Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سورة إبراهيم
و ((وسخر لكم الليل والنهار)) بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر ،
فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم .
فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم .. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم
قال - تعالى - ﴿ وجعلنا الليل لباسا ، وجعلنا النهار معاشا ﴾.
تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه .. ﴾ .
أى : وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم ،.
على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - ﴿ ولو بسط الله
الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ، إنه بعباده خبير بصير ﴾ (١) .
قال الجمل ما ملخصه (( قوله ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أى: كل نوع أو كل
صنف سألتموه أى : شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه ، وإن لم تسألوه بالفعل .
وفى ((من)) قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه .
والثانى أن تكون تبعيضية أى : وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف
تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه .. )) (٢).
وجملة ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) مؤكدة لمضمون ما قبلها .
أى : وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد ، لن تستطيعوا ذلك لكثرة
هذه النعم ، وخفاء بعضه عليكم .
والإحصاء : ضبط العدد وتحديده ، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا
يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ .
قال ابن كثير: ((يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام
بشكرها، كما قال طلق بن حبيب - رحمه الله - : إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد،
وإن نعم الله أكثر من يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين .
وفى صحيح البخارى أن رسول الله - روض الفر - كان يقول: ((لك الحمد غير مكفى - أى
لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده - ،
(١) سورة الشورى آية ٢٧ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٢٦ .

٥٦٢
المجلد السابع
ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق .. )) (١) .
والمراد بالإِنسان فى قوله ﴿ إن الإِنسان لظلومٍ كفار ﴾ نوع معين منه وهو الكافر كما فى
قوله - تعالى - ﴿ ويقول الإِنسان أئذا مامت لسوف أخرج حيا ﴾ .
أى : إن الإِنسان الكافر لشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى - ، ولشديد الجحود
والكفران لنعمه - عز وجل .
ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس .
قال الشوكانى: قوله - سبحانه -: ﴿إن الإِنسان لظلوم ﴾ أى لنفسه بإغفاله لشكر
نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان. وقال الزجاج : إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد
به الكافر خاصة ، كما فى قوله - تعالى - ﴿ والعصر إن الإنسان لفى خسر﴾ ((كفار))
أى : شديد كفران نعم الله عليه ، جاحد لها ، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب
عليه )) (٢).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله
كفرا، وثنت بأمر النبى - والله - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة
الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله .
ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته ، وهذه
النعم هى خلق السموات والأرض ، وإنزال المطر من السماء ، وإخراج الثمرات به ، وتسخير
الفلك فى البحار ، وتسخير الأنهار ، وتسخير الشمس والقمر دائبين ، وتسخير الليل والنهار .
ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع
ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله -
لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر ، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام -
إلى ربه ، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه ، وحسن صلته به ، ورجائه فى فضله .. فقال -
تعالى - :
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٣٠.
(٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ١١٠.
ے

٥٦٣
سورة إبراهيم
وَإِذْ
قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَءَامِنًا وَأَجْتُبْنِى وَيَبِىَّ
أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَهُنَّأَضْلَلْنَ كَثِيرًاً مِّنَ النَّاسِ
فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِى وَ مَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦)
رَّبَّنَآ إِّ أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِيَّتِ بِوَادٍ غَيرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ
الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
(٣٧
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا غُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ
فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ ◌ّ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ
عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُالدُّعَاءِ
(٣٩
رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىَّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ
دُعَاءِ ﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
٤١
اُلْحِسَابُ
هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه ، وقد تقبلها الله -
تعالى - منه قبولا حسنا .
وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، والذين جحدوا نعم الله
عليهم ، بأن من الواجب عليهم أن يتوبوا إلى رشدهم ، وأن يستجيبوا لدعوة الحق ، وأن
يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه - .

٥٦٤
المجلد السابع
و «إذ)) ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف .
و ((رب)) منادى بحرف نداء محذوف أى : يارب.
والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى - .
والمعنى : واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه : يارب اجعل هذا البلد
ذا أمن وسلام واستقرار .
وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع
النعم ، ولأنها إذا فقدها الإِنسان ، اضطرب فكره ، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو
الدنيا بنفس مطمئنة ، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات .
قال الإمام الرازى: ((سئل بعض العلماء : الأمن أفضل أم الصحة ؟ فقال الأمن أفضل ،
والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ولا يمنعها هذا الكسر من
الإقبال على الرعى والأكل والشرب .
ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع ، وربط بالقرب منها ذئب ، فإنها تمسك عن
الأكل والشرب ، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت .
وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف ، أشد من الضرر الحاصل من ألم
الجسد ، (١) .
وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: ((يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على
مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت
على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله ، وأنه دعا لمكة
بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: ﴿ أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف
الناس من حولهم .. ﴾ وقال - تعالى - ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى
للعالمين ، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا .. ﴾ (٢).
وقال صاحب الكشاف: (( فإن قلت : أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة
رب اجعل هذا بلدا آمنا ...
(٣)
وبين قوله هنا ﴿ رب اجعل هذا البلد آمنا .. ﴾ ؟.
(١) تفسر الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٣٥ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٣١ .
( ٣) الآية ١٢٦ .
٠

