Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة يوسف
إلى أبيهم ليلا يتباكون فقال - تعالى - :
٦
◌َّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ:
ءَايَتُّ لِلِسَّآِلِينَ ﴿ إِذْ قَالُو ◌ْلَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَتُّ إِلَى
أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّأَبَانَالَفِى ضَلَلٍ مُِّينٍ (٦) اقْتُلُواْ
يُوسُفَ أَوِ أَطْرَ حُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْمِنُ
بَعْدِهِ، قَوْمَا صَلِحِينَ ﴾ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَ نَقْتُلُواْ يُوسُفَ
وَأَلْقُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنْتُمْ
فَعِلِينَ ®) قَالُواْ يَكَأَبَنَا مَالَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّالَهُ.
◌َصِحُونَ ﴿﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَاغَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّالَهُ.
لَحَفِظُونَ ﴿ قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُفِى أَنْ تَذْهَبُواْبِهِ، وَأَخَافُ
أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّعْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ (١٣) قَالُواْلَيِنْ
أَكَلَةُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّآ إِذَا لَّخَسِرُونَ
١٤٠
فَلَمَّاذَهَبُوَأْ بِهِ، وَأَجْمَعُوْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُنُّ وَأَوْحَيْنَآ
١٥
إِلَيْهِ لَتُنَّثَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
+
وقوله - سبحانه -: ﴿ لقد كان فى يوسف وإخوته آيات للسائلين ﴾ شروع فى حكاية
قصة يوسف مع إخوته ، بعد أن بين - سبحانه - صفة القرآن الكريم ، وبعد أن أخبر عما رآه
يوسف فى منامه ، وما قاله أبوه له .
وإخوة يوسف هم : رأو بين ، وشمعون ، ولاوى ، وهوذا ، ويساكر ، وزبولون ، ودان ،
ونفتالى ، وجاد ، وأشير ، وبنيامين .

٣٢٢
المجلد السابع
والآيات : جمع آية والمراد بها هنا العبر والعظات والدلائل الدالة على قدرة الله - تعالى -
ووجوب إخلاص العبادة له .
والمعنى : لقد كان فى قصة يوسف مع إخوته عبر وعظات عظيمة ، ودلائل تدل على قدرة
الله القاهرة ، وحكمته الباهرة ، وعلى ما الصبر وحسن الطوية من عواقب الخير والنصر ،
وعلى ما للحسد والبغى من شرور وخذلان .
وقوله: ((للسائلين)) أى: لمن يتوقع منهم السؤال، بقصد الانتفاع بما ساقه القرآن
الكريم من مواعظ وأحكام .
أى : لقد كان فيما حدث بين يوسف وإخوته ، آيات عظيمة ، لكل من سأل عن قصتهم ،
وفتح قلبه للانتفاع بما فيها من حكم وأحكام، تشهد بصدق النبى - وَلاير - فيما يبلغه عن
ربه .
وهذا الافتتاح لتلك القصة ، كفيل بتحريك الانتباه لما سيلقى بعد ذلك منها ، ومن تفصيل
لأحداثها ، وبيان لما جرى فيها .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة .. ﴾ .
بيان لما قاله إخوة يوسف فيما بينهم ، قبل أن ينفذوا جريمتهم .
و((إذ)) ظرف متعلق بالفعل ((كان)) فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: ﴿لقد كان فى
:
يوسف وإخوته .. ﴾.
واللام فى قوله ﴿ ليوسف ﴾ لتأكيد أن زيادة محبة أبيهم ليوسف وأخيه ، أمر ثابت ،
لا يقبل التردد أو التشكك .
والمراد بأخيه: أخوه من أبيه وأمه وهو ((بنيامين)) وكان أصغر من يوسف - عليه
السلام - أما بقيتهم فكانوا إخوة له من أبيه فقط .
ولم يذكروه باسمه ، للاشعار بأن محبة يعقوب له ، من أسبابها كونه شقيقا ليوسف ، ولذا
كان حسدهم ليوسف أشد .
وجملة ((ونحن عصبة)) حالية . والعصبة كلمة تطلق على ما بين العشرة إلى الأربعين من
الرجال ، وهى مأخوذة من العصب بمعنى الشد ، لأن كلا من أفرادها يشد الآخر ويقويه
ويعضده ، أو لأن الأمور تعصب بهم . أى تشتد وتقوى .
أى: قال إخوة يوسف وهم يتشاورون فى المكر به: ليوسف وأخوه (بنيامين) أحب إلى قلب

٣٢٣
سورة يوسف
أبينا منا ، مع أننا نحن جماعة من الرجال الأقوياء الذين عندهم القدرة على خدمته ومنفعته
والدفاع عنه دون يوسف وأخيه .
وقولهم - کما حکی القرآن عنهم - : ﴿ إن أبانا لفى ضلال مبين ﴾ تذییل قصدوا به دره
الخطأ عن أنفسهم فيما سيفعلونه بيوسف وإلقائه على أبيه الذى فرق بينهم - فى زعمهم - فى
المعاملة .
والمراد بالضلال هنا : عدم وضع الأمور المتعلقة بالأبناء فى موضعها الصحيح ، وليس المراد
به الضلال فى العقيدة والدين .
أى : إن أبانا لفى خطأ ظاهر ، حيث فضل فى المحبة صبيين صغيرين على مجموعة من
الرجال الأشداء النافعين له القادرين على خدمته .
قال القرطبى : لم يريدوا بقولهم ﴿ إن أبانا لفى ضلال مبين ﴾ الضلال فى الدين إذلو
أرادوه لكانوا كفارا ، بل أرادوا : إن أبانا لفى ذهاب عن وجه التدبير فى إيثاره اثنين على
عشرة ، مع استوائهم فى الانتساب إليه)) (١) .
وهذا الحكم منهم على أبيهم ليس فى محله ، لأن يعقوب - عليه السلام - كان عنده من
أسباب التفضيل ليوسف عليهم ما ليس عندهم .
قال الآلوسى ما ملخصه : يروى أن يعقوب - عليه السلام - كان يوسف أحب إليه لما
يرى فيه من المناقب الحميدة ، فلما رأى الرؤيا تضاعفت له المحبة .
وقال بعضهم : إن زيادة حبه ليوسف وأخيه ، صغرهما ، وموت أمهما ، وقد قيل لإِحدى
الأمهات : أى بنيك أحب إليك ؟ قالت : الصغير حتى يكبر ، والغائب حتى يقدم ، والمريض
حتى يشفى .
ولا لوم على الوالد فى تفضيله بعض ولده على بعض فى المحبة لمثل ذلك وقد صرح غير
واحد أن المحبة ليست مما يدخل تحت وسع البشر .. )) (٢).
ثم أخبر - سبحانه - عما اقترحوه للقضاء على يوسف فقال - تعالى -: ﴿ اقتلوا
يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعده قوما صالحين
ولفظ ((الطرحوه)) مأخوذ من الطرح، ومعناه رمى الشىء وإلقاؤه بعيداً، ولفظ ((أرضاً))
منصوب على نزع الخافض ، والتنوين فيه للإبهام . أى : أرضا مجهولة .
(١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١٣١.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٧١.

