Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة هود وقوله ﴿ إماما ورحمة﴾ منصوبان على الحالية من قوله ﴿ كتاب﴾. والمعنى ومن قبل هذا الشاهد على صدق الرسول - عليه - وهو القرآن الكريم أنزل الله - تعالى - على موسى كتابه التواره مشتملا على صفات الرسول - صل19 - و ﴿ إماما﴾ يؤتم به فى أمور الدين والدنيا ورحمة لبنى اسرائيل من العذاب إذا ما آمنوا به واتبعوا تعاليمه . قال الشوكانى : وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه متأخرا فى الوجود لكونه - أى الشاهد بمعنى المعجز - وصفا لازما غير مفارق فكان أغرق فى الوصفية من كتاب موسى . وهى شهادة كتاب موسى وهو التوراة أنه بشر بمحمد - وليه - وأخبر بأنه رسول من الله - تعالى -(١) . واسم الإِشاره فى قوله ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ يعود الى الموصوفين بأنهم على بينة من ربهم وهم النبى - ◌َليه - وأتباعه المؤمنون الصادقون. أى : أولئك الموصوفون بأنهم على بينة من ربهم يؤمنون بأن الاسلام هو الدين الحق وبأن رسول الله - * - رسول صدق وبأن القرآن من عند الله - تعالى - وحده . فالضمير فى قوله ﴿ به ﴾ يعود على كل ما جاء به الرسول - 3 - من عند ربه ويدخل فى ذلك دخولا أوليا القرآن الكريم . وقوله : ﴿ ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده ﴾ بيان لسوء عاقبة الكافرين بما جاء به الرسول - * - بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين به . والأحزاب جمع حزب وهم الذين تحزبوا وتجمعوا من أهل مكة وغيرهم لمحاربة الرسول - وَّ - ودعوته . أى: ومن يكفر بهذا القرآن وبما جاء به الرسول - 18 - من هدايات فإن نار جهنم هى المكان الذى ينتظره وينتظر كل متحزب ضد دعوته - والي - . وفى جعل النار موعدا لهذا الكافر بالقرآن إشعار بأن فيها مالا يحيط به الوصف من ألوان العذاب الذى يجعله لا يموت فيها ولا يحيا . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالحض على النظر الصحيح الذى يؤدى إلى اليقين بأن ما جاء به الرسول - 3 - هو الحق الذى لا يشو به باطل فقال - تعالى -: ﴿فلاتك فى مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ . (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٤٨٨ . ١٨٢ المجلد السابع أى: فلا تك - أيها العاقل - فى شك من أن هذا القرآن من عند الله ومن أن ما جاء به الرسول -* - هو الصدق ، بل عليك أن تعتقد اعتقادا جازما فى صحة ذلك ، لأن ما جاء به - * - هو الحق الثابت من عند ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك لا نطاس بصائرهم ، ولتقليدهم لآبائهم ، ولإِيثارهم الغى على الرشد . وبذلك نرى الآية الكريمة قد ميزت بين من كان على الحق ومن كان على الباطل وساقت حشودا من الأدلة الدالة على صدق الرسول - * - فى دعوته ، وعلى صحة ما عليه أتباعه ، وأمرتهم بالثبات على الحق الذى آمنوا به ، وتوعدت المتحزبين ضد دعوة الإِسلام بنار جهنم التى هى بئس القرار . هذا ، وهذه الآية الكريمة هى من الآيات التى قيل بأنها مدنية ، وبمراجعتنا لتفسيرها لم نجد ما يؤيد ذلك ، بل الذى نراه أن السورة كلها مكية كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فى المقدمة . ثم وصف - سبحانه - الكافرين بالإِسلام ببضعة عشر وصفا . وبين سوء مصيرهم كما بين حسن عاقبة المؤمنين وضرب مثلا لحال الفريقين فقال - تعالى - : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ ◌َلَا لَغَنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَهَاِوَ جَا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْكَفِرُونَ (٦) أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءٌ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوّا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ )الَاجَرَمَ أَنَهُمْ فِ اْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ١٨٣ سورة هود الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُواْإِلَى رَبِهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ مَثَلُ اَلْفَرِقَيْنِ كَاَلْأَعْمَى هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ (٢٣ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعُ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَّكَُّونَ ٢٤ قال الإِمام الرازى : اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة فمنها شدة حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم فى تحصيلها ، وقد أبطل الله - تعالى - هذه الطريقة بقوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ... ) إلى آخر الآية. ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول -* - ويقدحون فى معجزاته وقد أبطل الله - تعالى - ذلك بقوله ﴿أفمن كان على بينة من ربه ... ومنها أنهم كانوا يزعمون فى الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله، وقد أبطل الله - تعالى - ذلك بهذه الآيات وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله ... )) (١). وجمله ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا .... ) معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده والاستفهام للإِنكار والنفى ، والتقدير: لا أحد أشد ظلما ممن تعمد الكذب على الله - تعالى - بأن زعم بأن الأصنام تشفع لعابديها عنده ، أو زعم بأن الملائكة بنات اللّه ، أو أن هذا القرآن ليس من عنده - سبحانه - . وقوله : ﴿ أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) بيان لما يقال لهؤلاء الظالمين على سبيل التشهير والتوبيخ يوم القيامة والأشهاد : جمع شهيد كشريف وأشراف . أو جمع شاهد بمعنى حاضر كصاحب وأصحاب والمراد بهم - على الراجح - جميع أهل الموقف من الملائكة الذين كانوا يسجلون عليهم أقوالهم وأعمالهم ، ومن الأنبياء والمؤمنين . والمعنى : أولئك الموصوفون بافتراء الكذب على الله - تعالى - يعرضون يوم الحساب ، على ربهم ومالك أمرهم، كما يعرض المجرم للقصاص منه ، ولفضيحته أمام الناس . ﴿ ويقول الأشهاد﴾ الذين يشهدون عليهم بأنهم قد افتروا الكذب على الله ﴿ هؤلاء﴾ المجرمون هم ﴿ الذين كذبوا على ربهم ﴾ بأن نسبوا إليه ما هو منزه عنه . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٢٠٣ طبعة عبد الرحمن محمد . ١٨٤ المجلد السابع ، الذين وضعوا الأمور فى غير مواضعها ، فأوردوا أنفسهم ألا لعنة الله على الظالمين المهالك )». ... وجىء باسم الإِشارة ﴿هؤلاء﴾ زيادة فى التشنيع عليهم، وفى تميزهم عن غيرهم وصدرت جملة ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين) بأداة الاستفتاح ﴿ألا ﴾ لتأكيد الدعاء عليهم بالطرد والإبعاد عن رحمة الله - تعالى - بسبب افترائهم الكذب . والظاهر أن هذه الجملة من كلام الأشهاد ويؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان عن صفوان بن محرز قال : كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال : كيف سمعت رسول الله - * - يقول فى النجوى يوم القيامة؟ قال سمعت رسول الله - صل * - يقول: ((إن الله - عز وجل - يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه - أى ستره وعفوه - ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى فى نفسه أنه قد هلك قال : فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ﴾(١) . ويجوز أن تكون هذه الجملة من كلام الله - تعالى - على سبيل الاستئناف بعد أن قال الأشهاد ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴾ . ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من أفعالهم الشنيعة فقال: ﴿ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ... ﴾ و ﴿ يصدون﴾ من صد بمعنى صرف الغير عن الشىء ومنعه منه . يقال صد يصد صدودا وصدا . و ﴿ سبيل اللّه﴾ طريقه الموصلة إلى رضائه. والمراد بها ملة الإسلام. ويبغونها عوجا ﴾ أى يطلبون لها العوج، يقال: بغيت لفلان كذا إذا طلبته له. والعوج - بكسر العين - الميل والزيغ فى الدين والقول والعمل . وكل ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج . والعوج - بفتح العين - يكون فى المحسوسات كالميل فى الحائط والرمح وما يشبههما . أى أن مكسور العين يكون فى المعانى ومفتوحها يكون فى المحس . والمعنى : ألا لعنة الله وخزيه على الظالمين الذين من صفاتهم أنهم لا يكتفون بانصرافهم (١) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص ٢٤٧ طبعة دار الشعب . ١٨٥ سورة هود عن الحق بل يحاولون صرف غيرهم عنه ويطلبون لملة الإِسلام العوج ويصفونها بذلك تنفيرا للناس منها ، وقوله عوجا مفعول ثان ليبغون ، أو حال من سبيل الله. وقوله ﴿ وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ بيان لعقيدتهم الباطلة فى شأن البعث والحساب. أى : وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون . وكرر الضمير ﴿ هم﴾ لتأكيد كفرهم وللإشارة إلى أنهم بلغوا فيه مبلغا لم يبلغه أحد سواهم حتى لكأن كفر غيرهم يسير بالنسبة لكفرهم . ثم بين - سبحانه - أنه كان قادرا على تعذيبهم فى الدنيا قبل الآخرة ولكنه أخر عذابهم إملاء لهم فقال: ﴿ أولئك لم يكونوا معجزين فى الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾. يضاعف لهم العذاب ... وقوله : معجزين من الإعجاز بمعنى عدم المقدرة على الشىء . أى: أولئك الذين افتروا على الله الكذب لم يكن - سبحانه - عاجزا عن إنزال العذاب الشديد بهم فى الدنيا . وما كان لهم من غيره من نصراء ينصرونهم من بأسه لو أراد إهلاكهم . قال الإمام الرازى : قال الواحدى : معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد ، يقال أعجزنى فلان أى : منعنى عن مرادى ... والمقصود أن قوله ﴿ أولئك لم يكونوا معجزين فى الأرض﴾ دل على أنه لا قدرة لهم على الفرار . وقوله : ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ دل على أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من عذابه . فجمع - سبحانه - بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم ، ووضح بذلك انقطاع حيلهم فى الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة))(١) . وقوله : ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ جملة مستأنفة لبيان أن من حكمة تأخير العذاب عنهم فى الدنيا مضاعفة العذاب لهم فى الآخرة . وقوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ﴾ تصوير بليغ لاستحواذ الشيطان عليهم . أى أن هؤلاء المجرمين بلغ بهم الجهل والعناد والجحود أنهم ما كانوا يستطيعون السماع للحق الذى جاءهم من ربهم لثقله على نفوسهم الفاسدة ، وما كانوا يبصرون المعجزات الدالة على صدق نبيهم - + - . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٢٠٦. ١٨٦٢٠ المجلد السابع فليس المراد نفى السماع والإِبصار الحسيين عنهم وإنما المراد أنهم لا نطماس بصائرهم صاروا كمن لا يسمع ولا يرى . ثم أكد - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون أى : أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، هم الذين خسروا أنفسهم وأوردوها المهالك بسبب تعمدهم الكذب على الله، ﴿وضل عنهم﴾ أى: وغاب عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من اعتقادات باطلة وادعاءات فاسدة . وقوله ﴿ لا جرم أنهم فى الآخرة هم الأخسرون ﴾ زيادة فى تأكيد خسرانهم. وكلمة ﴿ لا جرم﴾ وردت فى القرآن الكريم فى خمسة مواضع. وفى كل موضع جاءت متلوة بأن واسمها . وجمهور النحاة على أن هذه الكلمة مركبة من (( لا)) و((جرم)) تركيب خمسة عشر ومعناها بعد هذا التركيب معنى الفعل : حق أو ثبت ، والجملة بعدها هى الفاعل لهذا الفعل . أى : وثبت كونهم فى الآخرة هم الأخسرون . ومن النحاة من يرى أن ((لا)) نافية للجنس و((جرم)» اسمها وما بعدها خبرها . والمعنى . لا محالة ولاشك فى أنهم فى الآخرة هم الأخسرون . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين بعد بيان سوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى -: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون قال الجمل : والإِخبات فى اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب . ولفظ الإِخبات يتعدى بإلى وباللام . فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه . وإذا قلت أخبت له فمعناه: خشع وخضع له . فقوله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إشارة الى جميع أعمال الجوارح . وقوله: ﴿وأخبتوا إلى ربهم﴾ إشارة إلى أعمال القلوب وهى الخشوع والخضوع لله - تعالى -))(١) . والمعنى : إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا وعملوا الأعمال الصالحات التى ترضيه - سبحانه - واطمأنوا إلى قضاء ربهم وخشعوا له أولئك الموصوفون بذلك هم أصحاب الجنة وهم الخالدون فيها خلودا أبديا وهم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٨٩. ١٠٠ 1 ١٨٧ سورة هود ثم ضرب - سبحانه - مثلا لفريق الكافرين ولفريق المؤمنين فقال : ﴿مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هلى يستويان مثلا أفلا تذكرون ﴾ . وقوله : ﴿ مثل الفريقين ... ﴾ أى: حالهم وصفتهم. وأصل المثل بمعنى المثل . والمثل : النظير والشبيه ثم أطلق على القول السائر المعروف لماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده - أى الذى ورد فيه أولا . ولا يكون إلا فيما فيه غرابة . ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة . وإنما تضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفى ، وتقريب المعقول من المحسوس وعرض الغائب فى صورة الشاهد . فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب وأثبت فى النفوس . والمعنى : حال الفريقين المذكورين قبل ذلك وهما الكافرون والمؤمنون كحال الضدين المختلفين كل الاختلاف . أما الكافرون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين العمى والصمم . لأنهم مع كونهم يرون ويسمعون لكنهم لم ينتفعوا بذلك فصاروا كالفاقد لهما . وأما المؤمنون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين البصر السليم والسمع الواعى لأنهم انتفعوا بما رأوا من دلائل تدل على وحدانية الله وقدرته وبما سمعوا من توجيهات تدل على صحة تعاليم الإِسلام . والمقصود من هذا التمثيل . تنبيه الكافرين إلى ما هم عليه من ضلال وجهالة لعلهم بهذا التنبيه يتداركون أمرهم ، فيدخلون فى دين الإسلام وتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من حق ، وبذلك يزدادون إيمانا على إيمانهم . والاستفهام فى قوله ﴿هل يستويان مثلا﴾ للإنكار والنفى، أى: هل يستوى فى الصفة والحال من كان ذا سمع وبصر بمن فقدهما؟ كلا إنهما لا يستويان حتى عند أقل العقلاء عقلا وقوله: ﴿ أفلا تذكرون﴾ حض على التذكر والتدبر والتفكر. أى : أتشكون فى عدم استواء الفريقين ؟ لا إن الشك فى عدم استوائهما لا يليق بعاقل وإنما اللائق به هو اعتقاد تباين صفتيهما والدخول فى صفوف المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحات وأخبتوا إلى ربهم . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت حال الكافرين وذكرت من أوصافهم أربعة ١٨٨ المجلد السابع عشر وصفا أولها : افتراء الكذب ... وآخرها : الخسران فى الآخرة . كما بينت حال المؤمنين وبشرتهم بالخلود فى الجنة : ثم ضربت مثلا لكل فريق وشبهت حاله بما يناسبه من صفات .. وفى ذلك ما فيه من الهداية إلى الطريق المستقيم ، لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهید . وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله ووحدانيته وعن إعجاز القرآن الكريم وعن حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين ساقت السورة الكريمة بترتيب حكيم قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم وقد استغرق هذا القصص معظم الآيات الباقية فيها فقد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه وعن قصة هود مع قومه ، وعن قصة صالح مع قومه ، وعن قصة لوط مع قومه ، وعن قصة شعيب مع قومه ، كما تحدثت عن قصة إبراهيم مع رسل الله الذين جاءوه بالبشرى ، وعن جانب من قصة موسى مع فرعون . قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة ، أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد : أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم النبى - ليزر - ، بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة فى جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت. فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم وعنادهم يفيد تسلية النبى - الف - وتخفيف ذلك على قلبه . وثانيها : أنه - تعالى - يحكى فى هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن فى الدنيا والخسارة فى الآخرة . وعاقبة أمر المحقين الى الدولة فى الدنيا والسعادة فى الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ، ويكسر قلوب المبطلين. وثالثها : التنبيه على أنه - تعالى - وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ، ولكنه لا يهملهم ، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه . ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة النبى - * - لأنه كان أميا ، وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ ، فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفه بالوحى من الله - تعالى -(١). وقد بدأت السورة الكريمة قصصها بقصة نوح مع قومه ، وقد وردت هذه القصة فى سور متعددة منها سورة الأعراف ، وسورة المؤمنون ، وسورة نوح ... إلا أنها وردت هنا بصورة أكثر تفصيلا من غيرها . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٢٤٠ . ١٨٩ سورة هود وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ٢٥ أَنْلَا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّه ◌ِى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ؟ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَانَرَتِكَ إِلََّ بَشَرًا ٢٦ مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأَيِ وَمَانَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَّ نَظُنُّكُمْ كَذِيِنَ ( : ٢٧ وقوله : ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ... ﴾ جواب لقسم محذوف. أى والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه . والدليل على هذا القسم وجود لامه فى بدء الجملة . وافتتحت القصة بصيغة القسم لأن المخاطبين بها لما لم يحذروا ما نزل بقوم نوح بسبب كفرهم نزلوا منزلة المنكر لرسالته . وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاثة وأربعين موضعا . وقوم الرجل : هم أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة . وكان قوم نوح يعبدون الأصنام : فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد . قال ابن كثير : قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا . فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم . فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالخين : ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده) (١) . وقوله : ﴿ إنى لكم نذير مبين ، أن لا تعبدوا إلا الله ... ) بيان للوظيفة التى من أجلها أرسل الله - تعالى - نوحا إلى قومه . قال الشوكانى: قرأ ابن كثيرر وأبو عمرو والكسائى بفتح الهمزة فى ﴿إنى﴾ على تقدير. (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢٢٢ . ء ١٩٠ المجلد السابع حرف الجر أى : أرسلناه بأنى. أى : أرسلناه متلبسا بذلك الكلام وهو أنى لكم نذير مبين . وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول. أى: أرسلناه قائلا لهم ﴿ إنى لكم نذير مبين﴾(١). (١) ونذير من الإِنذار وهو إخبار معه تخويف .. ومبين : من الإِبانة بمعنى التوضيح والإظهار .. أى : أرسلناه إلى قومه فقال لهم يا قوم : إنى لكم محذر تحذيرا واضحا من موجبات العذاب التى تتمثل فى عبادتكم لغير الله - تعالى - . واقتصر على الإِنذار لأنهم لم يعملوا بما بشرهم به وهو الفوز برضا الله - تعالى - إذا ما أخلصوا له العبادة والطاعة . وجملة ﴿ أن لا تعبدوا إلا اللّه ﴾ بدل من قوله ﴿إنى لكم نذير مبين﴾ أى أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله . وقوله : ﴿ إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) جملة تعليلية، تبين حرص نوح الشديد على مصلحة قومه ومنفعتهم . أى إنى أحذركم من عبادة غير الله، لأن هذه العبادة ستؤدى بكم الى وقوع العذاب الأليم عليكم ، وما حملنى على هذا التحذير الواضح إلا خوفى عليكم ، وشفقتى بكم ، فأنا منكم وأنتم منى بمقتضى القرابة والنسب . ووصف اليوم بالأليم على سبيل المجاز العقلى ، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم ، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية والنهاية فى ذلك ، جعل الوقت الذى تقع فيه وقتا أليما أى مؤلما . ثم حكى - سبحانه - مارد به قوم نوح عليه فقال : ﴿ فقال الملأ الذين كفرا من قومه ، ما نراك إلا بشرا مثلنا ، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى ، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين والمراد بالملأ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح . وهذا اللفظ اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط وهو - كما يقول الآلوسى - : مأخوذ من قولهم فلان ملىء بكذا : إذا كان قادرا عليه ... أو لأنهم متمالئون أى متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملأون القلوب والعيون ... ووصفهم بالكفر ، لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة فى ذمهم . (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٤٩٣ . ١٩١ سورة هود أى: بعد هذا النصح الحكيم الذى وجهه نوح - عليه السلام - لقومه ، رد عليه أغنياؤهم وسادتهم بقولهم ﴿ ما نراك﴾ يا نوح إلا بشرا مثلنا، أى: إلا إنسانا مثلنا، ليست فيك مزية تجعلك مختصا بالنبوة دوننا ... فهم - لجهلهم وغبائهم - توهموا أن النبوة لاتجامع البشرية ، مع أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل إليهم ، حتى تتم فائدة التفاهم معه ، والاقتداء به فى أخلاقه وسلوكه . وقد حكى القرآن قولهم هذا فى أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم فى الحياة الدنيا ، ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ، ويشرب بما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا الخاسرون ... ﴾(١). ثم إنهم فى التعليل لعدم اتباع نبيهم لم يكتفوا بقولهم ما نراك إلا بشر مثلنا : بل أضافوا إلى ذلك قولهم: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى﴾ ومرادهم بقولهم: أراذلنا ﴾ أى فقراؤنا ومن لا وزن لهم فينا. قال الجمل: ولفظ ﴿ أراذلنا﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه جمع الجمع فهو جمع أرذل - بضم الذال - جمع رذل - بسكونها - نحو كلب وأكلب وأكالب ... ثانيهما : انه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر .. والأرذل هو المرغوب عنه لرداءته))(٢). ومرادهم بقولهم: ﴿ بادى الرأى﴾ أى: أوله من البدء. يقال: بدأ يبدأ إذا فعل الشىء أولا وعليه تكون الياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها ويؤيده قراءة أبي عمرو «بادئ الرأى » . أى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أقلنا شأنا وأحقرنا حالا من غير أن يتثبتوا من حقيقة أمرك ، ولو تثبتوا وتفكروا ما اتبعوك ويصح أن يكون مرادهم بقولهم ﴿ بادى الرأى﴾ أى اتبعوك ظاهرا لا باطنا، ويكون لفظ ﴿بادى﴾ من البدو بمعنى الظهور. يقال: بدا الشىء يبدو بدواً وبُدوءًا وبداء أى ظهر وعليه يكون المعنى: وما نراك اتبعك يانوح إلا الذين هم أهوننا أمرا ، ومع ذلك فإن اتباعهم لك إنما هو فى ظاهر أمرهم ، أما بواطنهم فهى تدين بعقيدتنا . (١) سورة المؤمنون الآية ٣٣، ٣٤. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٩١. ١٩٢ المجلد السابع (١) وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - ﴿ قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال صاحب الكشاف : وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم فى الأسباب الدنيوية لأنهم أى الملأ من قوم نوح - كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين بالإِسلام ، يعتقدون ذلك ، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زال عنهم أن التقدم فى الدنيا - مع ترك الآخرة - لا يقرب أحدا من اللّه وإنما يبعده ، ولا يرفعه بل يضعه ، فضلا عن أن يجعله سببا فى الاختيار للنبوة والتأهيل لها ... ))(٢). ثم أضافوا إلى مزاعمهم السابقة زعما جديدا فقالوا: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل بل ﴾ . نظنكم كاذبين والفضل : الزيادة فى الشرف والغنى وغيرهما مما يتميز به الانسان عن غيره . والمراد هنا : آثاره التى تدل عليه . أى : أنت يا نوح لست إلا بشرا مثلنا ، وأتباعك هم أحقرنا شأنا، وما نرى لك ولمتبعيك شيئا من الزيادة علينا لا فى العقل ولا فى غيره ، بل إننا لنعتقد أنكم كاذبون فى دعواكم أنكم على الحق ، لأن الحق فى نظرنا هو فى عبادة هذه الاصنام التى عبدها من قبلنا آباؤنا . وهكذا نرى أن الملأ من قوم نوح - عليه السلام - قد عللوا كفرهم بما جاءهم به بثلاث علل ، أولها : أنه بشر مثلهم وثانيها : أن أتباعه من فقرائهم وثالثها : أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم .. وهى كلها علل باطلة ، تدل على جهلهم ، وانطاس بصيرتهم ، ويدل على ذلك ، رد نوح - عليه السلام - الذى حكاه القرآن فى قوله - تعالى - : قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمُ إِن كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَانَنِى رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْلْ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَرِهُونَ (@) وَيَقَّوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لَا إِنْ أَخْرِىَ إِلَّ عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَتَأْبِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ مُلَقُواْرَبِهِمْ وَلَكِنِّي أَرَنَّكُمْ : (١) سورة الشعراء الآية ١١١. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٦٥. ١٩٣ سورة هود قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُفِي مِنَ اللَّهِ إِن طَدْتْهُمْ ٢٩ أَفَلَنَذَ كَّرُونَ ◌َ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَّابِنُ اللَّهِ وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّ مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنْفُسِهِمَّ إِنِّى إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ٣١ . قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ...... أى: قال نوح - عليه السلام - فى رده على الملأ الذين كفروا من قومه: ﴿يا قوم} أى : يا أهلى وعشيرتى الذين يسرنى ما يسرهم ويؤلمنى ما يؤلمهم . أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ﴾ أى: اخبرونى إن كنت على بصيرة من أمرى ، وحجة واضحة من ربى ، بها يتبين الحق من الباطل . وآتانى رحمة من عنده ﴾ أى : ومنحنى بفضله وإحسانه النبوة التى هى طريق الرحمة لمن آمن بها، واتبع من اختاره الله لها . فالمراد بالرحمة هنا النبوة ﴿فعميت عليكم﴾ أى: فأخفيت عليكم هذه الرحمة ، وغاب عنكم الانتفاع بهداياتها ، لأنكم ممن استحب العمى على الهدى . يقال : عُمِّى على فلان الأمر : أى أخفى عليه حتى صار بالنسبة اليه كالأعمى قال صاحب المنار : قرأ الجمهور فعميت - بالتخفيف - كخفيت وزنا ومعنى. قال - تعالى - ﴿ فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون وقرأ حمزة والكسائى وحفص بالتشديد والبناء للمفعول ﴿ فعميت ﴾ أى: فحجبها عنكم جهلكم وغرورکم .. والتعبير بعميت مخففة ومشددة أبلغ من التعبير بخفيت وأخفيت ، لأنه مأخوذ من العمى المقتضى لأشد أنواع الخفاء (١) .. والاستفهام فى قوله: ﴿أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ للإنكار والنفى. أى : إذا كانت الهداية إلى الخير التى جئتكم بها قد خفيت عليكم مع وضوحها وجلائها ، (١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٦٤. ١٩٤ المجلد السابع فهل استطيع أنا وأتباعى أن نجبركم إجبارا ، ونقسركم قسرا على الإِيمان بى ، وعلى التصديق بنبوتى ، والحال أنكم كارهون لها نافرون منها . كلا إننا لا نستطيع ذلك لأن الإيمان الصادق يكون عن اقتناع واختيار لا عن إكراه وإجبار . قال صاحب الظلال ما ملخصه : واللفظ فى القرآن قد يرسم بجرسه صورة كاملة للتناسق الفنى بين الألفاظ ، ومن أمثلة ذلك قوله - تعالى - فى قصة نوح مع قومه أنلزمكموها ... ﴾ فأنت تحس أن كلمة انلزمكموها تصور جو الإكراه ، بإدماج كل هذه الضمائر فى النطق ، وشد بعضها إلى بعض كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ، ويشدون إليه وهم نافرون ، وهكذا يبدو لون من التناسق فى التعبير أعلى من البلاغة الظاهرية ، وأرفع من الفصاحة اللفظية (١). ثم وجه نوح - عليه السلام - نداء ثانيا إلى قومه زيادة فى التلطف معهم ، وطمعا فى إثارة وجدانهم نحو الحق فقال: ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا أى : لا أطلب منكم شيئا من المال فى مقابل تبليغ ما أمرنى ربى بتبليغه إليكم : لأن طلبى هذا قد يجعلكم تتوهمون أنى محب للمال .. إن أجرى إلا على الله ﴾ - تعالى وحده ، فهو الذى يثيبنى على دعوتى إلى عبادتكم له ، وفى هذه الجملة إشارة إلى أنه لا يسأل الله - تعالى - مالا، وإنما يسأله ثوابا ، إذ ثواب الله يسمى أجرا، لأنه جزاء على العمل الصالح . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الشعراء: ﴿ وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين﴾ وجملة ﴿وما أنا بطارد الذين آمنوا) معطوفة على جملة ﴿لا أسألكم عليه مالا ﴾ لأن مضمونها كالنتيجة لمضمون المعطوف عليها، إذ أن زهده فى مالهم يقتضى تمسكه بأتباعه المؤمنين . الطرد : الأمر بالبعد عن مكان الحضور تحقيرا أو زجرا . أى: وما أنا بطارد الذين آمنوا بدعوتى ، سواء أكانوا من الفقراء أم من الأغنياء ، لأن من استغنى عن مال الناس وعطائهم لا يقيسهم بمقياس الغنى والجاه والقوة ... وإنما يقيسهم بمقياس الإِيمان والتقوى . قال الآلوسى : والمروى عن ابن جريح أنهم قالوا له : يانوح إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء الأراذل - وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم فى الأمر سواء . (١) تفسير فى ظلال القرآن جـ ١٢ ص ٥٤٢ . ١٩٥ سورة هود وذلك كما قال زعماء قريش للنبى -* - فى شأن فقراء الصحابة : اطرد هؤلاء عن مجلسك ونحن نتبعك فإنا نستحى أن نجلس معهم فى مجلسك ... ))(١). وجملة ﴿ إنهم ملاقو ربهم﴾ تعليل لنفى طردهم. أى: لن أطردهم عن مجلسى أبدا، لأنهم قد آمنوا بى، ولأن مصيرهم إلى الله - تعالى - ، فيحاسبهم على سرهم وعلنهم ، أما أنا فأكتفى منهم بظواهرهم التى تدل على صدق إيمانهم ، وشدة إخلاصهم . وجاءت هذه الجملة بصيغة التأكيد ، لأن الملأ الذين كفروا من قومه كانوا ينكرون البعث والحساب . وقوله: ﴿ولكنى أراكم قوما تجهلون﴾ استدراك مؤكد لمضمون ما قبله . أى : لن الطردهم ، لأن ذلك ليس من حقى بعد أن آمنوا ، وبعد أن تكفل الله بمحاسبتهم، ولكنى مع هذا البيان المنطقى الواضح ، أراكم قوما تجهلون القيم الحقيقية التى يقدر بها الناس عند اللّه ، وتجهلون أن مرد الناس جميعا إليه وحده - سبحانه - ليحاسبهم على أعمالهم ، وتتطاولون على المؤمنين تطاولا يدل على طغيانكم وسفاهتكم . وحذف مفعول ﴿ تجهلون﴾ للعلم به، وللإشارة إلى شدة جهلهم. أى : تجهلون كل ما ينبغى ألا يجهله عاقل . ثم وجه إليهم نداء ثالثا لعلهم يفيئون إلى رشدهم فقال: ﴿ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم ، أفلا تذکرون أى : افترضوا يا قوم أنى طردت هؤلاء المؤمنين الفقراء من مجلسى ، فمن ذا الذى يحمينى ويجيرنى من عذاب الله ، لأنه - سبحانه - ميزانه فى تقييم الناس ليس كميزانكم ، إن أكرم الناس عنده هو أتقاهم وليس أغناهم ، وهؤلاء المؤمنون الفقراء هم أكرم عنده - سبحانه - منكم ، فكيف أطردهم ؟ والاستفهام فى قوله : ﴿ أفلا تذكرون﴾ لتوبيخهم وزجرهم. والجملة معطوفة على مقدر . أى : أتصرون على جهلكم ؛ فلا تتذكرون أن لهم ربا ينصرهم إن طردتهم ؟ إنكم إن بقيتم على هذا الإصرار سيكون أمركم فرطا ، وستتعرضون للعذاب الأليم الذى يهلككم . ثم أخذ نوح - عليه السلام - فى تفنيد شبهاتهم ، وفى دحض مفترياتهم ، وفى تعريفهم (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٣٥ . ١٩٦ المجلد السابع بحقيقة أمره فقال: ﴿ ولا أقول لكم عندى خزائن اللّه ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك .. ﴾ . والخزائن : جمع خزانة - بكسر الخاء - وهو المكان الذى يخزن فيه المال أو الطعام أو غيرهما خشية الضياع ، والمراد منها هنا : أنواع رزقه - سبحانه - التى يحتاج إليها عباده ، وأضيفت إليه - سبحانه - لاختصاصه بها . وملكيته لها . أى: إنى لا أقول لكم إن النبوة التى وهبنى الله إياها ، تجعلنى أملك خزائن أرزاقه - سبحانه - فأصير بذلك من الأثرياء ، وأعطى من أشاء بغير حساب .... كلا . إنى لا أملك شيئا من ذلك ، وإنما أنا عبد الله ورسوله ، أرسلنى لأخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان . وهذه الجملة الكريمة رد على قولهم السابق ؛ ﴿وما نرى لكم علينا من فضل﴾. وأيضا لا أقول لكم إنى أعلم الغيوب التى اختص الله بعلمها ، فأدعى قدرة ليست للبشر ، أو أزعم أن لى صلة بالله - تعالى - غير صلة النبوة - أو أدعى الحكم على قلوب الناس وعلى منزلتهم عند الله، كما ادعيتم أنتم فقلتم ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى ... ﴾ . وأيضاً فإنى لا أقول لكم إنى ملك ، بل أنا بشر مثلكم آكل مما تأكلون منه ، وأشرب مما تشربون منه ، إلا أن الله - تعالى - اختصنى من بينكم بالنبوة ، والبشرية مقتض للنبوة وليست مانعا منها - كما تزعمون - حيث قلتم ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾. ولم يكتف نوح - عليه السلام - بهذا الرد المبطل لدعاواهم الفاسدة ، بل أضاف إلى ذلك - كما حكى القرآن عنه - ﴿ ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤنبهم الله خيرا، الله أعلم بما أنفسهم ، إنى إذا لمن الظالمين وقوله: ﴿تزدرى﴾ من الازدراء بمعنى التحقير والانتقاص، يقال: ازدرى فلان فلانا إذا احتقره وعابه . أى : أنا لا أقول لكم بأنى أملك خزائن اللّه، أو بأنى أعلم الغيب ، أو بأنى ملك من الملائكة ، ولا أقول لكم - أيضا - فى شأن الذين تنظرون إليهم نظر احتقار واستصغار : إنهم - كما تزعمون - ﴿ لن یؤتیهم الله خیرا ﴾ يسعدهم فی دینهم ودنياهم وآخرتهم ، بل أقول لكم إنه - سبحانه - سيؤتيهم ذلك - إذا شاء - لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما فى نفوسهم من خير أو شر - أما أنا فلا علم لى إلا بظواهرهم التى تدل على إيمانهم وإخلاصهم ؛ إنى إذَا لمن الظالمين ) لنفسى ولغيرى إذا ادعيت أية دعوى من هذه الدعاوى. و ١٩٧ سورة هود قال البيضاوى ما ملخصه ، وأسند - سبحانه - الازدراء إلى الأعين فى قوله ﴿ تزدرى أعينكم ﴾ للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادى الرؤية - أى بمجرد نظرهم إليهم - من غير روية بسبب ما عاينوه من رثائة حالهم وقلة منالهم، دون تأمل فى معانيهم وكمالاتهم))(١) وهذا الإِ سناد من باب المجاز العقلى ، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة ((فى نظر