Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة يوسف تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها، مالم تتكلم به ، أو تعمل به))(١). وقد أجمع العلماء على أن هَّ امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية ، وكان مقرونا بالعزم والجزم والقصد، بدليل المراودة وتغليق الأبواب، وقولها ((هيْت لك)). كما أجمعوا على أن يوسف - عليه السلام - لم يأت بفاحشة ، وأن همه كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية : من غير جزم وعزم ... وهذا اللون من الهم لا يدخل تحت التكليف ، ولا يخل بمقام النبوّة ، كالصائم يرى الماء البارد فى اليوم الشديد الحرارة ، فتميل نفسه إليه ، ولكن دينه يمنعه من الشرب منه ، فلا يؤاخذ بهذا الميل . والمراد ببرهان ربه هو : ما غرسه الله - تعالى - فى قلبه من العلم المصحوب بالعمل ، بأن هذا الفعل الذى دعته إليه امرأة العزيز قبيح ، ولا يليق به . أو هو - كما يقول ابن جرير - رؤيته من آيات الله ما زجره عما كان همّ به .. والمعنى : ولقد همت به ، أى : ولقد قصدت امرأة العزيز مواقعة يوسف - عليه السلام - قصداً جازما ، بعد أن أغرته بشتى الوسائل فلم يستجب لها ... وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ أى: ومال إلى مطاوعتها بمقتضى طبيعته البشرية وبمقتضى توفر كل الدواعى لهذا الميل ... ولكن مشاهدته للأدلة على شناعة المعصية ، وخوفه لمقام ربه ، وعون الله - تعالى - له على مقاومة شهوته .... كل ذلك حال بينه وبين تنفيذ هذا الميل ، وصرفه عنه صرفا كليا ، وجعله يفر هاربا طالبا النجاة مما تريده منه تلك المرأة . هذا هو الرأى الذى نختاره فى تفسير هذه الآية الكريمة ، وقد استخلصناه من أقوال المفسرين القدامى والمحدثين . فمن المفسرين القدامى الذين ذكروا هذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد قال ما ملخصه . وقوله - تعالى - ﴿ولقد همت به﴾ معناه: ولقد همت بمخالطته؛ ((وهم بها)) أى: وهم بمخالطتها (( لولا أن رأى برهان ربه)) جوابه محذوف تقديره ؛ لولا أن رأى برهان ربه لمخالطها ، فحذف لأن قوله وهم بها يدل عليه ، كقولك: هممت بقتله لولا أنى خفت الله. معناه : لولا أنى خفت الله لقتلته . (١) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٥٢٨. ٣٤٢ المجلد السابع فإن قلت : كيف جاز على نبى الله أن يكون منه هم بالمعصية ؟ . قلت : المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة ، ونازعت إليها عن شهوة الشباب ، ميلا يشبه الهم به ، وكما تقتضيه تلك الحال التى تكاد تذهب بالعقول والعزائم ، وهو يكسر ما به ، ويرده بالنظر فى برهان الله المأخوذ على المكلفين بوجوب اجتناب المحارم ، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته ، لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع ، لأن استعظام الصبر على الابتلاء ، على حسب عظم الابتلاء وشدته ، ولو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه بأنه من عباده المخلصين ))(١) . ومن المفسرين المحدثين الذين ذكروا هذا الرأى الإمام الآلوسى ، فقد قال ما ملخصه : قوله: ((ولقد همت به)) أى: بمخالطته .. والمعنى : أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزما جازما ، لا يلوبها عنها صارف بعدما باشرت مباديها ... والتأكيد - باللام وقد - لدفع ما يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه . وهم بها ﴾ أى: مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية ... ومثل ذلك لا یکاد يدخل تحت التكليف ، وليس المراد أنه قصدها قصدا اختياريا ، لأن ذلك أمر مذموم تنادى الآيات بعدم اتصافه به ، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه فى صحبة همها فى الذكر على سبيل المشاكلة لا لشبهه به ... (( لولا أن رأى برهان ربه» أى محبته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا ، وسوء سبيله . والمراد برؤيته له : كمال إيقانه به ، ومشاهدته له مشاهدة وصلت إلى مرتبة عين اليقين ... ))(٢) . ومن المفسرين من يرى أن المراد بهمها به : الهم بضربه نتيجة عصيانه لأمرها . وأن المراد بهمه بها : الدفاع عن نفسه برد الاعتداء ، ولكنه آثر الهرب . وقد قرر هذا الرأى ودافع عنه وأنكر سواه صاحب المنار ، فقد قال ما ملخصه : ((ولقد همت به)) أى: وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها، وهى فى نظرها سيدته وهو عبدها ، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها ، بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه ... فخرجت بذلك عن طبع أنوثتها فى التمنع .. مما جعلها تحاول البطش به (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣١١ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٩١ . ٣٤٣ سورة يوسف بعد أن أذل كرامتها ، وهو انتقام معهود من مثلها ، وممن دونها فى كل زمان ومكان ... وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله ، وهو قوله - تعالى - ﴿ وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ ولكنه رأى من برهان ربه فى سريرة نفسه ، ما هو مصداق قوله - تعالى - ﴿ والله غالب على أمره﴾ وهو إما النبوة ... وإما معجزتها .. وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا، وهى مراقبته لله - تعالى - ورؤيته ربه متجليا له ، ناظرا إليه))(١) . وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف ، وتفسير الهم منه برد الاعتداء الذى وقع