٣٢٤
المجلد السابع
والمعني : لقد بالغ أبونا فى تفضيل يوسف وأخيه علينا ، مع أننا أولى بذلك منهما ؛ وما دام
هو مصراً على ذلك ، فالحل أن تقتلوا يوسف ، أو أن تلقوا به فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت
فيها غريبا .
قال الألوسى: (( وحاصل المعنى : اقتلوه أو غربوه ، فإن التغريب كالقتل فى حصول
المقصود ، ولعمرى لقد ذكروا أمرين مرين ، فإن الغربة كربة أية كربة ، ولله - تعالى - در
القائل :
حسنوا القول وقالوا غربة إنما الغربة للأحرار ذبح
وجملة ((يخل لكم وجه أبيكم)) جواب الأمر .
والخلو : معناه الفراغ . يقال خلا المكان يخلو خلوا وخلاء ، إذا لم يكن به أحد .
والمعنى : اقتلوا يوسف أو اقذفوا به فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت ، فإنكم إن فعلتم
ذلك ، خلصت لكم محبة أبیکم دون أن یشارککم فيها أحد ، فیقبل علیکم بکلیته ، ویکن کل
توجهه إليكم وحدكم ، بعد أن كان كل توجهه إلى يوسف .
قال صاحب الكشاف: (( يخل لكم وجه أبيكم)) أى: يقبل عليكم إقبالة واحدة ،
لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها ، وينازعهم إياها ، فكان
ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن الرجل إذا أقبل على الشىء أقبل عليه
بوجهه ... )) (١) .
وقوله ﴿ وتكونوا من بعده قوما صالحين ﴾ معطوف على جواب الأمر .
أى : وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه فى أرض بعيدة ، قوما
صالحين فى دينكم ، بأن تتوبوا إلى الله بعد ذلك فيقبل الله توبتكم ، وصالحين فى دنياكم بعد أن
خلت من المنغصات التى كان يثيرها وجود يوسف بينكم .
وهكذا النفوس عندما تسيطر عليها الأحقاد ، وتقوى فيها رذيلة الحسد ، تفقد تقديرها
الصحيح للأمور ، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه ، وتصور الصغائر فى صورة
الكبائر ، والكبائر فى صورة الصغائر .
فإخوة يوسف هنا ، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم ، يستحق إزهاق روح الأخ .
وفى الوقت نفسه يرون أن هذا الإِزهاق للروح البريئة شىء هين ، فى الإِمكان أن يعودوا بعده
قوما صالحين أمام خالقهم ،وأمام أبيهم ، وأمام أنفسهم .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٠٥.

٣٢٥
سورة يوسف
وقوله - سبحانه - ﴿ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ، وألقوه فى غيابة الجب يلتقطه
بعض السيارة إن كنتم فاعلين ﴾ بيان للرأى الذى اقترحه أحدهم ، واستقر عليه أمرهم.
قال القرطبى ما ملخصه : قوله ﴿وألقوه فى غيابة الجب ﴾ قرأ أهل مكة وأهل البصرة
وأهل الكوفة ((فى غيابة الجب)) بالإِفراد - وقرأ أهل المدينة ((فى غيابات الجب)) -
بالجمع - .
وكل شىء غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة - قال الشاعر :
فسيروا بسيرى فى العشيرة والأهل
يوما غيبتنى غيابتى
فإن أنا
والجب : الركية - أى الحفرة - التى لم تطو - أى لم تبن بالحجارة - فإذا طويت فهى
بئر. وسميت جبا لأنها قطعت فى الأرض قطعا . وجمع الجب جبيه وجباب وأجباب .
وجمع بين الغيابة والجب ، لأنه أراد ألقوه فى موضع مظلم من الجب حتى لا يلحقه نظر
الناظرين ... )) (١) .
والسيارة : جمع سيار، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون فى السير ليصلوا إلى
مقصودهم .
والمعنى : قال قائل من إخوة يوسف أفزعه ماهم مقدمون عليه بشأن أخيهم الصغير :
لا تقتلوا يوسف ، لأن قتله جرم عظيم ، وبدلا من ذلك ، ألقوه فى قعر الجب حيث يغيب
خبره ، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم ، وبذلك
تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم .
ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه ، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض ، وقد رجح
بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل ((يهوذا)).
والفائدة فى وصفه بأنه منهم ، الإِخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه فى أرض بعيدة حتى
يدركه الموت .
وأتى باسم يوسف دون ضميره . لاستدرار عطفهم عليه ، وشفقتهم به ، واستعظام أمر
قتله .
وجواب الشرط فى قوله ((إن كنتم فاعلين)) محذوف لدلالة ((وألقوه)) عليه.
(١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١٣٢ .

