Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة هود.
إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنكَ بَعْضُءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنَّ أَشْهِدُ اللَّهَ
مِن دُونِهِ فَكِيدُونِ
( ٥٤
وَأَشْهَدُ وْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ
﴿ إِنِّى تَوَكَّْتُ عَلَى اللَّهِرَبِ وَرَبِّكُمْمَا
٥٥
جَمِيعًا ثُمَّلَاتُظِرُونِ
مِن دَابَةٍ إِلَّ هُوَءَاخِذٌ بِنَاصِبَيْهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ
، فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقَدْ أَبْلَغَتَّكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ
٥٦
رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمُ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّرَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيْطٌ
،وَلَمَّاجَآءَ أَمْرُنَا نَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ
٥٧
صلے
د
- ----- --- ------- -----
مِّنَا وَنَجَيْنَهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥﴾ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُ واْبِعَايَتِ
رَبِهِمْ وَعَصَوْاْرُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَمْرَكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٦)، وَأَتْبِعُواْ
فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَ إِنَّ عَدَا كَفَرُواْ رَبَّهُمُّ أَلَا
٦٠
بُعْدَ الْعَادِ قَوْمِ هُودٍ
تلك هى قصة هود - عليه السلام - مع قومه كما حكتها هذه السورة ، وقد وردت قصته
معهم فى سور أخرى منها : سورة الأعراف ، والشعراء ، والأحقاف .
وينتهى نسب هود إلى نوح - عليهما السلام - فهو - كما قال بعض المؤرخين - :
هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوض بن إِرم بن سام بن نوح)(١).
وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم - ، وكانت مساكنهم
بالأحقاف - جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل - ، وهذا المكان يسمى الآن بالربع الخالى
جنوب الجزيرة العربية .
وكان قوم هود - عليه السلام - يعبدون الأصنام ، فأرسله الله إليهم لهدايتهم .
(١) قصص الأنبياء ص ٥٠ لفضيلة الشيخ عبد الوهاب النجار .

٢٢٢
المجلد السابع
ويقال إن هودا - عليه السلام - قد أرسله الله إلى عاد الأولى ، أما عاد الثانية فهم قوم
صالح ، وبينهما زهاء مائة سنة .
وقوله - سبحانه -: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله
غيره .. ﴾ معطوف على قصة نوح التى سبق الحديث عنها .
أى : وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ليأمرهم بعبادة الله وحده ، أرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم
هوداً، فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه: ﴿ يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره
ووصفه - سبحانه - بأنه ﴿ أخاهم ) لأنه من قبيلتهم فى النسب ، أو لأنه أخوهم فى
الإِنسانية وناداهم بقوله : ﴿ياقوم ﴾ زيادة فى التلطف معهم، استجلابا لقلوبهم ، وترضية
لنفوسهم، وجملة ﴿ مالكم من إله غيره ﴾ فى معنى العلة لما قبله.
أى: أنا آمركم بعبادة الله وحده، لأنه ليس هناك إله آخر يستحق العبادة سواه ، فهو
الذى خلقكم ورزقكم ، وهو الذى يحييكم ويميتكم .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ إن أنتم إلا مفترون :
والافتراء : الكذب المتعمد الذى لا شبهة لصاحبه فى النطق به .
أى : ما أنتم إلا متعمدون للكذب فى جعلكم الألوهية لغير الله - تعالى - .
ثم بين لهم بعد ذلك أنه لا يريد منهم جزاء ولا شكورا فى مقابل دعوته إياهم إلى الحق
فقال: ﴿ وياقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذى فطرنى ...
وفطرنى : أى خلقنى وأبدعنى على غير مثال سابق ، يقال : فطر الأمر . أى : ابتدأه
وأنشأه . وفطر الله الخلق: أى خلقهم وأوجدهم . وأصل الفطر: الشق ، ثم استعمل فى الخلق
والإِنشاء مجازا .
والمعنى: ويا قوم لا أريد منكم على ما أدعوكم إليه أجرا منكم ، وإنما أجرى تكفل به الله
الذى خلقنى بقدرته ، فهو وحده الذى أطلب منه الأجر والعطاء .
ومقصده من هذا القول ، إزالته ما عسى أن يكون قد حاك فى نفوسهم ، من أنه ما دعاهم
إلى ما دعاهم إليه ، إلا لأنه رجل يبتغى منهم الأجر الذى يجعله موسرا فيهم ..
والهمزة فى قوله ﴿ أفلا تعقلون﴾ للاستفهام الإنكارى، وهى داخلة على محذوف.
أى : أتجهلون ما هو واضح من الأمور ، فلا تعقلون أن أجر الناصحين المخلصين ، إنما هو
من الله - تعالى - رب العالمين ورازقهم .
ثم أرشدهم إلى ما يؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم ، وحذرهم من سوء عاقبة البطر والأشر

٢٢٣
سورة هود
فقال: ﴿ وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى
قوتكم ولا تتولوا مجرمين﴾ .
والاستغفار: طلب المغفرة من الله - تعالى - وعدم المؤاخذة على الخطايا :
والتوبة : العزم على الإقلاع عن الذنب ، مع الندم على ما حصل منه فى الماضى .
أى : ويا قوم استغفروا ربكم مما فرط منكم من شرك وعصيان ، ثم عودوا إليه بالتوبة
الصادقة النصوح .
وثم هنا للترتيب الرتبى ، لأن الإقلاع عن الذنب مع المداومة على ذلك : مقدم على طلب
المغفرة .
وجملة ﴿ يرسل السماء عليكم مدرارا ﴾ جواب الأمر فى قوله ﴿استغفروا
والمراد بالسماء هنا السحاب أو المطر ، تسمية للشىء باسم مصدره .
ومدرارا : مأخوذ من الدر أى : سيلان اللبن وكثرته . ثم استعير للمطر الغزير يقال :
درت السماء بالمطر تدر وتدر درا ... إذا كثر نزول المطر منها .
وهو حال من السماء ، ولم يؤنث مع أنه حال من مؤنث ، باعتبار أن المراد بالسماء هنا المطر
أو السحاب .
والمعنى : أن هودا - عليه السلام - قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واستغفروه وتوبوا إليه ..
فإنكم إن فعلتم ذلك أرسل الله - تعالى - عليكم المطر غزيرا متتابعا فى أوقات حاجتكم إليه ؛
لتشربوا منه وتسقوا به دوابكم وزروعكم .
وجملة ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ معطوفة على ما قبلها.
أى: وأيضا إن فعلتم ذلك زادكم الله - تعالى - عزا إلى عزكم ، وشدة إلى شدتكم التى
عرفتم بها ، ووهبكم الأموال الطائلة ، والذرية الكثيرة .
قال الآلوسى: ((رغبهم - عليه السلام - بكثرة المطر ، وزيادة القوة ، لأنهم كانوا
أصحاب زروع وبساتين وعمارات . وقيل: حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث
سنين ، فوعدهم هود على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار، ومضاعفة القوة
بالتناسل ... ))(١) .
* (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٧٣ .