عليه منها ... أقول: ما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم بذلك ، لا أرى دليلا عليه من الآية، لا عن طريق الإِشارة ، ولا عن طريق العبارة ... ولعل صاحب المنار - رحمه الله - أراد بهذا التفسير أن يبعد يوسف - عليه السلام - عن أن يكون قدهم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة البشرية ، ونحن لا نرى مقتضيا لهذا الإبعاد ، لأن خطور المناهى فى الأذهان ، لا مؤاخذة عليها ، مادامت لم يصاحبها عزم أو قصد - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من قبل . هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين فى معنى الآية الكريمة ، رأينا أن نضرب عنها صفحا ؛ لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من النقل ولا من اللغة ... وإنما هى من الأوهام الإسرائيلية التى تتنافى كل التنافى مع أخلاق عباد الله المخلصين ، الذين على رأسهم يوسف - عليه السلام . قوله - سبحانه - ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ؟ بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - به ، ورعايته له . والكاف: نعت لمصدر محذوف والإِشارة بذلك إلى الإِراءة المدلول عليها بقوله ((لولا أن رأى برهان ربه )» أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك . والصرف : نقل الشىء من مكان إلى مكان والمراد به هنا : الحفظ من الوقوع فيما نهى اللّه عنه، أى : أريناه مثل هذه الإِراءة أو ثبتناه تثبيتا مثل هذا التثبيت لنعصمه ونحفظه ونصونه عن الوقوع فى السوء - أى فى المنكر والفجور والمكروه - والفحشاء - أى كل ما فحش وقبح من الأفعال كالزنا ونحوه . ((إنه من عبادنا المخلصين)) - بفتح اللام - أى: إنه من عبادنا الذين أخلصناهم لطاعتنا وعصمناهم من كل ما يغضبنا . (١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٣٧٨ . ٣٤٤ المجلد السابع وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ((المخلصين)) - بكسر اللام - أى : إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم لنا . والجملة الكريمة على القراءتين تعليل لحكمة صرفه - عليه السلام - عن السوء والفحشاء . وقوله - سبحانه - ﴿ واستبقا الباب ... ﴾ متصل بقوله - سبحانه - قبل ذلك ﴿ ولقد همت به ... ﴾ وقوله ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ... ﴾ اعتراض جىء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته . وقوله ﴿واستبقا .. ﴾ من الاستباق وهو افتعال من السبق بمعنى أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب . ووجه تسابقهما : أن يوسف - عليه السلام - أسرع بالفرار من أمامها إلى الباب هروبا من الفاحشة التى طلبتها منه . وهى أسرعت خلفه لتمنعه من الوصول إلى الباب ومن الخروج منه . وأفرد - سبحانه - الباب هنا ، وجمعه فيما تقدم ، لأن المراد به هنا الباب الخارجى ، الذى يخلص منه يوسف إلى خارج الدار ، وهو منصوب هنا على نزع الخافض أى : واستبقا إلى الباب . وجملة ((وقدت قميصه من دبر)) حالية، والقد: القطع والشق ، وأكثر استعماله فى الشق والقطع الذى يكون طولا ، وهو المراد هنا ، لأن الغالب أنها جذبته من الخلف وهو يجرى أمامها فانخرق القميص إلى أسفله . وقوله : ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ أى: وصادفا ووجدا زوجها عند الباب الذى تسابقا للوصول إليه . قالوا : والتعبير عن الزوج بالسيد ، كان عادة من عادات القوم فى ذلك الوقت ، فعبر عنه القرآن بذلك حكاية لدقائق ما كان متبعا فى التاريخ القديم . وقال - سبحانه - ﴿ وألفيا سيدها ) لأن ملك العزيز ليوسف - عليه السلام - لم يكن ملكا صحيحا ، فيوسف ليس رقيقا يباع ويشترى ، وإنما هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، وبيع السيارة له ، إنما كان على سبيل التخلص منه بعد أن التقطوه من الجب . وقوله - سبحانه - ﴿ قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) حكاية لما قالته لزوجها عندما فوجئت به عند الباب وهى تسرع وراء يوسف . أى قالت تلك المرأة لزوجها عندما فوجئت به لدى الباب : ليس من جزاء لمن أراد ٣٤٥ سورة يوسف بأهلك - تعنى نفسها - سوءا ، أى ما يسوءك ويؤلمك ، إلا أن يسجن ، عقوبة له ، أو أن يعذب عذابا أليما عن طريق الضرب أو الجلد ، لتجاوزه الحدود ، واعتدائه على أهلك . وهذه الجملة الكريمة التى حكاها القرآن الكريم عنها ، تدل على أن تلك المرأة كانت فى نهاية المكر والدهاء والتحكم فى إرادة زوجها ... ورحم الله الآلوسى فقد علق على قولها هذا الذى حكاه القرآن عنها بقوله ما ملخصه : ((ولقد آتت - تلك المرأة - فى هذه الحالة التى يدهش فيها الفطن اللوذعى - حيث شاهدها زوجها على تلك الحالة المريبة - بحيلة جمعت فيها غرضيها ، وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر حالها ، واستنزال يوسف عن رأيه فى استعصائه عليها ، وعدم طاعته لها ، بإلقاء الرعب فى قلبه ... ولم تصرح بالاسم، بل أتت بلفظ عام « من أراد بأهلك سوءا .. )» تهويلا للأمر ، ومبالغة فى التخويف ، كأن ذلك قانون مطرد فى حق كل من أراد بأهله سوءاً . وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز، إعظاما للخطب ... ثم إن حبها الشديد ليوسف - عليه السلام - حملها على أن تبدأ بذكر السجن ، وتؤخر ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى فى إيلام المحبوب، لاسيما أن قولها: ((إلا أن يسجن .. )) : قد يكون المراد منه السجن لمدة يوم أو يومين ... )) (١) . والحق أن