٣٢٦
المجلد السابع
والمعنى : إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب ، فألقوه فى غيابة الجب ، ولا تقتلوه
ولا تطرحوه أرضا .
وفى هذه الجملة من هذا القائل ، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل أو التغريب
بأسلوب بليغ ، حيث فوض الأمر إليهم ، تعظيما لهم ، وحذرا من سوء ظنهم به ، فكان أمثلهم
رأيا ، وأقربهم إلى التقوى .
قالوا : وفى هذا الرأى عبرة فى الاقتصاد عند الانتقام ، والاكتفاء بما حصل به الغرض دون
إفراط ، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم . وهذا الإبعاد يتم عن طريق إلقائه فى
غيابة الجب .
ثم حكى - سبحانه - محاولاتهم مع أبيهم ، ليأذن لهم بخروج يوسف معهم فقال :
قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ، أرسله معنا غدا يرتع ويلعب
وإنا له لحافظون
أی : قال إخوة یوسف لأبيهم - محاولین استرضاءه لاستصحاب یوسف معهم ۔ ۔ یا أبانا
(( مالك لا تأمنا على يوسف)) أى: أى شىء جعلك لا تأمنا على أخينا يوسف فى خروجه
معنا، والحال أننا له لناصحون، فهو أخونا ونحن لا نريد له إلا الخير الخالص ، والود
الصادق .
وفى ندائهم له بلفظ ((يا أبانا)» استمالة لقلبه، وتحريك لعطفه، حتى يعدل عن تصميمه
على عدم خروج يوسف معهم .
والاستفهام فى قولهم ((مالك لا تأمنا .. )) للتعجيب من عدم ائتمانهم عليه مع أنهم إخوته ،
وهو يوحى بأنهم بذلوا محاولات قبل ذلك فى اصطحابه معهم ولكنها جميعا باءت بالفشل .
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم ﴿أرسله معنا غدا يرتع ويلعب .. ﴾.
والرتع والرتوع هو الاتساع فى الملاذ والتنعم فى العيش ، يقال : رتع الإنسان فى النعمة إذا
أكل ما يطيب له ورتعت الدابة إذا أكلت حتى شبعت ، وفعله كمنع والمراد باللعب هنا
الاستجمام ورفع السآمة ، كالتسابق عن طريق العدو، وما يشبه ذلك من ألوان الرياضة
المباحة .
أى : أرسله معنا غدا ليتسع فى أكل الفواكه ونحوها ، وليدفع السآمة عن نفسه عن طريق
القفز والجرى والتسابق معنا .
: وإنا له لحافظون﴾. كل الحفظ من أن يصيبه مكروه ، أو يمسه سوء.

٣٢٧
سورة يوسف
وقد أكدوا هذه الجملة والتى قبلها وهى قوله ((وإنا له لناصحون)) بألوان من المؤكدات ،
لكى يستطيعوا الحصول على مقصودهم فى اصطحاب يوسف معهم .
وهو أسلوب يبدو فيه التحايل الشديد على أبيهم ، لإقناعه بما يريدون تنفيذه وتحقيقه من
مآرب سيئة .
ثم أخبر - سبحانه - عما رد به عليهم أبوهم فقال : ﴿ قال إنى ليحزننى أن تذهبوا به
وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ﴾ .
والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب .
والخوف : فزع النفس من مكروه يتوقع حصوله .
والذئب : حيوان معروف بعدوانه على الضعاف من الإِنسان ومن الحيوان ، وأل فيه
للجنس ، والمراد به أى فرد من أفراد الذئاب .
أى : قال يعقوب لأبنائه ردا على إلحاحهم فى طلب يوسف للذهاب معهم يا أبنائى إننى
ليحزننى حزناً شديداً فراق يوسف لى ، وفضلا عن ذلك فإننى أخشى إذا أخذتموه معكم فى
رحلتكم أن يأكله الذئب ، وأنتم عنه غافلون ، بسبب اشتغالكم بشئون أنفسكم ، وقلة
اهتمامكم برعايته وحفظه .
قالوا : وخص الذئب بالذكر من بين سائر الحيوانات ، ليشعرهم بأن خوفه عليه مما هو
أعظم من الذئب توحشا وافتراما أشد وأولى .
أو خصه بالذكر لأن الأرض التى عرفوا بالنزول فيها كانت كثيرة الذئاب .
وقوله - سبحانه - : ﴿ قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصية إنا إذا لخاسرون ﴾ رد مؤكد
من إخوة يوسف على تخوف أبيهم وتردده فى إرساله معهم. إذ اللام فى قوله: ((لئن)) موطئة
للقسم، وجواب القسم قوله: ((إنا إذا لمخاسرون)).
أى: قال إخوة يوسف لأبيهم محاولين إدخال الطمأنينة على قلبه ، وإزالة الحزن والخوف
عن نفسه : يا أبانا واقه لئن أكل الذئب يوسف وهو معنا ، ونحن عصابة من الرجال الأقوياء
الحريصين على سلامته ، إنا إذا فى هذه الحالة لخاسرون خسارة عظيمة ، نستحق بسببها عدم
الصلاح لأى شىء نافع .
وأخيراً استسلم الأب، الإلحاح أبنائه الكبار ، ليتحقق قدر الله الذى قدره على يوسف .
ولتسير قصة حياته فى الطريق الذى شاء اللّه تعالى - له أن تسير فيه .
وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال: ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة
..

