Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة النحل
أى : وبال يوم السبت ولعنته ﴿ على الذين اختلفوا فيه﴾، وهم اليهود ، حيث استحله
بعضهم فاصطادوا فيه ، فعذبوا ومسخوا .. وثبت بعضهم على تحريمه فلم يصطد فيه ، فلم
يعذبوا .. والقول الأول أقرب إلى الصحة (١) .
وقال الإِمام ابن كثير: وقد ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله - الفيوم -
قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم - أى أهل الكتاب - أوتوا الكتاب
من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذى فرض الله عليهم - أى يوم الجمعة - فاختلفوا فيه ، فهدانا
الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد)(٢).
ثم بين - سبحانه - حكمه العادل فيهم فقال: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما
كانوا فيه يختلفون﴾. أى: وإن ربك - أيها الرسول الكريم - ليحكم بين هؤلاء المختلفين
يوم القيامة ، بأن ينزل بهم العقوبة التى يستحقونها بسبب مخالفتهم لنبيهم ، وإعراضهم عن
طاعته فيما أمرهم به من تعظيم يوم الجمعة .
ويصح أن يكون المعنى : وإن ربك ليحكم بحكمه العادل بين هؤلاء اليهود الذين اختلفوا فى
شأن يوم السبت ، حيث استحله بعضهم ، وحرمه البعض الآخر ، فيجازى كل فريق بما
يستحقه من ثواب أو عقاب .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت إبراهيم - عليه السلام - مدحا عظيما ، وذكرت
جانبا من المآثر التى أكرمه الله - تعالى - بها ، وبرأته مما ألصقه به المشركون وأهل الكتاب
من تهم باطلة ، ودعاوى كاذبة .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لآداب الدعوة إلى الله، والهادية
إلى مكارم الأخلاق ، فقال - تعالى - : .
أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَأَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
١٢٥
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٠٥ .
( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٩١ .

٢٦٢
المجلد الثامن
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوْ قِبْتُمِيِهِ، وَلَيْنَ صَبَرْتُمْ
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِينَ ﴿ وَأَصْبِرْ وَ مَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَاتَكُ فِىِ ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ
(٦) إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْوَ الَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ﴾ للرسول - * -
ويدخل فيه كل مسلم يصلح للدعوة إلى الله - عز وجل - .
أى : ادع - أيها الرسول الكريم - الناس إلى سبيل ربك أى: إلی دین ربك وشريعته
التى هى شريعة الإسلام ﴿ بالحكمة﴾ أى: بالقول المحكم الصحيح الموضح للحق ، المزيل
للباطل ، الواقع فى النفس أجمل موقع .
وحذف - سبحانه - مفعول الفعل ﴿ادع﴾ للدلالة على التعميم ، أى، ادع كل من هو
أهل للدعوة إلى سبيل ربك .
وأضاف - سبحانه - السبيل اليه . للإشارة إلى أنه الطريق الحق ، الذى من سار فيه
سعد وفاز، ومن انحرف عنه شقى وخسر .
وقوله - تعالى -: ﴿ والموعظة الحسنة) وسيلة ثانية للدعوة إلى الله - تعالى -
أى : وادعهم - أيضا- إلى سبيل ربك بالأقوال المشتملة على العظات والعبر التى ترقق
القلوب ، وتهذب النفوس ، وتقنعهم بصحة ما تدعوهم إليه ، وترغبهم فى الطاعة قه
- تعالى - وترهبهم من معصيته - عز وجل - وقوله - تعالى -: ﴿ وجادلهم بالتى هى
أحسن ﴾ بيان لوسيلة ثالثة من وسائل الدعوة السليمة .
أهى: وجادل المعاند منهم بالطريقة التى هى أحسن الطرق وأجملها، بأن تكون مجادلتك لهم
مبنية على حسن الإقناع ، وعلى الرفق واللين وسعة الصدر فإن ذلك أبلغ فى إطفاء نار
غضبهم ، وفى التقليل من عنادهم ، وفى إصلاح شأن أنفسهم ، وفى إيمانهم بأنك إنما تريد من
وراء مجادلتهم ، الوصول إلى الحق دون أى شىء سواه .