٢٢٤
المجلد السابع
ثم حذرهم من مقابلة نعم الله بالكفر والجحود فقال: ﴿ ولا تتولوا مجرمين.) والتولى:
هو الإعراض عن الشىء بإصرار وعناد.
أى: ولا تتولوا عما دعوتكم إليه وأنتم مصرون على ما أنتم عليه من إجرام وجحود
وعناد .
وإلى هنا يكون هود - عليه السلام - قد وضح لقومه دعوته ، ورغبهم فى الاستجابة لها ،
وحذرهم من الإعراض عنها ، وناداهم بلفظ - يا قوم - ثلاث مرات ، توددا إليهم ، وتذكيرا
لهم باصرة القرابة التى تجمعهم وإياه . لعل ذلك يستثير مشاعرهم ، ويحقق اطمئنانهم إليه ،
فإن الرائد لا يكذب أهله .
ولكن قوم هود - عليه السلام - قابلوا كل ذلك بالتطاول عليه ، والسخرية منه فقالوا :
قالوا يا هود ما جئتنا ببينة .. ؟
والبينة : ما يتبين به الحق من الباطل . أى : قالوا له يا هود إنك لم تجئنا بحجة تقنعنا بأنك
على الحق فيما تدعو إليه ، وترضى نفوسنا وطباعنا وعاداتنا .
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: ﴿ وما نحن بتاركى آلهتنا عن قولك
أى: وما نحن بتاركى آلهتنا بسبب قولك لنا الخالى عن الدليل : اتركوا عبادتها واجعلوا
عبادتكم لله وحده .
ثم أكدوا إصرارهم على كفرهم بقولهم ﴿ وما نحن لك بمؤمنين﴾ أى: بمستجيبين لك
ومصدقين .
ثم أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافا به وبما يدعو إليه فقالوا: (( إن نقول إلا اعتراك
بعض آلهتنا بسوء ... )).
ومعنى اعتراك : أصابك ومسك . يقال عراه الأمر واعتراه أى أصابه ، وأصله من قولهم :
عراه يعروه ، أى : غشيه وأصابه . ومنه قول الشاعر :
أى : تصیبنی .
...
هزة.
وإنى لتعرونى لذكراك
أی : ما نحن بتارکی آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك متبعین ، بل علیك أن تیاس یأسا تاما
من استجابتنا لك ، وحالتك التى نراها بأعيننا تجعلنا نقول لك : إن سبك لآلهتنا جعل
بعضها - لا كلها - يتسلط عليك ، ويوجه قدرته نحوك ، فيصيبك بالجنون والهذيان
والأمراض .
ولم يقولوا: ((اعتراك آلهتنا بسوء)) بل قالوا: ﴿بعض آلهتنا﴾ تهديدا له وإشارة إلى

٢٢٥
سورة هود
أنه لو تصدت له جميع الآلهة لأهلكته إهلاكا .
وهكذا نراهم قد ردوا على نبيهم ومرشدهم بأربعة ردود ، تدرجوا فيها من السىء إلى
الأسوأ ، ومن القبيح إلى الأقبح .. مما يدل على توغلهم فى الطغيان ،وبلوغهم النهاية فى العناد
والكفر والحجود .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ((ان نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء .. )).
أى : مسك بجنون لسبك إياها ، وصدك عنها ، وعداوتك لها ، مكافأة لك منها على سوء
فعلك بسوء الجزاء ، فمن ثم صرت تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين .
ثم قال . وقد دلت ردودهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد ، لا يبالون
بالبهت ، ولا يلتفتون إلى النصح ، ولا تلين شكيمتهم الرشد .
وهذا الأخير دال على جهل مفرط ، وبله متناه ، حيث اعتقدوا فى حجارة أنها تنتصر
وتنتقم ... ) (١) .
والآن وبعد أن استمع هود - عليه السلام - إلى ردودهم القبيحة ماذا كان موقفه منهم ؟
لقد كان موقفه منهم: موقف المتبرئ من شركهم ، والمتحدى لطغيانهم والمعتمد على الله -
تعالى - وحده فى الانتصار عليهم ، ولقد حكى القرآن رده عليهم فقال :
،
قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برىء مما تشركون . من دونه ، فكيدونى جميعا ثم
لا تنظرون. إنى توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، إن ربى على
صراط مستقيم . فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربى قوما غيركم
ولا تضرونه شيئا ، إن ربى على كل شىء حفيظ ﴾ .
أى: قال هود - عليه السلام - للطغاة من قومه بعزة وثقة ﴿إنى أشهد الله ﴾ الذى
لا رب سواه على براءتى من عبادتكم لغيره .
واشهدوا﴾ أنتم أيضا على ﴿أنى برىء مما تشركون من دونه﴾.
أى: على براءتى من كل عبادة تعبدونها لغير الله - تعالى - لأنها عبادة باطلة . يحتقرها
العقلاء ، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه .
فأنت تراه فى هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم ، وبراءته من شركهم ، وإستخفافه
( ١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٧٥ .