٣٢٨
المجلد السابع
الجب . وأوحينا إليه لتتبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون
﴾ .
أى : فلما أقنعوا أباهم بإرسال يوسف معهم ، وذهبوا به فى الغد إلى حيث يريدون ،
وأجمعوا أمرهم على أن يلقوا به فى قعر الجب، فعلوا به ما فعلوا من الأذى ، ونفذوا
ما يريدون تنفيذه بدون رحمة أو شفقة .
فالفاء فى قوله فلما: للتفريع على كلام مقدر، وجواب (( لما )) محذوف ، دل عليه السياق.
وفعل ((أجمع )) يتعدى إلى المفعول بنفسه ، ومعناه العزم والتصميم على الشىء، تقول :
أجمعت المسير أى : عزمت عزماً قويا عليه .
وقوله (( أن يجعلوه )) مفعول أجمعوا .
قال الآلوسى: ((والروايات فى كيفية إلقائه فى الجب ، وما قاله لإِخوته عند إلقائه وما
قالوه له كثيرة ، وقد تضمنت ما يلين له الصخر ، لكن ليس فيها ماله سند يعول عليه))(١).
والضمير فى قوله ، وأوحينا إليه يعود على يوسف - عليه السلام - .
أى : وأوحينا إليه عند إلقائه فى الجب عن طريق الإِلهام القلبى ، أو عن طريق جبريل -
عليه السلام - أو عن طريق الرؤيا الصالحة. ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا ﴾ أى: لتخبرنهم فى
الوقت الذى يشاؤه الله - تعالى - فى مستقبل الأيام ، بما فعلوه معك فى صغرك من إلقائك فى
الجب ، ومن إنجاء الله - تعالى - لك ، فالمراد بأمرهم هذا: إيذاؤهم له وإلقاؤهم إياه فى قعر
الجب ، ولم يصرح - سبحانه - به ، لشدة شناعته .
وجملة ((وهم لا يشعرون)) حالية، أى: والحال أنهم لا يحسون ولا يشعرون فى ذلك
الوقت الذى تخبرهم فيه بأمرهم هذا ، بأنك أنت يوسف . لاعتقادهم أنك قد هلكت ولطول
المدة التى حصل فيها الفراق بينك وبينهم ، ولتباين حالك وحالهم فى ذلك الوقت ، فأنت
ستكون الأمين على خزائن الأرض ، وهم سيقدمون عليك فقراء يطلبون عونك ورفدك .
وقد تحقق كل ذلك - كما سيأتى - عند تفسير قوله تعالى -: ﴿ولما دخلوا عليه قالوا
يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر .. ﴾.
وكان هذا الإِيجاء - على الراجح - قبل أن يبلغ سن الحلم ، وقبل أن يكون نبيا .
وكان المقصود منه ، إدخال الطمأنينة على قلبه ، وتبشيره بما سيصير إليه أمره من عز وغنى
وسلطان .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٧٧ .

٣٢٩
سورة يوسف
قالوا : وكان هذا الجب الذى ألقى فيه يوسف على بعد ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب -
عليه السلام - بفلسطين .
ثم حكى - سبحانه - أقوالهم لأبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم وعادوا إليه ليلا يبكون فقال :
وَجَآءُ وَ
أَبَاهُمْ عِشَآءٌ يَبْكُونَ ﴿ قَالُوْيَّأَ بَانَاإِنَّاذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ
وَتَرَكْنَايُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّتْبُّ وَمَا أَنْتَ
وَجَاءُ وعَلَى قَمِصِهِ،
بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ ١٣
◌ِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
١٨
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴿
فقوله: ﴿ وجاءوا أباهم عشاء يبكون }
والعشاء : وقت غيبوبة الشفق الباقى من بقايا شعاع الشمس ، وبدء حلول الظلام والمراد
بالبكاء هنا : البكاء المصطنع للتمويه والخداع لأبيهم ، حتى يقنعوه - فى زعمهم - أنهم لم
يقصروا فى حق أخيهم .
أى: وجاءوا أباهم بعد أن أقبل الليل بظلامه يتباكون ، متظاهرين بالحزن والأسى لما
حدث ليوسف، وفى الأمثال: ((دموع الفاجر بيديه)).
قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أى : نتسابق عن طريق الرمى بالسهام ، أو على
الخيل ، أو على الأقدام . يقال : فلان وفلان استبقا أى : تسابقا حتى ينظر أيها يسبق الآخر .
وتركنا يوسف عند متاعنا ﴾ أى: عند الأشياء التى نتمتع بها وننتفع فى رحلتنا ،
كالثياب والأطعمة وما يشبه ذلك .
فأكله الذئب ﴾ فى تلك الفترة التى تركناه فيها عند متاعنا .
والمراد : قتله الذئب ، ثم أكله دون أن يبقى منه شيئا ندفنه .
: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ﴾ أى : وما أنت بمصدق لنا فيما أخبرناك به من أن

٣٣٠
المجلد السابع
يوسف قد أكله الذئب ، حتى ولو كنا صادقين فى ذلك ، لسوء ظنك بنا ، وشدة محبتك له .
وهذه الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم ، وبمخادعتهم له ، ويكاد المريب أن يقول
خذونى - كما يقولون - .
ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكى وبهذا القول ، بل أضافوا إلى ذلك تمويها آخر حكاه القرآن
فى قوله : ﴿ وجاءوا على قميصه بدم كذب ... ﴾ أى: بدم ذى كذب ، فهو مصدر بتقدير
مضافه ، أو وصف الدم بالمصدر مبالغة ، حتى لكأنه الكذب بعينه ، والمصدر هنا بمعنى المفعول ،
كالخلق بمعنى المخلوق ، أى : بدم مكذوب .
والمعنى : وبعد أن ألقوا بيوسف فى الجب ، واحتفظوا بقميصه معهم ، ووضعوا على هذا
القميص دما مصطنعا ليس من جسم يوسف ، وإنما من جسم شىء آخر قد يكون ظبيا وقد
یکون خلافه .
وقال - سبحانه - ﴿ على قميصه ﴾ للإشعار بأنه دم موضوع على ظاهر القميص وضعا
متكلفا مصطنعا ، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه ، لظهر التمزق والتخريق فى
القميص ، ولتغلغل الدم فى قطعة منه .
ولقد أدرك يعقوب - عليه السلام - من قسمات وجوههم ، ومن دلائل حالهم ، ومن نداء
قلبه المفجوع أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأن هؤلاء المتباكين هم الذين دبروا له مكيدة ما ،
وأنهم قد اصطنعوا هذه الحيلة المكشوفة مخادعة له ، ولذا جابههم بقوله : ﴿قال بل سولت
لكم أنفسكم أمرا .. ﴾.
والتسويل : التسهيل والتزيين. يقال : سولت لفلان نفسه هذا الفعل أى زينته وحسنته
له ، وصورته له فى صورة الشىء الحسن مع أنه قبيح .
أى : قال يعقوب لأبنائه بأسى ولوعة بعد أن فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا : قال لهم ليس
الأمر كما زعمتم من أن يوسف قد أكله الذئب ، وإنما الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هى التى
زينت لكم أن تفعلوا معه فعلا سيئا قبيحا ، ستكشف الأيام عنه بإذن ربى ومشيئته .
ونكر الأمر فى قوله: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمرا﴾ لاحتماله عدة أشياء مما يمكن أن
يؤذوا به يوسف ، كالقتل ، أو التغريب ، أو البيع فى الأسواق لأنّه لم يكن يعلم على سبيل
اليقين ما فعلوه به .
وفى هذا التنكير والإبهام - أيضا - ما فيه من التهويل والتشنيع لما اقترفوه فى حق
أخيهم .