٢٦٣
سورة النحل
وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت أقوم طرق الدعوة إلى الله - تعالى - وعينت أحكم
وسائلها ، وأنجعها فى هداية النفوس .
إنها تأمر الدعاة فى كل زمان ومكان أن تكون دعوتهم إلى سبيل اللّه لا إلى سبيل غيره : إلى
طريق الحق لا طريق الباطل ، وإنها تأمرهم - أيضا- أن يراعوا فى دعوتهم أحوال الناس ،
وطباعهم ، وسعة مداركهم ، وظروف حياتهم ، وتفاوت ثقافاتهم .
وأن يخاطبوا كل طائفة بالقدر الذى تسعه عقولهم ، وبالأسلوب الذى يؤثر فى نفوسهم ،
وبالطريقة التى ترضى قلوبهم وعواطفهم .
فمن لم يقنعه القول المحكم ، قد تقنعه الموعظة الحسنة ، ومن لم تقنعه الموعظة الحسنة . قد
يقنعه الجدال بالتى هى أحسن .
ولذلك كان من الواجب على الدعاة إلى الحق ، أن يتزودوا بجانب ثقافتهم الدينية الأصيلة
الواسعة - بالكثير من ألوان العلوم الأخرى كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ ، وطبائع
الأفراد والأمم .. فإنه ليس شىء أنجع فى الدعوة من معرفة طبائع الناس وميولهم ، وتغذية هذه
الطبائع والميول بما يشبعها من الزاد النافع ، وبما يجعلها تقبل على فعل الخير ، وتدبر عن فعل .
الشر .
وكما أن أمراض الأجسام مختلفة ، ووسائل علاجها مختلفة -أيضا - ، فكذلك أمراض
النفوس متنوعة ، ووسائل علاجها متباينة .
فمن الناس من يكون علاجه بالمقالة المحكمة : ومنهم من يكون علاجه بالعبارة الرقيقة
الرفيقة التى تهز المشاعر ، وتثير الوجدان ، ومنهم من يكون علاجه بالمحاورة والمناقشة
والمناظرة والمجادلة بالتى هى أحسن ، لأن النفس الإنسانية لها كبرياؤها وعنادها ، وقلما
تتراجع عن الرأى الذى آمنت به . إلا بالمجادلة بالتى هى أحسن . والحق : أن الدعاة إلى الله
- تعالى - إذا فقهوا هذه الحقائق فتسلحوا بسلاح الإيمان والعلم ، وأخلصوا ه - تعالى -
القول والعمل، وفطنوا إلى أنجع الأساليب فى الدعوة إلى الله ، وخاطبوا الناس على قدر
عقولهم واستعدادهم .. نجحوا فى دعوتهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
قال الآلوسى : وإنما تفاوتت طرق دعوته -# - لتفاوت مراتب الناس ، فمنهم
خواص ، وهم أصحاب نفوس مشرقة ، قوية الاستعداد لإدراك المعانى ، مائلة إلى تحصيل
اليقين على اختلاف مراتبه ، وهؤلاء يدعون بالحكمة .
ومنهم عوام ، أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد ، شديدة الإلف بالمحسوسات ، قوية

٢٦٤
المجلد الثامن
التعلق بالرسوم والعادات ، قاصرة عن درجة البرهان ، لكن لا عناد عندهم ، وهؤلاء يدعون
بالموعظة الحسنة .
ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق ، لما غلب عليه من تقليد الأسلاف ،
ورسخ فيه من العقائد الباطلة ، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر ، بل لابد من إلقامه
الحجر بأحسن طرق الجدال ، لتلين عريكته ، وتزول شكيمته، وهؤلاء الذين أمر - الفيوم -
بجدالهم بالتى هى أحسن(١) .
وقوله - سبحانه - : ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ بيان
لكمال علم الله - تعالى - وإحاطته بكل شىء، وإرشاد للدعاة فى شخص نبيهم - يطفو - إلى
أن عليهم أن يدعوا الناس بالطريقة التى بينها - سبحانه - لهم، ثم يتركوا النتائج له
- تعالى - يسيرها كيف يشاء .
والظاهر أن صيغة التفضيل ﴿أعلم ) فى هذه الآية وأمثالها ، المراد بها مطلق الوصف
لا المفاضلة ، لأن الله - تعالى - لا يشاركه أحد فى علم أحوال خلقه ، من شقاوة وسعادة ،
وهداية وضلال .
والمعنى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده العليم بمن ضل من خلقه عن صراطه
المستقيم ، وهو وحده العليم بالمهتدين منهم إلى السبيل الحق وسيجازى كل فريق منهم
بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
وما دام الأمر كذلك ، فعليك - أيها الرسول الكريم - أن تسلك فى دعوتك إلى سبيل
ربك ، الطرق التى أرشدك إليها ، من الحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتى هى أحسن ،
ومن كان فيه خير - كما يقول صاحب الكشاف - كفاه الوعظ القليل ، والنصيحة اليسيرة ،
ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل ، وكأنك تضرب منه فى حديد بارد(٢).
وبعد أن بين - سبحانه - أنجع أساليب الدعوة إلى سبيله فى حالة المسالمة والمجادلة بالحجة
والبرهان ، أتيع ذلك ببيان ما ينبغى على المسلم أن يفعله فى حالة الاعتداء عليه أو على دعوته
فقال - تعالى -: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ... ﴾.
أى: وإن أردتم معاقبة من ظلمكم واعتدى عليك ، فعاقبوه بمثل ما فعله بكم ، ولا تزيدوا .
على ذلك ، فإن الزيادة حيف يبغضه الله - تعالى - .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٢٥٤ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٣٥ .