هذه الجملة التى حكاها القرآن عنها ، تدل على اكتمال قدرتها على المكر والدهاء - كما سبق أن أشرنا - ومن مظاهر ذلك ، محاولتها إيهام زوجها بأن يوسف قد اعتدى عليها بما يسوؤها ويسوؤه ، ولكن بدون تصريح بهذا العدوان - شأن العاشق مع معشوقه - حتى لا يسعى زوجها فى التخلص منه ببيعه - مثلا - . وفى الوقت نفسه إفهام يوسف عن طريق مباشر ، بأن أمره بيدها لا بيد زوجها ، وأنها هى الآمرة الناهية ، فعليه أن يخضع لما تريده منه ، وإلا فالسجن أو العذاب الأليم هو مصيره المحتوم . وهنا نجد يوسف - عليه السلام - لا يجد مفرا من الرد على هذا الاتهام الباطل ، فيقول - كما حكى القرآن عنه - : ﴿قال هى راودتنى عن نفسى ... ﴾. (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٩٥. ٣٤٦ المجلد السابع أى : قال يوسف مدافعا عن نفسه: إنى ما أردت بها سوءا كما تزعم وإنما هى التى بالغت فى ترغيبى وإغرائى بارتكاب ما لا يليق معها .. ثم قال - تعالى -: ﴿وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ﴾ . وهذا الشاهد ذهب بعضهم إلى أنه كان ابن خال لها ، وقيل ابن عم لها .. قال صاحب المنار: ((ولكن الرواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ، أنه كان صبيا في المهد ، ويؤيدها ما رواه أحمد وابن جرير والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس عن النبى - ◌َّ - قال: ((تكلم فى المهد أربعة وهم : صفار ابن ماشطة ابنة فرعون. وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم)). وروى ابن جرير عن أبى هريرة قال: (( عيسى ابن مريم وصاحب يوسف وصاحب جريج تكلموا فى المهد )) وهذا موقوف ، والمرفوع ضعيف ، وقد اختاره ابن جرير ، وحكاه ابن كثير بدون تأييد ولا تضعيف ... ))(١). وعلى أية حال فالذى يهمنا أن الله - تعالى - قد سخر فى تلك اللحظة الحرجة ، من يدلى بشهادته لتثبت براءة يوسف أمام العزيز . وألقى الله - تعالى - هذه الشهادة على لسان من هو من أهلها، لتكون أوجب للحجة عليها ، وأوثق لبراءة يوسف ، وأنفى للتهمة عنه . وقد قال هذا الشاهد فى شهادته - كما حكى القرآن عنه - ﴿ إن كان قميصه قد من قُبُل﴾ أى: من أمام ((فصدقت)) فى أنه أراد بها سوءا ، لأن ذلك يدل على أنها دافعته من الأمام وهو يريد الاعتداء عليها. «وهو من الكاذبين)» فى قوله (( هى راودتنى عن نفسى». وإن كان قميصه قد من دبر ﴾ أى من خلف ﴿ فكذبت﴾ فى دعواها على أنه أراد بها سوءا ، لأن ذلك يدل على أنه حاول الهرب منها ، فتعقبته حتى الباب ، وأمسكت به من الخلف ﴿ وهو من الصادقين﴾ فى دعواه أنها راودته عن نفسه. وسمى القرآن الكريم ذلك الحكم بينها شهادة ، لأن قوله هذا يساعد على الوصول إلى الحق فى قضية التبس فيها الأمر على العزيز . وقدم الشاهد فى شهادته الغرض الأول وهو - إن كان قميصه قد من قبل - لأنه إن صح (١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٢٨٧. ٣٤٧ سورة يوسف يقتضى صدقها ، وقد يكون هو حريصا على ذلك بمقتضى قرابته لها ، إلا أن الله - تعالى - أظهر ما هو الحق ، تكريما ليوسف - عليه السلام - أو يكون قد قدم ذلك باعتبارها سيدة ، ويوسف فتى ، فمن باب اللياقة أن يذكر الفرض الأول رحمة بها . وزيادة جملة ((وهو من الكاذبين)) بعد ((فصدقت)) وزيادة جملة ((وهو من الصادقين)» بعد ((فكذبت)) تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو الشأن فى إصدار الأحكام . وقوله - سبحانه - ﴿ فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ... ) بيان لما قاله زوجها بعد أن انكشفت له الحقيقة انكشافا تاما . أى : فلما رأى العزيز قميص يوسف قد قطع من الخلف . وجه كلامه إلى زوجته معاتبا إياها بقوله : إن محاولتك اتهام یوسف بما هو برىء منه ، هو نوع من ( کیدکن » ومکر کن وحیلکن ((إن كيدكن عظيم)» فى بابه، لأن كثيرا من الرجال لا يفطنون إلى مراميه . وهكذا واجه ذلك الرجل خيانة زوجه له بهذا الأسلوب الناعم الهادىء ، بأن نسب كيدها ومكرها لا إليها وحدها بل الجنس كله (« إنه من كيدكن)». ثم وجه كلامه إلى يوسف فقال له (( يوسف أعرض عن هذا)) أى : يايوسف أعرض عن هذا الأمر الذى دار بينك وبينها فاكتمه . ولا تتحدث به خوفا من الفضيحة ، وحفاظا على كرامتى وكرامتها . وقوله : ﴿ واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ خطاب منه لزوجته التى ثبتت عليها الجريمة ثبوتا تاما . أى: واستغفرى الله من ذنبك الذى وقع منك، بإساءتك فعل السوء مع يوسف ، ثم اتهامك له بما هو برىء منه . وجملة: ((إنك كنت من الخاطئين)» تعليل لطلب الاستغفار. أى توبى إلى الله مما حدث منك ، لأن ما حدث منك مع يوسف جعلك من جملة القوم المتعمدين لارتكاب الذنوب ، وجعلها من جملة الخاطئين للتخفيف عليها فى المؤاخذة . وهكذا نجد هذا الرجل - صاحب المنصب الكبير - يعالج الجريمة التى تتور لها الدماء فى العروق ، وتستلزم حسما وجزما فى الأحكام ، بهذا الأسلوب الهادىء البارد ، شأن المترفين فى كل زمان ومكان ، الذين يهمهم ظواهر الأمور دون حقائقها وأشكالها دون جواهرها ، فهو يلوم امرأته لوما خفيفا يشبه المدح ، ثم يطلب من يوسف كتمان الأمر ، ثم يطلب منها التوبة من ذنوبها المتعمدة .. ثم تستمر الأمور بعد ذلك على ما هى عليه من بقاء يوسف معها فى ٣٤٨ المجلد السابع بيتها ، بعد أن كان منها معه ما يستلزم عدم اجتماعهما . هذا ومن العبر والعظات والأحكام التى نأخذها من هذه الآيات الكريمة : ١ - أن اختلاط الرجال بالنساء . كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع فى الفاحشة وذلك لأن ميل الرجل إلى المرأة وميل المرأة إلى الرجل أمر طبيعى ، وما بالذات لا يتغير . ووجود يوسف - عليه السلام - مع امرأة العزيز تحت سقف واحد فى سن كانت هى فيه مكتملة الأنوثة ، وكان هو فيها فتى شابا جميلا .. أدى إلى فتنتها به ، وإلى أن تقول له فى نهاية الأمر بعد إغراءات شتى له منها: ((هيت لك)). ولاشك أن من الأسباب الأساسية التى جعلتها تقول هذا القول العجيب وجودهما لفترة طويلة تحت سقف واحد . لذا حرم الإسلام تحريما قاطعا الخلوة بالأجنبية ، سدا لباب الوقوع فى الفتن ، ومنعا من تهيئة الوسائل للوقوع فى الفاحشة . ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن عقبة بن عامر ، أن رسول الله - * - قال: ((إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار، أفرأيت الحمو يارسول الله؟ قال: الحمو الموت (١))). والحمو هو قريب الزوج كأخيه وابن عمه. وسئلت امرأة انحرفت عن طريق العفاف ، لماذا كان منك ذلك فقالت : قرب الوساد ، وطول السواد (٢) . أى : حملنى على ذلك قربى ممن أحبه وكثرة محادثتى له ! ٢ - أن هم الإِنسان بالفعل، ثم رجوعه عنه قبل الدخول فى مرحلة التصميم والتنفيذ ، لا مؤاخذة فيه . قال القرطبى ما ملخصه: ((الهم الذى هم به يوسف ، من نوع ما يخطر فى النفس ، ولا يثبت فى الصدر ، وهو الذى رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق ، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه . وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - الخير - (( قالت الملائكة ياربنا ذلك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال : ارقبوه فإن (١) من كتاب ( رياض الصالحين) ص ٦٢١ باب تحريم الخلوة بالأجنبية . (٢) الوساد معروف وهو ما يتوسد به الإنسان عند نومه - والسواد - بكسر السين مصدر ساوده إذا أسر إليه بالحديث. قالوا : وهذه الكلمة كانت لابنة الخص ، اعتذرت بها عن نفسها بعد أن فتنت فقيل لها لماذا هذا السلوك وأنت سيدة قومك ؟ فقالت هذه الكلمة التى ذهبت مثلا .. راجع تفسير المنار جـ ١٢ ص ٢٧٨ . ٣٤٩ سورة يوسف عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من أجلى)). وفى الصحيح: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به (١). ٣ - أن من الواجب على المؤمن إذا ما دعى إلى معصية أن يستعيذ بالله من ذلك ، وأن يذكَّر الداعى له بضررها، وبسوء عاقبة المرتكب لها .. كما قال يوسف - عليه السلام - معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون ﴾. ٤ - أن يوسف - عليه السلام - قد خرج من هذه المحنة مشهودا له بالبراءة ونقاء العرض ، من اللّه - تعالى - ومن خلقه الذين سخرهم لهذه الشهادة . قال الإِمام الرازى ما ملخصه : واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة ، يوسف - عليه السلام - وتلك المرأة وزوجها ، ورب العالمين .. والكل شهد ببراءة يوسف عن المعصية ، أما يوسف - عليه السلام - فقد قال ((هى راودتنى عن نفسى)) وقال: ((رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه )» .. وأما امرأة العزيز فقد قالت: (( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)). وأما زوجها فقد قال: ((إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم .. )). أما شهادة رب العالمين ببراءته ففى قوله - تعالى - : ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ، إنه من عبادنا المخلصين ﴾ . فقد شهد الله - تعالى - على طهارته فى هذه الآية أربع مرات ، أولها : لنصرف عنه السوء)) وثانيها ((الفحشاء)) وثالثها ((إنه من عبادنا)) ورابعها ((المخلصين))(٢). ٥ - أن موقف العزيز من امرأته كان موقفا ضعيفا متراخيا .. وهذا الموقف هو الذى جعل تلك المرأة المتحكمة فى زمام زوجها، تقول بعد ذلك بكل تبجح وتكشف واستهتار: (( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ، وليكونا من الصاغرين». ٦ - أن القرآن الكريم صور تلك المحنة فى حياة يوسف وامرأة العزيز، تصويرا واقعيا صادقا ، ولكن بأسلوب حكيم ، بعيد عما يخدش الحياء أو يجرح الشعور قال بعض العلماء: ((والذى خطر لى أن قوله - تعالى -: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ هو نهاية موقف طويل من الإغراء ، بعدما أبى يوسف فى أول الأمر (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١٦٨. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ١١٦ . ٣٥٠ المجلد السابع واستعصم ، وهو تصوير واقعى صادق لحالة النفس البشرية الصالحة فى المقاومة والضعف ، ثم الاعتصام بالله فى النهاية والنجاة ، ولكن السياق القرآنى لم يفصل فى تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة ، لأنه المنهج القرآنى لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة فى محيط القصة وفى محيط الحياة البشرية المكتملة كذلك فذكر طرفى الموقف بين الاعتصام فى أوله والاعتصام فى نهايته ، مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما ، ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا .. )(١). ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما قالته بعض النساء ، بعد أن شاع خبر امرأة العزيز مع فتاها ، وما فعلته معهن من أفعال تدل على شدة مكرها ودهائها ، وما قاله يوسف - عليه السلام - بعد أن سمع ما سمع من تهديدهن وإغرائهن .. قال - تعالى - : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُّرَوِدُ فَنَتُهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبََّ إِنَّالَتَرَنَهَا فِ ضَكَلِ مِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِ هِنَ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُنَّكَاوَءَانَتْ كُلَّ وَحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَمِنٌ فَلَمَّا رَأَيْتَهُ وَأَكْبُرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِ يَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَآ إِلََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴿ قَالَتْ فَذَ لِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِ فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدَنُّهُ عَنْ نَّفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ وَلَيْنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّغِرِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَ هُنَّ أَصْبُ إِلَتِهِنَّ وَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ ) فَاسْتَجَابَ لَهُرَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَ هُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ٣٣ اٌلْعَلِيمُ ٣٤ (١) من تفسير ((فى ظلال القرآن)) للأستاذ سيد قطب جـ ١٢ ص ١٩٨١ طبعة دار الشروق. ٣٥١ سورة يوسف قوله - سبحانه - ﴿ وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه .. ﴾ حكاية لما تناقلته الألسنة عن امرأة العزيز ، فقد جرت العادة بين النساء ، أن يتحدثن عن أمثال هذه الأمور فى مجالسهن ، ولا يكتمنها خصوصا إذا كانت صاحبة الحادثة من نساء الطبقة المرموقة .. كامرأة العزيز . والنسوة : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ومفرده حيث المعنى : امرأة . والمراد بالمدينة : مدينة مصر التى كان يعيش فيها العزيز وزوجته والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنسوة . أى : وقال نسوة من نساء مدينة مصر - على سبيل النقد والتشهير والتعجب - إن امرأة العزيز ، صاحبة المكانة العالية ، والمنزلة الرفيعة ، بلغ بها الحال فى انقيادها لهواها ، وفى خروجها عن طريق العفة .. أنها تراود فتاها عن نفسه ، أى : تطلب منه مواقعتها ، وتتخذ لبلوغ غرضها شتى الوسائل والحيل . ولم يبين لنا القرآن الكريم عدد هؤلاء النسوة ولا صفاتهم ، لأنه لا يتعلق بذلك غرض نافع ، ولأن الذى يهدف إليه القرآن الكريم هو بيان أن ما حدث بين يوسف وامرأة العزيز ، قد شاع أمره بين عدد من النساء فى مدينة كبيرة كمصر وفى وصفها بأنها ((امرأة العزيز)» "زيادة فى التشهير بها . فقد جرت العادة بين الناس ، بأن ما يتعلق بأصحاب المناصب الرفيعة من أحداث ، يكون أكثر انتشارا بينهم ، وأشد فى النقد والتجريح . والتعبير بالمضارع فى قوله - سبحانه - ﴿تراود﴾ يشعر بأنها كانت مستمرة على ذلك، دون أن يمنعها منه افتضاح أمرها، وقول زوجها لها ((واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين)). والمراد بفتاها يوسف - عليه السلام - ووصفْتَه بذلك لأنه كان فى خدمتها ، والمبالغة فى رميها بسوء السلوك ، حيث بلغ بها الحال فى احتقار نفسها ، أن تكون مراودة لشخص هو خادم لها .. وجملة ((قد شغفها حبا)) بيان لحالها معه ، وهى فى محل نصب حال من فاعل تراود أو من مفعوله والمقصود بها تكرير لومها ، وتأكيد انقيادها لشهواتها . وشغف مأخوذ من الشغاف - بكسر الشين - وهو غلاف القلب ، أو سويداؤه أو حجابه ، يقال : شغف الهوى قلب فلان شغفا، أى بلغ شغافه . والمراد أن حبها إياه قد شق شغاف قلبها . وتمكن منه تمكنا لامزيد عليه و (( حبا )» تمييز ٣٥٢ المجلد السابع محول عن الفاعل ، والأصل : شغفها حبها إياه . وجملة ﴿ إنا لنراها فى ضلال مبين﴾ مقررة لمضمون ما قبلها من لوم امرأة العزيز، وتحقير سلوكها ، والمراد بالضلال : مخالفة طريق الصواب . أى: إنا لنرى هذه المرأة بعين بصيرتنا ، وصادق علمنا. فى خطأ عظيم واضح بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ، لأنها - وهى المرأة المرموقة وزوجة الرجل الكبير - تراود خادمها عن نفسه . والتعبير ((بإنا لنراها .. )) للإشعار بأن حكمهن عليها بالضلال ليس عن جهل ، وإنما هو عن علم وروية ، مع التلويح بأنهن يتنزهن عن مثل هذا الضلال المبين الصادر عنها . قال صاحب المنار: ((وهن ما قلن هذا إنكاراً للمنكر ، وكرها للرذيلة ، ولا حبا فى المعروف ، ونصرا للفضيلة . وإنما قلته مكرا وحيلة ، ليصل إليها قولهن فيحملها على دعوتهن ، وإراءتهن بأعين أبصارهن ، ما يبطل ما يدعين رؤيته بأعين بصائرهن ، فيعذرنها فيما عذلنها عليه فهو مكر لا رأى )) (١) . وهنا تحكى السورة الكريمة كيف قابلت تلك المرأة الداهية الجريئة ، مكر بنات جنسها وطبقتها بمكر أشد من مكرهن بها فقال - تعالى - : فلما سمعت بمكرهن ﴾ أى: باغتيابهن لها . وسوء مقالتهن فيها، وسمى ذلك مكرا لشبهه به فى الإِخفاء والخداع . أو قصدن بما قلنه - كما سبق أن أشرنا - إثارتها ، لكى تطلعهن على فتاها الذى راودته عن نفسه ، ليعرفن السر فى هذه المراودة ، وعلى هذا يكون المكر على حقيقته . ومثل هذا المكر ليس غريبا على النساء فى مثل هذه الأحوال . وقوله : ﴿ أرسلت إليهن .. ﴾ الخ بيان لما فعلته معهن. أى: أرسلت إلى النسوة اللائى وصفتها بأنها فى ضلال مبين ، ودعتهن إلى الحضور إليها فى دارها لتناول الطعام . وأعتدت لهن متكأ ﴾ أى: وهيأت لهن فى مجلس طعامها ، ما يتكئن عليه من الوسائد والنمارق وما يشبه ذلك . فالمتكأ : اسم مفعول من الاتكاء ، وهو الميل إلى أحد الجانبين فى الجلوس كما جرت بذلك (١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٢٩١. ٠ ٣٥٣ سورة يوسف عادة المترفين عند تناول الطعام ، وعند ما يريدون إطالة المكث مع انتصاب قليل فى النصف الأعلى من الجسم والاستراحة بعد الأكل . أخرج ابن شيبة عن جابر عن النبى - * - أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله ، وأن يأكل متكئا(١) . وآتت كل واحدة منهن سكينا ﴾ أى: وأعطت كل واحدة من هؤلاء النسوة سكينا. ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة . ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الحضارة المادية فى مصر فى ذلك الوقت كانت قد بلغت شأوا بعيدا ، وأن الترف فى القصور كان عظيما ، فإن استعمال السكاكين فى الأكل قبل هذه الآلآف من السنين له قيمته فى تصوير الترف والحضارة المادية»(٢). وهنا نجد المرأة الجريئة الماكرة، تقول ليوسف - عليه السلام - كما حكى القرآن عنها : ((اخرج عليهن)) أى أبرز لهن، وأدخل عليهن ، وهن على تلك الحالة من الأكل والاتكاء وتقطيع ما يحتاج إلى تقطيع الطعام .. وهى ترمى من وراء خروجه عليهن إلى إطلاعهن عليه حتى يعذرنها فى حبها له وقد كان لهذه المفاجأة من يوسف لهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه ، أثرها الشديد فى نفوسهن ، وهذا ما حكاه القرآن الكريم فى قوله : ﴿ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ﴾ . والجملة الكريمة معطوفة على كلام محذوف دل عليه السياق ، والتقدير : قالت امرأة العزيز ليوسف اخرج عليهن ، فخرج عليهن وهن على تلك الحالة فلما رأينه أكبرنه ، أى : أعظمنه ، ودهشن لهيئته ، وجمال طلعته وحسن شمائله . وقطعن أيديهن ﴾ أى : جرحن أيديهن وخدشنها بالسكاكين التى فى أيديهن دون أن يشعرن بذلك ، لشدة دهشتهن المفاجئة بهيئة يوسف .. وقلن حاش قه ما هذا بشرا﴾ وحاش فعل ماض، واللام فى ((لله)) للتعليل، والمراد. بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع الله فى خلقه أى: وقلن عندما فوجئن بخروج يوسف عليهن : ننزه الله - تعالى - تنزيها كبيرا عن صفات العجز ، ونتعجب تعجبا شديدا من قدرته - سبحانه - على خلق هذا الجمال البديع ، وما هذا الذى نراه أمامنا بشرا كسائر (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٢٠٤. (٢) تفسير ((فى ظلال القرآن)) جـ ١٢ ص ١٩٨٤. ٣٥٤ المجلد السابع البشر ، لتفوقه فى الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل فى هذه الصورة البديعة التى تخلب الألباب . ووصفوه بذلك بناء على ما ركز فى الطباع من تشبيه ما هو مفرط فى الجمال والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان . وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها ، اللائى عذلنها فى حبها ليوسف ، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفى ، وبدون استحياء أو تلميح : ﴿ قالت فذلكن الذى لمتنى فيه ﴾ . والفاء هنا فصيحة ، والخطاب للنسوة اللائى قطعن أيديهن دهشا من جمال يوسف ، والإِشارة إليه - عليه السلام - . أى : قالت لهن على سبيل التشفى والتباهى والاعتذار عما صدر منها معه : إن كان الأمر كما قلتن ، فذلك هو الملك الكريم الذى لمتننى فى حبى له ، وقلتن ما قلتن فى شأنى لافتتانى به ، فالآن بعد رؤيتكن له ، وتقطيع أيديكن ذهولا لطلعته ، قد علمتن أنى معذورة فيما حدث منى معه .. ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بمواقعتها فلم يستجب فقالت : ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم .. ﴾. أى: والله لقد حاولت معه بشتى المغريات أن يطوع نفسه لى ، فأبى وامتنع امتناعا بليغا ، وتحفظ تخفظا شديدا . والتعبير بقوله ((فاستعصم)) للمبالغة فى عصمته لنفسه من الزلل ، فالسين والتاء للمبالغة ، وهو من العصمة بمعنى المنع . يقال : عصمة الطعام أى : منعه من الجوع . وعصم القربة أى : شدها بالعصام ليمنع نزول الماء منها . وفى الآية - كما يقول الآلوسى - دليل على أنه - عليه السلام - لم يصدر منه ما سوَّد به القصَّاص وجوه الطروس(١) - أى الأوراق. ثم قالت أمامهن بعد ذلك فى تبجح واستهتار وتهديد: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين أى: والله لقد راودته عن نفسه فاستعصم، والله لئن لم يفعل ما آمره به، - وأنا سيدته الآمرة الناهية لاغيرى - ليسجنن عقوبة له ، وليكونا من الصاغرين ، أى : من الأذلاء (١) تفسير الآلوسى ج ١٢ ص ٢٠٩ . ٣٥٥ سورة يوسف المهانين المقهورين ، من الصغار. يقال : صغر فلان - كفرح - يصغر صغارا ، إذا ذل وهان . قالوا : وأكدت السجن بالنون الثقيلة وبالقسم لتحققه فى نظرها ، وأكدت الصغار بالنون الخفيفة لأنه غير متحقق فيه ، ولأنه من توابع السجن ولوازمه . وفى هذا التهديد ما فيه من الدلالة على ثقتها من سلطانها على زوجها ، وأنه لا يستطيع أن يعصى لها أمرا ، مع أنه عزيز مصر .. ويترامى على مسامع يوسف - عليه السلام - هذا التهديد السافر .. فيلجأ إلى ربه مستجيرا به. ومحتميا بحماه ويقول: ((رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه .. )). أى : قال يوسف - عليه السلام - متضرعا إلى ربه - تعالى - يارب السجن الذى هددتنى به تلك المرأة ومن معها ، أحب إلى ، وآثر عندى مما يدعوننى إليه من ارتكاب الفواحش . وقال أحب إلى مما يدعوننى إليه، ولم يقل مما تدعونى إليه امرأة العزيز ، لأنهن جميعا كن مشتركات فى دعوته إلى الفاحشة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر ، بعد أن شاهدن هيئته وحسنه ، وبعد أن سمعن ما قالته فى شأنه ربة الدار .. قال الآلوسى: ((وإسناد الدعوة إليهن ، لأنهن خوفنه من مخالفتها ، وزين له مطاوعتها . فقد روى أنهن قلن له أطع مولاتك ، واقض حاجتها ، لتأمن عقوبتها .. وروى أن كل واحدة منهن طلبت الخلوة به لنصيحته ، فلما خلت به دعته إلى نفسها .. وقوله : ﴿وإن لا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ﴾ واعتراف منه - عليه السلام - بضعفه البشرى الذى لا قدرة له على الصمود أمام الإِغراء ، إذا لم يكن معه عون الله - تعالى - وعنايته ورعايته . و﴿ أصب﴾ من الصبوة وهى الميل إلى الهوى، يقال: صبا فلان يصبو صبوا وصبوة، إذا مال إلى شهوات نفسه واتبع طريق الشر ، ومنه ريح الصبا ، وهى التى تميل إليها النفوس لطيب نسيمها واعتدال هوائها . والمعنى : وإلا تدفع عنى يا إلهى كيد هؤلاء النسوة ، ومحاولاتهن إيقاعى فى حبائلهن ، أمل إليهن . وأطاوعهن على ما يردنه منى ، وأكن بذلك من الجاهلين السفهاء الذين يخضعون لأهوائهم وشهواتهم ، فيقعون فى القبائح والمنكرات . وقوله - سبحانه - ﴿ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ﴾ بيان ٣٥٦ المجلد السابع لتقبل الله - تعالى - لدعائه بفضله ورحمته . أى : فاستجاب الله - تعالى - ليوسف دعاءه وضراعته، فدفع عنه بلطفه وقدرته كيد هؤلاء النسوة ومكرهن ، بأن أدخل اليأس فى نفوسهن من الطمع فى استجابته لهن ، وبأن زاده ثباتا على ثباته ، وقوة على قوته ، فلم ينخدع بمكرهن ، ولم تلن له قناة أمام ترغيبهن أو ترهيبهن . ((إنه)) سبحانه ((هو السميع)) لدعاء الداعين، والمجيب لضراعة المخلصين ((العليم)) بأحوال القلوب ، وبما تنطوى عليه من خير أو شر . وقال - سبحانه - ﴿ فاستجاب﴾ بفاء التعقيب للإشارة إلى أنه - سبحانه - بفضله وكرمه ، قد أجاب دعاء عبده يوسف - عليه السلام - بدون تأخير أو إبطاء . قال الإمام ابن کثیر : وقوله - سبحانه - ﴿ فاستجاب له ربه فصرف عنه کیدهن ... وذلك لأن يوسف - عليه السلام - عصمه الله عصمة عظيمة ، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع ، واختار السجن على ذلك ، وهذا فى غاية مقامات الكمال ، أنه مع شبابه وجماله وكماله ، تدعوه سيدته ، وهى امرأة عزيز مصر ، وهى مع هذا فى غاية الجمال والمال والرياسة ، فيمتنع من ذلك ويختار السجن خوفا من الله ، ورجاء فى ثوابه . ولهذا ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - 14 - قال: ((سبعة يظلهم اللّه فى ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ فى عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا فى اللّه اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنى أخاف الله))(١). ثم ساقت لنا السورة الكريمة بعد ذلك قصة دخول يوسف - عليه السلام - السجن ، مع ثبوت براءته ، مما نسب إليه ، وكيف أنه وهو فى السحن لم ينس الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، وترك عبادة ما سواه ، وكيف أنه أقام الأدلة على صحة ما يدعو إليه ، وفسر لصاحبيه فى السجن رؤياهما تفسيرا صادقا صحيحا ... استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣١٣. طبعة دار الشعب. : ٣٥٧ سورة يوسف ثُمَّ بَدَالَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا ◌ُلْأَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ. حَتَّى حِينٍ ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّ أَرَنِىَ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنَّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنَّةٌ نَبِئْنَا بِتَأْوِإِنَّا نَئِكَ مِنَ اٌلْمُحْسِنِينَ ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَ قَائِلََّ نَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِ كُمَامِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّإِى تَرَكْثُ (٣٧ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ وَأَتََّعْتُ مِلَّةَ ءَبَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٥) يَصَحِتى السّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَآءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ ٣٩ وَءَابَآ ؤُكُمْ مَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأَإِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ نْ يَصَحِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُ كُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿ وَقَالَ لِلَّذِى : ٣٥٨ المجلد السابع ظَنَّ أَنَّهُ نَاِجٍ مِّنْهُمَا أَذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنَسَنُهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ ٤٢ وقوله - سبحانه - ﴿ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ﴾ بيان لما فعله العزيز وحاشيته مع يوسف - عليه السلام - بعد أن ثبتت براءته . وبدا هنا من البداء - بالفتح - وهو - كما يقول الإِمام الرازى - عبارة عن تغير الرأى عما كان عليه فى السابق . والضمير فى ((لهم)) يعود إلى العزيز وأهل مشورته . والمراد بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على براءة يوسف ونزاهته ، كانشقاق قميصه من دبر ، وقول امرأة العزيز ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، وشهادة الشاهد بأن يوسف هو الصادق وهى الكاذبة ... والحين : الزمن غير المحدد بمدة معينة . والمعنى : ثم ظهر للعزيز