٣٣١
سورة يوسف
وقوله ﴿ فصبر جميل ﴾ آی : فصبری صبر جمیل ، وهو الذی لا شکوی فیه لأحد سوی
الله - تعالى - ولا رجاء معه إلا منه - سبحانه - .
ثم أضاف إلى ذلك قوله : ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ أى: والله - تعالى - هو
الذى أستعين به على احتمال ما تصفون من أن ابنى يوسف قد أكله الذئب .
أو المعنى : والله - تعالى - وحده هو المطلوب عونه على إظهار حقيقة ما تصفون ، وإثبات
كونه كذبا ، وأن يوسف مازال حيا ، وأنه - سبحانه - سيجمعنى به فى الوقت الذى يشاؤه .
قال الآلوسى: (( أخرج ابن ابى حاتم وأبو الشيخ عن قتادة : أن إخوة يوسف - بعد أن
ألقوا به فى الجب - أخذوا ظبيا فذبحوه ، ولطخوا بدمه قميصه ، ولما جاءوا به إلى أبيهم جعل
يقلبه ويقول : تا الله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا الذئب !! أكل ابنى ولم يمزق عليه
قميصه ... )) (١) .
وقال القرطبى: ((استدل الفقهاء بهذه الآية فى إعمال الأمارات فى مسائل الفقه كالقسامة
وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب - عليه السلام - قد استدل على كذب أبنائه بصحة
القميص ، وهكذا يجب على الحاكم أن يلحظ الأمارات والعلامات ... )) (٢).
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه: ((وفى الآية من الفوائد : أن الحسد يدعو إلى المكر
بالمحسود وبمن يراعيه ... وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة ، لم يصدق ، وأن من
طلب مراده بمعصية الله - تعالى - فضحه الله - عز وجل - ، وأن القدر كائن ، وأن الحذر لا
ینجى منه ... )»(٣) .
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ ، وتصويرها المؤثر ، ما تآمر به
إخوة يوسف عليه ، وما اقترحوه لتنفيذ مكرهم ، وما قاله لهم أوسطهم عقلا ورأيا ، وما
تحايلوا به على أبيهم لكى يصلوا إلى مآربهم ، وما رد به عليهم أبوهم ، وما قالوه له بعد أن
نفذوا جريمتهم فى أخيهم . بأن ألقوا به فى الجب ..
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتقص علينا مرحلة أخرى من مراحل حياة يوسف
- عليه السلام - حيث حدثتنا عن انتشاله من الجب ، وعن بيعه بثمن بخس وعن وصية
الذى اشتراه لامرأته ، وعن مظاهر رعاية الله - تعالى - له فقال - سبحانه - :
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٧٩ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١٥٠.
(٣) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٥٢٠.

٣٣٢
المجلد السابع
وَجَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ
وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوٌَّ قَالَ يَبُشْرَى هَذَا ◌ُلَمْ وَأَسَرُوهُ بِضَعَةً
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ () وَشَرَوْهُ بِثَمَنْ تَخْسِ
دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ ، وَقَالَ
اُلَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَ أَتِهِأَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَىّ
أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْنَشَّخِذَهُوَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
اُلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى
أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ
أَشُدَّهُ{ ءَاتَيْنَهُ حُكْمَا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
(٢٢
فقوله - سبحانه -: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ، فأدلى دلوه ... ﴾ شروع فى
الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ألقى به إخوته فى الجب .
والسيارة : جماعة المسافرين ، وكانوا - كما قيل - متجهين من بلاد الشام إلى مصر .
والوارد : هو الذى يرد الماء ليستقى للناس الذين معه . ويقع هذا اللفظ على الفرد
والجماعة . فيقال لكل من يرد الماء وارد ، كما يقال للماء مورود .
وقوله ﴿ فأدلى﴾ من الإدلاء بمعنى إرسال الدلو فى البئر لأخذ الماء.
والدلو : إناء معروف يوضع فيه الماء .
وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير :
وبعد أن ألقى إخوة يوسف به فى الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم ، جاءت إلى ذلك المكان
قافلة من المسافرين ، فأرسلوا واردهم ليبحث لهم عن ماء ليستقوا ، فوجد جبا ، فأدلى دلوه
فيه ، فتعلق به يوسف، فلما خرج ورآه فرح به وقال : يابشرى هذا غلام .

٣٣٣
سورة يوسف
وأوقع النداء على البشرى ، للتعبير عن ابتهاجه وسروره ، حتى لكأنها شخص عاقل
يستحق النداء ، أى : يا بشارتى أقبلى فهذا أوان إقبالك .
وقيل المنادى محذوف والتقدير : يارفاقى فى السفر أبشروا فهذا غلام ، وقد خرج من
الجب .
وقرأ أهل المدينة ومكة : يابشراى هذا غلام . بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم . والضمير
المنصوب وهو الهاء فى قوله: ﴿وأسروه بضاعة ﴾ يعود إلى يوسف.
أما الضمير المرفوع فيعود إلى السيارة ، وأسر من الإِسرار الذى هو ضد الإعلان .
والبضاعة : عروض التجارة ومتاعها . وهذا اللفظ مأخوذ من البضع بمعنى القطع ، وأصله
جملة من اللحم تبضع أى: تقطع . وهو حال من الضمير المنصوب فى ﴿ وأسروه }
والمعنى : وأخفى جماعة المسافرين خبر التقاط يوسف من الجب مخافة أن يطلبه أحد من
السكان المجاورين للجب ، واعتبره بضاعة سرية لهم ، وعزموا على بيعه على أنه من العبيد
الأرقاء .
ولعل يوسف - عليه السلام - قد أخبرهم بقصته بعد إخراجه من الجب .
ولكنهم لم يلتفتوا إلى ما أخبرهم به طمعا فى بيعه والانتفاع بثمنه .
ومن المفسرين من يرى أن الضمير المرفوع فى قوله ﴿وأسروه ﴾ يعود على الوارد
ورفاقه ، فيكون المعنى :
وأسر الوارد ومن معه أمر يوسف عن بقية أفراد القافلة ، مخافة أن يشاركوهم فى ثمنه إذا
علموا خبره ، وزعموا أن أهل هذا المكان الذى به الجب دفعوه إليهم ليبيعوه لهم فى مصر على
أنه بضاعة لهم .
ومنهم من يرى أن الضمير السابق يعود إلى إخوة يوسف .
قال الشوكانى ما ملخصه : وذلك أن يهوذا كان يأتى إلى يوسف كل يوم بالطعام . فأتاه يوم
خروجه من الجب فلم يجده ، فأخبر إخوته بذلك ، فأتوا إلى السيارة وقالوا لهم : إن الغلام
الذى معكم عبد لنا قد أبق ، فاشتروه منهم بثمن بخس ، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه
إخوته فيقتلوه ))(١) .
وعلى هذا الرأى يكون معنى ﴿وأسروه بضاعة) : أخفى إخوة يوسف كونه أخا لهم،
(١) تفسير الشوكانى جـ ٣ ص ١٣ .