٢٢٦
المجلد السابع
بأصنامهم التى زعموا أن بعضها قد أصابه بسوء ، ويوثق هذه البراءة بإشهاد الله - تعالى -
وإشهادهم .
وذلك كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به : أشهد الله وأشهدك على أنى فعلت بك كذا
وكذا ، وقلت فى حقك كذا وكذا ... فافعل أنت ما بدا لك !!
ثم ينتقل من براءته من شركهم ، إلى تحديهم بثقة واطمئنان فيقول : ﴿ فكيدونى جميعا ثم
لا تنظرون
أى : لقد أعلنت أمامكم بكل قوة ووضوح أنى برىء من شرككم، وها أنذا فى
مواجهتكم ، فانضموا إلى آلهتكم ، وحاربونى بما شئتم من ألوان المحاربة والأذى بدون تريث
أو إمهال ، فإنى لن أكف عن الجهر بدعوتى ، ولن أتراجع عن احتقار الباطل الذى أنتم
عليه .
وهذا - كما يقول صاحب الكشاف - من أعظم الآيات ، أن يواجه بهذا الكلام رجل
واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه ، يرمونه عن قوس واحدة وذلك لثقته بربه ،وأنه يعصمه منهم ،
فلا تنشب فيه مخالبهم .. (١) .
ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذى دعاه إلى البراءة من شركهم ، وإلى عدم المبالاة
بهم فقال - كما حكى القرآن عنه - ﴿ إنى توكلت على الله ربي وربكم ... ﴾.
أى : إنى فوضت أمرى إلى اللّه الذى هو ربى وربكم، ومالك أمرى وأمركم ، والذى
لا يقع فى هذا الكون شىء الا بإرادته ومشيئته .
وفى قوله : ﴿ربي وربكم﴾ مواجهة لهم بالحقيقة التى ينكرونها، لإِفهامهم أن إنكارهم
لا قيمة له ، وأنه إنكار عن جحود وعناد .. فهو - سبحانه - ربهم سواء أقبلوا ذلك أم
رفضوه. وقوله ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تصوير بديع لشمول قدرته -
سبحانه - والأخذ : هو التناول للشىء عن طريق الغلبة والقهر .
والناصية : منبت الشعر فى مقدم الرأس ، ويطلق على الشعر النابت نفسه .
قال الإِمام الرازى : واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصية
فلان إلا بيد فلان . أى أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته . وكانوا إذا
أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا فى القرآن بما
يعرفون .. (٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٧٦ .
( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٣ .

٢٢٧
سورة هود
والمعنى: إنى اعتمدت على الله ربي وربكم: ما من دابة تدب على وجه الأرض إلا والله -
تعالى - مالكها وقاهر لها ، وقادر عليها ، ومتصرف فيها كما يتصرف المالك فى ملكه .
وفى هذا التعبير الحكيم صورة حسية بديعة تناسب المقام ، كما تناسب غلظة قوم هود
وشدتهم . وصلابة أجسامهم وبنيتهم ، وجفاف حسهم ومشاعرهم .. فكأنه - عليه السلام -
يقول لهم : إنكم مهما بلغتم من القوة والبطش ، فما أنتم الا دواب من تلك الدواب التى يأخذ
ربى بناصيتها . ويقهرها بقوته قهراً يهلكها - إذا شاء ذلك - فكيف أخشى دوابا مثلكم مع
توكلى على الله ربي وربكم ؟!
ثم يتبع هذا الوصف الدال على شمول قدرة الله - تعالى - بوصف آخر يدل على عدالته
وتنزهه عن الظلم فيقول : ﴿إن ربى على صراط مستقيم).
أى : إن ربى قد اقتضت سنته أن يسلك فى أحكامه طريق الحق والعدل وما دام الأمر كذلك
فلن يسلطكم على لأنه - حاشاه - أن يسلط من كان متمسكا بالباطل ، على من كان متمسكا
بالحق .
واكتفى هنا بإضافة الرب إلى نفسه ، للإشارة إلى أن لطفه - سبحانه - يشمل هودا وحده
ولا يشملهم ، لأنهم أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى .
ثم ختم هود - عليه السلام - رده على قومه ، بتحذيرهم من سوء عاقبة إصرارهم على
كفرهم فقال: ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ... ﴾ .
أى : فإن تتولوا عن دعوتى ، وتعرضوا عن الحق الذى جئتكم به من عند ربى ، فتكون
عاقبتكم خسرا ، وأمركم فرطا .
أما أنا فقد أديت واجبى ، وأبلغتكم ما أرسلت به إليكم من عند ربى بدون تكاسل أو
تقصير ، وقوله ﴿ ويستخلف ربى قوما غيركم ولا تضرونه شيئا﴾ وعيد لهم بإهلاكهم
وإحلال غيرهم محلهم .
أى : وهو - سبحانه - سيهلككم بسبب إصراركم على كفركم فى الوقت الذى يشاؤه ،
ويستخلف من بعدكم قوما آخرين سواكم، يرثون دياركم وأموالكم، ولن تضروا اللّه شيئا من
الضرر بسبب إصراركم على كفركم ، وإنما أنتم الذين تضرون أنفسكم بتعريضها للدمار فى
الدنيا ، وللعذاب الدائم فى الآخرة .
وقوله : ﴿ إن ربى على كل شىء حفيظ﴾ أى: إن ربى قائم على كل شىء بالحفظ
والرقابة والهيمنة ، وقد اقتضت سنته - سبحانه - أن يحفظ رسله وأولياءه ، وأن يخذل
أعداءه .