٥٦٥
سورة إبراهيم
-
قلت : قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون ، وسأل فى
الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن ، كأنه قال : هو بلد
مخوف فاجعله آمنا .. )) (١).
وقوله - سبحانه - ﴿واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام ﴾ حكاية لدعوة أخرى من
الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه - .
وقوله ((واجنبنى )) بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا ، إذا أبعدته عنه ،
وجعلته فى جانب آخر ، وفعله جنب من باب نصر .
والمراد بينيه : أولاده من صلبه، أوهم من تناسل معهم .
والأصنام جمع صنم ، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر ونحوه لكى
يعبدوه من دون الله .
والمعنى : أسألك ياربى أن تجعل مكة بلدا آمنا ، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من
بعدى من عبادة الأصنام ، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم .
وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى ، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض .
ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ سلام على إبراهيم * كذلك نجزى المحسنين * إنه من
عبادنا المؤمنين * وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن
ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ﴾ (٢).
وقوله : ﴿ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس .. ﴾ تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه
وذريته عبادة الأصنام .
أى : يارب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام ، لأنها كانت سببا فى
إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق ، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم .
وأسند الإضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل ، لأنها كانت سببا فى إضلال کثیر من
الناس ، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإِضلال إليها مجازية من باب نسبة الشىء إلى سببه ، كما
يقال : فلان فتنته الدنيا وأضلته ، وهو إنما فتن وضل بسببها .
وقوله - سبحانه - ﴿ فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم ﴾ بيان
لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين .
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٧٩ .
(٢) سورة الصافات الآيات ١٠٩ - ١١٣ .

٥٦٦
المجلد السابع .
أى : فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى ، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو
دين الإِسلام ، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق ، فإنى أفوض أمره إليك ،
فأنت - سبحانك - لاتسأل عما تفعل وغيرك يسأل .
فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى ، والخلق العالى ، الذى كان يتحلى به إبراهيم -
عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها
برأى ، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم .
وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله : ﴿ إن
تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ (١) .
هذا ، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين ، من أن قول إبراهيم - عليه
السلام - ((ومن عصانى فإنك غفور رحيم)) كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن
المراد بالمعصية هنا مادون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك .. )) (٢).
نقول : لا نرى وجها لكل ذلك ، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن
عصى ، وإنما المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم ،
وإن شاء عذبهم .
ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى -
فقال: ﴿ ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا
الصلاة .. ﴾ .
و ((من)) فى قوله ((من ذريتي)» للتبعيض .
والوادى : هو المكان المنخفض بين مرتفعات ، والمقصود به وادى مكة المكرمة .
والمعنى : ياربنا إنى أسكنت بعض ذریتی وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له ، بواد غير ذى
زرع قريبا من بيتك المحرم ، أى : الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما ، والذى
جعلته مثابة للناس وأمنا ، وفضلته على غيره من الأماكن .
وقوله ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة) بيان للباعث الذى دفعه الإسكان بعض ذريته فى هذا
المكان الطيب .
(١) سورة المائدة آية ١١٨.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٢١١ .

٥٦٧
سورة إبراهيم
أى : يا ربنا إنى أسكنتهم ، هذا المكان ليتفرغوا لإقامة الصلاة فى جوار بيتك ، وليعمروه
بذكرك وطاعتك .
فاللام فى قوله ((ليقيموا )» للتعليل وهى متعلقة بأسكنت .
وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات ، لمزيد فضلها ، ولكمال العناية بشأنها .
قال القرطبى: (( تضمنت هذه الآية ان الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها ، لأن معنى
((ربنا ليقيموا الصلاة)) أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه .
وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - * - ؟
فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد
الرسول -* - بمائة صلاة ، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله -
* -: ((صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد
الحرام ، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة )).
وقد روى عن ابن عمر عن النبى - * - حديث ابن الزبير)) (١).
وقوله ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ﴾
دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا ، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله -
تعالى - ، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت
المعمور .
والأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب والنفوس .
والمراد بالناس فى قوله ((من الناس)» المؤمنون منهم ، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت
الحرام ، ليشهدوا منافع لهم ، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته .
وتهوى إليهم : أى تسرع إليهم ، يقال : هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا
أسرع فى السير ، ومنه قولهم : هوت الناقة تهوى هويا ، إذا عدت عدوا شديدا .
والأصل فيه أن يتعدى باللام ، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع .
أى : ياربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بيتك ، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس
وقلوبهم تحن إلى هذا المكان ، وتطير فرحا إليه ، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢٧١ .