٣٣٤
المجلد السابع
واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء.
ويكون المراد بقوله - تعالى - بعد ذلك ﴿وشروه بثمن بخس﴾ الشراء الحقيقى، بمعنى
أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس .
والحق أن الرأى الأول هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية ،
ولأنه بعيد عن التكلف الذى يرى واضحا فى القولين الثانى والثالث .
وقوله: ﴿والله عليم بما يعملون﴾ أى: لا يخفى عليه شىء من إسرارهم. ومن عملهم
السىء فى حق يوسف . حيث إنهم استرقوه وباعوه بثمن بخس ، وهو الكريم ابن الكريم
ابن الكريم . كما جاء فى الحديث الشريف .
وقوله : - سبحانه - ﴿ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين
بيان لما فعله السيارة بيوسف بعد أن أسروه بضاعة .
وقوله ﴿ شروه ﴾ هنا بمعنى باعوه .
والبخس : النقص ، يقال بخس فلان فلانا حقه ، إذا نقصه وعابه . وهو هنا بمعنى
المبخوس .
و ﴿ دراهم﴾ جمع درهم، وهى بدل من ﴿ ثمن﴾.
و ﴿ معدودة﴾ صفة لدراهم، وهى كناية عن كونها قليلة، لأن الشىء القليل يسهل
عده ، بخلاف الشىء الكثير ، فإنه فى الغالب يوزن وزنا .
والمعنى : أن هؤلاء المسافرين بعد أن أخذوا يوسف ليجعلوه عرضا من عروض تجارتهم ،
باعوه فى الأسواق بثمن قليل تافه ، وهو عبارة عن دراهم معدودة ، ذكر بعضهم أنها لا تزيد
على عشرين درهما .
وقوله: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ بيان لعدم حرصهم على بقائه معهم، إذ أصل الزهد
قلة الرغبة فى الشىء ، تقول زهدت فى هذا الشى ء ، إذا كنت كارها له غير مقبل عليه .
أى : وكان هؤلاء الذين باعوه من الزاهدين فى بقائه معهم ، الراغبين فى التخلص منه بأقل
ثمن قبل أن يظهر من يطالبهم به .
قال الآلوسى ما ملخصه: (( وزهدهم فيه سببه أنهم التقطوه من الجب ، والملتقط للشىء
متهاون به لا يبالى أن يبيعه بأى ثمن خوفا من أن يعرض له مستحق ينزعه منه ... ))(١).
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٠٣.

٣٣٥
سورة يوسف
وقوله - سبحانه -: ﴿ وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمى مثواه عسى أن
ينفعنا أو نتخذه ولدا ... ﴾ بيان لبعض مظاهر رعاية الله - تعالى - ليوسف - عليه
السلام - .
والذى اشتراه ، قالوا إنه كان رئيس الشرطة لملك مصر فى ذلك الوقت ولقبه القرآن
بالعزيز كما سيأتى فى قوله - تعالى -: ﴿قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق ... ﴾.
و ﴿ من مصر﴾ صفة لقوله ﴿الذى اشتراه﴾.
وامرأته : المراد بها زوجته ، واسمها كما قيل زليخا أو راعيل .
ومثواه من المثوى وهو مكان الإقامة والاستقرار . يقال : ثوى فلان بمكان كذا ، إذا أطال
الإقامة به . ومنه قوله - تعالى - ﴿ وما كنت ثاويا فى أهل مدين .... ﴾ أى مقيما معهم.
أى : وقال الرجل المصرى الذى اشترى يوسف لامرأته : اجعلى محل إقامته كريما ،
وأنزليه منزلا حسنا مرضيا .
وهذا كناية عن وصيته لها بإكرامه على أبلغ وجه ، لأن من أكرم المحل بتنظيفه وتهيئته تهيئة
حسنة فقد أكرم صاحبه .
قال صاحب الكشاف : قوله ﴿أكرمى مثواه ﴾ أى: اجعلى منزله ومقامه عندنا كريما:
أى حسنا مرضيا بدليل قوله بعد ذلك ﴿ إنه ربى أحسن مثواى ﴾.
والمراد : تفقديه بالإِحسان ، وتعهديه بحسن الملكة ، حتى تكون نفسه طيبة فى صحبتنا ،
ساكنة فى كنفنا . ويقال للرجل : كيف أبو مثواك وأم مثواك ؟ لمن ينزل به من رجل أو امرأة ،
يراد هلى تطيب نفسك بثوائك عنده وهل يراعى حق نزولك به ؟ واللام فى ﴿ لامرأته ﴾
متعلق بقال ... ))(١).
وقوله : ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ... ﴾ بيان لسبب أمره لها بإكرام مثواه.
أى : عسى هذا الغلام أن ينفعنا فى قضاء مصالحنا ، وفى مختلف شئوننا ، أو نتبناه فيكون
منا بمنزلة الولد ، فإنى أرى فيه علامات الرشد والنجابة ، وأمارات الأدب وحسن الخلق .
قالوا وهذه الجملة ﴿ أو نتخذه ولدا﴾ توحى بأنهما لم يكن عندهما أولاد. والكاف فى قوله
- سبحانه - ﴿ وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض﴾ فى محل نصب ، على أنه نعت لمصدر محذوف
والإِشارة الى ما تقدم من إنجائه من إخوته ، وانتشاله من الجب ، ومحبة العزيز له ..
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣١٠.