٢٢٨
المجلد السابع
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا بأسلوب بليغ حكيم ، جانبا من الحوار الذى
دار بين هود وقومه وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، فماذا كانت نتيجة هذا الحوار والجدال ؟
لقد كانت نتيجته إنجاء هود والذين آمنوا معه ، وإهلاك أعدائهم .
قال - تعالى - ﴿ ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ، ونجيناهم من
عذاب غليظ . وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأتبعوا
فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ، ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ﴾.
والمراد بالأمر فى قوله - سبحانه - ﴿ ولما جاء أمرنا ﴾ الأمر بنزول العذاب بهم.
أى : وحين جاء أمرنا بتحقيق وعيدنا فى قوم هود ، وبتنفيذ ما أردناه من إهلاكهم
وتدميرهم ﴿ نجينا هودا والذين آمنوا معه ﴾ تنجية مصحوبة ﴿برحمة﴾ عظيمة كائنة
﴿ منا﴾ بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.
ونجيناهم ﴾ كذلك ﴿ من عذاب غليظ﴾ أى: من عذاب ضخم شديد مضاعف ترك
هؤلاء الطغاة وراءه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية .
ووصف العذاب بأنه غليظ ، بهذا التصوير المحسوس ، يتناسب كل التناسب مع جو هذه
القصة ، ومع ما عرف عن قوم هود من ضخامة فى الأجسام ، ومن تفاخر بالقوة .
قال - تعالى - ﴿ فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا
قوة ... ﴾(١) .
وكان عذابهم كما جاء فى آيات أخرى بالريح العقيم ، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ وأما
عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية . سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم
فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية .. ﴾.
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ﴿وتلك عاد ... ﴾ يعود إلى القبيلة أو إلى آثارهم
التى خلفوها من بعدهم . أى : وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها هود - عليه السلام - وتلك
هى عاقبتها وكانت الإِشارة للبعيد تحقيرا لهم ، وتهوينا من شأنهم بعد أن انتهوا ، وبعدوا عن
الأنظار والأفكار ، وقد كانوا يقولون : من أشد منا قوة .
وقوله : ﴿ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد .. ﴾ بيان
لجرائمهم التى استحقوا بسببها العذاب الغليظ .
والجحد : الإنكار الشديد للحق الواضح .
(١) سورة فصلت الآية ١٥ .

٢٢٩
سورة هود
وآيات ربهم : الحجج والبراهين التى جاء بها الأنبياء من ربهم للدلالة على صدقهم .
والجبار : هو الشخص المتعالى المتعاظم على الناس ، المترفع عن الاستجابة للحق .
والعنيد : المعاند الطاغى الذى يعرف الحق ولكنه لا يتبعه .
أى : وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها ، كفروا بآيات ربهم الدالة على صدق أنبيائه ،
وعصوا رسله الذين جاءوا لهدايتهم ، واتبع سفلتهم وعوامهم أمر كل رئيس متجبر متكبر معاند
منهم ، بدون تفكر أو تدبر .
وقال - سبحانه - ﴿ وعصوا رسله﴾ مع أنهم قد عصوا رسولا واحدا هو هود - عليه
السلام - ، للإشارة إلى أى معصيتهم لهذا الرسول كأنها معصية للرسل جميعا ، لأنهم قد جاءوا
برسالة واحدة فى جوهرها وهى: عبادة اللّه - تعالى - وحده ، والتقيد بأوامره ونواهيه.
والإشارة أيضا إلى ضخامة جرائمهم ، وإبراز شناعتها حيث عصوا رسلا لا رسولا .
وقد وصفهم - سبحانه - فى هذه الآية بثلاث صفات هى أعظم الصفات فى القبح
والشناعة : أولها : جحودهم الآيات ربهم . وثانيها : عصيانهم لرسله . وثالثها : اتباعهم أمر
رؤسائهم الطغاة .
ثم ختم - سبحانه - قصتهم مع نبيهم فى هذه السورة بقوله : ﴿وأتبعوا فى هذه الدنيا
لعنة ويوم القيامة
والإِنْباع : اقتفاء أثر الشىء بحيث لا يفوته . يقال: أتبع فلان فلاتا إذا اقتفى أثره لكى
يدركه أو يسير على نهجه .
واللعنة : الطرد بإهانة وتحقير .
أى: أنهم هلكوا مشيعين ومتبوعين باللعن والطرد من رحمة الله فى الدنيا والآخرة.
وقوله : ﴿ ألا إن عادا كفروا ربهم ، ألا بعدا لعاد قوم هود ﴾ تسجيل لحقيقة حالهم ،
ودعاء عليهم بدوام الهلاك ، وتأكيد لسخط الله عليهم .
أى : ألا إن قوم عاد كفروا بنعم ربهم عليهم ، ألا سحقا وبعدا لهم عن رحمة الله ، جزاء
جحودهم للحق ، وإصرارهم على الكفر ، واستحبابهم العمى على الهدى .
وتكرير حرف التنبيه ((ألا)) وإعادة لفظ ((عاد)) للمبالغة فى تهويل حالهم والحض على
الاعتبار والاتعاظ بمآلهم .
هذا ، ومن العبر البارزة فى هذه القصة :

٢٣٠
المجلد السابع
١ - أن الداعى إلى الله، عليه أن يذكر المدعوين بما يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم
إليه ، ويرغبهم فى اتباع الحق ، ببيان أن اتباعهم لهذا الحق سيؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم
وأمنهم وسعادتهم .
وأن الانحراف عنه سيؤدى إلى فقرهم وضعفهم وهلاكهم .
انظر إلى قول هود - عليه السلام -: ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، يرسل
السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم ، ولا تتولوا مجرمين ﴾ .
٢ - وأن الداعى إلى الله - تعالى - عندما يخلص لله دعوته، ويعتمد عليه - سبحانه -
فى تبليغ رسالته ، ويغار عليها كما يغار على عرضه أو أشد .
فإنه فى هذه الحالة سيقف فى وجه الطغاة المناوئين للحق ، كالطود الأشم ، دون مبالاة
بتهديدهم ووعيدهم .. لأنه قد آوى إلى ركن شديد .
وهذه العبرة من أبرز العبر فى قصة هود عليه السلام .
ألا تراه وهو رجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا طغاة ، إذا بطشوا بطشوا جبارين ،
يدلون بقوتهم ويقولون فى زهو وغرور : من أشد منا قوة .
ومع كل ذلك عندما يتطاولون على عقيدته ؛ ويراهم قد أصروا على عصيانه .
يواجههم بقوله : ﴿ إنى أشهد الله واشهدوا أنى برىء مما تشركون . من دونه فكيدونى
جميعا ثم لا تنظرون .. ﴾ .
أرأيت كيف واجه هود - عليه السلام - هؤلاء الغلاظ الشداد بالحق الذى يؤمن به دون
مبالاة بوعيدهم أو تهديدهم .. ؟
وهكذا الإِيمان بالحق عندما يختلط بالقلب .. يجعل الإنسان يجهر به دون أن يخشى أحداً إلا
الله - تعالى - .
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم فتحدثت عن
قصة صالح - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى -
﴿ وَإِلَى تَمُودَأَخَاهُمْ صَلِحَأَ قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ مَالَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، هُوَ أَنشَأَ كُمْ مِّنَ الْأَرْضِ
وَأَسْتَعْمَرَّكُمْفِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ
٦١
٠