٥٦٨
المجلد السابع
الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك ، ومسارعة فى طاعتك
وعبادتك .
وقال - سبحانه - ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ) ولم يقل فاجعل الناس
تهوى إليهم ، للإشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى
هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ((وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه
السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنه ، ثم فضله
فى وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارا ، وفى أى بلد من
الشرق والغرب ، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير
والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد ، وليس ذلك من آياته
عجيب ، متعنا الله بسكنى حرمه ، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة
إبراهيم ، وزرقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم)) (١) .
...-
هذا ، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته
فى هذا المكان فقال ما ملخصه: ((وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم
وبين زوجه سارة ، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم
عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل . فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها
معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة ، فوضعهما عند البيت ،
عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد ، وليس يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، ووضع عندهما
جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر ، فقالت له : يا إبراهيم أين تذهب
وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس .
قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها ، فقالت له: آللّه أمرك بهذا ؟ قال: نعم . قالت :
إذا لا يضيعنا ، ثم رجعت .
وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه
البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات ، ورفع يديه
فقال: ﴿ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع .. ) الآية.
ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء ، عطشت
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٨١.

٥٦٩
سورة إبراهيم
وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش ، فانطلقت
كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم
استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا . فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت
الوادى ، رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى ، ثم أتت
المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، ولذلك
سعى الناس بينهما سبعا .
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه ! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا
صوتا فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم ، فبحث
بعقبه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور ، فشربت وأرضعت
ولدها ، وقال لها الملك : لا تخافى الضيعة ، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام
وأبوه ، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله .
ثم إنه مرت بها رفقة من جرهم ، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى -
فقالوا : لا طير إلا على الماء ، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء ، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل
عنده ، فقالوا : أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا ، ففعلت ، فلما أدرك إسماعيل - عليه
السلام - زوجوه امرأة منهم» (١) .
ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى
ربه فقال: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن، وما يخفى على الله من شىء فى الأرض
ولا فى السماء
أى : ياربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار ؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال ،
لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء ، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شىء من الأشياء ،
سواء أكان هذا الشىء فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما .
وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس ، والإِ فعلمه - سبحانه - محيط بكل
ما فى هذا الكون .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه
فقال - تعالى -: ﴿الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربى السميع
الدعاء ﴾ .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٢١٢ وراجع صحيح البخارى تجد فيه حديثا طويلا فى هذا الموضوع.

٥٧٠
المجلد السابع
والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة ، وأل فيه للاستغراق أى : جميع
أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر
عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شىء .
وعلى فى قوله ((على الكبر)) للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر
الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة .
وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم ، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن
أشرنا - ، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل ، وقد رزقه الله به من زوجه ساره .
قال الفخر الرازى: (( اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه
السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من
القرآن . وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين
سنة ، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة .
وإنما ذكر قوله ((على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم ، من حيث إن هذا
الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة ، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم ، ولأن
الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإبراهيم)) (١).
وجملة ((إن ربى لسميع الدعاء)) تعليل لجملة ((وهب لى على الكبر)) أى: وهب لى على
الكبر هذين الولدين ، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله ، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى .
فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب ، ومنه قول القائل : سمع الملك
كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه . وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى
المفعول . أى : إن ربى يسمع دعائى ويجيبه .
ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه ، بما
حكاه اللّه عنه فى قوله : ﴿ رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفر
لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
أى : يارب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع ، واجعل
من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك ، كما أسألك يارب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب
أسألك إياه .
كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى ، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين ، يوم يقوم الناس
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ١٣٨.