٣٣٦
المجلد السابع
و ((مكنا)) من التمكين بمعنى التثبيت ، والمراد بالأرض : أرض مصر التى نزل فيها .
أى : ومثل ذلك التمكين البديع الدال على رعايتنا له ، مكنا ليوسف فى أرض مصر ، حتى
صار أهلا للأمر والنهى فيها .
وقوله - سبحانه - ﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) علة لمعلل محذوف ، فكأنه قيل:
وفعلنا ذلك التمكين له ، لنعلمه من تأويل الأحاديث ، بأن نهبه من صدق اليقين ، واستنارة
العقل ، ما يجعله يدرك معنى الكلام إدراكا سليما ، ويفسر الرؤى تفسيرا صحيحا صادقا .
وقوله : ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ تذييل قصد به بيان قدرة
الله - تعالى - ونفاذ مشيئته .
فأمر الله هنا: هو ما قدره وأراده .
أى : والله - تعالى - متمم ما قدره وأراده، لا يمنعه من ذلك مانع ، ولا ينازعه منازع ،
ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم ، فيما يأتون ويذرون من أقوال وأفعال .
والتعبير بقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ احتراس لإنصاف ومدح القلة من
الناس الذين يعطيهم الله - تعالى - من فضله ما يجعلهم لا يندرجون فى الكثرة التى لا تعلم ،
بل هو - سبحانه - يعطيهم من فضله ما يجعلهم يعلمون مالا يعلمه غيرهم .
ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر إنعامه على يوسف فقال : ﴿ ولما بلغ أشده
آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين﴾ .
والأشد : قوة الإِنسان ، وبلوغه النهاية فى ذلك ، مأخوذ من الشدة بمعنى القوة والارتفاع ،
يقال : شد النهار إذا ارتفع .
ويرى بعضهم أنه مفرد جاء بصيغة الجمع ويرى آخرون أنه جمع لا واحد له من لفظه وقيل
هو جمع شدة كأنعم ونعمة .
والمعنى : وحين بلغ يوسف - عليه السلام - منتهى شدته وقوته ، وهى السن التى كان
فيها - على ما قيل - ما بين الثلاثين والأربعين .
آتيناه ﴾ أى: أعطيناه بفضلنا وإحساننا .
حكما ﴾ أى : حكمة ، وهى الإصابة فى القول والعمل أو هى النبوة .
و﴿ علما﴾ أى فقها فى الدين. وفهما سليما لتفسير الرؤى، وإدراكا واسعا لشئون الدين
والدنيا .
وقوله : ﴿وكذلك نجزى المحسنين ﴾ أى: ومثل هذا الجزاء الحسن والعطاء الكريم،
:

٣٣٧
سورة يوسف
نعطى ونجازى الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى - به ، فكل من أحسن فى أقواله
وأعماله أحسن الله - تعالى - جزاءه .
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتحدثنا عن مرحلة من أدق المراحل وأخطرها ، فى
حياة يوسف - عليه السلام - وهى مرحلة التعرض للفتن والمؤامرات بعد أن بلغ أشده ،
وآتاه الله - تعالى - حكما وعلما ، وقد واجه يوسف - عليه السلام - هذه الفتن بقلب
سليم ، وخلق قويم ، فنجاه الله - تعالى - منها .
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى بأسلوبها البليغ ما فعلته معه امرأة العزيز من ترغيب
وترهيب ، وإغراء وتهديد ... فتقول :
وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ
وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَىّ
إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ يِهَا
لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَنَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ® وَأَسْتَبَقَا
الْبَابَ وَقَّدَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ
قَالَتْ مَاجَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ
أَلِمٌ ﴿ قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌمِّنْ
أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّمِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ
اَلْكَذِبِينَ ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَمِن دُبُرٍفَكَذَبَتْ وَهُوَ
مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَلَمَّارَءَاقَمِيصَهُ قُدَ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ
مِن كَيْدِ كُنَّ إِنَّ كَذَكُنَّ عَظِيمٌ ) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ
هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ
٢٩

٣٣٨
المجلد السابع
وقوله - سبحانه - ﴿ وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه ... ﴾ رجوع إلى شرح ما
جرى ليوسف فى منزل العزيز بعد أن أمر امرأته بإكرام مثواه ، وما كان من حال تلك المرأة مع
يوسف ، وكيف أنها نظرت إليه بعين ، تخالف العين التى نظر بها إليه زوجها .
والمراودة - كما يقول صاحب الكشاف - مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب ، كأن
المعنى : خادعته عن نفسه ، أى : فعلت معه ما يفعله المخادع لصاحبه عن الشىء الذى لا
يريد أن يخرجه من يده ، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهو عبارة عن التحايل لمواقعته
إياها (١).
والتعبير عن حالها معه بالمراودة المقتضية لتكرار المحاولة ، للإشعار بأنها كان منها الطلب
المستمر ، المصحوب بالإغراء والترفق والتحايل على ما تشتهيه منه بشتى الوسائل والحيل .
وكان منه - عليه السلام - الإِباء والامتناع عما تريده خوفا من الله - تعالى ..
وقال - سبحانه - ﴿ التى هو فى بيتها ﴾ دون ذكر لاسمها ، سترا لها ، وابتعادا عن
التشهير بها ، وهذا من الأدب السامى الذى التزمه القرآن فى تعبيراته وأساليبه ، حتى يتأسى
أتباعه بهذا اللون من الأدب فى التعبير .
والمراد ببيتها : بيت سكناها ، والإِخبار عن المراودة بأنها كانت فى بيتها . أدعى لإظهار
كمال نزاهته ، عليه السلام - فإن كونه فى بيتها يغرى بالاستجابة لها ، ومع ذلك فقد أعرض
عنها ، ولم يطاوعها فى مرادها .
وعدى فعل المراودة بعن ، لتضمنه معنى المخادعة .
قال بعض العلماء: و((عن)) هنا للمجاوزة، أى: راودته مباعدة له عن نفسه ، أى: بأن
يجعل نفسه لها ، والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن الكريم ، فالنفس هنا كناية
عن غرض المواقعة ، قاله ابن عطيه ، أى : فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد ،
فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه فى نفسه))(٢).
وقوله ﴿ وغلّقت الأبواب ﴾ أى: أبواب بيت سكناها الذى تبيت فيه بابا فباباً، قيل:
كانت الأبواب سبعة .
والمراد أنها أغلقت جميع الأبواب الموصلة إلى المكان الذى راودته فيه إغلاقا شديدا محكما ،
كما يشعر بذلك التضعيف فى ((غلّقت)) زيادة فى حمله على الاستجابة لها .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣١٠.
(٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ١٢ ص ٢٥٠ للشيخ الفاضل بن عاشور.

