Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة الإسراء والمراد بالآيات: ما اقترحه المشركون على النبى - وَ لجر - من قلب الصفا ذهبا، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها ... والمعنى : وما كان سبب تركنا الإِجابة المقترحات التى طلبها المشركون منك - أيها الرسول الكريم - إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم ، كما كذب بأمثالها أشباههم الأولون ، وفى هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا . وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا - بأمتك أيها الرسول الكريم - ، ألا نعذبهم عذاب الاستئصال والمحو ، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة . قالوا: ومن الحكم فى هذا التأخير: الإظهار لمزيد شرف النبى - * - ، كما قال - تعالى -: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾، والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين ، ولمن سيؤمن من هؤلاء المقترحين ، إلى غير ذلك من الحكم التى لا يعلمها إلا هو - سبحانه - . قال صاحب الكشاف : استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة ... والمراد : الآيات التى اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ، ومن إحياء الموتى ، وغير ذلك . وعادة اللّه فى الأمم ، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها . ثم لم يؤمن ، أن يعاجل بعذاب الاستئصال . فالمعنى : وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم ، كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك ، وقالوا : هذا سحر مبين ، كما يقولون فى غيرها . واستوجبوا العذاب المستأصل . وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة))(١) . ثم ساق - سبحانه - مثالاً للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقترحوه ، ولكنهم لم يؤمنوا ، فأخذهم عذاب الاستئصال ، فقال - تعالى -: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها﴾. وثمود: هم قوم صالح - عليه السلام - ، وخصهم بالذكر ، لأنهم معروفون لأهل مكة أكثر من غيرهم ، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام . والناقة المراد بها : ناقة صالح - عليه السلام - التى طلبها قومه منه ، فأخرجها الله - تعالى - لهم لتكون معجزة له ، ولكنهم لم يؤمنوا به ، بل عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ، فأهلكهم الله - تعالى - بالصيحة التى جعلتهم فى دارهم جائمين . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٧٤ . ٣٨٢٠ المجلد الثامن وقوله ﴿ مبصرة﴾ أى: معجزة واضحة ، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء أو لبس .. قال الجمل : ﴿مبصرة) بكسر الصاد - باتفاق السبعة، والإِسناد مجازى . أى: يبصرونها خارجة من الصخرة . وقرىء شاذا بفتح الصاد . ثم قال : وفى السمين : مبصرة حال . وهو إسناد مجازى ، إذ المراد إبصار أهلها ، ولكنها لما كانت سببا فى الإبصار نسب إليها ، والظاهر أن المراد الإِبصار المعنوى ، وهو الاهتداء بها ، والتوصل بها ، إلى تصديق نبيهم ، وعلى هذا تظهر السببية، فإن وجودها سبب فى هذا المعنى ... )) (١). وقال الآلوسى : وقوله : ﴿ مبصرة) على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة، والمراد : ذات إبصار، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها ، فالصيغة للنسب .... )) (٢). والمعنى : لقد تركنا إجابة المطالب التى اقترحها قومك - يا محمد - ، رحمة بهم ، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم استمروا فى تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين . فقد أجبنا قوم صالح - عليه السلام - إلى ما طلبوه من نبيهم ، بأن أخرجنا لهم الناقة ، وجعلناها معجزة واضحة نيرة فى الدلالة على صدقه ، فقابلوها بالتكذيب والجحود ، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها . قال - تعالى -: ﴿ فعقروا الناقة ، وعتوا عن أمر ربهم ، وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين . فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين ﴾(٣). وقال - سبحانه - : ﴿ كذبت ثمود بطغواها . إذ انبعث أشقاها . فقال لهم رسول الله ناقة اللّه وسقياها . فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها . ولا يخاف عقباها ﴾ (٤). وقوله - سبحانه -: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ تذييل قصد به الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على صدقهم . والباء فى قوله ﴿ بالآيات﴾ للملابسة، ومفعول، نرسل، محذوف، و﴿تخويفًا ﴾ مفعول لأجله . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٣٢ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٠٤ . (٣) سورة الأعراف الآيتان ٧٧، ٧٨ . (٤) سورة الشمس الآيات ١١ - ١٥ . ٣٨٣ سورة الإسراء قال القرطبى قوله: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ فيه خمسة أقوال: الأول: العبر والمعجزات التى جعلها الله على أيدى الرسل ، من دلائل الإِنذار تخويفًا للمكذبين. الثانى : أنها آيات الانتقام تخويفًا من المعاصى . الثالث: أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك . الرابع : القرآن ، الخامس : الموت الذريع»(١) . والمعنى : وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا تخويفًا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها . فإنهم إن كذبوها يصيبهم من العذاب ما يصيبهم . ثم ذكر - سبحانه - ما يزيد النبى - 3 1 - ثباتًا على ثباته ، ويقينا على يقينه ، وما يدل على شمول علمه - تعالى - ونفاذ قدرته ، وبليغ حكمته فقال: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ... ﴾ . أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلنا لك على لسان وحينا . إن ربك - عز وجل - قد أحاط بالناس علًا وقدرة . فهم فى قبضته ، وتحت تصرفه ، وقد عصمك منهم ، فامض فى طريقك . وبلغ رسالة ربك ، دون أن تخشى من كفار مكة أو من غيرهم ، عدوانًا على حياتك ، فقد عصمك - سبحانه - منهم . وفى هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبى - 13 - ، ومن التبشير له ولأصحابه ، بأن العاقبة ستكون لهم ، ومن الحض لهم على المضى فى طريقهم دون أن يخشوا أحدًا إلا الله. والمراد بالرؤيا فى قوله - تعالى -: ﴿وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس ): ما رآه النبى - * - وعاينه بعينيه من عجائب، ليلة الإسراء والمعراج . أى : وما جعلنا ما رأيته وعاينته ليلة إسرائنا بك من غرائب ، إلا فتنة للناس . ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه ، وسليم القلب من مريضه . وأطلق - سبحانه - على ما أراه لنبيه ليلة الإسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان يقظة ((لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على رؤيا المنام ، وعلى رؤية اليقظة ليلاً فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا ، كما فى قول الشاعر يصف صائدا : وكبر للرؤيا وهش فؤاده .. أى : وسر لرؤيته للصيد الذى سيصيده . أو أطلق عليه لفظ الرؤيا على سبيل التشبيه بالرؤيا المنامية، نظرًا لما رآه فى (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٨١ . ٣٨٤ المجلد الثامن تلك الليلة من عجائب سماوية وأرضية ، أو أطلق عليه ذلك بسبب أن ما رآه قد كان ليلاً. وقد كان فى سرعته كأنه رؤيا منامية . وكان ما رآه - * - فى تلك الليلة فتنة للناس ، لأنه لما قص عليهم ما رآه ، ارتد بعضهم عن الإِسلام ، وتردد البعض الآخر فى قبوله ، وضاقت عقولهم عن تصديقه ، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب -* - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم يعرج إلى السموات العلا .. ثم يعود إلى مكة ، كل ذلك فى ليلة واحدة . وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا هنا: ما رآه النبى - ﴿ - من أنه سيدخل مكة هو وأصحابه .. وبعضهم يرى أن المراد بها هنا : ما أراه الله - تعالى - لنبيه فى منامه ، من مصارع المشركين قبل غزوة بدر ؛ فقد قال - - قبل بدء المعركة: والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم . ثم أومأ إلى الأرض وقال : هذا مصرع فلان . وهذا مصرع فلان . والذى نرجحه هو الرأى الأول ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأنه على الرأيين الثانى والثالث يترجح أن الآية مدنية ، لأن غزوة بدر وفتح مكة كانا بعد الهجرة ، والتحقيق أن هذه الآية مكية . قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس .. ﴾ لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف، ضم إليه ذكر آية الإسراء ، وهى المذكورة فى صدر السورة . وفى البخارى والترمذى عن ابن عباس فى قوله - تعالى - : ﴿ وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس ﴾ قال: هى رؤيا عين أربها النبى - ﴾ - ليلة أسرى به إلى بيت المقدس ... وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبى - * - أنه أسرى به . وقيل : كانت رؤيا نوم . وهذه الآية تقضى بفساده ، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها ، وما كان أحد لينكرها . وعن ابن عباس قال: الرؤيا التى فى هذه الآية، رؤيا رسول الله - ﴿ ﴿ - أنه يدخل مكة فى سنة الحديبية - فرده المشركون عن دخولها فى تلك السنة - ، فافتتن بعض المسلمين لذلك ، فنزلت هذه الآية .. وفى هذا التأويل ضعف . لأن السورة مكية ، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة ... ))(١) . (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٨٢ . ٣٨٥ سورة الإسراء وقوله - سبحانه -: ﴿ والشجرة الملعونة فى القرآن ) معطوف على الرؤيا . أى : وما جعلنا الرؤيا التى أريناك والشجرة الملعونة فى القرآن إلا فتنة للناس . والمراد بالشجرة الملعونة هنا : شجرة الزقوم ، المذكورة فى قوله - تعالى - : ﴿ أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم . إنا جعلناها فتنة للظالمين . إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم ، طلعها كأنه رءوس هـ (١) ـوس الشياطين والمراد بلعنها : لعن الآكلين منها وهم المشركون ، أو هى ملعونة لأنها تخرج فى أصل الجحيم . أو هى ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار ، والعرب تقول لكل طعام ضار: إنه ملعون . قال الألوسى : وروى فى جعلها فتنة لهم : أنه لما نزل فى شأنها فى سورة الصافات وغيرها ما نزل ، قال أبو جهل وغيره : هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يقول ينبت فيها الشجر . وما نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد، ثم أمر جارية له فأحضرت تمرًا وزبدًا، وقال لأصحابه : تزقموا . وافتتن بهذه الآية أيضًا بعض الضعفاء، ولقد ضلوا فى ذلك ضلالا بعيدًا ... (٢). وقوله - تعالى -: ﴿ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا ﴾ تذييل قصد به بيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جحود ، وقسوة قلب ... أى: ونخوف هؤلاء المشركين بعذاب الدنيا ، وبعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم التى طلعها كأنه رءوس الشياطين ... فما يزيدهم هذا التخويف والتهديد إلا طغيانًا متجاوزًا فى ضخامته وكبره كل جد ، وكل عقل سليم . وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع الدالة على الاستقبال ، مع أن تخويفهم وازدياد طغيانهم قد وقعا ، للإِشعار بالتجدد والاستمرار . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، ومن فضله على هذه الأمة ، ومن تبشيره وإنذاره ، ووعده ووعيده ، ما يزيد المؤمنين إيمانًا على إيمانهم ، وما يصرف الطاغين عن طغيانهم لو كانوا يعقلون . (١) سورة الصافات الآيات ٦١ - ٦٥ . ( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٠٦. ٣٨٦ المجلد الثامن ثم ساق - سبحانه - جانبًا من قصة آدم وإبليس، لزيادة التسلية للرسول - الثقة - وللإشعار بأن الحسد والغرور ، كما منعا إبليس من السجود لآدم ، فقد منعا مشركى مكة من الإِيمان بالنبى -# - فقال - تعالى - : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُ واْلَِّّدَمَ فَسَجَدُ وَأْإِلَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (١) قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَّبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَّآؤُ كُمْ جَزَآءَ مَّوْفُورًا ﴾ وَأُسْتَغْرِزْ مَنِ أَسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَحِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ آلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّتِطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى ٦٥ بِرَبِّكَ وَكِيلًا وقوله - سبحانه -: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... ﴾ تذكير لبنى آدم بما جرى بين أبيهم وبين إبليس ، ليعتبروا ويتعظوا ، ويستمروا على عداوتهم لإِبليس وجنده . أى: واذكروا - يابنى آدم - وقت أن قلنا للملائكة ﴿اسجدوا لآدم ﴾ سجود تحية وتكريم ، فسجدوا امتثالا لأمر الله - تعالى - ، بدون تردد أو تلعثم ، ﴿ إلا إبليس ﴾ فإنه أبى السجود لآدم - عليه السلام - ﴿وقال﴾ بتكبر وعصيان لأمر ربه - عز وجل - : أأسجد﴾ وأنا المخلوق من نار ﴿ لمن خلقت طينًا﴾ أى: أأسجد لمن خلقته من طين، مع أننى أفضل منه . والتعبير بقوله ﴿فسجدوا﴾ بفاء التعقيب ، يفيد أن سجودهم - عليهم السلام - كان فى ٣٨٧ سورة الإسراء أعقاب أمر الله - تعالى - لهم مباشرة ، بدون تأخير أو تسويف . وقوله - تعالى -: ﴿ قال أأسجد ... ) استئناف بيانى، فكأنه قيل: فإذا كان موقف إبليس من هذا الأمر ؟ فكان الجواب أن إبليس فسق عن أمر ربه وقال ما قال . والاستفهام فى ﴿ أأسجد﴾ للإنكار والتعجب، لأن يرى - لعنه الله - أنه أفضل من آدم . وقوله : ﴿ طينا) منصوب بنزع الخافض أى: من طين. وقد جاء التصريح بإباء إبليس عن السجود لآدم ، بأساليب متنوعة ، وفى آيات متعددة ، منها قوله - تعالى -: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ﴾(١). وقوله - تعالى -: ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ﴾(٢). ثم فصل - سبحانه - ما قاله إبليس فى اعتراضه على السجود لآدم فقال: ﴿ قال أرأيتك هذا الذى كرمت على، لئن أخرتن إلى يوم القيامة ، لأحتنكن ذريته إلا قليلًا ﴾ . ورأى هنا علمية فتتعدى إلى مفعولين ، أولهما ﴿ هذا﴾ والثانى محذوف لدلالة الصلة عليه ، والكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء قبله ، والاسم الموصول ﴿ الذى ﴾ بدل من ﴿ هذا﴾ أو صفة له، والمراد من التكريم فى قوله ﴿كرمت على ﴾: التفضيل. والمعنى : قال إبليس فى الرد على خالقه - عز وجل - : أخبرنى عن هذا الإِنسان المخلوق من الطين ، والذى فضلته على ، لماذا فضلته على وأمرتنى بالسجود له مع أننى أفضل منه ، لأنه مخلوق من طين ، وأنا مخلوق من نار !! وجملة هذا الذى كرمت على ، واقعة موقع المفعول الثانى . ومقصود إبليس من هذا الاستفهام ، التهوين من شأن آدم - عليه السلام - والتقليل من منزلته . ولم يجبه - سبحانه - على سؤاله ، تحقيرًا له . وإهمالاً لشخصه ، بسبب اعتراضه على أمر خالقه - عز وجل - . ثم أكد إبليس كلامه فقال: ﴿ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً ﴾ (١) سورة البقرة الآية ٣٤ . (٢) سورة الحجر الآيتان ٣٠، ٣١ . ٠٠ ٣٨٨ المجلد الثامن إذ أن اللام فى قوله ﴿ لئن ... ﴾ موطئة للقسم، وجوابه لأحتنكن . وأصل الاحتناك : الاستيلاء على الشىء ؛ أو الاستئصال له . يقال : حنك فلان الدابة يحتنكها - بكسر النون ورفعها - إذا وضع فى حنكها - أى فى ذقنها - الرسن ليقودها به . ويقال : احتنك الجراد الأرض ، إذا أكل نباتها وأتى عليه . والمعنى : قال إبليس - متوعدًا ومهددًا - : لئن أخرتن - يا إلهى - إلى يوم القيامة ، لأستولين على ذرية آدم ، ولأقودنهم إلى ما أشاء من المعاصى والشهوات ، إلا عددًا قليلاً منهم فإنى لا أستطيع ذلك بالنسبة لهم ، لقوة إيمانهم ، وشدة إخلاصهم . وهذا الذى ذكره - سبحانه - عن إبليس فى هذه الآية من قوله : ﴿ لأحتنكن ذريته إلا قليلاً﴾ شبيه به قوله - تعالى -: ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم : ومن خلفهم ، وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم ، ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾(١). وقوله - تعالى - ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين (٢) قال بعض العلماء: وقول إبليس فى هذه الآية: ﴿لأحتنكن ذريته ... ﴾ قاله ظنا منه أنه سيقع . وقد تحقق له هذا الظن - فى كثير من بنى آدم - كما قال - تعالى - ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين ﴾(٢). وقوله - تعالى - ﴿ قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ﴾ بيان لما توعد الله - سبحانه - به إبليس وأتباعه . والأمر فى قوله ﴿اذهب﴾ للإهانة والتحقير. أى: قال الله - تعالى - لإبليس اذهب﴾ مطرودًا ملعونًا، وقد أخرناك إلى يوم القيامة ، فافعل ما بدالك مع بنى آدم، فمن أطاعك منهم ، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم ، جزاء مكملا متمما لا نقص فيه . وقال - سبحانه - ﴿ فإن جهنم جزاؤكم ﴾ مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب فى قوله فمن تبعك منهم ﴾، تغليبًا لجانب المخاطب - وهو إبليس - على جانب الغائب وهم أتباعه . لأنه هو السبب فى إغواء هؤلاء الأتباع . وقوله : ﴿ جزاء) مفعول مطلق ، منصوب بالمصدر قبله . (١) سورة الأعراف الآية ١٧ . (٢) سورة ص الآيتان ٨٢، ٨٣. (٣) سورة سبأ الآية ٢٠ . ٣٨٩ سورة الإسراء وقوله ﴿ موفورا﴾ اسم مفعول، من قولهم وفر الشىء فهو وافر وموفور أى: مكمل متمم . وهو صفة لقوله : ﴿ جزاء﴾. وهذا الوعيد الذى توعد الله - تعالى - به إبليس وأتباعه ، جاء ما يشبههه فى آيات كثيرة ، منها قوله - سبحانه -: ﴿ قال فالحق والحق أقول . لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ﴾ . ثم أضاف - سبحانه - إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى ، فقال - تعالى - : واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ، وشاركهم فى الأموال والأولاد ، وعدهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ . قال الجمل : أمر الله - تعالى - إبليس بأوامر خمسة ، القصد بها : التهديد والاستدراج ، لا التكليف، لأنها كلها معاص، والله لا يأمر بها(١). وهذه الأوامر الخمسة هى : اذهب ، واستفزز ... وأجلب ... وشاركهم ... وعدهم . وقوله : واستفزز، من الاستفزاز ، بمعنى الاستخفاف والإزعاج ، يقال : استفز فلان فلانا إذا استخف به ، وخدعه ، وأوقعه فيما أراده منه . ويقال : فلان استفزه الخوف ، إذا أزعجه . وقوله: ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ أصل الإِجلاب: الصياح بصوت مسموع. يقال : أجلب فلان على فرسه وجلب عليه ، إذا صاح به ليستحثه على السرعة فى المشى . قال الآلوسى: قوله ﴿وأجلب عليهم﴾ أى: صح عليهم من الجلَبة وهى الصياح. قاله الفراء وأبو عبيدة . وقال الزجاج : أجلب على العدو : جمع عليه الخيل . وقال ابن السكيت : جلب عليه : أعان عليه . وقال ابن الأعرابى : أجلب على الرجل ، إذا توعده الشر، وجمع عليه الجمع . والخيل : يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ، وعلى الفرسان مجازا ، وهو المراد هنا . ومنه قول الرسول - ﴿ - فى بعض غزواته لأصحابه: ((يا خيل الله اركبى)). والرجل - بكسر الجيم - بمعنى راجل - كحذر بمعنى حاذر - هو الذى يمشى رجلاً ، أى غير راكب ... )) (٢) . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٣٤ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١١١ . ٣٩٠ المجلد الثامن والمعنى . قال الله - تعالى - لإبليس: اذهب أيها اللعين مذءوما مدحورًا. فإن جهنم هى الجزاء المعد لك ولأتباعك من ذرية آدم ، وافعل ماشئت معهم من الاستفزاز والخداع والإزعاج ولهو الحديث وأجلب عليهم ما تستطيع جلبه من مكايد ، وما تقدر عليه من وسائل ، كأن تناديهم بصوتك ووسوستك إلى المعاصى ، وكأن تحشد جنودك على اختلاف أنواعهم لحربهم وإغوائهم وصدهم عن الطريق المستقيم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى استفزاز إبليس بصوته ، وإجلابه بخيله ورجله ؟ قلت : هو كلام وارد مورد التمثيل شبهت حاله فى تسلطه على من يغويه ، بمغوار أوقع على قوم ، فصوت بهم صوتًا يستفزهم من أماكنهم ، ويقلقهم عن مراكزهم ، وأجلب عليهم بجنده ، من خيالة ورجالة حتى استأصلهم ، وقيل : بصوته ، أى : بدعائه إلى الشر ، وبخيله ، ورجله : أى كل راكب وماش من أهل العبث . وقيل : يجوز أن يكون لإِبليس خيل ورجال )»(١) . وعلى أية حال ، فالجملة الكريمة تصوير بديع ، لعداوة إبليس لآدم وذريته ، وأنه معهم فى معركة دائمة ، يستعمل فيها كل وسائل شروره ، ليشغلهم عن طاعة ربهم ، وليصرفهم عن الصراط المستقيم ، ولكنه لن يستطيع أن يصل إلى شىء من أغراضه الفاسدة ، ماداموا معتصمين بدين ربهم - عز وجل - . وقوله - سبحانه -: ﴿وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم﴾، معطوف على ما قبله . أى: وشاركهم فى الأموال ، بأن تحضهم على جمعها من الطرق الحرام ، وعلى إنفاقها فى غير الوجوه التى شرعها الله ، كأن يستعملوها فى الربا والرشوة وغير ذلك من المعاملات المحرمة . وشاركهم فى الأولاد : بأن تحثهم على أن ينشئوهم تنشئة تخالف تعاليم دينهم الحنيف وبأن تيسر لهم الوقوع فى الزنا الذى يترتب عليه ضياع الأنساب ، وبأن تظاهرهم على أن يسموا أولادهم بأسماء يبغضها الله - عز وجل - ، إلى غير ذلك من وساوسك التى تغرى الآباء بأن يربوا أبناءهم تربية يألفون معها الشرور والآثام ، والفسوق والعصيان . قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق عددًا من الأقوال فى ذلك : وأولى الأقوال بالصواب أن (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٧٨ . ٣٩١ سورة الإِسراء يقال : كل مولود ولدته أنثى ، عصى الله فيه، بتسميته بما يكرهه اللّه ، أو بإدخاله فى غير الدين الذى ارتضاه الله ، أو بالزنا بأمه ، أو بقتله أو وأده ، أو غير ذلك من الأمور التى يعصى الله بفعله به أو فيه ، فقد دخل فى مشاركة إبليس فيه ، من ولد ذلك الولد له أو منه ، لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿وشاركهم فى الأموال والأولاد ﴾ معنى الشركة فيه، بمعنى دون معنى ، فكل ما عصى الله فيه أو به ، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة ... )(١). وقد علق الإِمام ابن كثير على كلام ابن جرير بقوله : وهذا الذى قاله - ابن جرير - متجه، فقد ثبت فى صحيح مسلم أن رسول الله - في - قال: ((يقول الله - عز وجل - إنى خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) . وفى الصحيحين أن رسول الله- ﴿ - قال: ((لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان مارزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد فى ذلك لم يضره الشيطان أبدًا))(٢). وقوله : ﴿وعدهم﴾ أى: وعدهم بما شئت من المواعيد الباطلة الكاذبة. كأن تعدهم بأن الدنيا هى منتهى آمالهم . فعليهم أن يتمتعوا بها كيف شاءوا ، بدون تقيد بشرع أو دين أو خلق . وكأن تعدهم بأنه ليس بعد الموت حساب أو ثواب أو عقاب ، أو جنة أو نار ... وقوله سبحانه ﴿ وما يعدهم الشيطان الا غرورا﴾ تحذير من الله تعالى لعباده من اتباع الشيطان ، ومن السير وراء خطواته . وأصل الغرور تزين الباطل بما يوهم أنه حق. يقال : غر فلان فلانا فهو يغُره غرورًا إذا خدعه ، وأصله من الغُرُّ ، وهو الأثر الظاهر من الشىء ، ومنه غرة الفرس لأنها أبرز ما فيه . ولفظ ﴿ غرورا﴾ صفة لموصوف محذوف. والتقدير : وعدهم - أيها الشيطان - بما شئت من الوعود الكاذبة ، وما يعد الشيطان بنى آدم إلا وعدا غرورا . ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله فيكون المعنى : وما يعدهم الشيطان إلا من أجل الغرور والمخادعة . وفى الجملة الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إهمالاً لشأن الشيطان ، وبيانًا لحاله مع بنى آدم ؛ حتى يحترسوا منه ويحذروه . (١) تفسير ابن جرير جـ ١٥ ص ٨٣. ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠ . ٣٩٢ المجلد الثامن ثم ختم - سبحانه - الآيات بغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين الصادقين ، فقال - تعالى -: ﴿ إن عبادى ليس لك عليهم سلطان، وكفى بربك وكيلا﴾. أى : إن عبادى الصالحين الذين أخلصوا دينهم لى ، ليس لك - يا إبليس - تسلط واقتدار على إغوائهم وإضلالهم ، وصرفهم عن السبيل الحق إلى السبيل الباطل . قال - تعالى -: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون . إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ﴾(١). وقال - سبحانه - ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ، إلا من اتبعك من الغاوين ﴾(٢). والإِضافة فى قوله ﴿ إن عبادى ... ﴾ للتشريف والتكريم حيث خصهم - سبحانه - بهذا اللون من الرعاية والحماية . وقوله ﴿ وكفى بربك وكيلا﴾ أى: وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه، ويفوضون إليه أمورهم ، ويعتصمون به لكى يقيهم وساوس الشيطان ونزغاته . قال الإمام ابن كثير: قوله: ﴿وكفى بربك وكيلا﴾ أى: حافظًا ومؤيدًا ونصيرًا. روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول -# - قال: ((إن المؤمن ليُنْضِى شيطانه - أى ليقهره - كما ينضى أحدكم بعيره فى السفر» (٣). وقال الجمل فى حاشيته : وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله. وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال ، لأنه لو كان الإقدام على الحق ، والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإِنسان من نفسه ، لوجب أن يقال : وكفى بالإنسان نفسه فى الاحتراز عن الشيطان . فلما لم يقل ذلك ، بل قال: وكفى بربك وكيلاً . علمنا أن الكل من الله . ولهذا قال المحققون : لا حول عن معصية الله إلا بعصمة اللّه، ولا قوة على طاعته إلا بقوته .(٤). وبعد أن بين - سبحانه - لبنى آدم ما يبيته إبليس من عداوة وبغضاء ، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه - تعالى - عليهم فى البر والبحر وفى السراء والضراء فقال - عز وجل - : (١) سورة النحل الآيتان ٩٩، ١٠٠. (٢) سورة الحجر الآية ٤٢ . (٣) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠ . (٤) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٢٥ . ٣٩٣ سورة الإسراء رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْحِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِ الْبَحْرِلِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهِّ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا( ٦٦ وَإِذَا مَسَّكُم الضُّرُ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْ عُونَ إِلَّ إِيَّاهُفَمَا نَجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّأَغَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا(٦) أَفَأَ مِنْتُمْأَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّأَوْيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُ واْلَكُمْ وَكِيلًا ﴿) أَمْأَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ نَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ فَاصِفًا مِنَ الْرِيجِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّلَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ! ٦٩ وقوله - تعالى -: ﴿ ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر لتبتغوا من فضله ... ﴾ بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده ، وفضله عليهم . و ﴿ يزجى﴾ من الإِزجاء، وهو السوق شيئًا فشيئًا. يقال أزجى فلان الإِبل، إذا ساقها برفق ، وأزجت الريح السحاب ، أى : ساقته سوقًا رفيقًا ، ومنه قوله - تعالى - : ألم تر أن الله يزجى سحابا ... ﴾. و﴿ الفلك﴾ ما عظم من السفن. قال الجمل ما ملخصه: ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع ، ويذكر ويؤنث . قال - تعالى -: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون ﴾ فأفرد وذكر . وقال - سبحانه -: ﴿والفلك التى تجرى فى البحر ﴾، فأنث ، ويحتمل الإِفراد والجمع. قال - تعالى -: ﴿حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم ... ﴾ فجمع ... (١). و﴿ البحر﴾ يطلق على الماء الكثير عذبًا كان أو ملحًا. وأكثر ما يكون إطلاقًا على الماء الملح . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٣٦. ٣٩٤ المجلد الثامن أى : اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتشكروا ربكم الذى من مظاهر نعمته عليكم، أنه يسوق لكم - بلطفه وقدرته - السفن التى تركبونها فى البحر لكى تطلبوا من وراء ركوبها الرزق الذى يصلح معاشكم ، والذى هو لون من ألوان فضل الله عليكم . وقوله : لتبتغوا من فضله ، تعليل لإِزجاء الفلك ، وتصريح بوجوه النفع التى تفضل الله - تعالى - بها عليهم . وقوله : ﴿ إنه كان بكم رحيًا﴾ تعليل ثان لهذا الإِزجاء . أى : يزجى لكم الفلك فى البحر ، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم ، ولأنه - سبحانه - كان أزلا وأبدا ، بكم دائم الرحمة والرأفة . ثم انتقل - سبحانه - من الحديث عن مظاهر نعمه عليهم ، فى حال سوق السفن ودفعها بهم فى البحر برفق وأناة ، إلى بيان رعايته لهم فى حال اضطرابها وتعرضها للغرق ، بسبب هيجان البحر وارتفاع أمواجه ، فقال - تعالى -: ﴿وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه ... والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإِحساس والإصابة ، والمراد به هنا : ما يعتريهم من خوف وفزع ، وهم برون سفينتهم توشك على الغرق . والمراد بالضر هنا : اضطراب الفلك ، وارتفاع الأمواج ، واشتداد العواصف ، وتعرضهم للموت من كل مكان . المعنى : وإذا أحاطت بكم الأمواج من كل جانب وأنتم على ظهور سفنكم وأوشكتم على الغرق .. ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم ، كل معبود سوى الله - عز وجل - لكى ينقذكم مما أنتم فيه من بلاء ، بل إياه وحده - سبحانه - تدعون ليكشف عنكم ما نزل بكم من سوء . فالجملة الكريمة تصوير مؤثر بديع لبيان أن الإنسان عند الشدائد والمحن لا يتجه بدعائه وضراعته إلا إلى الله - تعالى - وحده . قال القرطبى: ﴿ضل) معناه؛ تَلِف وفُقد وهى عبارة عن تحقير لمن يدعى إلا من دون الله. والمعنى فى هذه الآية: أن الكفار إنما يعتقدون فى أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلًا، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علمًا لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها فى الشدائد ، ٣٩٥ سورة الإسراء فوقَّفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل)» (١) . وقال الإِمام ابن كثير : يخبر تبارك وتعالى أن الناس إذا مسهم ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين، ولهذا قال - تعالى -: ﴿وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه } أى : ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله - تعالى - كما اتفق لعكرمة بن أبى جهل ، لما ذهب فارا من رسول الله -* - حين فتح مكة ، فذهب هاربًا فركب فى البحر ليدخل الحبشة ، فجاءتهم ريح عاصف ، فقال القوم بعضهم لبعض : إنه لا يغنى عنكم إلا أن تدعو الله وحده . فقال عكرمة فى نفسه: والله إن كان لا ينفع فى البحر غيره ، فإنه لا ينفع فى البر غيره ، اللهم لك على عهد لئن أخرجتنى منه، لأذهبن فلأضعن يدى فى يد محمد - وصليزر - فلأجدنه رءوفًا رحيًا. فخرجوا من البحر، فرجع إلى الرسول - ليزر - فأسلم وحسن إسلامه - رضى الله عنه))(٢) . وقوله - تعالى -: ﴿ فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإِنسان كفورًا ﴾ بيان لطبيعة الإِنسان إلا من عصم الله . أى: فلما نجاكم الله - تعالى - بلطفه وإحسانه : من الغرق ، وأوصلكم سالمين إلى البر ، أعرضتم عن طاعته ، وتركتم دعاءه والضراعة إليه ، وكان الإنسان الفاسق عن أمر ربه ، كفورا﴾ أى: كثير الكفران والجحود لنعم ربه - عز وجل - . قال الألوسى ما ملخصه : وقوله : ﴿وكان الإِنسان كفورا﴾ كالتعليل للإِعراض، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين ، وفيه لطافة حيث أعرض - سبحانه - عن خطابهم بخصوصهم ، وذكر أن جنس الإنسان مجبول على الكفران ، فلما أعرضوا أعرض الله - تعالى - عنهم)»(٣) . وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة . منها قوله - تعالى - ﴿ فإذا ركبوا فى الفلك دعوا اقه مخلصين له الدين ، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾(٤). (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٩١. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١١٦. (٤ ) سورة العنكبوت الآية ٦٥ . ٣٩٦ المجلد الثامن وقوله - سبحانه -: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين . فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ، وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ﴾(١). ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شىء ، لا فى البحر ولا فى البر ولا فى غيرهما فقال: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ، ثم لا تجدوا لكم وكيلا﴾ والهمزة فى قوله ﴿أفأمنتم﴾ للاستفهام الإنكارى ، والفاء عاطفة على محذوف ، والتقدير : أنجوتم فأمنتم . وقوله ﴿ يخسف ﴾ من الخسف وهو انهيار الأرض بالشىء ، وتغييبه فى باطنها و ﴿ جانب البر﴾ ناحية ارض، وسماه - سبحانه - جانبًا، لأن البحر يمثل جانبا من الأرض، والبر يمثل جانبًا آخر . والحاصب : الريح الشديدة ، التى ترمى بالحصباء ، وهى الحجارة الصغيرة . يقال . حصب فلان فلانا ، إذا رماه بالحصباء . والمعنى : أنجوتم من الغرق - أيها الناس - ففرحتم وأمنتم ونسيتم أن الله - تعالى - إذا كان قد أنجاكم من الغرق ، فهو قادر على أن يخسف بكم جانب الأرض ، وقادر كذلك على أت يرسل عليكم ريحًا شديدة ترميكم بالحصباء التى تهلككم ؛ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً تكلون إليه أموركم ، ونصيرًا ينصركم ويحفظكم من عذاب الله - تعالى - . إن كنتم قد أمنتم عذاب الله بعد نجاتكم من الغرق ، فأنتم جاهلون ، لأن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تأخذكم أخذ عزيز مقتدر سواء أكنتم فى البحر أو فى البر أو فى غيرهما ، إذ جميع جوانب هذا الكون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سيطرته . قال صاحب الكشاف : فإن قلت فما معنى ذكر الجانب ؟ قلت : معناه ، أن الجوانب والجهات كلها فى قدرته سواء ، وله فى كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة ، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك ، بل إن كان الغرق فى جانب البحر ، ففى جانب البر ما هو مثله وهو الخسف ، لأنه تغييب تحت التراب ، كما أن الغرق تغييب تحت الماء فالبر والبحر عنده سيان ، يقدر فى البر على نحو ما يقدر عليه فى البحر ، فعلى العاقل أن يستوى خوفه من الله فى جميع الجوانب وحيث كان))(٢). ثم ساق - سبحانه - مثالاً آخر للدلالة على شمول قدرته ، فقال - تعالى - : (١) سورة لقمان الآية ٣٢ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٧٩ . ٣٩٧ سورة الإسراء ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى، فيرسل عليكم قاصفًا من الريح ، فيغرقكم بما كفرتم ، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ﴾ . و﴿ أم ﴾ هنا يجوز أن تكون متصلة؛ بمعنى: أى الأمرين حاصل. ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى : بل . والقاصف من الريح : هو الريح العاتية الشديدة التى تقصف وتحطم كل ما مرت به من أشجار وغيرها . يقال : قصف فلان الشىء ، إذا كسره . والتبيع : فعيل بمعنى فاعل ، وهو المطالب غيره بحق سواء أكان هذا الحق دينا أو ثأرًا أو غيرهما ، مع مداومته على هذا الطلب . والمعنى: بل أأمنتم - أيها الناس - ﴿ أن يعيدكم) الله - تعالى - ﴿فيه﴾ أى: فى البحر ، لسبب من الأسباب التى تحملكم على العودة إليه مرة أخرى ﴿ فيرسل عليكم ﴾ - سبحانه - وأنتم فى البحر ﴿قاصفًا من الريح ﴾ العاتية الشديدة التى تحطم سفنكم ﴿ فيغرقكم﴾ بسبب كفركم وجحودكم لنعمه، ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا﴾ آى: إننا من السهل علينا أن نفعل معكم ذلك وأكثر منه ، ثم لا تجدوا لكم أحدًا ينصركم علينا ، أو يطالبنا بحق لكم علينا ، فنحن لا نسأل عما نفعل ، وأنتم المسئولون . فالاستفهام هنا - أيضًا - للإنكار والتوبيخ . وقال - سبحانه - ﴿ أن يعيدكم فيه ﴾ ولم يقل أن يعيدكم إليه، للإشعار باستقرارهم فيه ، وأنه - تعالى - لا يعجزه أن يفعل ذلك . والتعبير بقوله ﴿ قاصفا من الريح﴾ فيه من الترهيب والإِنذار ما فيه لأن لفظ القصف يدل بمعناه اللغوى على التحطيم والتكسير . وقال - سبحانه - ﴿ بما كفرتم﴾ لبيان أن الله - تعالى - ما ظلمهم بإهلاكهم ، وإنما هم الذين عرضوا أنفسهم لذلك بسبب كفرهم وإعراضهم عن طاعته - سبحانه - . . والضمير فى ﴿ به ﴾ يعود إلى الإهلاك بالإِغراق المفهوم من قوله ﴿ فيغرقكم بما كفرتم ﴾ أى : لا تجدون تبيعًا يتبعنا بثأركم بسبب ذلك الإغراق الذى أوقعناه بكم . وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد ساقت ألوانًا من نعم الله - تعالى - على الناس ، وحذرتهم من جحود هذه النعم ، حتى لا يتعرضوا لعذاب الله ، الذى قد ينزل بهم وهم فى البحر أو فى البر أو فى غيرهما . ٣٩٨ المجلد الثامن ثم ذكر - سبحانه - تكريمه لبنى آدم ، وتفضيلهم على كثير من مخلوقاته ، وأحوالهم فى الآخرة ، فقال - تعالى - : وَلَقَّذْ كُرَّمْنَابَنِيّءَادَمَ وَحملتْهَمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (®) يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَسٍ بِإِمَِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَِّكَ يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿ وَمَنْ كَانَ فِىِهَذِهِ، أَعْمَى فَهُوَ فِ اَلْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( قال الآلوسى: قوله: ﴿ولقد كرمنا بني آدم ... ﴾ أى: جعلناهم قاطبة برهم " وفاجرهم، ذوى كرم، أى: شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطاق الحصر .. ))(١). ومن مظاهر تكريم الله - تعالى - لبنى آدم ، أنه خلقهم فى أحسن تقويم ، كما قال - تعالى -: ﴿لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ﴾. وأنه ميزهم بالعفل والنطق والاستعدادات المتعددة ، التى جعلتهم أهلاً لحمل الأمانة ، كما قال - سبحانه -: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ... ﴾(٢). وأنه سخر الكثير من مخلوقاته لمنفعتهم ومصلحتهم ، قال - تعالى -: ﴿ اللّه الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ، وسخر لكم (١) تفسير الالوسى جـ ١٥ ص ١١٧ . ( ٢) سورة الأحزاب الآية ٧٢ . ٣٩٩ سورة الإِسراء الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ﴾(١). وأنه سجل هذا التكريم فى القرآن الكريم ، الذى لا يأتيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكفاهم بذلك شرفا وفخرا . وقوله - تعالى - ﴿وحملناهم فى البر والبحر﴾ بيان لنوع من أنواع هذا التكريم. أى: وحملناهم بقدرتنا ورعايتنا فى البر على الدواب وغير ذلك من وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها ، وحملناهم فى البحر على السفن وعابرات البحار التى تنقلهم من مكان إلى آخر . وقوله: ﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ بيان لنوع آخر من أنواع التكريم. أى: ورزقناهم بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب والملابس ، التى يستلذونها ، ولا يستغنون عنها فى حياتهم . وقوله : ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ بيان لنوع ثالث من أنواع التكريم، أى : وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا التى لا تحصى ، تفضيلاً عظيًا . وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونًا من ألوان التكريم الذى منحه الله - تعالى - لبنى آدم . وبعضهم يرى أن هناك فرقًا بين التكريم والتفضيل ، ومن هذا البعض الإمام الفخر الرازى ، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: لقد قال الله - تعالى - فى أول الآية ﴿ولقد كرمنا بني آدم ﴾ وقال فى آخرها ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً﴾. ولابد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار . والأقرب أن يقال : إنه - تعالى - فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خِلْقية طبيعية ذاتية ، مثل : العقل، والنطق ، والصورة الحسنة .. ثم إنه - تعالى - عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد الحقة ، والأخلاق الفاضلة فالأول : هو التكريم ، والثانى : هو التفضيل))(٢) . وكأن الفخر الرازى يرى أن التكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التى امتاز بها بنو آدم ، أما التفضيل فيرجع إلى ما اكتسبوه من عقائد سليمة ، وأخلاق قويمة . (١) سورة إبراهيم الآيات ٣٢، ٣٣، ٣٤. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٤٢١. ٤٠٠ المجلد الثامن هذا ، وقد أخذ صاحب الكشاف من هذه الجملة وهى قوله - تعالى -: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ أن الملائكة أفضل من البشر، لأنهم - أى الملائكة - هم المقصودون بالقليل الذى لم يفضل عليه بنو آدم . قال - رحمه الله -: قوله: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ... ﴾ هو ما سوى الملائكة وحسب بنى آدم تفضيلاً، أن ترفع عليهم الملائكة - وهم هم - ، ومنزلتهم عند الله منزلتهم ... ))(١) . ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالتفضيل هنا : تفضيل الجنس ، ولا يلزم منه تفضيل كل فرد على كل فرد . قال الجمل ما ملخصه : ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ المراد تفضيل جنس البشر على أجناس غيره كالملائكة ، ولا يلزم من تفضيل جنس البشر على جنس الملك تفضيل الأفراد ، إذ الملائكة فى جملتهم أفضل من البشر غير الأنبياء . وصلحاء البشر - كالصديق - أفضل من عوام الملائكة، أى: غير الرؤساء منهم ، على المعتمد من طريقة التفضيل))(٢). والذى تطمئن إليه النفس فى هذه المسألة - والله أعلم - : أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أفضل من الملائكة جميعًا، لأن الله - تعالى - قد أمر الملائكة بالسجود لآدم الذى جعله خليفة له فى أرضه ، دون غيره من الملائكة ... وأن الرسل من الملائكة - كجبريل وإسرافيل وعزرائيل وميكائيل - أفضل من عموم البشر - سوى الأنبياء - ، لأن هؤلاء الرسل قد اصطافهم الله - تعالى - واختارهم لوظائف معينة ، قال - تعالى - ﴿اللّه يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس﴾. وأن صلحاء البشر - كالعشرة المبشرين بالجنة - أفضل من عامة الملائكة ، لأن الملائكة ليست فيهم شهوة تدفعهم إلى مخالفة ما أمر الله به ... أما بنو آدم فقد ركب الله - تعالى - فيهم شهوة داعية إلى ارتكاب المعصية ، ومقاومة هذه الشهوات جهاد يؤدى إلى رفع الدرجات ... ومن العلماء الذين بسطوا القول فى هذه المسألة الإِمام الفخر الرازى ، فليرجع إليه من شاء(٣). (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٨١ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٣٨. ( ٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٤٢١.