Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة النحل ثم بين - سبحانه - أهم الوظائف التى من أجلها أنزل كتابه على نبيه محمد - وَيه - فقال: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ . أى : وما أنزلنا عليك - أيها الرسول الكريم - هذا القرآن ، إلا من أجل أن تبين لمن أرسلت اليهم وجه الصواب فيما اختلفوا فيه من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والحلال والحرام ... وبذلك يعرفون الحق من الباطل ، والخير من الشر . وسيقت هذه المعانى بأسلوب القصر ، لقصد الإِحاطة بأهم الغايات التى من أجلها أنزل الله - تعالى - كتابه على نبيه الكريم ، ولترغيب السامعين فى تقبل إرشادات هذا الكتاب بنفس منشرحة ، وقلب متفتح . وقوله ﴿ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) ثناء آخر على هذا الكتاب الكريم. أى : أنزلنا هذا الكتاب يا محمد ، لتبين للناس عن طريقه وجه الحق فيما اختلفوا فيه من أمور الدين ، وليكون هذا الكتاب هداية إلى الطريق القويم ، ورحمة لقوم يؤمنون به ، ويسيرون فى كل أمورهم على هدى تعاليمه وإرشاداته وتشريعاته . وقال - سبحانه -: ﴿ لقوم يؤمنون﴾ للإشارة الى أن الظفر بما اشتمل عليه القرآن من خيرات ، إنما هو لقوم قد توجهت نفوسهم إلى الإِيمان به ، وتفتحت قلوبهم لاستقبال هداياته . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا جانبا من مظاهر فضل الله - تعالى - على عباده ، وردت على المشركين فيما زعموه من أن لهم فى الآخرة العاقبة الحسنى ، وسلت النبى - وجه - عما أصابه منهم من أذى ، وبينت أهم الوظائف التى من أجلها أنزل الله - تعالى - کتا به . ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى - على خلقه ، ومن ذلك : نعمة إنزال الماء من السماء ، ونعمة خلق الأنعام ، ونعمة إيجاد النخيل والأعناب ، فقال - تعالى - : وَلَهُأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لْقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿ وَإِنَّلَكُمْ فِالْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُسْقِيكُمْمِمَا فِي بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَمٍ لََّنَا خَالِصًا سَابِغَالِلشَّرِبِينَ () ١٨٢ المجلد الثامن وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ والمراد بالسماء فى قوله - تعالى -: ﴿والله أنزل من السماء ماء): جهة العلو أو السحاب المنتشر فى طبقات الجو العليا والذى تنزل منه الأمطار . والمراد بإحياء الأرض: تحرك القوى النامية فيها ، وإظهار ما أودعه الله - تعالى - فيها من نبات وأزهار ، وثمرات ، وغير ذلك مما تنبته الأرض . والمراد بموتها : خلوها من ذلك ، بسبب استيلاء القحط والجدب عليها . ، قال - تعالى -: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ . أى: وكما أنزل الله - تعالى - كتابه ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون ، أنزل - سبحانه - أيضا الماء من السماء على الأرض ، فتحولت بسبب نزول هذا الماء المبارك الكثير عليها ، من أرض جدباء خامدة ، إلى أرض خضراء رابية . ثم حرض - سبحانه - عباده على التدبر والشكر فقال - تعالى -: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يسمعون أى: إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا وحدها، من إنزل الماء من السماء، وإحياء الأرض به من بعد موتها ، لآية عظيمة ، وعبرة جليلة ، ودلالة واضحة تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا، ((لقوم يسمعون)» ما يتلى عليهم من كلام الله - تعالى - سماع تدبر واعتبار، فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة وإرشادات سديدة . فالمراد بالسمع: سمع القلوب والعقول ، لا سمع الآذان فقط ، إذ سمع الآذان بدون وعى واستجابة للحق ، لاقيمة له ، ولا فائدة ترجى من ورائه . ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته ، وعظيم قدرته وعجيب صنعه ، وسعة رحمته، حيث خلق للناس الأنعام ، وسقاهم من ألبانها ، فقال - تعالى -: ﴿وإن لكم فى الأنعام لعبرة ... ﴾ . والأنعام : تطلق على الإبل والبقر والغنم من الحيوان ، ويدخل فى الغنم المعز . ١٨٣ سورة النحل والعبرة : مصدر بمعنى العبور، أى: التجاوز من محل إلى آخر ، والمراد بها هنا : العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم ، ومن الغفلة إلى اليقظة . أى: وإن لكم - أيها الناس - فى خلق الأنعام ، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة ، وعظة بليغة ، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ومداومة الشكر له على نعمه. فالتنكير فى قوله ﴿لعبرة﴾ للتفخيم والتهويل. وقوله - تعالى -: ﴿نسقيكم مما فى بطونه ﴾ استئناف بيانى، كأنه قيل: وما وجه العبرة فى الأنعام ؟ فكان الجواب : نسقيكم مما فى بطونه . قال الآلوسى: والضمير فى ((بطونه)) يعود للأنعام، وهو اسم جمع، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه، ويجوز تأنيثه وجمعه باعتبار معناه ... )(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ﴾ بيان لموطن العبرة ومحل النعمة ، ومظهر الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ورحمته .. والفرث : الطعام المتبقى فى أمعاء الحيوان بعد هضمه . وأصل الفرث : التفتيت . يقال فرتت كبده . أى : فتتتها . قال الجمل ما ملخصه : والفرث : الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام فى الكرش - بفتح الكاف وكسر الراء - فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روتا . وقوله لبنا﴾ مفعول ثان لنسقيكم، والأول هو الكاف))(٢). والخالص : النقى الصافى الخالى من الشوائب والأكدار . يقال خلص الشىء من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه . والسائغ : اللذيذ الطعم ، السهل المدخل الى الحلق . يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا . من باب قال - إذا سهل مدخله فى الحلق . أى: نسقيكم من بين الفرث والدم الذى اشتملت عليه بطون الأنعام، ((لبنا )» نافعا الأبدانكم ((خالصا)) من رائحة الفرث، ومن لون الدم، مع أنه موجود بينهما ((سائغا للشاربين)» بحيث يمر فى الحلوق بسهولة ويسر ، ويشعر شاربه بلذة وارتياح . (١) تفسير الألوسى جـ ١٤ ص ١٧٦. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٨٠ . ١٨٤ المجلد الثامن وقدم - سبحانه - قوله : ﴿ من بين فرث ودم﴾ على قوله ﴿لبنا﴾، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة ، وموضع الدليل الأسمى على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى -: ﴿ من بين فرث ودم﴾ أى: يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله - تعالى - ، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من ذلك كله ... فسبحان الله ما أعظم قدرته، وألطف حكمته، لمن تفكر وتأمل. وسئل ((شقيق)) عن الإِخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم . ثم قال - رحمه الله -: فإن قلت: أى فرق بين ((من)) الأولى والثانية؟. قلت : الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما فى بطونها ... والثانية لابتداء الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإِسقاء الذى منه يبتدأ ... وإنما قدم قوله: ﴿ من بين فرث ودم﴾ لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم))(١). وقال الألوسى عند تفسيره لهذه الآية: ((ومن تدبر فى بدائع صنع الله - تعالى - فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاربها ، والأسباب المولدة لها ، وتسخير القوى المتصرفة فيها ... اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته ، وحكمته ، وتناهی رأفته ورحمته : حكم حارت البرية فيها وحقيق بأنها تحتار(٢) والحق ، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته ، وعجيب صنعته ، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم فى بطون الأنعام ، لبنا خالصا سائغا للشاربين . وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله .. كلاما يقوى إيمان المؤمنين ، ويدفع باطل الملحدين . هذا ، وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله - تعالى - على خلقه. قال القرطبى ما ملخصه: ((روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: أتى رسول الله - وَلّ - بلبن فشرب، ثم قال: ((إذا أكل أحدكم طعاما فليقل، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦١٦ . (٢) تفسير الألوسى جـ ١٤ ص ١٧٨. ١٨٥ سورة النحل خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإنه ليس شىء يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن)). ثم قال الإِمام القرطبى : قال علماؤنا : فكيف لا يكون كذلك ، وهو أول ما يغتذى به الإنسان ، وتنمو به الأبدان ، فهو قوت به قوام الأجسام ، وقد جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة، ففى الحديث الصحيح أن رسول الله - روض الفر - قال: ((فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن . فقال لى جبريل : اخترت الفطرة ... )) (١) . ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التى لا تحصى ، وهى نعمة ثمرات النخيل والأعناب، فقال - تعالى -: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ... ﴾ . قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه -: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب .. ﴾ خبر مقدم ، ومن تبعيضية ، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر ، وقوله ﴿ تتخذون ﴾ نعت لهذا المبتدأ المحذوف ، أى : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا . ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف ، والتقدير : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ، أى : من عصيرهما ، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه ، وقوله ﴿ تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ﴾ بيان وكشف عن كيفية الإِسقاء. والضمير فى قوله ﴿ منه ﴾ يعود على المضاف المحذوف الذى هو العصير، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر(٢). والسكر - بفتح السين والكاف - اسم من أسماء الخمر ، يقال : سكر فلان - بوزن فرح - يسكر سكرا ، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران وسكر - بفتح السين وكسر الكاف - . وأما الرزق الحسن ، فالمراد به ما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله - تعالى - من ثمارهما . وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف . قال الآلوسى ما ملخصه : والسكر : الخمر . قال الأخطل : . (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ١٢٧ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٨٠ . ١٨٦ المجلد الثامن بئس الصُّحاة وبئس الشّرب شَربُهم إذا جرى فيهم المزَّاءُ والسَّكَر والمزاء : نوع من الأشربة . والسكر ما يسكر وهو الخمر. وفسروا الرزق الحسن . بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك . ثم قال: وتفسير ((السَّكّر)» بالخمر، هو المروى عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وأبى رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبى .. والنخعى .. مع خلق آخرين .. (١). وعلى هذا التفسير الذى قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن ، ويكون العطف للتغاير ومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل ، أو للعصير غير المسكر ، أو لما لا يسكر من الأنبذة ، وقد بسط الإمام القرطبى القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - سكرا﴾ السكر ما يسكر، هذا هو المشهور فى اللغة. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر . والمراد بالسكر : الخمر . وبالرزق الحسن : جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين . وقد قيل إن السكر : الخل بلغة الحبشة . والرزق الحسن : الطعام . وقيل السكر : العصير الحلو الحلال ، وسمى سكرا ، لأنه قد يصير مسكرا إذا بقى ، فإذا بلغ الإِسكار حرم .. . وقال الحنفيون. المراد بقوله ((سكرا)) مالا يسكر من الأنبذة . والدليل عليه أن الله - سبحانه - امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز . وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبى - وَلي - أنه قال: ((حرم الله الخمر بعينها والسُّكْر من غيرها))(٢). وأصحاب هذا الرأى كأنهم يرون أن عطف الرزق الحسن على السكر من باب عطف الشىء على مرادفه ، كما فى قوله - تعالى - ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ﴾ وليس من باب العطف المقتضى للمغايرة ، فالسكر عندهم ليس هو الخمر ، وإنما هو الخل أو العصير أو النبيذ غير المسكر . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن السكر هو الخمر أولى بالقبول ، لأن هذا التفسير (١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ١٨٠. ( ٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ١٢٨. ١٨٧ سورة النحل هو المروى عن جمع من الصحابة ومن التابعين ، ولأن الأصل فى العطف أنه يقتضى المغايرة . قال ابن العربى : أسد هذه الاقوال قول ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ، والمراد بالسكر الخمر ، فتكون هذه الآية منسوخة لأنها مكية باتفاق العلماء ، وتحريم الخمر مدنى(١) . وقال صاحب تفسير آيات الأحكام بعد أن ذكر أدلة الاحناف ورد عليها : والحاصل أننا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل ، إذ الكلام فى الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الانسان ، ولم تنحصر المنافع فى حل التناول ، فقد قال الله - تعالى -: فى شأن الخمر: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير ومنافع للناس .. ﴾ فهل انحصرت منافع السكر - على فرض أنه النبيذ - فى الشرب؟(٢) . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿إن فى ذلك الآية لقوم يعقلون ﴾ أى: فى ذلك الذى ذكرناه لكم من إخراج اللبن من بين فرث ودم ، ومن اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، ((لآية)) باهرة ، ودلالة واضحة ، على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته، ((لقوم يعقلون)) هذه التوجيهات الحكيمة ، فيدركون أن من يفعل كل ذلك وغيره، هو المستحق للعبادة والطاعة ((ألاله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)). ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل - أيضا - على وحدانيته وقدرته ، عن طريق إخراج العسل الذى فيه شفاء للناس بواسطة حشرة ضعيفة وهى النحلة ، فقال - تعالى - : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ أَتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦) ثُمَّكُلِ مِنْ كُلِ الثَّمَرَتِ فَأُسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلْلَا يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفَ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ١٢٨ . (٢) راجع تفسير آيات الأحكام جـ ٣ ص ٥٢ لفضيلة الشيخ محمد على السايس - رحمه الله. ١٨٨ المجلد الثامن وقوله - سبحانه -: ﴿وأوحى﴾ من الوحى، وهو هنا بمعنى الإِلهام، وهو - كما يقول القرطبى - ما يخلقه الله - تعالى - فى القلب ابتداء من غير سبب ظاهر . ومنه قوله - تعالى -: ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ﴾ ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها، وترك ما يضرها ، وتدبير معاشها .. (١). وقال صاحب الكشاف : والإِيجاء إلى النحل : إلهامها والقذف فى قلوبها على وجه هو أعلم به ، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه ، وإلا فتأنقها فى صنعتها ولطفها فى تدبير أمرها ، وإصابتها فيما يصلحها دلائل شاهدة على أن الله - تعالى - أودعها علما بذلك وفطنها ، كما أودع أولى العقول عقولهم .. (٢) . والخطاب للرسول -1 - ويشمل كل من يصلح للخطاب من الأمة الإسلامية . والنحل : اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء ، ويطلق على الذكر والأنثى ، وسمى بذلك لأن الله - تعالى - نحله أى منحه العسل الذى يخرج منه . وقوله - سبحانه - : ﴿ أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ بيان لما ألهمه اللّه النحل من أوامر . ولما كلفها به من أعمال . و(( أن)) مفسرة لأن الإِيجاء فيه معنى القول دون حروفه وما بعدها لا محل له من الإِعواب ، ويجوز بأن تكون مصدرية فيكون ما بعدها فى محل نصب على تقدير الجار . أى : بأن اتخذى . والمعنى : وألهم ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من فجوات الجبال بيوتا تسكن فيها ، وكذلك من تجاويف الأشجار ومما يرفعه الناس ويعرشونه من السقوف وغيرها . يقال : عرش الشىء يعرشه - بكسر الراء وضمها - إذا رفعه عن الأرض ، ومنه العريش الذى صنع لرسول الله - * - يوم بدر لمشاهدة سير المعركة. قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى ((من )) فى قوله ﴿ أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون﴾؟ وهلا قيل فى الجبال وفى الشجر ؟. قلت : أريد معنى البعضية ، وأن لا تبنى بيوتها فى كل جبل ، وكل شجر ، وكل ما يعرش ، ولا فى كل مكان منها . (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ١٣٣. . (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦١٨ . ١٨٩ سورة النحل وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله: (( ويتزين هذا المعنى الذى نبه عليه الزمخشرى فى تبعيض (( من)) المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل ، كأنه - تعالى - وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه ، وإن حجر عليها فى البيوت ، وأمرت باتخاذها فى بعض المواضع دون بعض لأن مصلحة الأكل على الإطلاق باستمرار مشتهاها منه ، وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها فى كل موضع . ولهذا المعنى دخلت ثم فى قوله ﴿ ثم كلى ... ﴾ لتفاوت الأمر بين الحجر عليها فى اتخاذ البيوت ، والإِطلاق لها فى تناول الثمرات ، كما تقول : راع الحلال فيما تأكله ثم كل أى شىء شئت . فتوسط ثم لتفاوت . الحجر والإِطلاق فسبحان اللطيف الخبير))(١). وقوله: ﴿ ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا .. ﴾ بيان للون آخر من الإِلهامات التى ألهمها الله - تعالى - إياها . والسبل : جمع سبيل . والمراد بها الطرق التى تسلكها النحلة فى خروجها من بيتها وفى رجوعها إليه وأضاف - سبحانه - السبل إليه ، لأنه هو خالقها وموجدها . وذللا : جمع ذلول وهو الشىء الممهد المنقاد ، وهو حال من السبل ، أى : فاسلكى سبل ربك حال كونها ممهدة لك ، لا عسر فى سلوكها عليك ، وإن كانت صعبة بالنسبة لغيرك . قالوا : ربما أجدب عليها ما حولها ، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى ، ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها . وقيل إن ((ذللا)) حال من النحلة أى : ثم كلى من كل الثمرات ، فاسلكى سبل ربك ، حالة كونك منقادة لما يراد منك ، مطيعة لما سخرك الله له من أمور تدل على قدرته وحكمته - سبحانه - . وقوله - تعالى - : ﴿ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ﴾ كلام مستأنف ، عدل به من خطاب النحلة الى خطاب الناس ، تعديدا للنعم ، وتعجيبا لكل سامع ، وتنبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وعجيب صنعه فى خلقه . أى : يخرج من بطون النحل - بعد أكلها من كل الثمرات وبعد اتخاذها بيوتها - شراب هو العسل ، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل ، على حسب اختلاف مراعيها ومآكلها وسنها ، وغير ذلك بما اقتضته حكمته - سبحانه - . ( ١ ) الكشاف وحاشسيته جـ ٢ ص ٦١٨ . ١٩٠ المجلد الثامن والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ يعود على الشراب المستخرج من بطونها وهو العسل . أى : فى العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم . وقيل : الضمير يعود إلى القرآن الكريم ، والتقدير: فيما قصصنا عليكم فى هذا القرآن الشفاء للناس . وهذا القيل وإن كان صحيحا فى ذاته ، إلا أن السياق لا يدل عليه ، لأن الآية تتحدث عما يخرج من بطون النحل وهو العسل ، ولا وجه للعدول عن الظاهر ، ومخالفة المرجع الواضح . قال الإِمام ابن كثير : والدليل على أن المراد بقوله ﴿فيه شفاء للناس) هو العسل، الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحيهما عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - ، أن رجلا جاء إلى رسول الله - و# - فقال: إن أخى استطلق بطنه فقال: ((اسقه عسلا))، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يارسول الله، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. قال : « اذهب فاسقه عسلا)» . فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يارسول الله ، سقيته عسلا فمازاده إلا استطلاقا. فقال رسول الله - وَله - ((صدق الله وكذب بطن أخيك. اذهب فاسقه عسلا )) فذهب فسقاه عسلا فبرىء . ثم ساق الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه البخارى عن ابن عباس قال : الشفاء فى ثلاثة : فى شرطة محجم أو شربة عسل أوكية بنار ، وأنهى أمتى عن الكى )). وروى البخارى - أيضا - عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - داخلي - - يقول: (( إن كان فى شىء من أدويتكم - أو يكون فى شىء من أدويتكم - خير : ففى شرطة محجم ، أو شربة عسل، أو لذعة بنار، توافق الداء، وما أحب أن أكتوى))(١). وقال صاحب فتح البيان : وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذى جعله الله فى العسل عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض . فقال طائفة : هو على العموم فى كل حال ولكل أحد . وقالت طائفة : أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضى العموم فى كل علة (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٧٥ . ١٩١ سورة النحل وفى كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص فى القرآن فالقرآن مملوء منه ، ولغة العربى يأتى فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام . ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة فى سياق الإِثبات فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان . ومحققى أهل الأصول . وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض ، أو أمراض ، لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم . ثم قال : قلت : وحديث البخارى : أن أخى استطلق بطنه .. أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء، لأن قوله - * - ((صدق الله)) أى: أنه شفاء فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا)»(١). والذى نراه ، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل المذكور فيه شفاء للناس ، كما صرح بذلك القرآن الكريم، وكما أرشد إلى ذلك النبى - * - . وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم الله - تعالى - وقدرته وحكمته ويكفينا يقينا فى هذا المجال، إصرار النبى - صلفيه - على أن يقول للرجل الذى استطلق بطن أخيه أكثر من مرة، ((اذهب فاسقه عسلا)). وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا ، وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد(٢) . ثم ختم - سبحانه - : الآية الكريمة بقوله : ﴿إن فى ذلك الآية لقوم يتفكرون﴾. أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أمر النحل ؛ من إلهامها اتخاذ البيوت العجيبة ، ومن إدارتها لشئون حياتها بدقة متناهية ، ومن سلوكها الطرق التى جعلها الله مذللة فى ذهابها وإيابها للحصول على قوام حياتها ، ومن خروج العسل من بطونها ... إن فى ذلك وغيره ، لآية باهرة ، وعبرة ظاهرة ، ودلالة جلية ، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وحكمته ، لقوم يحسنون التفكير فيما أخبرهم الله - تعالى - عنه ، ويوقنون بأن لهذا الكون ربا واحدا لا إله . تبارك الله رب العالمين الا هو ﴿ وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من عجائب صنع الله فى خلقه ، كاستخراج اللبن من بين فرث ودم ، وكاتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب ، وكاستخراج العسل الذى فيه شفاء للناس من بطون النحل . (١) تفسير فتح البيان جـ ٥ ص ٢٦٧ للشيخ صديق خان . (٢) راجع على سبيل المثال كتاب: الإسلام والطب الحديث)) للدكتور عبد العزيز إسماعيل. ١٩٢ المجلد الثامن فهذه الأشربة قد أخرجها الله - تعالى - من أجساد مخالفة لها فى شكلها ، وقد ساقها - سبحانه - فى آيات جمع بينها التناسق الباهر فى عرض هذه النعم ، مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله، ﴿ .. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾(١). وبعد هذا الحديث المتنوع عن عجائب خلق الله - تعالى - فى الأنعام والأشجار والنحل .. ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من مظاهر قدرته - تعالى - فى خلق الإنسان ، وفى التفاضل فى الأرزاق ، ومن نعمه على عباده فى إيجاد الأزواج والبنين والحفدة .. فقال - تعالى - : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ نُمَّيَنَوَفَّنَكُمْ وَمِنكُمَّنْ يُرَةُ إَِ أَزْوَلِ اٌلْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ فِ الرِّزْقِ فَمَا الَّذِنَ فُضِلُواْ بِرَآدَّى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْأَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَّكُمْ مِنَ اُلْطَيِّبَتِ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ٧٢ قال الإمام الرازى - رحمه الله - : لما ذكر - سبحانه - بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، ومنها ما هو مذكور فى هذه الآية : ﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ - وهو إشارة إلى مراتب عمر الإِنسان . والعقلاء ضبطوها فى أربع مراتب : أولها : سن النشوء والنماء ، وثانيها : سن الوقوف وهو سن الشباب ، من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة - ، وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة - وهو من الأربعين إلى الستين - ورابعها : سن الانحطاط الكبير - وهو سن الشيخوخة - وهو من الستين إلى نهاية العمر -»(٢) . (١) سورة النساء الآية ٨٢ . ( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٣٣٢ . ١٩٣ سورة النحل والمعنى: ((والله)) - تعالى - هو الذى ((خلقكم)) بقدرته ، ولم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا . ((ثم)) هو وحده الذى (( يتوفاكم)) وينهى حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء آجالكم. وقوله ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر .. ﴾ معطوف على مقدر. أى: والله - تعالى - هو الذى خلقكم ، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى يموت ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر .. والمراد بأرذل العمر : أضعفه وأوهاه وهو وقت الهرم والشيخوخة ، الذى تنقص فيه القوى ، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها . يقال: رَذُلَ الشىء يَرْذُل - بضم الذال فيهما - رذالة .. إذا ذهب جيده وبقى رديئه. وقوله: ﴿ لكى لا يعلم بعد علم شيئا﴾ تعليل للرد إلى أرذل العمر. أى : فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس فى هذه الحياة إلى سن الشيخوخة لكى يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته فى عدم إدراك الأمور إدراكا تاما وسليما . ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة . أى: ليصير أمره بعد العلم بالأشياء ، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا . ولقد استعاذ النبى - * - من أن يصل عمره إلى هذه السن ، لأنها سن تتكاثر فيها الآلام والمتاعب . وقد يصير الإِنسان فيها عالة على غيره . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿اللّه الذى خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ﴾(١) . قال الإِمام ابن كثير : روى البخارى عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله - ﴿ - كان يدعو فيقول: ((اللهم إنى أعوذ بك من البخل ، والكسل ، والهرم، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات)). وقال زهير بن أبى سلمى فى معلقته المشهورة : ثمانين حولا لا أبا لك يسأم سئمت تكاليف الحياة ومن يعش تمته ، ومن تخطىء يعمر فيهرم(٢) رأيت المنايا خبط عشواء من تصب (١) سورة الروم . الآية ٥٥ . ( ٢) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٥٧٧ . ١٩٤ المجلد الثامن ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه ، وتمام قدرته ، فقال - تعالى -: ﴿إن الله عليم قدير﴾ أى: إن الله - تعالى - عليم بأحوال مخلوقاته، لا يخفى عليه شىء من تصرفاتهم ((قدير)) على تبديل الأمور كما تقتضى حكمته وإرادته . ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق ، لأن الله - تعالى - القادر على خلق الانسان وعلى نقله من حال إلى حال .. قادر - أيضا - على إحيائه بعد موته . ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن خلق الإنسان ، وتقلبه فى أطوار عمره ، إلى "الحديث عن التفاوت بين الناس فى أرزاقهم، فقال - تعالى -: ﴿والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق ... ﴾ فجعل منكم الغنى والفقير، والمالك والمملوك، والقوى والضعيف ، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس ، لحكمة هو يعلمها - سبحانه - . ثم بين - سبحانه - موقف المفضلين فى الرزق من غيرهم فقال : ﴿ فما الذين فضلوا . برادى رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء .. أى: فليس الذين فضلهم الله - تعالى - فى الرزق على غيرهم ((برادى)» أى : بمانحى وباذلى («رزقهم)» الذى رزقهم الله إياه على مماليكهم أو خدمهم الذين هم إخوة لهم فى الانسانية ((فهم)) أى الأغنياء الذين فضلوا فى الرزق ومماليكهم وخدمهم ((فيه)) أى : فى هذا الرزق ((سواء)) من حيث إنى أنا الرازق للجميع . فالجملة الكريمة يجوز أن تكون دعوة من الله - تعالى - الذين فضلوا على غيرهم فى الرزق ، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم ، لأن ما ينفقونه عليهم هو رزق أجراه الله للفقراء على أيدى الأغنياء . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية : أى : جعلكم متفاوتين فى الرزق ، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ، وإخوانكم ، فكان ينبغى أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم ، حتى تتساووا فى الملبس والمطعم . كما يحكى عن أبى ذر أنه سمع النبى - ﴿ - يقول: ((إنما هم إخوانكم، فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون)) فما رؤى عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه، وإزاره إزاره من غير تفاوت(١) . ويجوز أن تكون الآية الكريمة توبيخ للذين يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة . فيكون المعنى : لقد فضل الله - تعالى - بعضكم على بعض فى الرزق - أيها (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٦٢٠ . ١٩٥ سورة النحل الناس - ، ومع ذلك فالمشاهد الغالب ببينهم ، أن الاغنياء لا يردون أموالهم على خدمهم: وعبيدهم بحيث يتساوون معهم فى الرزق ، وإذا ردوا عليهم شيئا ، فإنما هو شىء قليل يسير يدل على بخلهم وحرصهم .. مع أنى أنا الرازق للجميع . وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله عند تفسيره للآية: (( يبين - تعالى - للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من شركاء وهم يعترفون بأنهم عبيد له ، كما كانوا يقولون فى تلبيتهم فى حجهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، فقال - تعالى - منكرا عليهم : أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى - بمساواة عبيد له فى الإلهية والتعظيم ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم ، هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ... ﴾(١). وقال العوفى عن ابن عباس فى هذه الآية يقول : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم فى أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون معى عبيدى فى سلطانى .. (٢))). وهذا المعنى الثانى هو الأقرب إلى سياق آيات السورة الكريمة ، لأن السورة الكريمة مكية ، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل - ، ونبذ الإشراك والمشركين ، وإقامة الأدلة المتنوعة على بطلان كل عبادة لغير الله - تعالى - . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿ أفبنعمة الله يجحدون﴾. والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر أى : أيشركون به - سبحانه - فيجحدون نعمه ، وينكرونها ، ويغمطونها حقها ، مع أنه - تعالى - هو الذى وهبهم هذه النعم ، وهو الذى منحهم ما منحهم من أرزاق؟ !! . ثم ذكرت السورة الكريمة بعد ذلك نعمة أخرى من نعم الله - تعالى - على الناس ، فقال - تعالى -: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ﴾. أى: والله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم ﴿ من أنفسكم﴾ أى: من جنسكم ونوعكم ﴿ أزواجا﴾ لتسكنوا إليها، وتستأنسوا بها، فإن الجنس إلى الجنس آنس وأسكن. قال - تعالى -: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ، لتسكنوا إليها ، وجعل هـ (٣) بينكم مودة ورحمة ... . (١) سورة الروم الآية ٢٨ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٧٧ . (٣) سورة الروم الآية ٢١ . ١٩٦ المجلد الثامن قال الإِمام ابن كثير : يذكر - تعالى - نعمه على عبيده ، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا ، أى : من جنسهم وشكلهم ، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة ، ولكن من رحمته أنه خلق من بنى آدم ذكورا وإناثا ، وجعل الإناث أزواجا للذكور .. ))(١) . وقوله - سبحانه - : ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ بيان لنعمة أخرى من نعمه - تعالى - والحفدة ، جمع حافد يقال ، حفد فلان يحفد حفدا من باب ضرب إذا أسرع فى خدمة غيره وطاعته. ومن دعاء القنوت: ((وإليك نسعى ونحفد)) أى: نسرع فى طاعتك ياربنا . والمراد بالحفدة : أبناء الأبناء. روى عن ابن عباس إنه قال: الحفيد ولد الابن والبنت ، ذكرا كان أو أنثى . وقيل المراد بهم : الخدم والأعوان ، وقيل المراد بهم: الاختان والأصهار أى : أزواج البنات وأقارب الزوجة .. قال الجمل بعد أن نقل جملة من أقوال المفسرين فى ذلك : وكل هذه الأقوال متقاربة ، لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك . وبالجملة فالحفدة غير البنين ، لأن الأصل فى العطف المغايرة (٢) . وقوله - سبحانه -: ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ بيان لنعمة ثالثة من النعم المذكورة فى هذه الآية . أى : ورزقكم - سبحانه - من الطيبات التى تستلذونها وتشتهونها ، وقد أحل لكم التمتع بها فضلا منه وكرما . ثم ختم - تعالى - الآية الكريمة بتأنيب الذين يؤثرون الغى على الرشد فقال - تعالى - : أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ﴾. والباطل يشمل كل اعتقاد أو قول أو فعل يخالف الحق والرشاد والاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر. والمعنى : أيجحدون نعم الله - تعالى - فيؤمنون بالباطل ، ويكفرون بكل ما سواه من الحق والهدى والرشاد . وفى تقديم الباطل على الفعل ((يؤمنون)) إشارة إلى أنهم قد اختلط الباطل بدمائهم فأصبحوا لا يؤمنون إلا به ، ولا ينقادون إلا له . (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٥٧٧ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٥٨٦ . ١٩٧ سورة النحل والمراد بنعمة الله عموم النعم التى أنعم الله بها عليهم، والتى لا تعد ولا تحصى . وفى تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل ، إشعار بأن كفرهم بالنعم مستمر وإنكارهم لها لا ينقطع، لأنهم ((استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله)). وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بعجائب خلقهم وبأطوار حياتهم ، ويتفاوت أرزاقهم ، وببعض نعم الله - تعالى - عليهم لعلهم عن طريق هذا التذكير يفيئون إلى رشدهم ، ويخلصون العبادة لخالقهم - سبحانه - ، ويستعملون نعمه فيما خلقت له . ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا من ألوان العقول المنحرفة عن الطريق الحق ، كما ساقت مثلين للرب الخالق العظيم ، وللمملوك العاجز الضعيف ، لعل فى ذلك عبرة لمن يعتبر ، وهداية لمن يريد الصراط المستقيم ، فقال - تعالى - : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ فَلَا تَضْرِ بُوْلِلَهِالْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا ٧٤ مَّمْلُوكَا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّ وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبُّكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا يُوَجِهَةُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْنَوِى هُوَوَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦ والمراد بقوله سبحانه: ﴿ويعبدون من دون الله ..... ﴾ كل معبود سوى الله - تعالى - من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة . والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الانكارى ، ومعطوفة عليه : وهو قوله ١٩٨ المجلد الثامن - تعالى -: ﴿ أفبالباطل يؤمنون وبنعمة اللّه هم يكفرون﴾. أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى - ، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم يؤمنون بالباطل ، ويكفرون بالحق ، ويعبدون من دون الله - تعالى - أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أى شىء من الرزق فهى لا تنزل مطرا من السماء ولا تخرج نباتا من الأرض ، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر . . و«ما)» فى قوله - تعالى - ﴿ مالا يملك .. ) كناية عن معبوداتهم الباطلة فهى مفردة لفظا ، مجموعة معنى . والتنكير فى قوله - سبحانه - ﴿ رزقا﴾ للاشعار بقلته وتفاهته ، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أى شىء من الرزق ، حتى ولو كان تافها حقيرا . وقوله: ﴿ شيئا﴾ منصوب على المصدر، أى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ملكا ، أى: شيئا من الملك . والضمير فى قوله ﴿ ولا يستطيعون﴾ يعود إلى ﴿ ما﴾ وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد ، من أن هذه الأصنام فى إمكانها النفع والضر . وجاءت جملة ﴿ ولا يستطيعون﴾ بعد قوله - تعالى - ﴿ ما لا يملك لهم رزقا من السموات والارض .. ﴾ لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شىء فهى لا تملك شيئا ، وليس فى استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك . وقوله - سبحانه - ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال .. ﴾ نهى منه - سبحانه - عن أن يشبه فى ذاته أو صفاته بغيره ، وقد جاء هذا النهى فى صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى ، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث عنها بعد . والأمثال : جمع مثل، وهو النظير والشبيه لغيره ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - ، لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا . وتضرب الأمثال : لتوضيح الشىء الغريب ، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس ، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس . وقوله - تعالى - ﴿ إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال الله - عز وجل - . ١٩٩ سورة النحل أى : فلا تتجاسروا ، وتتطاولوا، وتضربوا لله - تعالى - الأمثال ، كما يضرب بعضكم لبعض ، فإن الله - تعالى - هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك . قال الزجاج : ورد أن المشركين كانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا ، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب ، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك ، فنهوا عن ذلك(١). ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال ، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله - تعالى - وقدرته .. أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل - : ﴿ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء .. ﴾. أى: ذكر الله - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره ، وهذا العبد لا يقدر على شىء من التصرفات حتى ولو كانت قليلة . وقوله - سبحانه -: ﴿ عبدا﴾ بدل من ﴿مثلا) و((مملوكا)) صفة للعبد. ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك ، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر ، لأن كليهما يشترك فى كونه عبدا لله - تعالى - . ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شىء للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له فى التصرف ، لأنهما يقدران على بعض التصرفات . هذا هو الجانب الأول من المثل ، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: ﴿ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ... ﴾ . قال الآلوسى: و((من)) فى قوله ﴿ ومن رزقناه ) نكرة موصوفه، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا- ، وقيل: إنها موصولة ، والأول اختيار الأكثرين أى : حرا رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم - فى ((رزقناه )) - للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ... ))(٢) . أى: ذكر الله - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا ، حال رجلين : أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شىء. والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا، ((فهو)) أى هذا (١) تفسير فتح القدير للشيخ صديق حسن خان ج ٥ ص ٢٧٣ . (٢) تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ١٩٥ . ٢٠٠ المجلد الثامن الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن (( سرا وجهرا )» واختار - سبحانه - ضمير العظمة فى قوله ﴿رزقناه﴾ للإشعار بكثره هذا الرزق وعظمته ، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ مِنّا﴾ أى؛ من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا . ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن ، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس . وقال - سبحانه - ﴿ فهو ينفق﴾ بصيغة الجملة الاسمية ، للدلالة على ثبوت هذا الإنفاق ودوامه . وقوله ﴿سرا وجهرا﴾ منصوبان على المصدر، أى إنفاق سر وجهر، أو على الحالية، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر . والمراد أنه إنسان كريم ، لا يبخل بشىء مما رزقه الله ، بل ينفق منه فى عموم الأحوال ، وعلى من تحسن معه النفقة سرا ، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا . هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل ، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذى قلب سليم ، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإنكارى التوبيخى فقال : . ﴿ هل يستوون﴾؟ أى: هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل ، هذا العبد المملوك العاجز الذى لا يقدر على شىء .. مع هذا الانسان الحر . المالك الذى رزقه الله - سبحانه - رزقا واسعا حلالا ، فشكر الله عليه ، واستعمله فى وجوه الخير . إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى شىء من عقل . ومادام الأمر كذلك ، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - فى العبادة ، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شىء ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التى لا تسمع ولا تبصر ، ولا تعقل ، ولا تملك شيئا . وقال - سبحانه - ﴿ هل يستوون ) مع أن المتقدم اثنان ، لأن المراد جنس العبيد والأحرار، المدلول عليها بقوله ﴿ عبدا﴾ وبقوله ﴿ومن رزقناه ﴾. فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لافردان معينان . وقوله: ﴿ الحمد لله﴾ ثناء منه - سبحانه - على ذاته ، حيث ساق - سبحانه - هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل . أى: قل - أيها الإنسان المؤمن العاقل - ((الحمد)) كله («لله)) - تعالى - على إرشاده