٢٣١
سورة هود
قَالُوْيَصَلِحُ قَذْكُنْتَ فِيْنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَمِنَّآ أَنْ
نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَآبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكِ مِّمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُسِبٍ ه
٦٢
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَِّ وَءَاتَنِى
مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُبِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَاتَزِيدُونَنِى
غَيْرَ تَخْسِيرٍ (١) وَيَقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً
فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللَّهِ وَلَ تَمَسُوهَا بِسُوءٍ فَأْخُذَّكُمُ
عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴿﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ
ثَلَاثَةَ أَيَّامِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٥) فَلَمَّا جَآءَ
أَمْرُنَا غَيْنَا صَلِحًا وَالَّذِينَءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا
وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَّكَ هُوَ اَلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴾﴾ وَأَخَذَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ خَثِينَ
﴿ كَن ◌َّمْ يَغْتَوْفِهَا أَلَّ إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْرَتَّهُمُّ أَلَبَعْدًا
٦٨
لِّثَمُودَ
هذه قصة صالح - عليه السلام - مع قومه كما ذكرتها هذه السورة ، وقد وردت هذه
القصة فى سور أخرى منها سورة الأعراف ، والشعراء ، والنمل ، والقمر .
وصالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - فهو صالح بن عبيد بن
آسف بن ما سح بن عبيد بن حاذر بن ثمود .. بن نوح .
وثمود : اسم للقبيلة التى منها صالح ، سميت باسم جدها ثمود ،وقيل سميت بذلك لقلة
مائها ، لأن التمد هو الماء القليل .

٠ ٢٣٢
المجلد السابع
وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - وهو مكان يقع بين الحجاز والشام
إلى وادى القرى ، وموقعه الآن - تقريبا - المنطقة التى بين الحجاز وشرق الأردن ، وما زال
المكان الذى كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح حتى اليوم .
وقبيلة صالح من القبائل العربية ، وكانوا خلفاء لقوم هود - عليه السلام فقد قال -
سبحانه -: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى الأرض تتخذون من سهولها
قصورا ، وتنحتون الجبال بيوتا .. ﴾(١).
وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - اليهم صالحاً ليأمرهم بعبادة الله وحده .
وقوله : ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره .. ﴾
معطوف على ما قبله من قصتى نوح وهود - عليهما السلام -
أى : وأرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام فقال لهم تلك
الكلمة التى قالها كل نبى لقومه : يا قوم اعبدوا الله وحده ، فهو الإِله الذى خلقكم ورزقكم ،
وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك .
ثم ذكرهم بقدرة الله - تعالى - وبنعمه عليهم فقال: ﴿ هو أنشأكم من الأرض
واستعمركم فيها ﴾ .
والإنشاء : الإِيجاد والإِحداث للشىء على غير مثال سابق .
واستعمركم من الإعمار ضد الخراب فالسين والتاء للمبالغة . يقال : أعمر فلان فلانا فى
المكان واستعمره ، أى جعله يعمره بأنواع البناء والغرس والزرع .
أى: اعبدوا الله - تعالى - وحده ، لأنه - سبحانه - هو الذى ابتدأ خلقكم من هذه
الأرض ، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها وهو الذى جعلكم المعمرين لها ، والساكنين فيها
تتخذون من سهولها قصوراً ، وتنحتون الجبال بيوتا ... ﴾ .
قال - تعالى - فى شأنهم .. ﴿أتتركون فيما هاهنا آمنين . فى جنات وعيون . وزروع
ونخل طلعها هضيم . وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين. فاتقوا الله وأطيعون .
﴾(٢).
فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد ذكرهم بجانب من مظاهر قدرة الله ومن أفضاله
عليهم ، لكى يستميلهم إلى التفكر والتدبر ، وإلى تصديقه فيما يدعوهم إليه .
والفاء فى قوله ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه ﴾ للتفريع على ما تقدم .
(١ ) سورة الأعراف الآية ٧٤ .
(٢) سورة الشعراء الآيات من ١٤٦ - ١٥٠.

٢٣٣
سورة هود
أى : إذا كان الله - تعالى - هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فعليكم أن
تخلصوا له العبادة ، وأن تطلبوا مغفرته عما سلف منكم من ذنوب .
ثم تتوبوا إليه توبة صادقة : تجعلكم تندمون على ما كان منكم فى الماضى من شرك وكفر ،
وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله - تعالى - فى المستقبل .
ثم فتح أمامهم باب الأمل فى رحمة الله - تعالى - فقال: ﴿ إن ربى قريب مجيب ﴾.
أى : إن ربى قريب الرحمة من المحسنين ، مجيب الدعاء الداعين المخلصين ، فاقبلوا على
عبادته وطاعته ، ولا تقنطوا من رحمة الله .
ثم حكى القرآن ما رد به قوم صالح عليه فقال: ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا
قبل هذا ..
أى : قال قوم صالح له بعد أن دعاهم لما يسعدهم : يا صالح لقد كنت فينا رجلا فاضلا
نرجوك لمهمات الأمور فينا لعلمك وعقلك وصدقك .. قبل أن تقول ما قلته ، أما الآن وبعد أن
جئتنا بهذا الدين الجديد فقد خاب رجاؤنا فيك ، وصرت فى رأينا رجلا مختل التفكير .
فالإِشارة فى قوله ﴿ قبل هذا﴾ إلى الكلام الذى خاطبهم به حين بعثه الله إليهم .
والاستفهام فى قولهم ﴿ أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا﴾ للتعجيب والإِنكار.
أى : أجئتنا بدعوتك الجديدة لتنهانا عن عبادة الآلهة التى كان يعبدها آباؤنا من قبلنا ؟
لا ، إننا لن نستجيب لك ، وإنما نحن قد وجدنا آباءنا على دين وإننا على آثارهم نسير .
ثم ختموا ردهم عليه بقولهم : ﴿وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب﴾.
ومريب : اسم فاعل من أراب . تقول : أربت فلانا فأنا أريبه ، إذا فعلت به فعلا يوجب
لديه الريبة أى : القلق والاضطراب .
أى : لن نترك عبادة الأصنام التى كان يعبدها آباؤنا ، وإننا لفى شك كبير ، وريب عظيم
من صحة ما تدعونا إليه .
فانظر كيف قابل هؤلاء السفهاء الدعوة إلى الحق بالتصميم على الباطل ، ولكن صالحا -
عليه السلام - لم ييأس بل يرد عليهم بأسلوب حكيم فيقول :
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ، وآتانى منه رحمة ، فمن ينصرنى من الله
﴾ .
إن عصيته ، فما تزيدوننى غير تخسير
أى قال صالح - عليه السلام - لقومه : يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة من
ربى ومالك أمرى .

