Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ سورة الكهف وهكذا الإِيمان الحق ، يجعل المؤمن يعتز بعقيدته ، ويتجه إلى الله وحده الذى تعنو له الجباه ، ويرجو منه وحده ما هو خير من بساتين الدنيا وزينتها . ثم يختتم - سبحانه - هذه القصة ببيان العاقبة السيئة التى حلت بذلك الرجل الجاحد المغرور صاحب الجنتين فيقول . وَأُحِيطَ بِشَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَيْنَنِى لَمْ أُشْرِفِبِرَبِ أَحَدًا ﴾ وَلَمْ تَكُنْلَّهُ فِئَةٌ يُنَصُرُونَهُمِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿) هُنَا لِكَ الْوَلَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ تَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبَارَا أى : وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه ، أن أهلكت أمواله وأبيدت كلها . فصار يقلب كفيه ظهراً لبطن أسفا وندما ، على ما أنفق فى عمارتها وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء ، ومن جهد كبير ذهب سدى . وقوله - سبحانه -: ﴿ وأحيط بثمره ) معطوف على مقدر محذوف لدلالة السباق والسياق عليه . وأصل الإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه لإِهلاكه واستئصاله . والمعنى : فحدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال الحسبان على بستان صاحبه الجاحد المغرور ((وأحيط بثمره )) بأن هلكت أمواله وثماره كلها . وجاء الفعل (( أحيط)) مبنيا للمجهول ، للإشعار بأن فاعله متيقن وهو العذاب الذى أرسله الله - تعالى - أى : وأحاط العذاب بجنته. وقوله: ﴿ فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ﴾ تصوير بديع لما اعتراه من غم وهم وحسرة وندامة . وتقليب اليدين عبارة عن ضرب إحداهما على الأخرى ، أو أن يبدى ظهرهما ثم بطنها ويفعل ذلك مرارا ، وأيَّامًا كان ففعله هذا كناية عن الحسرة الشديدة ، والندم العظيم . ٥٢٢ المجلد الثامن ((وهى)) أى الجنة التى أنفق فيها ما أنفق ﴿ خاوية على عروشها﴾ أى: ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها . وأصل الخواء السقوط والتهدم . يقال : خوى البيت إذا سقط . كما يطلق على الخلاء من الشىء . يقال : خوى بطن فلان من الطعام أى : خلا منه ، وخوت الدار إذا خلت من سكانها . والعروش جمع عرش ، وهو سقف البيت . والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه ، صارت حطاما وهشيما تذروه الرياح . وجملة: ((ويقول ياليتنى لم أشرك يربى أحدا)) معطوفة على جملة ((يقلب كفيه .. )). أى : صار يقلب كفيه حسرة وندامة لهلاك جنته ، ويقول زيادة فى الحسرة والندامة : يا ليتنى اتبعت نصيحة صاحبى فلم أشرك مع ربى - سبحانه - أحدا فى العبادة أو الطاعة . وهكذا حال أكثر الناس ، يذكرون الله - تعالى - عند الشدائد والمحن ، وينسونه عند السراء والعافية . والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت فجيعة الرجل الجاحد فى جنته تصويرا واقعيا بديعا . فقد جرت عادة الإنسان أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه . ان يعجز عن النطق فى أول وهلة . فإذا ما أفاق من دهشته بدأ فى النطق والكلام . وهذا ما حدث من ذلك الرجل - كما صوره القرآن الكريم - فإنه عند ما رأى جنته وقد تحطمت أخذ يقلب كفيه حسرة وندامة دون أن ينطق ، ثم بعد أن أفاق من صدمته جعل يقول : ياليتنى لم أشرك بربى أحدا . فياله من تصوير بديع. يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - . ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان عظيم قدرته ونفاذ إرادته فقال . ﴿ ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا. هنالك الولاية لله الحق ، هو خير ثوابا وخير عقبا أى : ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت جنته على عروشها ، عشيرة أو أعوان ينصرونه ، أو يدفعون عنه ما حل به ، وإنما القادر على ذلك هو الله - تعالى - وحده ، ٥٢٣ سورة الكهف وما كان هذا الرجل الذى جحد نعم ربه منتصرا لأنه - سبحانه - قد حجب عنه كل وسيلة تؤدى إلى نصره وعونه ، بسبب إيثاره الغى على الرشد ، والكفر على الإِيمان . فالآية الكريمة تبين بجلاء ووضوح ، عجز كل قوة عن نصرة ذلك الرجل المخذول سوى قوة الله - عز وجل - ، وعجز ذلك الرجل فى نفسه عن رد انتقام الله - تعالى - منه. وقوله - سبحانه -: ﴿ هنالك الولاية لله الحق .. ) تقرير وتأكيد للآية السابقة . ولفظ هنالك ظرف مكان . وكلمة ((الولاية)» قرأها الجمهور بفتح الواو ، بمعنى الموالاة والصلة والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة ((الحق)) بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة . فيكون المعنى : فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية - أى الموالاة والصلة - من كل الناس، اللّه - تعالى - وحده إذ الكافر عند ما يرى العذاب يعترف بوحدانية الله - تعالى - كما قال - سبحانه - ﴿ فلما رأو بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين . فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾(١). ويجوز أن يكون المعنى: فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى الموالاة لله - تعالى - وحده ، فيوالى المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على أعدائهم ، كما قال - سبحانه - ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ (٢). وقرأ حمزة والكسائى: ﴿ الولاية) بكسر الواو، بمعنى الملك والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائى لفظ ﴿الحق﴾ بالرفع على أنه نعت للولاية . فيكون المعنى : فى ذلك المقام تكون الولاية الحق ، والسلطان الحق ، لله رب العالمين ، كما قال - سبحانه -: ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن ، وكان يوما على الكافرين عسيرا﴾(٢). قال بعض العلماء: وقوله ((هنالك)) يرى بعضهم أنه متعلق بما بعده ، والوقف تام على قوله ﴿ وما كان منتصرا﴾. ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله . فعلى القول الأول يكون الظرف ((هنالك)) عامله ما بعده أى: الولاية كائنة للّه هنالك. (١) سورة غافر الآيتان ٨٤، ٨٥ . (٢) سورة محمد الآية ١١ . (٣) سورة الفرقان الآية ٢٦ . ٥٢٤ المجلد الثامن وعلى القول الثانى فالعامل فى الظرف اسم الفاعل الذى هو ((منتصرا)). أى: لم يكن انتصاره واقعا هنالك(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ هو خير ثوابا وخير عقبا ﴾ أى: هو - عز وجل - خير إثابة وإعطاء لأوليائه ، وخير عاقبة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى . وعاقبة الأمر: آخره ومايصير إليه منتهاه. و((ثوابا)) و((عقبا)) منصوبان على التمييز ، بعد صيغة التفضيل ((خير)) التى حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال ابن مالك - رحمه الله - : وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر وبذلك نرى أن هذه القصة التى ضربها الله - تعالى - مثلا للأخيار والأشرار قد بينت لنا بأسلوب بليغ أخاذ ، صور عاقبة الجاحدين المغرورين ؛ وحسن عاقبة الشاكرين المتواضعين ، كما بينت لنا الآثار الطيبة التى تترتب على الإيمان والعمل الصالح ، والآثار السيئة التى يفضى إليها الكفر وسوء العمل ، كما بينت لنا أنّ المتفرد بالولاية والقدرة هو الله - عز وجل - فلا قوة إلا قوته ، ولا نصر إلا نصره ، ولا مستحق للعبادة أحد سواه ، ولا ثواب أفضل من ثوابه ولا عاقبة لأوليائه خير من العاقبة التى يقدرها لهم ، وصدق - سبحانه - حيث يقول : هنالك الولاية للّه الحق ، هو خير ثوابا وخير عقبا ﴾. ثم تنتقل السورة الكريمة من ضرب المثل الجزئى الشخصى ، إلى ضرب مثال آخر عام كلى ، فبينت أن الحياة الدنيا فى قصرها وذهاب زينتها .. كتلك الجنة التى أصبحت حطاما ، بعد اخضرارها وكثرة ثمرها ، كما بينت أن هناك زينة فانية ، وأن هنالك أعمالا صالحة باقية قال - تعالى - : وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَاكُمَاءِ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمَانَذْرُوهُ الرَّخُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرَانَ) (١) تفسير أضواء البيان جـ ٥ ص ١٠٨ . ٥٢٥ سورة الكهف الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيتُ الصَّالِحَتُ (٤٦ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا قال الإِمام الرازى : اعلم أن المقصود : اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا ، وقلة بقائها . والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين .. ))(١). والمعنى . واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما يشبه هذه الحياة الدنيا فى حسنها ونضارتها ، ثم فى سرعة زوال هذا الحسن والنضارة ، لكى لا يركنوا إليها ، ولا يجعلوها أكبر همهم ، ومنتهى آمالهم . وقوله: ﴿ كماء أنزلناه من السماء .. ﴾ بيان للمثل الذى شبه الله - تعالى - به الحياة الدنيا أى : مثلها فى ازدهارها ثم فى زوال هذا الازدهار ، كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء ، فى الوقت الذى نريد إنزاله فيه . فاختلط به نبات الأرض ﴾ والاختلاط والخلط: امتزاج شيئين فأكثر بعضها ببعض . أى : كماء أنزلناه من السماء ، فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض ، فارتوى منه ، وصار قويا بهيجا يعجب الناظرين إليه . وفى التعبير بقوله : ﴿ فاختلط به نبات الأرض ) دون قوله: فاختلط بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء ، وإلى أنه السبب الأساسى فى ظهور هذا النبات ، وفى بلوغه قوته ونضارته . وقوله: ﴿ فأصبح هشيما تذروه الرياح﴾ بيان لما صار إليه هذا النبات من يبوسته وتفتته ، بعد اخضراره وشدته وحسنه . قال القرطبى ما ملخصه: ((هشيما)) أى متكسرا متفتتا، يعنى بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه ، والهشم ، كسر الشىء اليابس . والهشيم من النبات : اليابس المتكسر .. ورجل هشيم : ضعيف البدن . و ((تذروه الرياح)) أى تفرقه وتنسفه .. يقال: ذرت الريح الشىء تذروه ذروا ، إذا طارت به وأذهبته))(٢) . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢١ ص ١٣٠. (٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٤١٣ . ٥٢٦ المجلد الثامن أى : فأصبح النبات بعد اخضراره ، يابسا متفتتا ، تفرقه الرياح وتنسفه وتذهب به حيث شاءت وكيف شاءت . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا فى حسنها وجمال رونقها ، ثم فى سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك ، بحال النبات الذى نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه ، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت . والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - فاختلط . فأصبح .. يزيد الأسلوب القرآنى جمالا وبلاغة ، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التى استمر فيها النبات نضرا جميلا ، ثم صار هشيما تذروه الرياح . وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها ، جميلة عزيزة ، ولكنها سرعان ما تفارقهم ويفارقونها ، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ، ﴿وكان الله على كل شىء مقتدرا﴾ أى: وكان الله - تعالى - وما زال - على كل شىء من الأشياء التى من جملتها الإنشاء والإِفناء ؛ كامل القدرة ، لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء . وقد ذكر - سبحانه - ما يشبه هذه الآية فى سور كثيرة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ، وظن أهلها أنهم قادرون عليها ، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ﴾(١). ثم بين - سبحانه - القيمة الحقيقية للمال وللبنين فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴾ . والمال : اسم لكل ما يتموله الإِنسان ويتملكه من النقود والعقار والحرث والأنعام .. إلخ والبنون : جمع ابن . والزينة : مصدر. والمراد بها هنا ، ما فى الشىء من محاسن ترغب الإنسان فى حبه . أى : المال والبنون زينة يتزين بها الانسان فى هذه الحياة الدنيا، ويتباهى بها على غيره . وإنما كانا كذلك ، لأن فى المال - كما يقول القرطبى - جمالا ونفعا ، وفى البنين قوة ودفعا . (١) سورة يونس الآية ٢٤ . ٥٢٧ سورة الكهف قال الآلوسى : وتقديم المال على البنين - مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة والامداد وغير ذلك .. ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بغير مال فهو فى أضيق حال .. ) (١). وفى التعبير بقوله - سبحانه - زينة ، بيان بديع . وتعبير دقيق لحقيقتهما ، فهما زينة وليسا قيمة ، فلا يصح أن توزن بهما أقدار الناس ، وإنما توزن أقدار الناس بالإِيمان والعمل الصالح ، كما قال - تعالى - ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ولذا جاء التعقيب منه - سبحانه - بقوله : ﴿ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ . أى : المال والبنون زينة يتزين ويتفاخر بها كثير من الناس فى هذه الحياة الدنيا ، وإذا كان الأمر كذلك فى عرف كثير منهم . فإن الأقوال الطيبة ، والأعمال الحسنة ، هى الباقيات الصالحات ، التى تبقى ثمارها للإِنسان ، وتكون عند الله - تعالى - ﴿خير) من الأموال والأولاد ، ثوابا وجزاء وأجرا ﴿ وخير أملا ) حيث ينال بها صاحبها فى الآخرة ما كان يؤمله ويرجوه فى الدنيا من فوز بنعيم الجنة ، أما المال والبنون فكثيرا ما يكونان فتنة . وقد ساق الامام ابن كثير جملة من الآثار فى تعيين المراد بالباقيات الصالحات فقال : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : والباقيات الصالحات : الصلوات الخمس . وقال عطاء بن أبى رياح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : ﴿ والباقيات الصالحات ﴾: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر .. (٢). ويبدو لنا أن قوله - تعالى -: ﴿والباقيات الصالحات ﴾ لفظ عام ، يشمل كل قول ، أو عمل يرضى الله - عز وجل - ويدخل فى ذلك دخولا أوليا : الصلوات الخمس وغيرها مما ذكره المفسرون من أقوال . وسمى - سبحانه - ما يرضيه . من أقوال ، وأعمال بالباقيات الصالحات لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية ، بخلاف زينة الحياة الدنيا فإنها زائلة فانية . قال الامام ابن جرير - رحمه الله - وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : هن جميع أعمال الخير .. لأن ذلك كله من الصالحات التى تبقى لصاحبها فى الآخرة ، وعليها يجازى (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٢٨٦ . ( ٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٥٧ . ٥٢٨ المجلد الثامن ويثاب . وإن الله - عز وجل - لم يخصص من قوله ﴿والباقيات الصالحات خير .. ﴾ بعضا دون بعض فى كتاب، ولا بخبر عن رسوله الله - ) - (١). ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة ، ذلك اليوم الذى تنفع فيه الباقيات الصالحات ، وليس الأموال ولا الأولاد ، فقال - تعالى - : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى ٠١٠٠٠٠٠٠٠ اُلْأَرْضَ بَارِزَةٌ وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًّاَ، وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْأَوَلَ مَرَِّّبَّ زَعَمْتُمْ أَن تَجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا (٥)، وَوُضِعَالْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَافِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَأْ وَ وَجَدُ واْمَا عَمِلُواْ حَاضِرَ أُوَلَا يَظْلِوُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩ والظرف فى قوله : - تعالى - ﴿ويوم نسير الجبال ﴾ منصوب بفعل محذوف تقديره: ((اذكر)). والمراد بتسيير الجبال : اقتلاعها من أماكنها ، وصيرورتها كالعهن المنفوش . أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، أهوال يوم القيامة ، يوم نقتلع الجبال من أماكنها ، ونذهب بها حيث شئنا ، ونجعلها فى الجو كالسحاب ، كما قال - سبحانه - : ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب ﴾ . وكما قال - عز وجل - : ﴿وسيرت الجبال فكانت سرابا ﴾. (١) راجع تفسير ابن جرير جـ ١٥ ص ١٦٧ . ٥٢٩ سورة الكهف وقوله : ﴿وترى الأرض بارزة .. ﴾ بيان لحالة ثانية من أهوال يوم القيامة. أى : وترى - أيها المخاطب - الأرض ظاهرة للأعين دون أن يسترها شىء من جبل ، أو شجر ، أو بنيان . يقال : برز الشىء بروزا ، أى: خرج إلى البراز - بفتح الباء - أى : الفضاء وظهر بعد الخفاء . قال - تعالى - : ﴿ فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة . وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ، فيومئذ وقعت الواقعة ثم بين - سبحانه - حالة ثالثة من أهوال يوم القيامة فقال: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ﴾ . أى : وحشرنا الخلائق جميعا، بأن جمعناهم فى المكان المحدد لجمعهم ، دون أن نترك منهم أحدا ، بل أخرجناهم جميعا من قبورهم لنحاسبهم على أعمالهم . والفعل ((نغادر)) من المغادرة بمعنى الترك، ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء والأمانة وسعى الغدير من الماء غديرا ، لأن السيل ذهب وتركه . ثم تذكر السورة الكريمة حالة رابعة من أهوال يوم القيامة ، هى حالة العرض بعد حالة الجمع فتقول: ﴿وعرضوا على ربك صفا﴾. أى : وأحضروا جميعا إلى ربك مصفوفين فى صف واحد أو فى صفوف متعددة ، ليقضى فيهم - سبحانه - بقضائه العادل . قال الألوسى: أخرج ابن منده فى التوحيد عن معاذ بن جبل، أن النبى - #1 - قال : ((إن الله - تعالى - ينادى يوم القيامة، يا عبادى: أنا اللهلا إله إلا أنا أرحم الراحمين. وأحكم الحاكمين ، وأسرع الحاسبين . أحضروا حجتكم ويسروا جوابكم . فإنكم مسئولون محاسبون . يا ملائكتى أقيموا عبادى صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب)). وفى الحديث الصحيح: (( يجمع اللّه - تعالى - الأولين والآخرين فى صعيد واحد صفوفا يسمعهم الداعى وينفذهم البصر .. )) (١). وقوله - سبحانه - : ﴿لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة .. ﴾ مقول القول محذوف، وجملة (( كما خلقناكم)» نعت لمصدر محذوف. (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٢٨٩ . ٠٠ ٥٣٠ المجلد الثامن والمعنى : ونقول لمنكرى البعث والحساب بعد عرضهم علينا على سبيل التوبيخ والتأنيب : لقد جئتمونا - أيها المكذبون - مجيئا كائنا كمجيئكم عند خلقنا إياكم أول مرة . أى حفاة عراة لا مال معكم ولا ولد . وعبر - سبحانه - بالماضى فى قوله : ﴿لقد جئتمونا .. ﴾ لتحقق الوقوع وتنزيله منزلة الواقع بالفعل . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة . وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء . لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ﴾(١) . ثم ختم - سبحانه - الآية بالانتقال من توبيخهم هذا إلى توبيخ أشد وأقسى فقال : ﴿ بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ﴾ . أى : بل زعمتم أيها المكذبون بالبعث - أن لن نجعل لكم زمانا أو مكانا نجازيكم فيه على أعمالكم ، وأنكرتم إنكاراً مصحوبا بقسم أننا لا نبعث من يموت . قال - تعالى -: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾(٢). ثم صور - سبحانه - أحوال المجرمين عندما يرون مصيرهم السىء فقال - تعالى - : ﴿ ووضع الكتاب ، فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون : يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ﴾ . والمراد بالكتاب : جنسه ، فيشمل جميع الصحف التى كتبت فيها أعمال المكلفين فى دار الدنيا . أى: وأحضرت صحائف أعمال العباد، ووضعت فى ميزانهم ((فترى)) - أيها المخاطب -، ((المجرمين)) كافة، مشفقين، خائفين، مما فيه من جرائم وذنوب ((ويقولون)) على سبيل التفجع والتحسر عند معاينتهم لثقل ميزان سيئاتهم ، وخفة ميزان حسنائهم . ((يا ويلتنا)). والويلة: الهلاك وحلول الشر والقبح والحسرة، وهو - أى لفظ الويلة - : مصدر لا فعل له من لفظه . وهذا النداء على التشبيه بشخص يطلب إقباله . (١) سورة الأنعام الآية ٩٤ . (٢) سورة النحل الآية ٣٨ . ٥٣١ سورة الكهف أى : ويقولون بأسف وندامة وحسرة : يا هلاكنا أقبل فهذا أوان إقبالك . ثم يقولون على سبيل التعجب والدهشة من دقة ما اشتمل عليه هذا الكتاب : ﴿ مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ﴾ ؟ أى : أى شىء ثبت لهذا الكتاب ، حيث نراه لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها علينا ، وسجلها فى صحف أعمالنا . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه . ونفاذ قدرته وكمال عدله ، فقال: ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا﴾. أى : ووجدوا ما عملوه فى الدنيا حاضرا ومسطورا فى صحائف أعمالهم ، ولا يظلم ربك أحدا من العباد ، وإنما يجازى كل إنسان على حسب ما يستحقه من ثواب أو عقاب كما قال - سبحانه -: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفى بنا حاسبين﴾(١) . وكما قال - عز وجل -: ﴿إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾(٢) . قال الإِمام ابن كثير وقوله: ﴿ ولا يظلم ربك أحدا ﴾ أى: فيحكم بين عباده فى أعمالهم جميعها ، ولا يظلم أحدا من خلقه ، بل يغفر ويصفح ويرحم ، ويعذب من يشاء ، بقدرته وحكمته وعدله . وقال الإِمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحبى ، عن القاسم بن عبد الواحد المكى ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغنى حديث عن رجل سمعه من رسول الله - وَ﴿ - فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلى ، فسرت إليه شهرا ، حتى قدمت عليه الشام ، فإذا عبد الله بن أنيس ، فقلت للبواب : قل له جابر على الباب ، فقال: ابن عبد الله ؟ فقلت : نعم ، فخرج يطأ ثوبه ، فاعتنقنى واعتنقته ، فقلت : حديث بلغنى عنك أنك سمعته من رسول الله - وَعليه - فى القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله - * - يقول: يحشر الله - عز وجل - الناس يوم القيامة ، عراة غُرْلاً بَهْماً ، أى : ليس معهم شىء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من ـ (١) سورة الأنبياء آية ٤٧ . (٢) سورة النساء آية ٤٠. ٥٣٢ المجلد الثامن بُعد ، كما يسمعه من قرُب : أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغى لأحد من أهل النار أن يدخل النار ، وله عند أحد من أهل الجنة حق ، حتى أقصه منه ، أى : حتى أمكنه من أخذ القصاص ، وهو أن يفعل به مثل فعله ، ولا ينبغى لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، وله عند رجل من أهل النار حق ، حتى أقصه منه ، حتى اللطمة . قال : قلنا : كيف وإنما نأتى الله - عز وجل - عراة غرلا بها ؟ قال: بالحسنات والسيئات(١) . وبعد أن وضح - سبحانه - من أهوال الحشر ما تخشع له النفوس ، وتهتز له القلوب ، أتبع ذلك بالنهى عن اتخاذ إبليس وذريته أولياء ، وببيان جانب من المصير الأليم الذى ينتظر المجرمين وشركاءهم فقال - تعالى - : وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُ وَاْإِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِرَبِّهِ: أَفَتَتَّخِذُونَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُؤْ مَّا أَشْهَدُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلَّا هـ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اُ لْمُضِلّيْنَ عَضُدًا وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ ٥١ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْلَمُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ قَوْبِقًا (١٥) وَرَءَ الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْأَنَّهُم مُّوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُ واعَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣ فقوله - سبحانه -: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا إبليس تذكير لبنى آدم بالعداوة القديمة بين أبيهم آدم وبين إبليس وذريته . (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٦٢ . ٥٣٣ سورة الكهف والمقصود بهذا التذكير تحذيرهم من وساوسه ، وحضهم على مخالفته ، كما قال - تعالى - : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ﴾(١). والملائكة: جمع ملك . وهم - كما وصفهم الله تعالى -: ﴿ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ (٢) ٠ وآدم : اسم لأبى البشر ، قيل : إنه اسم عبرانى مشتق من أدمه بمعنى التراب . والسجود لغة : التذلل والخضوع . وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة . وإبليس اسم مشتق من الإِبلاس ، وهو الحزن الناشىء عن شدة اليأس وفعله أبلس ، والراجح أنه اسم أعجمى . ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة . والمعنى - واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، سجود تحية واحترام وتوقير ، لا سجود عبادة وطاعة لأن ذلك لا يكون إلا لله رب العالمين . فامتثلوا أمرنا وسجدوا جميعاً، كما قال - تعالى -: ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴾. وجاء العطف فى قوله ﴿ فسجدوا﴾ بالفاء المفيدة للتعقيب ، للإشارة إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد ، استجابة لأمر خالقهم - عز وجل . وقوله - تعالى - ﴿ إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ﴾ بيان لموقف إبليس من أمر الله تعالى، وهو أنه أبى واستكبر وامتنع عن السجود لآدم . وظاهر الآية يفيد أن سبب فسقه عن أمر ربه : كونه من الجن لا من الملائكة