٢٦٥
سورة النحل
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ما هو أسمى من مقابلة الشر بمثله فقال: ﴿ولئن صبر تم لهو
﴾ .
خير للصابرين
والضمير فى قوله ﴿لهو﴾ يعود إلى المصدر فى قوله ﴿صبرتم﴾، والمصدر إما أن يراد به
الجنس فيكون المعنى : ولئن صبرتم فالصبر خير للصابرين ، وأنتم منهم .
وإما أن يراد به صبرهم الخاص فيكون المعنى : ولئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل ، لصبركم
خير لكم ، فوضع - سبحانه - الصابرين موضع لكم على سبيل المدح لهم ، والثناء عليهم
بصفة الصبر .
هذا ، وقد ذكر جمع من المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت فى أعقاب غزوة أحد ، بعد أن
مثل المشركون بحمزة - رضى الله عنه - .
٠٠
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : روى الحافظ البزار عن أبى هريرة - رضى الله عنه -
أن رسول الله - وَّل - وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد. فنظر الى منظر لم ينظر
أوجع للقلب منه .
وقد مثل المشركون به. فقال - * - : رحمة الله عليك، لقد كنت وصولاً للرحم ،
فعولا للخيرات . والله لولا حزن من بعدك عليك لسرنى أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون
السباع. أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فنزلت هذه الآية. فكفر رسول الله - ر الف) -
عن يمينه .
ثم قال ابن كثير بعد روايته لهذا الحديث : وهذا إسناد فيه ضعف لأن أحد رواته وهو
((صالح بن بشير المرى)) ضعيف عند الأئمة . وقال البخارى هو منكر الحديث .
ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وروى عبد الله بن الإمام أحمد فى مسند أبيه عن أبى بن
كعب ، قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، فقال
أصحاب رسول الله - * - : لئن كان لنا يوم مثل هذا اليوم من المشركين لنمثلن بهم، فلما
كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم. فنادى مناد أن رسول الله - وال ليزر - قد
أمن الأبيض والأسود إلا فلانا وفلانا - ناسا سماهم - ، فنزلت الآية .
فقال رسول الله - * - ((نصبر ولا نعاقب))(١).
والذى نراه أن الآية الكريمة - حتى ولو كان سبب نزولها ما ذكر - إلا أن التوجيهات التى
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٩٦.

٢٦٦
المجلد الثامن
اشتملت عليها صالحة لكل زمان ومكان ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعلى
رأس هذه التوجيهات السامية التى اشتملت عليها : دعوة المسلمين إلى التزام العدالة فى
أحكامهم ، وحضهم على الصبر والصفح ما دام ذلك لا يضر بمصلحتهم ومصلحة الدعوة
الإسلامية .
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى -: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا وأصلح
فأجره على الله ... ﴾(١).
ثم أمر - سبحانه - بالصبر أمرا صريحا ، بعد أن بين حسن عاقبته فقال: ﴿ واصبر
وماصبرك إلا بالله ...
٠
٠
أى : : واصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك ، وما صبرك فى حال من
الأحوال بمؤت ثماره المرجوة منه إلا بتوفيق الله - تعالى - لك ، وبتثبيته إياك، وما دام الأمر
كذلك فالجأ إليه وحده ، واستعن به - سبحانه - فى كل أمورك ، فالاستثناء مفرغ من أعم
الأحوال .
ثم نهاه - سبحانه - عن الحزن بسبب كفر الكافرين ، فإن الهداية والإضلال بقدرة الله
وحده فقال - تعالى -: ﴿ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون﴾.
أى ولا تحزن بسبب كفر الكافرين ، وإصرارهم على ذلك ، وإعراضهم عن دعوتك ، ولا
يضق صدرك بمكرهم، فإن الله - تعالى - ناصرك عليهم ، ومنجيك من شرورهم.
وقوله - تعالى -: ﴿ إن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ تعليل لما سبق من
أمره بالصبر ، ومن نهيه عن الحزن وضيق الصدر .
أى: إن الله - تعالى - بمعونته وتأييده مع الذين اتقوه فى كل أحوالهم ، وصانوا أنفسهم
عن كل ما لا يرضاه . ومع الذين يحسنون القول والعلم ، بأن يؤدوهما بالطريقة التى أمر
الإسلام بها، ومن كان الله - تعالى - معه ، سعد فى دنياه وفى أخراه .
وقد قيل لبعض الصالحين وهو يحتضر : أوص. فقال: إنما الوصية من المال . ولا مال لى،
(١) سورة الشورى الآية ٤٠ .

٢٦٧
سورة النحل
ولكنى أوصيكم بالعمل بخواتيم سورة النحل .
وبعد فهذه سورة النحل ، وهذا تفسير لها . نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
د . محمد سيد طنطاوى
المدينة المنورة : مساء الثلاثاء ٢٧ من ذى الحجة ١٤٠٣ هـ
الموافق ١٩٨٣/١٠/٤ م
م

تفسير
سُؤَةُ الْأَسْراء

٢٧١
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه
وأتباعه ، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد : فهذا تفسير لسورة الإسراء ، أسأل الله - عز وجل - أن يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده ، إنه سميع مجيب .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
المدينة المنورة فى ١٤٠٤/١/٥ هـ
١٩٨٣/١٠/١٠ م
الموافق
المؤلف
د . محمد سيد طنطاوى
١

i

٢٧٣
مقدمة
تعريف بسورة الإِسراء
١ - سورة الإسراء هى السورة السابعة عشرة فى ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سورة :
الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء .... الخ .
أما ترتيبها فى النزول ، فقد ذكر السيوطى فى الإتقان أنها السورة التاسعة والأربعون ، وأن
نزولها كان بعد سورة القصص (١).
٢ - وتسمى - أيضا - بسورة بنى إسرائيل، وبسورة ((سبحان))، وعدد آياتها عند
الجمهور إحدى عشرة آية ومائة ، وعند الكوفيين عشر آيات ومائة آية .
٣ - ومن الأحاديث التى وردت فى فضلها ، ما رواه البخارى فى صحيحه عن ابن مسعود
- رضى الله عنه - أنه قال فى بنى إسرائيل ، والكهف ومريم: إنهن من العِتَاق الأول، وهنّ
من تلادى (٣) .
والعتاق : جمع عتيق وهو القديم ، وكذلك التالد بمعنى القديم. ومراده - رضى الله عنه -
أن هذه السور من أول ما حفظه من القرآن .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا حماد بن زيد ، عن مروان عن أبى لبابة ،
قال: سمعت عائشة - رضى الله عنها - تقول: كان رسول الله - * - يصوم حتى نقول:
ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة: ((بنى
إسرائيل)) و((الزمر))(٣).
٤ - ومن وجوه مناسبة هذه السورة لما قبلها، ما ذكره أبو حيان بقوله: ((ومناسبة هذه
لما قبلها، أنه - تعالى - لما أمره - فى آخر النحل - بالصبر ، ونهاه عن الحزن عليهم ، وعن
أن يضيق صدره من مكرهم ، وكان من مكرهم نسبته إلى الكذب والسحر والشعر ، وغير ذلك
مما رموه به ، أعقب - تعالى - ذلك بذكر شرفه ، وفضله ، واحتفائه به ، وعلو منزلته
عنده))(٤).
(١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى جـ ١ ص ٢٧ طبعة المشهد الحسينى.
(٢، ٣) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٣ - طبعة مكتبة الشعب .
(٤ ) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٦ ص ٣.