٢٣٤
المجلد السابع
وآتانى منه رحمة﴾ أى: وأعطانى من عنده لا من عند غيره رحمة عظيمة حيث
اختارنى لحمل رسالته . وتبليغ دعوته .
وجملة ﴿ فمن ينصرنى من الله إن عصيته﴾ جواب الشرط وهو قوله ﴿ إن كنت على
بينة ﴾ .
أى : إذا كان الله - تعالى - قد منحنى كل هذه النعم ، وأمرنى بأن أبلغكم دعوته فمن ذا
الذى يجيرنى ويعصمنى من غضبه ، إذا أنا خالفت أمره أو قصرت فى تبليغ دعوته ، احتفاظا
برجائكم فى ، ومسايرة لكم فى باطلكم ؟
لا ، إننى سأستمر فى تبليغ ما أرسلت به إليكم ، ولن يمنعنى عن ذلك ترغيبكم أو
ترهیبکم .
وقوله ﴿ فما تزيدوننى غير تخسير) تصريح منه بأن ما عليه هو الحق الذى لا يقبل
الشك أو الريب ، وأن مخالفته توصل إلى الهلاك والخسران .
والتخسير : مصدر خسر ، يقال خسر فلان فلانا إذا نسبه إلى الخسران . أى : فما تزيدوننى
بطاعتكم ومعصية ربى غير الوقوع فى الخسران ، وغير التعرض لعذاب الله وسخطه
وحاشاى أن أخالف أمر ربى إرضاء لكم .
فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه صالح - عليه السلام - من إيمان عميق
بالله - تعالى - ، ومن ثبات على دعوته ومن حرص على طاعته - سبحانه -
ثم أرشد صالح - عليه السلام - إلى المعجزة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه فقال :
﴿ ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية .. ﴾ أى: معجزة ، واضحة دالة على صدقى وفى إضافة
الناقة إلى الله - تعالى - تعظيم لها وتشريف لحالها ، وتنبيه على أنها ناقة مخصوصة ليست
كغيرها من النوق التى تستعمل فى الركوب والنحر وغيرهما . لأن الله - تعالى - قد جعلها
معجزة لنبيه صالح - عليه السلام - ولم يجعلها كغيرها .
وقد ذكر بعض المفسرين من صفات هذه الناقة وخصائصها . مالا يؤيده نقل صحيح ، لذا
أضربنا عن كل ذلك صفحا ، ونكتفى بأن نقول : بأنها كانت ناقة ذات صفات خاصة مميزة ،
تجعل قوم صالح يعلمون عن طريق هذا التمييز لها عن غيرها أنها معجزة دالة على صدق
نبيهم - عليه السلام - فيما يدعوهم إليه .
وقوله: ﴿ فذروها تأكل فى أرض الله، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب﴾ أمر
لهم بعدم التعرض لها بسوء وتحذير لهم من نتائج مخالفة أمره .

٢٣٥
سورة هود
أى : اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل فى أرض الله الواسعة ؛ ومن رزقه الذى تكفل به لكل
دابة ، واحذروا أن تمسوها بشىء من السوء مهما كان قليلا ، فإنكم لو فعلتم ذلك عرضتم
أنفسكم لعذاب الله العاجل القريب .
والتعبير بقوله ﴿فيأخذكم) بقاء التعقيب ويلفظ الأخذ، يفيد سرعة الأخذ وشدته،
لأن أخذه - سبحانه - أليم شديد .
ولكن قوم صالح - عليه السلام - لم يستمعوا إلى تحذيره ، بل قابلوه بالطغيان
والعصبان ، ﴿ فعقروها﴾ أى: فعقروا الناقة ﴿وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما
.“も
تعدنا إن كنت من المرسلين
والفاء معطوفة على محذوف : أى فخالفوا ما نهاهم عنه نبيهم فعقروها أى نحروها وأصل
العقر : قطع عرقوب البعير ، ثم استعمل فى النحر لأن ناحر البعير يعقله ثم ينحره فقال لهم
صالح - عليه السلام - بعد عقرها ﴿ تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ﴾ .
والتمتع : الانتفاع بالمتاع ، وهو اسم لما يحتاج إليه الإِنسان فى هذه الحياة من مأكل
ومشرب وغيرهما .
والمراد بدارهم : أماكن سكناهم التى يعيشون فيها .
أى : قال لهم نبيهم بعد نحرهم للناقة : عيشوا فى بلدكم هذا ، متمتعين بما فيه من نعم لمدة
ثلاثة أيام : فقط ، فهى آخر ما بقى لكم من متاع هذه الدنيا ، ومن أيام حياتكم .
ذلك ﴾ الوعد بنزول العذاب بكم بعد هذه المدة القصيرة .
وعد غير مكذوب ﴾ فيه لأنه صادر من الله - تعالى - الذى لا يخلف وعده .
وعبر عن قرب نزول العذاب بهم بالوعد على سبيل التهكم بهم .
قال الجمل: ((ومكذوب)) يجوز أن يكون مصدرًا على وزن مفعول، وقد جاء منه ألفاظ
نحو : المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ، ويجوز أن يكون اسم مفعول على بابه وفيه
تأويلان : أحدهما : غير مكذوب فيه ، ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعًا مستترًا فى
الصفة ومثله : يوم مشهود . والثانى : أنه جعل هو نفسه غير مكذوب ، لأنه قد وفى به ، وإذا
وفى به فقد صدق )) (٣) .
ولقد تحقق ما توعدهم به نبيهم ، فقد حل بهم العذاب فى الوقت الذى حدده لهم ، قال
(١) سورة الأعراف الآية ٧٧ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٠٨.
1