م
سورة إبراهيم
٥٧١
للحساب ، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة ، قبل أن يتبين له أن والده عدو الله . فلما تبين له ذلك
تبرأ منه . قال - تعالى - ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما
تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ﴾(١).
أما أمه فقال بعضهم : إنها كانت مؤمنة ، وقال آخرون : لعلها توفيت قبل نبوته .
وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه ،
والتى تضمنت أمهات الفضائل ، كسلامة القلب ، وطهارة النفس ، ورقة العاطفة ، وحسن
المراقبة ، وحب الخير لغيره .
بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة ، وأقوالهم فى ذلك اليوم
الشديد ، ورده - تعالى - عليهم ، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم .. فقال - تعالى - :
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ إِنَّمَايُؤَخِرُ هُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ الْ
مُهْطِعِينَ مُقْنِرُءُوسِهِمْ لَا يَتَُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفِدَتُهُمْ
هَوَآءٌ )، وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ
ظَلَمُواْرَبَّنَا أَخِرِنَا إِلَى أَجَلِ فَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَِّعِ
الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْأَقْسَمْتُم ◌ِّن قَبْلُ مَالَكُم
﴾ وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
{ ٤٤
مِّن زَوَالٍ
أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا
لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ
(١ ) سورة التوبة الآية ١١٤ .

٥٧٢
المجلد السابع
مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ
﴾ فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَةُ: إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ
٤٦
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ
ذُو أَنْشِقَامِ﴿
وَبَرَزُ واْلِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَارِ ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيٍِ
ج، سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى
مُقَرَّنِينَ فِى الْأصْفَادِ
وُجُوهَهُمُ النَّارُ ثْ لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ
إِنَّاللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾، هَذَابَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ
◌ِهِ، وَلِيَعْلَمُوَأْأَنََّا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّ كَّرْ أُوْلُوْلْأَلْبُبِ
٥٢
قال الإِمام القرطبى: ((قوله - تعالى - ﴿ولا تحسين الله غافلا عما يعمل
الظالمون ... ﴾ هذا تسلية للنبى - ﴿ل - بعد أن عجبه من أفعال المشركين، ومخالفتهم دين
إبراهيم ، أى : اصبر كما صبر إبراهيم ، وأعلم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا
بأفعالهم ، بل سنة الله إمهال العصاة مدة . قال ميمون بن مهران : هذا وعيد للظالم . وتعزية
للمظلوم)) (١) .
والخطاب فى ((ولا تحسين))، يجوز أن يكون للنبى - وَلي - لقصد زيادة تثبيته على
الحق ، ودوامه على ذلك ، ويجوز أن يكون لكل من يصلح للخطاب .
والغفلة : سهو يعترى الإِنسان بسبب قلة تيقظه وانتباهه ، ولاشك أن ذلك محال فى حق
الله - تعالى - ، لذا وجب حمل المعنى على أن المراد بالغفلة هنا : ترك عقاب المجرمين.
والمراد بالظالمين : كل من انحرفوا عن طريق الحق ، واتبعوا طريق الباطل ، ويدخل فيهم
دخولا أوليا مشركو مكة ، الذين أبوا الدخول فى الإسلام الذى جاءهم به النبى - وَلة - .
(١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢٧٦.

٥٧٣
سورة إبراهيم
وقوله ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ استئناف وقع تعليلا للنهى السابق.
وقوله (( تشخص )» من الشخوص بمعنی رفع البصر يدون تحرك يقال شخص بصر فلان -
من باب خضع - فهو شاخص ، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف من شدة الخوف والفزع .
والمعنى : ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن الله تعالى - تارك عقاب هؤلاء
الظالمين ، الذين كذبوك فى دعوتك ، كلا لن يترك الله - تعالى - عقابهم ، وإنما يؤخره ليوم
هائل شديد ، هو يوم القيامة الذى ترتفع فيه أبصار أهل الموقف ، فلا تطرف أجفانهم من هول
ما يرونه .
ثم بين - سبحانه - بعض أحوال هؤلاء الظالمين فى هذا اليوم العظيم فقال - تعالى - :
مهطعين مقنعى رءوسهم ، لا يرتد إليهم طرفهم ، وأفئدتهم هواء ﴾
والإِهطاع السير السريع . يقال: أقطع فلان فى مشيه فهو يهطع إهطاعا إذا أسرع فى سيره
بذلة واضطراب
و ((مقنعى رؤوسهم)» أى رافعيها ، يقال: أهطع فلان رأسه ، إذا نصبه ورفعه دون أن
يلتفت يمينا أو شمالا . وقيل ، إقناع الرءوس طأطأتها وانتكاسها .
الأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب .
والمعنى : أن هؤلاء الظالمين يخرجون من قبورهم فى هذا اليوم مسرعين إلى الداعى بذلة
واستكانة ، كإسراع الأسير الخائف ، رافعى رءوسهم إلى السماء مع إدامة النظر بأبصارهم إلى
ما بين أيديهم من غير التفات إلى شىء .
(( لا يرتد إليهم طرفهم)) أى: لا تتحرك أجفان عيونهم ، بل تبقى مفتوحة بدون حراك
لهول ما يشاهدونه فى هذا اليوم العصيب .
«وأفئدتهم هواء» أى: وقلوبهم فارغة خالية عن الفهم ، بحيث لا تعى شيئا من شدة
الفزع والدهشة ، ومنه قولهم فى شأن الأحمق والجبان قلبها هواء ، أى لا رأى فيه ولا قوه .
وأفرد هواء وإن كان خبرا عن جمع لأنه فى معنى فارغة أو خالية .
قال - تعالى - ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا .. ﴾ أى خاليا من كل شىء إلا من
التفكير فى شأن مصير ابنها موسى - عليه السلام - .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الظالمين فى هاتين الآيتين بجملة من الصفات
الدالة على فزعهم وحيرتهم .
وصفهم أولا بشخوص الأبصار ، ووصفهم ثانيا بالإسراع إلى الداعى فى ذلة وانكسار ،