٢٧٤
المجلد الثامن
٥ - وسورة الإسراء من السور المكية ، ومن المفسرين الذين صرحوا بذلك دون أن
يذكروا خلافا فى كونها مكية . الزمخشرى، وابن كثير ، والبيضاوى ، وأبو حيان .
وقال الآلوسي : وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور .
وقيل : فى مكية إلا آيتين: ﴿وإن كادوا ليفتنونك ... وإن كادوا ليستفزونك ﴾.
وقيل: إلا أربعا ، هاتان الآيتان ، وقوله - تعالى -: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط
بالناس ... ﴾ .
وقوله - سبحانه -: ﴿وقل رب أدخلنى مدخل صدق ... ﴾(١).
والذى تطمئن إليه النفس أن سورة الإسراء بتمامها مكية - كما قال جمهور المفسرين -
لأن الروايات التى ذكرت فى كون بعض آياتها مدنية ، لا تنهض دليلا على ذلك لضعفها ...
والذى يغلب على الظن أن نزول هذه السورة الكريمة : أو نزول معظمها ، كان فى أعقاب
حادث الإسراء والمعراج .
وذلك لأن السورة تحدثت عن هذا الحدث، كما تحدثت عن شخصية الرسول - اليمن -
حديثا مستفيضا ، وحكت إيذاء المشركين له ، وتطاولهم عليه ، وتعنتهم معه ، كمطالبتهم إياه
بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعا .. .
وقد ردت السورة الكريمة على كل ذلك، بما يسلى الرسول - 13 - ويثبته ، ويرفع
منزلته، ويعلى قدره ... فى تلك الفترة الحرجة من حياته - ** - وهى الفترة التى أعقبت
موت زوجه السيدة خديجة - رضى الله عنها - وموت عمه أبى طالب ...
٦ - ( أ) وعندما نقرأ سورة الإسراء نراها فى مطلعها تحدثنا عن إسراء الله - تعالى -
بنبيه -* - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعن الكتاب الذى آتاه الله
- تعالى - لموسى - عليه السلام - ليكون هداية لقومه ، وعن قضاء الله فى بنى
إسرائيل .. .
قال - تعالى -: ﴿ سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى ، الذى باركنا حوله ، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير . وآتينا موسى الكتاب
وجعلناه هدى لبنى إسرائيل ، ألا تتخذوا من دونى وكيلا . ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٢.

٢٧٥
مقدمة
شكورا . وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الأرض مرتين ولتعلن علوا
كبيرا ﴾ ..
( ب ) ثم يبين - سبحانه - بعد ذلك أن هذا القرآن قد أنزله - سبحانه - على نبيه
- وَ - ليهدى الناس إلى الطريق الأقوم، وليبشر المؤمنين بالأجر الكبير ، وأن كل إنسان
مسئول عن عمله ، وسيحاسب عليه يوم القيامة ، دون أن تحمل نفس آثمة إثم نفس
أخرى .. .
قال - تعالى -: ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون
الصالحات ، أن لهم أجرا كبيرا ...
إلى أن يقول - سبحانه -: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ، ونخرج له يوم القيامة
كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا * من اهتدى فإنما يهتدى
لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا ﴾ .
( جـ ) ثم تسوق السورة الكريمة سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن عاقبة الترف
والفسق ، الدمار والهلاك ، وأن من يريد العاجلة كانت نهايته إلى جهنم ، ومن يريد الآخرة
ويقدم لها العمل الصالح كانت نهايته إلى الجنة .
استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ فيقول: ﴿وإذا أردنا أن
نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها . فحق عليها القول فدمرناها تدميرا . وكم أهلكنا من
القرون من بعد نوح . وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا . من كان يريد العاجلة عجلنا
له فيها ما نشاء لمن نريد ، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا . ومن أراد الآخرة
وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ﴾ .
( د ) وبعد أن بين - سبحانه - أن سعادة الآخرة منوطة بإرادتها ، وبأن يسعى الانسان
لها وهو مؤمن ، عقب ذلك بذكر بضع وعشرين نوعا من أنواع التكاليف ، التى متى نفذها
المسلم ظفر برضى الله - تعالى - ومثوبته، ومن تلك التكاليف قوله - تعالى -: ﴿ لا تجعل
مع اللّه إلها آخر ﴾ .
﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ ...
وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا .. ﴾ .
﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ... ﴾ .