وحاشيته ، من بعد ما رأوا وعاينوا البراهين المتعددة الدالة على صدق يوسف - عليه السلام - وطهارة عرضه .. بدا لهم بعد كل ذلك أن يغيروا رأيهم فى شأنه ، وأن يسجنوه فى المكان المعد لذلك ، إلى مدة غير معلومة من الزمان . واللام فى قوله ((ليسجننه)) جواب لقسم محذوف على تقدير القول أى : ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين ، والله ليسجننه حتى حين . ولاشك أن الأمر بسجن يوسف - عليه السلام - كان بتأثير من امرأة العزيز ، تنفيذا لتهديدها بعد أن صمم يوسف - عليه السلام - على عصيانها فيما تدعوه إليه ، فقد سبق أن حكى القرآن عنها قولها ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾(١). ولاشك - أيضا - أن هذا القرار بسجن يوسف يدل على أن امرأة العزيز كانت مالكة لقياد زوجها صاحب المنصب الكبير ، فهى تقوده حيث تريد كما يقود الرجل دابته . ولقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف فقال ما ملخصه : قوله ﴿ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات .... ﴾ - (١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ١٣٣ . ٣٥٩ سورة يوسف وهى الشواهد على براءته ، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها ، وفتلها منه فى الذروة والغارب ، وكان مطواعا لها ، وجملا ذلولا زمامه فى يدها ، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات ، وعمل برأيها فى سجنه ، لإلحاق الصغار به كما أوعدته ، وذلك لما أيست من طاعته لها ، وطمعت فى أن يذلله السجن ويسخره لها(١). ثم بين - سبحانه - جانبا من أحواله بعد أن دخل السجن فقال: ﴿ ودخل معه السجن فتيان ... ﴾ . والفتيان : تثنية فتى ، وهو من جاوز الحلم ودخل فى سن الشباب . قالوا : وهذان الفتيان كان أحدهما : خبازا للملك وصاحب طعامه وكان الثانى : ساقيا للملك ، وصاحب شرابه . وقد أدخلهما الملك السجن غضبا عليهما ، لأنها اتهما بخيانته . والجملة الكريمة عطف على كلام محذوف يفهم من السياق ، والتقدير بعد أن بدا للعزيز وحاشيته سجن يوسف . نفذا ما بدا لهم فسجنوه ، ودخل معه فى السجن فتيان من خدم الملك ((قال أحدهما)) وهو ساقى الملك ليوسف - عليه السلام - : ((إنى أرانى أعصر خمرا)) أى: إنى رأيت فيما يرى النائم . أنى أعصر عنبا ليصير خمرا . سماه بما يؤول إليه . (( وقال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه)) أى : وقال الثانى وهو خباز الملك ، إنى رأيت فى المنام أنى أحمل فوق رأسى سلالا بها خبز ، وهذا الخبز تأكل الطير منه وهو فوق رأسى . والضمير المجرور فى قوله : ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ يعود إلى المرئى فى المنام أى : أخبرنا بتفسير ما رأيناه فى منامنا ، إذ نراك ونعتقدك من القوم الذين يحسنون تأويل الرؤى ، كما أننا نتوسم فيك الخير والصلاح ، لإحسانك إلى غيرك ، من السجناء الذين أنت واحد منهم . وقبل أن يبدأ يوسف - عليه السلام ، فى تأويل رؤياهما ، أخذ يمهد لذلك بأن يعرفهما (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣١٩. وقوله (وفتلها منه فى الذروة والغارب) مثل يضرب لمن يتلطف فى خداع غيره ، حتى يتمكن من إخضاعه له ، ومن انقياده لأمره والذروة - بالكسر والضم - أعلى الشىء والمراد به هنا أعلى سنام البعير، والغارب المكان الذى العنق والسنام منه، والمراد أن صاحب الجمل يخفى الخطام ويأخذ فى التحايل على الجمل حتى يتمكن منه فيضع فيه الخطام ويقوده به . ٣٦٠ المجلد السابع بنفسه ، وبعقيدته ، ويدعوهما إلى عبادة الله وحده ويقيم لهما الأدلة على ذلك .. وهذا شأن المصلحين العقلاء المخلصين لعقيدتهم الغيورين على نشرها بين الناس ، إنهم يسوقون لغيرهم من الكلام الحكيم ما يجعل هذا الغير يثق بهم ، ويقبل عليهم ، ويستجيب لهم .. وهذا ما كان من يوسف - عليه السلام - فقد بدأ فى رده عليها بقوله : ﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نباتكما بتأويله قبل أن يأتيكما .. ﴾ . أى: قال يوسف لرفيقيه فى السجن اللذين سألاه أن يفسر لهما رؤياهما: ((لا يأتيكما)) أيها الرفيقان ((طعام ترزقانه)) فى سجنكما ، فى حال من الأحوال ، إلا وأخبرتكما بما هيته وكيفيته وسائر أحواله قبل أن يصل إليكما . وإنما قال لهما ذلك ليبرهن على صدقه فيما يقول ، فيستجيبا لدعوته لهما إلى وحدانية الله بعد ذلك . وقوله ((ذلكما مما علمنى ربى)) نفى لما قد يتبادر إلى ذهنهما من أن علمه مأخوذ عن الكهانة. أو التنجيم أو غير ذلك مما لا يقره الدين . أى : ذلك التفسير الصحيح للرؤيا ، والأخبار عن المغيبات ، كأخباركما عن أحوال طعامكما قبل أن يصل إليكما .. ٠٫٠ ذلك كله إنما هو العلم الذى علمنى إياه ربى وخالقى ومالك أمرى ، وليس عن طريق الكهانة أو التنجيم كما يفعل غيرى . وقوله: ((مما علمنى ربى)) فيه إشعار بأن ما أخبرهما به من مغيبات هو جزء من علوم كثيرة علمها إياه ربه - عز وجل - فضلا منه - سبحانه - وكرما .. ثم أضاف إلى ذلك قوله: ((إنى تركت ملة قوم)) أى دين قوم (( لا يؤمنون بالله)) أى لا يدينون بالعبودية لله - تعالى - وحده الذى خلقهم ورزقهم ، وإنما يدينون بالعبودية لآلهة أخرى لا تنفع ولا تضر . ((وهم بالآخرة)) وما فيها من ثواب وعقاب ((هم كافرون)) جاحدون لما يجب الإِيمان به. وفى هذه الجملة الكريمة تعريض بما كان عليه العزيز وقومه ، من إشراك وكفر ، ولم يواجه الفتيان بأنهما على دين قومهما ، وإنما ساق كلامه على سبيل العموم ، لكى يزيد فى استمالتهما إليه ، وإقبالهما عليه ..