٥٧٤
المجلد السابع
ووصفهم ثالثا برفع رءوسهم فى حيرة واضطراب ، ووصفهم رابعا : بانفتاح عيونهم دون أن
تطرف من شدة الوجل ، ووصفهم خامسا بخلو قلوبهم من إدراك أى شىء بسبب ما اعتراهم
من دهشة ورعب .
وقوله - سبحانه -: ﴿وأفئدتهم هواء ﴾ من باب التشبيه البليغ الذى حذفت فيه
الأداة ، والتقدير : وقلوبهم كالهواء فى الخلو من الإدراك من شدة الهول .
ثم أمر الله تعالى - رسوله - ﴿﴿ - أن يحذر الناس من أهوال هذا اليوم ، وأن يقدموا
العمل الصالح الذى ينفعهم فقال - تعالى - ﴿وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين
ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل .. ﴾ .
والإنذار : التخويف من ارتكاب شىء تسوء عاقبته .
والمراد بالناس : جميعهم ، وقيل المراد بهم الكفار . ويبدو أن الأول أرجح لأن الإنذار
يكون للمؤمن كما يكون للكافر ، إلا أن المؤمن يستجيب للنصح فينجو من العقاب ، والكافر
لا يستجيب فيحل عليه العذاب .
والمعنى : وخوف - أيها الرسول الكريم - الناس من أهوال يوم القيامة ، ومرهم بأن
يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح ، من قبل أن يحل عذابه بالظالمين منهم فيقولون : ياربنا
أعدنا إلى الحياة مرة أخرى ، وأخر أعمارنا وحسابنا إلى وقت قريب ، حتى نستطيع فيه أن
نستجيب لدعوتك التى تأمرنا بإخلاص العبادة لك ، وأن نتبع رسلك فى كل ما أمرونا به
ونتدارك مافرطنا فيه من أعمال الدنيا .
قال الجمل: ((وقوله: ((يوم يأتيهم العذاب ... )) مفعول ثان لأنذر على حذف المضاف ،
أى : أنذرهم أهواله وعظائمه ، فهو مفعول به لا مفعول فيه ، إذ لا إنذار فى ذلك اليوم ، وإنما
الإنذار يقع فى الدنيا .. )) (١) .
وإنما اقتصر - سبحانه - على ذكر إتيان العذاب فى هذا اليوم . مع كون الثواب يحصل
فيه - أيضا - لأن المقام مقام تهديد وزجر ، فكان من المناسب ذكر أهواله وشدائده .
وجمع لفظ الرسل فقال: ((نجب دعوتك ونتبع الرسل )) للإشارة إلى أن الرسل جميعا قد
جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها وأصولها ، وهى إخلاص العبادة لله - تعالى - ، والدعوة إلى
مكارم الأخلاق .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٣٢.

٥٧٥
سورة إبراهيم
وفى معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات كثيرة ومنها قوله - تعالى - ﴿ حتى إذا جاء
أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن
ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ (١).
وقوله - تعالى - : ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناکسو رءوسهم عند ربهم ، ربنا أبصرنا
وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون)) (٢).
وجملة (( أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال)) مقول لقول محذوف .
والزوال : الانتقال من مكان إلى آخر ، أو من حال إلى حال ، والمراد به هنا : انتقالهم من
قبورهم إلى الحساب يوم القيامة .
والمعنى : أن هؤلاء الظالمين عندما يقولون ياربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع
الرسل .
يقال لهم من قبل اللّه والملائكة على سبيل التوبيخ والتبكيت : أو لم تكونوا - أيها
الظالمون - تقسمون بالأيمان المغلظة فى الدنيا ، بأنكم بعد موتكم ستبقون فى قبوركم إلى أن
تبلى أجسادكم ، وأنه ليس بعد ذلك من بعث ولا حساب ، ولا ثواب ولا عقاب .
قال - تعالى - ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ (٣).
فالجملة الكريمة تحكى رفض مطالبهم بأبلغ أسلوب ، حتى يزدادوا حزنا على حزنهم ،
وحسرة على حسرتهم .
وجملة (( مالكم من زوال )) جواب القسم .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم ... ﴾ معطوف على
((أقسمتم .. )).
والمراد بالسكنى : الحلول فى أماكن الظالمين لوقت يكفى للاتعاظ والاعتبار وكفار قريش
كانوا يمرون بديار قوم ثمود فى رحلتهم إلى الشام ، وكانوا يحطون رحالهم هناك ، كما كانوا
يمرون على ديار قوم عاد فى رحلتهم إلى اليمن .
والمعنى : لقد أقسمتم - أيها الضالون - بأنكم مالكم من انتقال من دار الدنيا إلى دار
الآخرة ، وحللتم فى مساكن القوم الظالمين .
(١) سورة المؤمنون الآيتان ٩٩ - ١٠٠ ."
(٢) سورة السجدة آية ١٢ .
(٣) سورة النحل آية ٣٨ .