٢٧٦
المجلد الثامن
ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا
، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ﴾.
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ﴾ .
وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم
ولا تقف ما ليس لك به علم ..
﴿ولا تمش فى الأرض مرحا .. ﴾
( هـ ) وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التكاليف المحكمة التى لا يتطرق إليها النسخ
أو النقض، فى ثمانى عشرة آية ، أتبعت ذلك بالثناء على القرآن الكريم ، وبتنزيه الله
- تعالى - عن الشريك ، وببيان أن كل شىء يسبح بحمده - عز وجل - .
قال - تعالى -: ﴿ولقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا ومايزيدهم إلا نفورا . قل لو كان
معه آلهة كما يقولون ، إذا لا بتغوا إلى ذى العرش سبيلا . سبحانه وتعالى عما يقولون علوا
كبيرا . تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ،
ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، إنه كان حليما غفورا ﴾ .
( و) ثم تحكى السورة الكريمة جانبا من أقوال المشركين ، وترد عليها بما يدحضها ، وتأمر
المؤمنين بأن يقولوا الكلمة التى هى أحسن .. فتقول : .
وقالوا أنذا كنا عظاما ورفاتا أننا لمبعوثون خلقا جديدا . قل كونوا حجارة أو حديدا. أو
خلقا مما يكبر فى صدوركم ، فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة ، فسينغضون إليك
رءوسهم ويقولون متى هو ، قل عسى أن يكون قريبا . يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ،
وتظنون إن لبثتم إلا قليلا . وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن ، إن الشيطان ينزغ بينهم إن
الشيطان كان للإِنسان عدوا مبينا ﴾.
( ز) وبعد أن تقرر السورة الكريمة شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وقدرته على
كل شىء ، بعد أن تقرر ذلك ، تحكى لنا جانبا من قصة آدم وإبليس فتقول : .
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا . قال
أرأيتك هذا الذى كرمت على ، لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . قال
اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ﴾ .
( ح ) ثم تسوق السورة بعد ذلك ألوانا من نعم الله على عباده فى البر والبحر ، وألوانا من

٢٧٧
مقدمة
تكريمه لبنى آدم ، كما تصور أحوال الناس يوم القيامة ، وعدالة الله - تعالى - فى حكمه عليهم
فتقول :
: وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه ، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان
الإِنسان كفورا . أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ، أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم
وكيلا .. ﴾ .
ثم يقول - سبحانه -: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ، وحملناهم فى البر والبحر ، ورزقناهم من
الطيبات ، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا . يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ، فمن أوتى
كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا .. ﴾ .
( ط ) ثم تحكى السورة جانبا من نعم الله - تعالى - على نبيه - صل - حيث ثبته
- سبحانه - أمام مكر أعدائه ، وأمره بالمداومة على الصلاة وعلى قراءة القرآن ، لأن ذلك
يزيده ثباتا على ثباته.، وتكريما على تكريمه .
قال - تعالى -: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره، وإذا
لاتخذوك خليلا . ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ﴾.
(ى) ثم يقول - سبحانه -: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن
الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما
محمودا . وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق ، واجعل لى من لدنك سلطانا
نصيرا ..
(ك ) وبعد أن تقرر السورة الكريمة طبيعة الإِنسان ، وتقرر أن الروح من أمر الله
- تعالى - ، تتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان أنه المعجزة الخالدة للرسول
- وَيه -، وبإيراد المطالب المتعنتة التى طالب المشركون بها النبى - امل * -.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يقرر كل ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : ﴿ قل لئن اجتمعت
الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . ولقد
صرفنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقالوا لن نؤمن لك
حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها
تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، أو تأتى باللّه والملائكة قبيلا . أو يكون لك
بيت من زخرف أو ترقى فى السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، قل سبحان
ربي هل كنت إلا بشرا رسولا
٠

٢٧٨
المجلد الثامن
( ل ) ثم تسوق السورة الكريمة فى أواخرها الدلائل الدالة على وحدانية الله - تعالى -
وقدرته ، وتحكى جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وتؤكد أن هذا القرآن
أنزله الله - تعالى - بالحق ، وبالحق نزل ، وأنه نزله مفرقا ليقرأه الناس على تؤدة وتدبر .
وكما افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - ، فقد اختتمت بحمد الله
- تعالى - وتكبيره . قال - تعالى - :
وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ، ولم يكن له ولی من الذل
وكبره تكبيرا
﴾ .
( م) وبعد فهذا عرض إجمالى لأهم الموضوعات والمقاصد التى اشتملت عليها سورة
الإسراء . ومن هذا العرض يتبين لنا مايلى : .
١ - أن سورة الإسراء - كغيرها من السور المكية - قد اهتمت اهتماما بارزا بتنقية
العقيدة من كل ما يشوبها من شرك أو انحراف عن الطريق المستقيم .
وقد ساقت السورة فى هذا المجال أنواعا متعددة من البراهين على وحدانية الله - تعالى -
وعلمه وقدرته ، ووجوب إخلاص العبادة له ، وعلى تنزيهه - سبحانه - عن الشريك ، ومن
ذلك قوله - تعالى - :
أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما . ولقد صرفنا
فى هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا. قل لو كان معه آلهة كما يقولون ، إذا لا بتغوا
إلى ذى العرش سبيلا . سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا
٢ - كذلك على رأس الموضوعات التى فصلت السورة الحديث عنها ، شخصية الرسول
-* - ، فقد ابتدأت بإسراء الله - تعالى - به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ،
حيث أراه - سبحانه - من آياته ما أراه ، ثم تحدثت عن طبيعة رسالته ، وعن مزاياها ، وعن
موقف المشركين منه ، وعن المطالب المتعنتة التى طلبوها منه ، وعن تثبيت الله - تعالى - له ،
وعن تبشيره بحسن العاقبة .. .
قال - تعالى -: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ﴾
٣ - من الواضح - أيضا - أن سورة الإسراء اعتنت بالحديث عن القرآن الكريم ، من
حيث هدايته ، وإعجازه ، ومنع الذين لا يؤمنون به عن فقهه ، واشتماله على ما يشفى
الصدور ، وتكراره البينات والعبر بأساليب مختلفة ، ونزوله مفرقا ليقرأه الناس على مكث ..

٢٧٩
مقدمة
ومن الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى - :
إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ... ﴾ .
وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا .. ﴾
وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين .. ﴾ .
وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا . وقرآنا فرقناه لتقرأه على
الناس على مكث ، ونزلناه تنزيلا ..
٤ - اهتمت السورة الكريمة اهتماما بينا، بالحديث عن التكاليف الشرعية ، المتضمنة
لقواعد السلوك الفردى والجماعى .
وقد ذكرت السورة أكثر من عشرين تكليفا ، فى آيات متتالية ، بدأت بقوله - تعالى - :
لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾ الآية ٢٢ وانتهت بقوله - تعالى - :
كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ﴾ الآية ٣٨.
وبجانب حديثها المستفيض عن التكاليف الشرعية ، تحدثت - أيضا - عن طبيعة الإِنسان
فى حالتى العسر واليسر ، وعن بخله الشديد بما يملكه .. .
قال - تعالى -: ﴿وإذا أنعمنا على الإِنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان
يئوسا ﴾ .
وقال - سبحانه -: ﴿ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى ، إذا لأمسكتم خشية الإنفاق
وكان الإِنسان قتورا ﴾ .
٥ - ومن الجوانب التى حرصت السورة الكريمة على تجليتها والكشف عنها : بيان سنن الله
التى لا تتخلف فى الهداية والإضلال ، وفى الثواب والعقاب ، وفى النصر والخذلان ، وفى الرحمة
والإِهلاك ، ومن ذلك قوله - تعالى - :
﴿ من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى،
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ .
وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ، فحق عليها القول فدمرناها
تدميرا ﴾ .
يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون
فتيلا . ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا ﴾ .

٢٨٠
المجلد الثامن
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها ... ﴾
هذه بعض المقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها سورة الإِسراء ، وهناك مقاصد أخرى
يراها المتأمل فيها ، والمتدبر لآياتها ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
د . محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية