ومحاذيا للآخر ، مأخوذ من قولهم صادفت الرجل : أى: قابلته ولا قيته ، ولذا لا يقال
للمفرد صدف حتى يصادفه الآخر ، فهو من الأسماء المتضايفة كالشفع والزوج .
وقوله : ﴿ قال انفخوا﴾ أى النار على هذه القطع الكبيرة من الحديد الموضوع بين
الصدفين .
وقوله : ﴿ حتى إذا جعله نارا ﴾ أى: حتى إذا صارت قطع الحديد الكبيرة كالنار فى
احمرارها وشدة توهجها ﴿ قال آتونى أفرغ عليه قطرا﴾ أى: نحاسا أو رصاصا مذابا،
وسمى بذلك لأنه إذا أذيب صار يقطر كما يقطر الماء .
أى : قال لهم أحضروا لى قطع الحديد الكبيرة ، فلما أحضروها له ، أخذ يبنى شيئا فشيئا

٥٧٥
سورة الكهف
حتى إذا ساوى بين جانبى الجبلين بقطع الحديد ، قال لهم : أوقدوا النار وانفخوا فيها بالكيران
وما يشبهها لتسخين هذه القطع من الحديد وتليينها ، ففعلوا ما أمرهم به ، حتى صارت تلك
القطع تشبه النار فى حرارتها وهيئتها ، قال أحضروا لى نحاسا مذابا ، لكى أفرغه على تلك
القطع من الحديد لتزداد صلابة ومتانة وقوة .
وبذلك يكون ذو القرنين قد لبى دعوة أولئك القوم فى بناء السد . وبناه لهم بطريقة محكمة
سليمة ، اهتدى بها العقلاء فى تقوية الحديد والمبانى فى العصر الحديث .
وكان الداعى له لهذا العمل الضخم ، الحيلولة بين هؤلاء القوم ، وبين يأجوج ومأجوج
الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون .
ولقد أخبر القرآن الكريم بأن ذا القرنين بهذا العمل جعل يأجوج ومأجوج يقفون عاجزين
أمام هذا السد الضخم المحكم فقال: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ، وما استطاعوا له نقبا ﴾.
أى : فما استطاع قوم يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد ، أو يرقوا فوقه لملاسته
وارتفاعه ، وما استطاعوا - أيضاً - أن يحدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته ومتانته وثخانته .
ووقف ذو القرنين أمام هذا العمل العظيم ، مظهرا الشكر لله - تعالى - ، والعجز أمام
قدرته - عز وجل - شأن الحكام الصادقين فى إيمانهم ، الشاكرين لخالقهم توفيقه إياهم لكل
خیر .
وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه ..: ﴿ هذا رحمة من ربى ﴾.
أى : هذا الذى فعلته من بناء السد وغيره ، أثر من آثار رحمة ربى التى وسعت كل شىء .
فإذا جاء وعد ربى ﴾ الذى حدده لفناء هذه الدنيا ونهايتها ، أو الذى حدده لخروجهم
منه ﴿ جعله دكاء﴾ أى: جعل هذا السد أرضا مستوية، وصيره مدكوكا أى: بمساواة
الأرض . ومنه قولهم : ناقة دكاء أى : لاسنام لها .
. وكان وعد ربى حقا﴾ أى: وكان كل ما وعد الله - تعالى - به عباده من ثواب
وعقاب وغيرهما ، وعدا حقا لا يتخلف ولا يتبدل ، كما قال - سبحانه -: ﴿وعد الله
لا يخلف الله وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
وبذلك نرى فى قصة ذى القرنين ما نرى من الدروس والعير والعظات ، التى من أبرزها .
أن التمكين فى الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده . وأن السير فى الأرض لإحقاق الحق
وإبطال الباطل من صفات المؤمنين الصادقين ، وأن الحاكم العادل من صفاته : ردع الظالمين عن
ظلمهم ، والإِحسان إلي المستقيمين المقسطين ، والعمل على ما يجعلهم يزدادون استقامة

٥٧٦
المجلد الثامن
وفضلا ، وأن من معالم الخلق الكريم ، أن يعين الإِنسان المحتاج إلى عونه ، وأن يقدم له
ما يصونه عن الوقوع تحت وطأة الظالمين المفسدين ، وأن من الأفضل أن يحتسب ذلك عند الله
- تعالى - . وان لا يطلب من المحتاج إلى عونه أكثر من طاقته .
كما أن من أبرز صفات المؤمنين الصادقين: أنهم ينسبون كل فضل إلى الله - تعالى - وإلى
قدرته النافذة ، وأنهم يزدادون شكرا وحمداً له - تعالى - كلما زادهم من فضله ، وما أجمل
وأحكم أن تختتم قصة ذى القرنين بقوله - تعالى -: ﴿ قال هذا رحمة من ربى ، فإذا جاء وعد
ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقا﴾ .
٠
ثم تسوق السورة الكريمة بعد قصة ذى القرنين آيات تذكر الناس بأهوال يوم القيامة ،
لعلهم يتوبون ويتذكرون .
استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور ذلك فتقول :
وَتَكْنَابَعْضَهُمْ يَوْمَبِذٍ يَمُويُ فِ بَعْضِ وَتُفْخَ فِ الضُّورِ
تَجَمَعْنَهُمْ جَمْعَالٌ، وَعَرَضْنَاجَهَتَّمَ يَوْمَيِذٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا
١٠٠
الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ
سَمْعَال ◌َأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ يَتَّخِذُ واْ عِبَادِى مِنْ دُونِّ
أَوْلِيَ إِنَّا أَعْنَدْنَا جَهَنَّ ◌ِلْكَفِنَ نْلاً
١٠٢٧
وقوله: ﴿وتركنا) بمعنى جعلنا وصيرنا، والضمير المضاف فى قوله ((بعضهم)» يعود إلى
يأجوج ومأجوج، والمراد ((بيومئذ)»: يوم تمام بناء السد الذى بناه ذو القرنين.
وقوله - سبحانه - ﴿ يموج) من الموج بمعنى الاضطراب والاختلاط يقال: ماج البحر
إذا اضطرب موجه وهاج واختلط . ويقال : ماج القوم إذا اختلط بعضهم ببعض وتزاحموا
حائرين فزعين .
والمعنى وجعلنا وصيرنا بمقتضى حكمتنا وإرادتنا وقدرتنا ، قبائل يأجوج ومأجوج يموج

٥٧٧
سورة الكهف
بعضهم فى بعض . أى : يتزاحمون ويضطربون من شدة الحيرة لأنهم بعد بناء السد ، صاروا
لا يجدون مكانا ينفذون منه إلى ما يريدون النفاذ إليه ، فهم خلفه فى اضطراب وهرج .
ويجوز أن يكون المراد بيومئذ: يوم مجىء الوعد بخروجهم وانتشارهم فى الأرض ، وهذا
الوعد قد صرحت به الآية السابقة فى قوله - تعالى - ﴿ فإذا جاء وعد ربی جعله دکاء وکان
وعد ربى حقا ﴾ .
فيكون المعنى : وتركنا قبائل يأجوج ومأجوج ، يوم جاء وعد الله بجعل السد مدكوكا
ومتساويا مع الأرض ، يموج بعضهم فى بعض ، بعد أن خرجوا منتشرين فى الأرض ، وقد
تزاحموا وتكاثروا واختلط بعضهم ببعض .
قال الفخر الرازى: اعلم أن الضمير فى قوله ((بعضهم)» يعود إلى يأجوج ومأجوج.
وقوله : ( يومئذ ) فيه وجوه :
الأول : أن يوم السد ماج بعضهم فى بعض خلفه لما منعوا من الخروج .
الثانى : أنه عند الخروج يموج بعضهم فى بعض . قيل : إنهم حين يخرجون من وراء السد
يموجون مزدحمين فى البلاد .
الثالث : أن المراد من قوله ( يومئذ ) يوم القيامة .
وكل ذلك محتمل ، إلا أن الأقرب أن المراد به : الوقت الذى جعل الله فيه السد دكا فعنده
ماج بعضهم ونفخ فى الصور، وصار ذلك من آيات القيامة))(١) .
وقال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ﴾ الضمير فى
تركنا﴾ لله - تعالى - أى: تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم فى بعض.
وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج ((يومئذ)) أى: يوم كمال السد يموج بعضهم فى بعض،
واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم فى بعض .
وقيل : تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السدِّ يموجون فى الدنيا مختلطين لكثرتهم . فهذه
أقوال ثلاثة : أظهرها أوسطها وأبعدها آخرها . وحسن الأول ، لأنه تقدم ذكر القيامة فى تأويل
قوله - تعالى - ﴿ فإذا جاء وعد ربى ﴾(٢).
وقوله - سبحانه - ﴿ ونفخ فى الصور فجمعناهم جمعا ﴾ بيان لعلامة من علامات قيام
الساعة .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢١ ص ١٧٢ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٦٥ .

٥٧٨
المجلد الثامن
والنفخ لغة : إخراج النفس من الفم لإحداث صوت معين . والصور : القرن الذى ينفخ
فيه إسرافيل - عليه السلام - نفخة الصعق والموت ، ونفخة البعث والنشور ، كما قال
- تعالى - : ﴿ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ، ثم
نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾(١) .
والمعنى : وتركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم فى بعض . وأمرنا إسرافيل بالنفخ فى
الصور ، فجمعناهم وجميع الخلائق جمعا تاما ، دون أن نترك أحدا من الخلائق بدون إعادة إلى
الحياة ، بل الكل مجموعون ليوم عظيم هو يوم البعث والحساب .
والمراد بالنفخ هنا : النفخة الثانية التى يقوم الناس بعدها من قبورهم للحساب ، كما
أشارت إلى ذلك آية سورة الزمر السابقة .
وفى التعبير بقوله: ﴿ فجمعناهم جمعا﴾. أى: جمعناهم جمعا. تاما كاملا لا يشذ عنه
أحد، ولا يفلت منه مخلوق، كما قال - سبحانه -: ﴿قل إن الأولين والآخرين
المجموعون . إلى ميقات يوم معلوم ﴾.
هذا ، وهنا مسألة تكلم عنها العلماء ، وهى وقت خروج يأجوج ومأجوج .
فمنهم من يرى أنه لا مانع من أن يكونوا قد خرجوا ، بدليل ما جاء فى الحديث الصحيح
من أن الرسول - ## - قال : ويل للعرب من شر قد اقترب . فتح اليوم من سد يأجوج
ومأجوج مثل هذا ، وحلق أى بين أصابعه .
ولأن الآيات الكريمة تقول: ﴿فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء .. ﴾ ووعد اللّه لا مانع من
أن يكون قد أتى .
قال الشيخ القاسمى : والغالب أن المراد بخروجهم هذا خروج المغول التتار . وهم من
نسل يأجوج ومأجوج - وهو الغزو الذى حصل منهم للأمم فى القرن السابع الهجرى . وناهيك
بما فعلوه إذ ذاك فى الأرض من فساد .. )) (٢).
وقال الشيخ المراغى عند تفسير قوله - تعالى - : ﴿وكان وعد ربى حقا﴾ وقد جاء
وعده - تعالى - بخروج جنكيز خان وسلائله فعاتوا فى الأرض فساداً .. وأزالوا معالم الخلافة
من بغداد .. (٣).
(١ ) سورة الزمر الآية ٦٨.
( ٢) تفسير القاسمى جـ ١١ ص ١٤١٤ .
( ٣) تفسير المراغى جـ ١٦ ص ٢٠ .

٥٧٩
سورة الكهف
وقال صاحب الظلال: (( وبعد ، فمن يأجوج ومأجوج ؟ وأين هم الآن ؟ وماذا كان من
أمرهم وماذا سيكون ؟
كل هذه أسئلة تصعب الإِجابة عليها على وجه التحقيق ، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد
فى القرآن ، وفى بعض الأثر الصحيح .
والقرآن يذكر فى هذا الموضع ما حكاه من قول ذى القرنين : ﴿ فإذا جاء وعد ربى جعله
دكاء وكان وعد ربى حقا ﴾ .
وهذا النص لا يحدد زمانا ووعد الله بمعنى وعده بدك السد ، ربما يكون قد جاء منذ أن هجم
التتار وانساحوا فى الأرض . ودمروا المالك تدميرا .
وفى موضع آخر من سورة الأنبياء : ﴿ حتی إذا فتحت یأجوج ومأجوج وهم من كل حدب
ينسلون. واقترب الوعد الحق ﴾.
وهذا النص - أيضاً - لا يحدد زمانا معينا لخروجهم ، فاقتراب الوعد الحق ، بمعنى
اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول - 08 - فقد جاء فى القرآن: ﴿ اقتربت الساعة
وانشق القمر ﴾ والزمان فى الحساب الإلهى غيره فى حساب البشر ، فقد تمر بين اقتراب
الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون .
وإذا فمن الجائز أن يكون السد قد فتح ما بين: ((اقتربت الساعة))، ويومنا هذا.
وتكون غارات المغول والتتار التى اجتاحت الشرق ، هى انسياح يأجوج ومأجوج .. وكل
ما نقوله ترجيح لا يقين(١) .
هذه بعض حجج القائلين بأنه لا مانع من أن يكون يأجوج ومأجوج قد خرجوا .
وهناك فريق آخر من العلماء ، يرون أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد ، وأن خروجهم
إنما يكون قرب قيام الساعة .
ومن العلماء الذين أيدوا ذلك صاحب أضواء البيان ، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه :
اعلم أن هذه الآية : ﴿فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء ﴾ وآية الأنبياء: ﴿حتى إذا فتحت
يأجوج ومأجوج ) قد دلتا فى الجملة على أن السد الذى بناه ذو القرنين ، دون يأجوج
ومأجوج ، إنما يجعله الله دكا عند مجىء الوقت الموعود بذلك فيه . وقد دلتا على أنه بقرب يوم
(١) فى ظلال القرآن جـ ١٦ ص ٢٢٩٣.

٥٨٠
المجلد الثامن
القيامة .. لأن المراد بيومئذ فى قوله ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض﴾ أنه يوم مجىء وعد
ربى بخروجهم وانتشارهم فى الأرض .
وآية الأنبياء تدل فى الجملة على ما ذكرنا هنا . وذلك يدل على بطلان قول من قال : إنهم
((روسيا)) وأن السد فتح منذ زمن طويل .
والاقتراب الذى جاء فى قوله - تعالى - ﴿ اقتربت الساعة) وفى الحديث: ((ويل
للعرب من شر قد اقترب)) لا يستلزم اقترانه من دك السد ، بل يصح اقترابه مع مهلة .
وهذه الآيات لا يتم الاستدلال بها على أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد - إلا بضميمة
الأحاديث النبوية لها .
ومن ذلك ما رواه الإِمام مسلم فى صحيحه فى ذلك ، وفيه : خروج الدجال وبعث عيسى ،
وقتله للدجال .. ثم يبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون .
فينحاز عيسى ومن معه من المؤمنين إلى الطور .. ثم يرسل الله على يأجوج ومأجوج النغف
فى رقابهم فيموتون .
وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبى - ولي زر - بأن الله يوحى إلى عيسى ابن
مريم بخروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال فمن يدعى أنهم ((روسيا )) وأن السد قد اندك
منذ زمان، فهو مخالف لما أخبر به النبى - صل - مخالفة صريحة لا وجه لها ، ولا شك أن كل
خبر يخالف الصادق المصدوق - * - فهو باطل ، لأن نقيض الخبر الصادق . كاذب ضرورة
كما هو معلوم .
ولم يثبت فى كتاب الله ولا فى سنة نبيه - ﴿ - شىء يعارض هذا الحديث الذى رأيت
صحة سنده ، ووضوح دلالته على المقصود .. ))(١).
والذى يبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب أضواء البيان ، أقرب إلى الحق والصواب للأسباب
التى ذكرها ، ولقرينة تذييل الآيات التى تحدثت عن يأجوج ومأجوج عن أهوال يوم القيامة .
ففى سورة الكهف يقول الله - تعالى - فى أعقاب الحديث عنهم ﴿وتركنا بعضهم يومئذ
يموج فى بعض ، ونفخ فى الصور فجمعناهم جمعا ﴾ .
وفى سورة الأنبياء يقول الله - تعالى -: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل
حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق .. ﴾.
(١) راجع تفسير أضواء البيان جـ ٤ ص ١٨١ وما بعدها للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.