٥٧٦
المجلد السابع
(( وتبين لكم)) عن طريق المشاهدة وتواتر الأخبار.
((كيف فعلنا بهم)) من الإهلاك والتدمير بسبب كفرهم وفسوقهم .
((وضربنا لكم الأمثال)» بما فعلوه وبما فعلناه بهم ، عن طريق كتابنا ، وعلى لسان رسولنا
محمد - ◌َاد - .
وكان من الواجب عليكم بعد كل ذلك أن تعتبروا وتتعظوا وتثوبوا إلى رشدكم ، وتدخلوا
فى الإسلام ، ولكنكم كنتم قوما فاسقين ، سائرين على نهج هؤلاء المهلكين فى الكفر والفجور ،
فاليوم ذوقوا العذاب بسبب جحودكم للحق فى الدنيا .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: (( أى : قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم
المكذبة قبلكم ، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر ، ولم يكن فيما أوقعنا بهم مزدجر لكم .
قال - تعالى - ﴿ حكمة بالغة فما تغن النذر﴾(١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من ألوان عراقتهم فى الكفر والجحود فقال :
وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم ﴾ .
والمكر : تبييت فعل السوء بالغير وإضماره ، مع إظهار ما يخالف ذلك . وانتصب
((مكرهم)» الأول على أنه مفعول مطلق لمكروا ، لبيان النوع، والإِضافة فيه من إضافة
المصدر لفاعله .
أى : أن هؤلاء الظالمين جاءتهم العبر فلم يعتبروا ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم مكروا
بالرسول - ﴿ - مكرهم العظيم الذى استفرغوا فيه جهدهم لإِبطال الحق، وإحقاق
الباطل، والذى كان من مظاهره محاولتهم قتل الرسول - الهرم - .
وقوله ﴿وعند الله مكرهم﴾ أى: وفى علم الله - تعالى - الذى لا يغيب عنه شىء
مكرهم ، وسيجازبهم عليه بما يستحقونه من عذاب مهين .
وقوله - تعالى - ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ قرأ الجمهور ((لتزول)) -
بكسر اللام على أنها لام الجحود والفعل منصوب بعدها. بأن مضمرة وجوبا، و((إن)).فى
قوله ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ نافية بمعنى ما .
والمعنى : ولقد مكر هؤلاء الكافرون مكرهم الشديد الذى اشتهروا به ، وفى علم الله -
تعالى - مكرهم ، وما كان مكرهم - مهما عظم واشتد - لتنتقل منه الجبال من أماكنها ، لأنه
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٣٤.