٢٣٦
المجلد السابع
- تعالى - ﴿ فلما جاء أمرنا﴾ أى: فلما جاء أمرنا بإنزال العذاب بهم فى الوقت المحدد .
نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ﴾ أى برحمة عظيمة كائنة منا.
ونجيناهم أيضًا ﴿ من خزى يومئذ﴾ أى: من خزى وذل ذلك اليوم الهائل الشديد الذى
نزل فيه العذاب بالظالمين من قوم صالح - عليه السلام - فأبادهم .
فالتنوين فى قوله ﴿ يومئذ ﴾ عوض عن المضاف إليه المحذوف.
وقوله - سبحانه - ﴿إن ربك هو القوى العزيز ﴾ تسلية للرسول - وضي - وللمؤمنين
عما أصابهم من أذى .
أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو القوى الذى لا يعجزه شىء ، العزيز الذى
لا يهون من يتولاه ويرعاه ، فلا تبتئس عما أصابك من قومك ، فربك قادر على أن يفعل
بهم ، ما فعله بالظالمين السابقين من أمثالهم .
ثم صور القرآن الكريم حال هؤلاء الظالمين تصويرا يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ فقال :
وأخذ الذين ظلموا الصيحة ، فأصبحوا فى ديارهم جائمين . كأن لم يغنوا فيها ، ألا إن
ثمود كفروا ربهم ألا بعدًا لتمود ﴾ .
والصيحة: الصوت المرتفع الشديد . يقال: صاح فلان إذا رفع صوته بقوة . وأصل ذلك
تشقيق الصوت ، من قولهم : انصاح الخشب والثوب ، إذا انشق فسمع له صوت .
و﴿ جاثمين﴾: من الجثوم وهو للناس وللطير بمنزلة البروك للإِبل. يقال: جثم الطائر
يجثم جثما وجثوما فهو جاثم .. إذا وقع على صدره ، ولزم مكانه فلم يبرحه .
ويغنوا فيها : أى يقيموا فيها . يقال : غنى فلان بالمكان يغنى إذا أقام به وعاش فيه فى
نعمة ورغد .
أى : وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح - عليه السلام - عن طريق الصيحة الشديدة
التى صيحت بهم بأمر الله - تعالى - ﴿فأصبحوا﴾ بسببها ﴿فى ديارهم جائمين﴾ أى:
هلكى صرعى ، ساقطين على وجوههم ، بدون حركة ...
كأن لم يغنوا فيها ﴾ أى: كأن هؤلاء القوم الظالمين لم يقيموا فى ديارهم عمرا طويلاً
وهم فى رخاء من عيشهم .
ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لتمود ﴾ أى: ألا إن هؤلاء الظالمين من قبيلة ثمود،
كفروا نعمة ربهم وجحودها ؛ ألا بعدًا وسحقًا وهلاكًا لهؤلاء المجرمين من قبيلة ثمود .
وفى تكرار حرف التنبيه ﴿ألا﴾ وتكرار لفظ ﴿ثمود) تأكيد لطردهم من رحمة الله،

٢٣٧
سورة هود
وتسجيل لما ارتكبوه من منكرات .
وبذلك انطوت صفحة أولئك الظالمين من قوم صالح - عليه السلام - كما انطوت من
قبلهم صحائف قوم نوح وهود - عليهما السلام - .
ومن أبرز العبر والعظات التى نأخذها من قصة صالح مع قومه كما وردت فى هذه السورة
الكريمة : أن النفوس إذا انطمست ، والعقول إذا انتكست ، تعجب مما لا عجب فيه ؛
وتستنكر ما هو حق وصدق ، وتسىء ظنها بالشخص الذى كان بالأمس القريب موضع رجائها
وثقتها ، لأنه أتاهم بما لم يألفوه ... حتى ولو كان ما أتاهم به فيه سعادتهم وهدايتهم ...
فصالح - عليه السلام - كان مرجوا فى قومه قبل أن يكون نبيًّا ، فلما صار نبيًّا وبلغهم
ما أرسله الله به ، خاب أملهم فيه ، وساء ظنهم به ، وجاهروه بالعداوة والعصيان ... مع أنه
أتاهم بما يسعدهم ...
وصدق الله إذ يقول: ﴿سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق، وإن
يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغى
يتخذوه سبيلاً، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين﴾(١).
هذا، وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول - رز - قد مر على ديار ثمود وهو فى
طريقه إلى غزوة تبوك .
ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن ابن عمر قال: لما مر رسول الله - دليل -
بالحجر قال : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين ،
فلا تدخلوا عليهم ، لئلا يصيبكم ما أصابهم . ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادى .
ثم ساقت السورة الكريمة جانبًا من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة ، الذين
جاءوه بالبشارة ، فقال - تعالى - :
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِنَزَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ
سَلَمَّا قَالَ سَلَنٌْ فَمَالَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ) فَمَّا
ج
رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
(١ ) سورة الأعراف ، الآية ١٤٦ .
.٠