٣٣٩
سورة يوسف
ثم أضافت إلى كل تلك المغريات أنها قالت له : هيت لك ، أى : هأنذا مهيئة لك فأسرع
فى الإقبال على ...
وهذه الدعوة السافرة منها له ، تدل على أن تلك المرأة كانت قد بلغت النهاية فى الكشف
عن رغبتها ، وأنها قد خرجت من المألوف من بنات جنسها ، فقد جرت العادة أن تكون المرأة
مطلوبة لا طالبة ...
و ((هيت)) اسم فعل أمر بمعنى أقبل وأسرع، فهى كلمة حض وحث على الفعل ، واللام
فى ((لك)» لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما فى قولهم: سقيا لك وشكراً لك. وهى متعلقة
بمحذوف فكأنما تقول : إرادتى كائنة لك .
قال الجمل ما ملخصه: ((ورد فى هذه الكلمة قراءات: ((هَيتٍ)) كلیت، و« هِيتَ ))
كفيل و ((هَيتُ)) كحيث، و((هِنتُ)) بكسر الهاء وضم التاء، و((هِئتَ )) بكسر الهاء وفتح
التاء .
ثم قال : فالقراءات السبعية خمسة ، وهذه كلها لغات فى هذه الكلمة ، وهى فى كلها اسم
فعل بمعنى هلم أى أقبل وتعال(١).
وقوله - سبحانه - ﴿ قال معاذ الله ، إنه ربى أحسن متواى ، إنه لا يفلح الظالمون )
بيان لما ردّ به يوسف عليها ، بعد أن تجاوزت فى إثارته كل حد .
و ((معاذ)» مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة ، وهو منصوب بفعل محذوف أى : قال يوسف فى
الرد عليها : أعوذ بالله معاذا مما تطلبينه منى ، وأعتصم به اعتصاما مما تحاولينه معى ، فإن ما
تطلبينه وتلحين فى طلبه يتنافى مع الدين والمروءة والشرف .. ولا يفعله إلا من خبث منبته ،
وساء طبعه ، وأظلم قلبه .
وقوله ﴿ إنه ربى أحسن متواى﴾ تعليل لنفوره مما دعته إليه، واستعاذ بالله منه.
والضمير فى ((إنه)) يصح أن يعود إلى الله - تعالى - فيكون لفظ ربى بمعنى خالقى.
والتقدير : قال يوسف فى الرد عليها : معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر ، بعد أن أكرمنى
الله - تعالى - بما أكرمنى به من النجاة من الجب ، ومن تهيئة الأسباب التى جعلتنى أعيش
معززا مكرما ، وإذا كان - سبحانه - قد حبانى كل هذه النعم فكيف أرتكب ما يغضبه ؟ .
وجوز بعضهم عودة الضمير فى ((إنه )) إلى زوجها ، فيكون لفظ ربى بمعنى سيدى
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤٤٤ .

٣٤٠
المجلد السابع
ومالكى ، والتقدير : معاذ الله أن أقابل من اشترانى بماله، وأحسن منزلى ، وأمرك بإكرامى -
بالخيانة له فى عرضه .
وفى هذه الجملة الكريمة تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله - تعالى - وبحقوق زوجها ،
وتنبيه لها إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها ، لأنه يؤدى إلى غضب الله وغضب
زوجها عليها .
وجملة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون) تعليل آخر لصدها عما تريده منه.
والفلاح : الظفر وإدراك المأمول .
أى: إن كل من ارتكب ما نهى الله - تعالى - عنه ، تكون عاقبته الخيبة والخسران وعدم
الفلاح فى الدنيا والآخرة فكيف تريدين منى أن أكون كذلك ؟ .
هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى أن القرآن الكريم قد قابل دواعى الغواية الثلاث
التى جاهرت بها امرأة العزيز والمتمثلة فى المراودة ، وتغليق الأبواب ، وقولها ، هيت لك :
بدواعى العفاف الثلاث التى رد بها عليها يوسف ، والمتمثلة فى قوله - كما حكى القرآن عنه -
معاذ الله، إنه ربى أحسن مثواى، إنه لا يفلح الظالمون ﴾.
وذلك ليثبت أن الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة ، كان سلاح يوسف - عليه
السلام - فى تلك المعركة العنيفة بين نداء العقل ونداء الشهوة ...
ولكن نداء العقل ونداء الشهوة الجامحة لم ينته عند هذا الحد ، بل نرى القرآن الكريم
بحكى لنا بعد ذلك صداما آخر بينهما فيقول: ﴿ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان
ربه ... ﴾ .
وهذه الآية الكريمة من الآيات التى خلط المفسرون فيها بين الأقوال الصحيحة والأقوال
السقيمة .
وسنيين أولا الرأى الذى نختاره فى تفسيرها ، ثم نتبعه بعد ذلك بغيره فنقول : ألهمّ :
المقاربة من الفعل من غير دخول فيه ، تقول هممت على فعل هذا الشىء ، إذا أقبلت نفسك
عليه دون أن تفعله .
وقال : بعض العلماء : الهم نوعان : هم ثابت معه عزم وعقد ورضا ، وهو مذموم مؤاخد به
صاحبه ، وهُمَّ بمعنى خاطر وحديث نفس ، من غير تصميم وهو غير مؤاخذ به صاحبه ، لأن
خطور المناهى فى الصدور ، وتصورها فى الأذهان ، لا مؤاخذة بها مالم توجد فى الأعيان .
روى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة، عن النبى - وسلم - أنه قال: ((إن الله