٥٧٧
سورة إبراهيم
لم يتجاوز مكر أمثالهم ممن دمرناهم تدميرا .
وعلى هذه القراءة يكون المقصود بهذه الجملة الكريمة ، الاستخفاف بهم وبمكرهم ، وبيان أن
ما يضمرونه من سوء ليس خافيا على الله - تعالى - ولن يزلزل المؤمنين فى عقيدتهم ، لأن
إيمانهم كالجبال الرواسى فى ثباته ورسوخه .
وقرأ (( الكسائى)) ((لتزول)) - بفتح اللام على أنها لام الابتداء ، ورفع الفعل بعدها -
و((إن)) مخففة من الثقيلة .
فيكون المعنى : وقد مكروا مكرهم ، وعند الله مكرهم ، وإن مكرهم من الشدة بحيث تزول
منه الجبال وتنقلع من أماكنها ، لو كان لها أن تزول أو تنقلع .
وعلى هذه القراءة يكون المراد بهذه الجملة الكريمة التعظيم والتهويل من شأن مكرهم ،
وأنه أمر شنيع أو شديد فى بابه، كما فى قوله - تعالى -: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد
جئتم شيئا إدًّا * تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض. وتخر الجبال هدًّا .. ﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ فلا تحسين اللّه مخلف وعده رسله .. ﴾ تفريع على ما تقدم من
قوله - تعالى - ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون .. ﴾ وتأكيد لتسلية
الرسول - ملح - ولتثبيت يقينه .
وقوله ((مخلف)) اسم فاعل من الإِخلاف ، بمعنى عدم الوفاء بالوعد وهو مفعول ثان
لتحسب والمراد بالوعد هنا : ما وعد الله - تعالى - به أنبياءه ورسله من نصره إياهم، ومن
جعل العاقبة لهم .
قال - تعالى - ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا . ويوم يقوم
الأشهاد﴾ (٢) .
وقال - تعالى - ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز﴾(٣).
والمعنى : لقد وعدناك - أيها الرسول الكريم - بعذاب الظالمين ، وأخبرناك بجانب من
العذاب الذى سيحل بهم يوم القيامة ، وما دام الأمر كذلك فاثبت على الحق أنت وأتباعك ،
وثق بأن الله - تعالى - لن يخلف ما وعدك به من نصر على أعدائك .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلاقيل: مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثانى
٠٠
(١) سورة مريم الآيات ٨٨ - ٩٠.
(٢) سورة غافر الآية ٥١ .
(٣) سورة المجادلة الآية ٢١ .

٥٧٨
المجلد السابع
لمخلف - وهو : وعده - على المفعول الأول - وهو رسله - ؟
قلت : قدم الوعد ليعلم أنه - سبحانه - لا يخلف الوعد أصلا، كقوله - تعالى - ﴿ إن
الله لا يخلف الميعاد
ثم قال ((رسله)) ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا ، وليس من شأنه إخلاف المواعيد ،
فكيف يخلفه مع رسله الذين هم خيرته وصفوته من خلقه .. )) (١) .
ويرى صاحب الانتصاف أن تقدم المفعول الثانى هنا ، إنما هو للإِيذان بالعناية به ، لأن
الآية فى سياق الإِنذار والتهديد للظالمين بما توعدهم الله - تعالى - به على ألسنة رسله ، فكان
المهم فى هذه الحال تقديم ذكر الوعيد على غيره (٢).
وقوله - سبحانه - ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ تعليل للنهى عن الحسبان المذكور.
والعزيز : الغالب على كل شىء .
أى: إن الله - تعالى - غالب على كل شىء ، وذو انتقام شديد من أعدائه لأنهم تحت
قدرته ، ومادام الأمر كذلك فإخلاف الوعد منتف فى حقه - تعالى - .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العلامات التى تدل على قرب قيام الساعة فقال -
تعالى -: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار﴾.
والظرف (( يوم)) متعلق بمحذوف تقديره أذكر .
وقوله ((تبدل )» من التبديل بمعنى التغيير ، وهذا التغيير والتبديل لها قد يكون فی ذواتها كما
فى قوله - تعالى - ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم
﴾(٣) .
جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ..
وقد يكون فى صفاتهما كقولك ((بدلت الحلقة خاتما)) وقد يكون فيهما معا وقد ذكر الإمام
ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال: ((وقال الإِمام أحمد ، حدثنا
محمد بن عدى ، عن داود ، عن الشعبى ، عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : أنا أول
الناس سأل رسول الله - * - عن هذه الآية ﴿يوم تبدل الأرض .. ) قالت: قلت:
اين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط .
وفى رواية أنه - ٣ - قال لها: ((لقد سألتنى عن شىء ما سألنى عنه أحد من أمتى ،
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٨٤ .
(٢) حاشية الانتصاف على الكشاف جـ ٢ ص ٣٨٤ .
( ٣) سورة النساء الآية ٥٦ .
:

٥٧٩
سورة إبراهيم
ذاك أن الناس - يومئذ يكونون - على جسر جهنم)) (١) .
والمعنى : اذكر - أيها العاقل - لتتعظ وتعتبر يوم يتغير هذا العالم المعهود بعالم آخر جديد ،
يأتى به الله - تعالى - على حسب إرادته ومشيئته ويوم يخرج الخلائق جميعا من قبورهم
ليستوفوا جزاءهم ، وليجازوا على أعمالهم. من الله - تعالى - الواحد الأحد ، الذی قهر كل
شىء وغلبه ، ودانت له الرقاب ، وخضعت له الألباب .
وختمت الآية الكريمة بهذين الوصفين لله - تعالى - للرد على المشركين الذين جعلوا مع
القه آلهة أخرى يشركونها معه فى العبادة ، ويتوهمون أن هذه الآلهة سوف تدافع عنهم يوم
القيامة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما سيحل بالمجرمين يوم القيامة من عذاب عنيف مهين
يناسب إجرامهم وكفرهم فقال: ﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين فى الأصفاد، سرابيلهم من
قطران وتغشى وجوههم النار ﴾ .
وقوله (( مقرنين)» جمع مقرن ، وهو من جمع مع غيره فى قرن ووثاق واحد يربطان به .
والأصفاد : جمع صفد - بفتح الفاء - وهو القيد الذى يوضع فى الرجل ، أو الغل - بضم
الغين - الذى تضم به اليد والرجل إلى العنق .
والسرابيل : جمع سربال وهو القميص .
والقطران : مادة حارة نتنة شديدة الاشتعال تصلى بها جلود الإِبل الجربى ، ليزول الجرب
منها . أى: وترى - أيها العاقل - المجرمين فى هذا اليوم العسير عليهم ((مقرنين فى
الأصفاد)) أى: قد قرن بعضهم مع بعض ، وضم كل قرين إلى من يشبهه فى الكفر وفى
الفسوق وفى العصيان ، وقد قيدوا جميعا بالأصفاد والقيود والأغلال .
(٢)
قال - تعالى - ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم .. ﴾.
أى : وأمثالهم من العصاة ، فعابد الصنم يكون مع عابد الصنم ، وشارب الخمر مع شارب
الخمر. ويصح أن يكون اقترانهم مع الشياطين كما قال - تعالى - ﴿فوربك لنحشرتهم
والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا﴾ (٢).
هذا عن مشهد المجرمين وهم مقرنون فى الأصفاد ، وهو مشهد مهین مذل ولکنه ليس كافيا
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٣٧.
( ٢) سورة الصافات الآية ٢٢ .
(٣) سورة مريم الآية ٦٨.

٥٨٠
المجلد السابع
فى عقابهم ، بل يضاف إليه أن ملابسهم من قطران ، ليجتمع لهم لذعته ، وقبح لونه ، ونتن
ريحه ، وسرعة اشتعاله ، وفوق كل ذلك فإن وجوههم تعلوها وتحيط بها النار التى تستعر
بأجسادهم المسريلة بالقطران .
وخص - سبحانه الوجوه بغشيان النار لها ، لكونها أعز موضع فى البدن وأشرفه .
وقوله - سبحانه - ﴿ ليجزى الله كل نفس ما كسبت .. ﴾ متعلق بمحذوف ، والتقدير:
فعل ما فعل - سبحانه - من إثابة المؤمنين ، ومعاقبة المجرمين ، ليجازى كل نفس بما تستحقه
من خير أو شر، دون أن يظلم ربك أحدا .
وقوله ﴿ إن الله سريع الحساب﴾ أى: إنه - سبحانه - سريع المحاسبة لعباده، لأنه
لا يشغله شأن عن شأن ، بل جميع الخلق بالنسبة لقدرته كالنفس الواحدة .
قال - تعالى - ﴿ماخلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة .. ﴾ (١)
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - ﴿ هذا بلاغ للناس ولينذروا به
وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذكر أولوا الألباب ﴾.
واسم الإشارة ((هذا)) يعود إلى ما أنزله الله - تعالى - من قرآن فى هذه السورة وفى
غيرها. و (بلاغ)) مصدر بمعنى التبليغ.
والإنذار : التخويف من سوء عاقبة ارتكاب الشرور والآثام .
والألباب: جمع لب وهو الخالص من كل شىء، والمراد بها العقول .
أى : هذا القرآن الكريم الذى أنزلناه عليك يا محمد ، فيه التبليغ الكافى لهداية الناس ،
وفيه ما يخوفهم من سوء عاقبة الكفر والفسوق والعصيان ، وفيه ما يجعلهم يعلمون عن طريق
توجيهاته وهداياته ودلائله ، أن الله - تعالى - واحد لا شريك له ، وفيه ما يجعل أصحاب
العقول السليمة يتعظون ويعتبرون ، فيترتب على ذلك سعادتهم فى الدنيا والآخرة .
وخص - سبحانه - بالتذكر أولى الألباب ، لأنهم هم الذين ينتفعون بهداية القرآن
الكريم ، أما غيرهم فهم كالأنعام بل هم أضل .
وقد رتب - سبحانه - فى هذه الآية الكريمة ، وسائل الدعوة إلى الحق ترتيبا عقليا
حكيما ، فبدأ بالصفة العامة وهى التبليغ ، ثم ثنى بما يعقب ذلك من إنذار وتخويف ، ثم ثلث بما
ينشأ عنهما من العلم بوحدانية الله - تعالى - ، ثم ختم الثناء على أصحاب العقول السليمة
(١) سورة لقمان، الآية ٢٨ .
١