إذ من المقرر فى علم الأصول ؛ أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل ، كما فى قولهم ، سرق فقطعت يده . والمعنى : امتثل الملائكة جميعاً أمرنا فسجدوا لآدم ، إلا إبليس فإنه أبى واستكبر ولم يسجد ؛ لأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة ((ففسق عن أمر ربه)» أى. فخرج بذلك عن طاعتنا ، واستحق لعنتنا وغضبنا . وأصل الفسق : الخروج عن الطاعة مأخوذ من قولهم : فسق الرطب فسوقا إذا خرج عن قشره وهو أعم من الكفر ، فيقال للعاصى فاسق ، وللكافر فاسق . (١) سورة فاطر الآية ٦ . ( ٢ ) سورة التحريم الآية ٦ . ٥٣٤ المجلد الثامن قال بعض العلماء ما ملخصه : والخلاف فى كون إبليس من الملائكة أولا مشهور عند أهل العلم . وحجة من قال إنه ليس منهم أمران : أحدهما : عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذى ارتكبه إبليس ، فهم - كما قال الله عنهم: ﴿ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون والثانى : أن الله - تعالى - صرح فى هذه الآية الكريمة بأنه كان من الجن ، والجن غير الملائكة . قالوا : وهو نص قرآنى فى محل النزاع . واحتج من قال بأنه منهم، بما تكرر فى الآيات القرآنية من قوله : ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم ، والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص ومن المعلوم أن الأصل فى الاستثناء الاتصال لا الانقطاع . قالوا : ولا حجة لمن خالفنا فى قوله - تعالى - ﴿كان من الجن)، لأن الجن قبيلة من الملائكة ، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم . وأظهر الحجج فى المسألة . حجة من قال : إنه ليس من الملائكة ، لأن قوله - تعالى - إلا إبليس كان من الجن ﴾ هو أظهر شىء فى الموضوع من نصوص الوحى، والعلم عند الله - تعالى - (١). ومن المفسرين الذين يدل كلامهم على أن إبليس لم يكن من الملائكة . الإِمام ابن كثير ، فقد قال - رحمه الله - قوله: ﴿فسجدوا إلا إبليس كان من الجن﴾ أى: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار ، وأصل خلق الملائكة من نور ، كما ثبت فى صحيح مسلم ، عن عائشة عن رسول الله - ﴿ - أنه قال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)). فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه ، وخانه الطبع عند الحاجة ، وذلك أنه قد توسم بأفعال الملائكة ، وتشبه بهم ، وتعبد وتنسك فلهذا دخل فى خطابهم ، وعصى بالمخالفة . ونبه - تعالى - هاهنا على أنه ((من الجن)) أى: ((أنه خلق من نار .. )) (٢). (١) تفسير أضواء البيان جـ ٤ ص ١٢٠ . ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٦٣ . ٥٣٥ سورة الكهف ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالإِنكار والتوبيخ والتعجيب ممن يتبع خطوات إبليس وذريته فقال : ﴿ أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو ، بئس للظالمين بدلا أى : أفبعد أن ظهر لكم - يا بنى آدم - ما ظهر من فسوق إبليس عن أمر ربه ، تتخذونه وذريته الذين نهجوا نهجه ، أولياء ، وأصفياء من دونى ، فتطيعونهم بدل أن تطيعونى ، والحال أن إبليس وذريته لكم عدو ؟ لاشك أن من يفعل ذلك منكم يكون قد استبدل الذى هو أدنى بالذي هو خير ، وآثر الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية ، والفسوق على الإِيمان !! . فالجملة الكريمة تستبعد من كل عاقل ، أن يطيع إبليس وذريته ، بعد أن تبين له عداوتهم إياه ، وحرصهم على إيقاعه فى موارد الهلكة والسوء . وقوله : ﴿وذريته ﴾ يدل على أن لإبليس ذرية، إلا أن الطريقة التى بواسطتها كانت له الذرية ، لم يرد بها نص صحيح يعتمد عليه، لذا وجب تفويض علمها إلى - اللّه تعالى - . قال الألوسى عند تفسيره لهذه الآية : والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد فتكون الآية دالة على أن له أولادا ، وبذلك قال جماعة .. وعن قتادة أنه قال: إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم . ثم قال الآلوسى : ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته ، فكثير من الأشياء مجهول الكيفية عندنا ، ونقول(٢) به. وقوله - تعالى - : ﴿ بئس للظالمين بدلا ﴾ حكم منه - سبحانه - بسوء التفكير والمصير على المتخذين إبليس وذريته أولياء من دونه - تعالى - وبئس فعل يفيد الذم ، والبدل : العوض عن الشىء . أى بئس للظالمين ، الواضعين للشىء فى غير موضعه ، ما فعلوه من تركهم طاعة الله - تعالى - وأخذهم فى مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته . والمخصوص بالذم محذوف دل عليه المقام والتقدير : بئس البدل والعوض عن طاعة الله - تعالى - طاعة إبليس وذريته . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه وقدرته ، وعلى عجز وجهالة المعبودين من دونه ، فقال - تعالى -: ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ﴾. ( ٢) تفسير الألوسى جـ ١٥ من ٢٩٥ . ٥٣٦ المجلد الثامن والضمير فى قوله (( ما أشهدتهم)) يعود إلى إبليس وذريته، والإِشهاد : بمعنى الإِحضار والإِعلام . أى : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض ، لأنى خلقتهما دون أن أستعين فى خلقهما بأحد ، أو لأنى خلقتهما قبل خلقهم ، ﴿ولا خلق أنفسهم ﴾ أى: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض ، لأنى لا أستعين بأحد حين أخلق ما أشاء ، ولا أستشير أحدا حين أقدر ما أشاء . وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم أولياء وشركاء من دونى وأنا الخالق لكل شىء ، والقاهر فوق كل شىء ؟ . فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - ، ولبيان عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكور فى أنفسهم ، بعد بيان المواقع والصوارف التى تمنع وتصرف عن اتخاذهم أولياء ، من خبائة أصلهم ، وفسوقهم عن أمر ربهم . وهذا المعنى الذى صرحت به الآية الكريمة من تفرد الله - تعالى - بالخلق والقدرة . قد جاء فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - ﴿ هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه ، بل الظالمون فى ضلال مبين ﴾(١). وقوله - سبحانه - ﴿ وما كنت متخذ المضلين عضدا ﴾ مؤكد لما قبله من نفرده - سبحانه - بالخلق والقدرة والعلم . والعضد - بفتح العين وضم الضاد - فى الأصل ، يطلق على العضد المعروف ما بين المرفق إلى الكتف ، ويستعار للمعين والناصر فيقال : فلان عضدى ، أى : نصيرى . ومنه قوله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - ﴿ سنشد عضدك بأخيك ﴾ أى : سنقويك ونعينك بأخيك هارون وذلك لأن اليد قوامها العضد ، فإذا فقدته أصابها العجز . أى : وما كنت متخذ المضلين عن سبيلى أعوانا وأنصاراً فى شأن من شئونى ، وخص - سبحانه - المضلين بالذكر ، زيادة فى ذمهم وتوبيخهم ، وتقربعا لأمثالهم ، لأنه - عز وجل - ليس له أعوان ولا أنصار فيما يفعله لا من المضلين ولا من المهتدين . ولم يقل - سبحانه - وماكنت متخذهم .. بالإِضمار، كما قال: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ بل (١) سورة لقمان الآية ١١. ٥٣٧ سورة الكهف أظهر فى مقام الإِضمار ، لتسجيل الضلال عليهم ، حتى ينصرف عنهم كل عاقل ، وللتنبيه على أن الضالين المضلين لا تصح الاستعانة بهم . ولقد حكى الله - تعالى - عن نبيه موسى - عليه السلام - براءته من المجرمين فقال : قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ﴾(١) . والظهير : الناصر والمعين لغيره . ثم ساقت السورة الكريمة مشهدا من مشاهد القيامة - يكشف عن سوء المصير الذى ينتظر الشركاء وينتظر المجرمين . فقال - تعالى -: ﴿ويوم يقول نادوا شركائى الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ... ﴾ . أى: واذكر - أيها العاقل - يوم يقول الله - تعالى - للمجرمين والكافرين على سبيل التوبيخ والتقريع : أيها الكافرون ، نادوا شركائى الذين زعمتم أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم فى هذا الموقف العصيب ((فدعوهم)) أى: فأطاعوا أمر خالقهم، ودعوا شركاءهم لكى يستغيثوا بهم ((فلم يستجيبوا لهم)) أى : فلم يجدوا منهم أدنى استجابة فضلا عن النفع أو العون . وقوله : ﴿ وجعلنا بينهم موبقا﴾ أى: وجعلنا بين الداعين والمدعوين مهلكا يشتركون فيه جميعا وهو جهنم . فالموبق : اسم مكان من وبق وبوقا - كوثب وثوبا - أو وبق وبقا كفرح فرحا - إذا هلك . ويقال فلان أو بقته ذنوبه : أى أهلكته . ومنه قوله - تعالى - : ﴿ أو يوبقهن بما كسبوا﴾ أى يهلكهن. ومنه الحديث الشريف: ((كل يغدو فموبق نفسه)) - أى مهلكها - ومنه أيضاً قوله - وَّليه -: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) أى : المهلكات . وقيل : الموبق اسم واد فى جهنم فرق اللّه به بينهم، أى بين الداعين والمدعوين . وقيل : كل حاجز بين شيئين فهو موبق . قال ابن جرير - رحمه الله - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى ذلك: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، القول الذى ذكرناه من أن الموبق بمعنى المهلك وذلك أن العرب تقول فى كلامها : قد أوبقت فلانا إذا أهلكته .. )) (٢). (١) سورة القصص الآية ١٧ . (٢) تفسير ابن جرير جـ ١٥ ص ١٧٢ . ٥٣٨ المجلد الثامن ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين عندما يبصرون النار فقال: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ﴾ . ورأى هنا بصرية . والظن بمعنى اليقين والعلم ، لأنهم أبصروا الحقائق ، وشاهدوا واقعهم الأليم مشاهدة لا لبس فيها ولا خفاء . أى : وشاهد المجرمون بأعينهم النار ، فأيقنوا أنهم مخالطوها وواقعون فيها . بسبب سوء أعمالهم ، وانكشاف الحقائق أمامهم ، ولم يجدوا عنها مصرفا أى مكانا ينصرفون إليه ، ويعتصمون به ليتخذوه ملجأ لهم منها . فالمصرف : اسم مكان للجهة التى ينصرف إليها الإِنسان للنجاة من ضر أحاط به . وعبر - سبحانه - عن رؤيتهم للنار بالفعل الماضى ، لتحقق الوقوع . وقال - سبحانه - ﴿ورأى المجرمون ﴾ فوضع المظهر موضع المضمر ، لتسجيل الإجرام عليهم ، ولزيادة الذم لهم . وقد ذكر - سبحانه - هنا أن المجرمين يرون النار ، وذكر فى آية أخرى أنها تراهم - أيضا - قال - تعالى -: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾(١). وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا فسوق إبليس عن أمر ربه ، وحذرتنا من اتخاذه وليا ، ومن الانقياد لوسوسته وإغراءاته ، كما حكت لنا جانبا من أحوال المشركين وشركائهم ، وكيف أن الشركاء قد تخلوا عن عابديهم فى هذا اليوم العصيب ، بعد أن أحاطت النار بالجميع ، وأيقن المجرمون أنه لا فكاك لهم منها ، ولا نجاة لهم من لهيبها . نسأل الله - تعالى - بفضله وكرمه أن ينجينا من هذا الموقف الرهيب . ثم مدحت السورة الكريمة القرآن ، فوصفته بأن الله - تعالى - قد أكثر فيه من ضرب الأمثال ، ونوعها لتشمل جميع الأحوال ، وبينت سنة الله - تعالى - فى الأمم السابقة ، كما بينت وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وسوء عاقبة المكذبين لهم ، ومظاهر رحمة الله - تعالى - بالناس . استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل هذه المعانى بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول : (١) سورة الفرقان الآية ١٢ . ٥٣٩ سورة الكهف وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً (®)، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْجَآءَ هُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُ واْرَبَّهُمْ إِلََّ أَنْ تَأْنِيَهُمْ سُنَّهُ ؟ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ اُلْأَوَِّينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُّبُّلًا ® إِلَّا مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَّ وَتُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْبِالْبَطِلِ لِيُدْ حِضُواْ بِهِ الْحَقِّ وَأَتَّخَذُوَاْءَايَتِى وَمَا أُنذِرُ واْهُوَاَ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكْرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَ مَتْ يَدَاةٌ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًّاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُ وَأْ إِذَا أَبَدًّا (٥)، وَرَبِّكَ الْغَفُورُ ذُوْ الرَّحْمَةٍ لَوْ يُؤَاخِذُ هُم بِمَا كَسَبُواْلَعَجَّلَ لَهُمُ اٌلْعَذَابَّ بَل لَّهُمْ قَوْعِدٌ لَّن يَجِدُ واْ مِن دُونِهِ مَوْبِلًا ﴾ ٥٨ ٠٠٠ وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا وقوله - سبحانه - ﴿ صرفنا ﴾ من التصريف بمعنى التنويع والتكرير . والمثل : هو القول الغريب السائر فى الآفاق الذى يشبه مضربه مورده . وقد أكثر القرآن من ضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفى وتقريب الأمر المعقول من الأمر المحسوس ، وعرض الأمر الغائب فى صورة الحاضر . والمعنى : ولقد كررنا ورددنا ونوعنا فى هذا القرآن من أجل هداية الناس ، ورعاية مصلحتهم ومنفعتهم ، من كل مثل من الأمثال التى تهدى النفوس ، وتشفى القلوب ، لعلهم ٥٤٠ المجلد الثامن بذلك يسلكون طريق الحق ، ويتركون طريق الباطل . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، الشهادة من الله - تعالى - بأن هذا القرآن الذى أنزله - سبحانه - على نبيه - 18 - فيه من الأمثال الكثيرة المتنوعة النافعة ، ما يرشد الناس إلى طريق الحق والخير ، متى فتحوا قلوبهم له . وأعملوا عقولهم لتدبره وفهمه . ومفعول ((صرفنا)) محذوف، و((من)) لا بتداء الغاية ، أى: ولقد صرفنا البينات والعبر والحكم فى هذا القرآن ، من أنواع ضرب المثل لمنفعة الناس ليهتدوا ويذكروا . ثم بين - سبحانه - موقف الإِنسان من هذه الأمثال فقال: ﴿وكان الإنسان أكثر شىء جدلًا ﴾ . والمراد بالانسان : الجنس ، ويدخل فيه الكافر والفاسق دخولا أوليا . والجدل : الخصومة والمنازعة مع الغير فى مسألة من المسائل . أى : وكان الانسان أكثر شىء مجادلة ومنازعة لغيره ، أى : أن جدله أكثر من جدل كل مجادل . قال الامام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : ولقد بينا للناس فى هذا القرآن ، ووضحنا لهم الأمور ، وفصلناها ، كيلا يضلوا عن الحق .. ومع هذا البيان ، فالانسان كثير المجادلة والمعارضة للحق بالباطل ، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة . قال الامام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب . عن الزهرى قال : أخبرنى على بن الحسين، أن الحسين بن على أخبره، أن على بن أبى طالب أخبره. أن رسول الله - 1953 - طرق عليا وفاطمة ليلة فقال: ((ألا تصليان ؟ فقلت : يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله .. فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرفع إلى بشىء ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول : وكان الانسان أكثر شىء جدلا))(١) . وفى التعبير عن الانسان فى هذه الجملة بأنه ((شىء)) وأنه ((أكثر شىء جدلا)) إشعار لهذا الإِنسان بأن من الواجب عليه أن يقلل من غروره وكبريائه . وأن يشعر بأنه خلق من مخلوقات اللّه الكثيرة، وأن ينتفع بأمثال القرآن ومواعظه وهداياته .. لا أن يجادل فيها بالباطل . ومنهم من يرى أن المراد بالانسان هنا : الكافر ، أو شخص معين ، قيل : هو النضر بن الحارث ، وقيل : أبى بن خلف . (١ ) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٦٧ .