٢٣٨
المجلد السابع
قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ، وَأَمْرَأَتْهُ قَابِمَةٌ
فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءٍ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (١١)
قَالَتْ يَوَتِلَتَىْءَأَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِ شَيْخًا إِنَّ هَذَا
لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْأَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَثُ اللَّهِ
وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ فَجِيدٌ ﴿ فَلَمَّاذَهَبَ
عَنْ إِنَزَهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتَهُ الْبُشْرَى يُحَدٍ لَنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ (٦)
إِنَّ إِبْرَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَّةٌ مُنِيبٌ (١٦) وَإَِهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَّا إِنَّهُ
قَدْجَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُودٍ!
هذه قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق ،
وبإخباره بإهلاك قوم لوط - عليه السلام - .
وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى منها سورة الحجر فى قوله - تعالى - : ﴿ ونبئهم
عن ضيف إبراهيم. إذا دخلوا عليه فقالوا سلامًا، قال إنا منكم وجلون ... ﴾(١).
ومنها سورة الذاريات فى قوله - تعالى - ﴿ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين . إذ
دخلوا عليه فقالوا سلامًا، قال سلام قوم منكرون ... ﴾(٢).
والمراد بالرسل فى قوله - سبحانه - ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ﴾ جماعة
من الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - لتبشير إبراهيم بابنه إسحاق .
وقد اختلفت الروايات فى عددهم فعن ابن عباس أنهم ثلاثة وهم : جبريل وميكائيل
وإسرافيل . وعن الضحاك أنهم كانوا تسعة ، وعن السدى أنهم كانوا أحد عشر ملكًا ..
والحق أنه لم يرد فى عددهم نقل صحيح يعتمد عليه، فلنفوض معرفة عددهم إلى الله
- تعالى - .
( ١) الآيات من ٥١ إلى ٦٠ .
(٢) الآيات من ٢٤ إلى ٣٧ .

٢٣٩
سورة هود
والبشرى : اسم للتبشير والبشارة وهى الخبر السار ، فهى أخص من الخبر ، وسميت
بذلك لأن آثارها تظهر على بشرة الوجه أى : جلده .
وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التأكيد للاهتمام بمضمونها ، وللرد على مشركى قريش
وغيرهم ممن كان ينكر هذه القصة وأمثالها .
والباء فى قوله - سبحانه - ﴿ بالبشرى﴾ للمصاحبة والملابسة، أى: جاءوه مصاحبين
وملتبسين بالبشرى .
وقوله: ﴿ قالوا سلاما قال سلام ﴾ حكاية لتحيتهم له ولرده عليهم.
· وسلاما﴾ منصوب بفعل محذوف . أى قالوا نسلم عليك سلاما.
وسلام﴾ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . أى قال أمرى سلام.
وقرأ حمزة والكسائى : قال سلم وهو اسم للمسالمة .
ثم بين - سبحانه - ما فعل إبراهيم مع هؤلاء الرسل من مظاهر الحفاوة والتكريم فقال :
فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ﴾.
و((ما)» فى قوله ﴿فما لبث) نافية، والفاء للتعقيب، واللبث فى المكان معناه: عدم
الانتقال عنه . والعجل : الصغير من البقر .
والحنيذ : السمين المشوى على الحجارة المحماة فى حفرة من الأرض . يقال : حنذ الشاة
يحنذها حنذًا أى : شواها بهذه الطريقة .
أى : فما أبطأ وما تأخر إبراهيم - عليه السلام - عن إكرامهم ، بل بمجرد أن انتهى من
رد التحية عليهم ، أسرع إلى أهله فجاءهم بعجل حنيذ ...
وهذا الفعل منه - عليه السلام - يدل على سعة جوده ، وعظيم سخائه ، فإن من آداب
الضيافة ، تعجيل القرى للضيف ..
قال أبو حيان: والأقرب فى إعراب ﴿ فما لبث أن جاء ... ﴾ أن تكون ﴿ ما) نافية،
ولبث معناه تأخر وأبطأ و﴿ أن جاء﴾ فاعل لبث والتقدير ؛ فما تأخر مجيئه ...
ويجوز أن يكون فاعل لبث ضمير إبراهيم ، وأن جاء على إسقاط حرف الجر ، أى
فما تأخر فى أن جاء بعجل حنيذ ... )) (١).
ثم بين - سبحانه - حال إبراهيم عندما رأى ضيوفه لا يأكلون من طعامه فقال: ﴿ فلما
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٥ ص ٢٤١ طبعة دار الفكر ببيروت.

٢٤٠
المجلد السابع
رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ...
ومعنى ﴿ نكرهم﴾: نفر منهم، وكره تصرفهم . نقول : فلان نكر حال فلان - كعلم -
وأنكره نكرًا ونكورًا ... إذا وجده على غير ما يعهده فيه ، ويتوقعه منه .
﴿ وأوجس ﴾ من الوجس وهو الصوت الخفى، والمراد به هنا: الإِحساس الخفى بالخوف
والفزع الذى يقع فى النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها .
أى : فلما رأى إبراهيم - عليه السلام - ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذى قدمه لهم ،
نفر منهم ، وأحس فى نفسه من جهتهم خوفًا ورعبًا ؛ لأن امتناع الضيف عن الأكل من طعام
مضيفه - بدون سبب مقنع - يشعر بأن هذا الضيف ينوى شرًا به ... والتقاليد فى كثير من
البلاد إلى الآن تؤيد ذلك .
ولذا قالت الملائكة لإبراهيم عندما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف : ﴿ لا تخف إنا
أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ .
أى : لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر، وإنما نحن رسل من الله - تعالى -
أرسلنا إلى قوم لوط لإِهلاكهم .
وقد جاء فى بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم ، ففى سورة الحجر قال - تعالى - :
ونبئهم عن ضيف إبراهيم . إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ، قال إنا منكم وجلون . قالوا
لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم .. ﴾ .
ثم حكى - سبحانه - ما حدث بعد ذلك فقال: ﴿وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها
بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب
والمراد بامرأته - كما يقول القرطبى - ((سارة بنت هاران بن ناحور ، ابن شاروع ، بن
أرغو ، ابن فالغ، وهى بنت عم إبراهيم))(١).
وقيامها كان لأجل قضاء مصالحها ، أو لأجل خدمة الضيوف ... أو لغير ذلك من الأمور
التى تحتاجها المرأة فى بيتها .
والمراد بالضحك هنا حقيقته . أى: فضحكت سرورًا وابتهاجًا بسبب زوال الخوف عن
إبراهيم ، أو بسبب علمها بأن الضيوف قد أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط ، أو بهما معا ...
قال الشوكانى : والضحك هنا هو الضحك المعروف الذى يكون للتعجب والسرور كما قاله
الجمهور .
(١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٧٠ .