الناظر)) فتكون الأعين سببا فى هذا الازدراء. وأكد جملة ﴿ إنى إذا لمن الظالمين﴾ بعدة مؤكدات ، تحقيقا لظلم كل من يدعى شيئا من هذه الدعاوى ، وتكذيبا لأولئك الكافرين الذين احتقروا المؤمنين ، وزعموا أن الله - تعالى - لن يؤتيهم خيرا . وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم حقيقة أمره ، ويرد على شبهاتهم بما يزهقها ... وعندما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على نبيهم بأسلوب مقارعة الحجة بالحجة ، لجأوا - على عادة طبقتهم - إلى أسلوب التحدى وقد أخذتهم العزة بالإِثم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم : قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَ لْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَ لَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ، قَالَ إِنَّمَا يَأْنِيكُمْ بِهِ اللّهُإِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ () وَلَا يَفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَرَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أى : قال قوم نوح - عليه السلام - له بعد أن غلبهم بحجته ، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم : ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ... ﴾ أى : خاصمتنا ونازعتنا فأكثرت فى ذلك حتى لم تترك لنا منفذا للرد عليك ، والجدال : هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة . وأصله - كما يقول الآلوسى - من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله ، ومنه الجديل - أى الحبل المفتول - ، وجدلت البناء : أحكمته ، والأجدل : (١ ) تفسير البيضاوى ص ٤٦٧ . ١٩٨ المجلد السابع الصقر المحكم البنية ، والمجدل - كمنبر القصر المحكم البناء .... وسميت المنازعة فى الرأى جدالا ، لأن كل واحد من المتجادلين كأنما ، يفتل الآخر عن رأيه - أى بصرفه عنه - ... وقيل : الأصل فى الجدال الصراع ، وإسقاط الإِنسان صاحبه على الجدالة - بفتح الجيم - أى : الأرض الصلبة))(١) . ثم أضافوا إلى هذا العجز عن مجابهة الحجة سفاهة فى القول فقالوا : ﴿ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين أى : لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها ، فأتنا بالعذاب الذى تتوعدنا به ، إن كنت من الصادقين فى دعواك النبوة ، وفى وعيدك لنا بعقاب الله ، فإننا مصرون على عبادة آلهتنا ، وكارهون لما تدعونا إليه . وهذا شأن الجاهل المعاند ، إنه يشهر السيف إذا أعجزته الحجة ، ويعلن التحدى إذا يئس عن مواجهة الحق ... ولكن نوحا - عليه السلام - لم يخرجه هذا التحدى عن سمته الكريم ، ولم يقعده عناد قومه عن مداومة النصح لهم ، وإرشادهم إلى الحقيقة التى ضلوا عنها ، فقد رد عليهم بقوله إنما يأتيكم به الله - إن شاء - وما أنتم بمعجزين أى : إنما يأتيكم بهذا العذاب الذى تستعجلونه الله - تعالى - وحده، إن شاء ذلك ، لأنه هو الذى يملكه ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أى: وما أنتم بمستطيعين الهروب من عذابه متى اقتضت مشيئته - سبحانه - إنزاله لكم ، لأنه - تعالى - لا يعجزه شىء . ثم أضاف إلى هذا الاعتراف بقدرة الله - تعالى - اعترافا آخر بشمول إرادته فقال : ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم ﴾ . والنصح معناه : تحرى الصلاح والخير للمنصوح مع إخلاص النية من شوائب الرياء . يقال : نصحته ونصحت له ... أى : أرشدته إلى ما فيه صلاحه . ويقال : رجل ناصح الجيب إذا كان نقى القلب طاهر السريرة . والناصح الخالص من كل شىء . أى : إنى قد دعوتكم إلى طاعة الله ليلا ونهارا ، ولم أقصر معكم فى النصيحة ومع ذلك فإن (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٤١ . ١٩٩ سورة هود نصحى الدائم لن يفيدكم شيئا ، مادامت قلوبكم فى عمى عنه ، وأسماعكم فى صمم منه ، ونفوسكم على غير استعداد له . وجواب الشرط فى قوله ﴿ إن أردت أن أنصح لكم ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه . وقوله ﴿ إن كان اللّه يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون): زيادة تأكيد منه - عليه السلام - لعموم قدرة الله وإرادته . أى: إن كان الله - تعالى - يريد أن يضلكم عن طريق الحق ، ويصرفكم عن الدخول فيه ، بسبب إصراركم على الجحود والعناد ، فعل ذلك ، لأنه هو ربكم ومالك أمركم ، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة ، ليجازيكم الجزاء الذى تستحقونه . وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - قد سلك فى دعوته إلى الله ، أحكم السبل ، واستعمل أبلغ الأساليب ، وصبر على سفاهة قومه صبرا جميلا . وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه ، تنتقل السورة الكريمة انتقالا سريعا بقارئها إلى الحديث عن مشركى مكة ، الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله ، ووقفوا من نبيهم - موقفا يشبه موقف قوم نوح منه - عليه السلام - فترد عليهم بقوله - تعالى - : أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنَةٌ قُلْ إِنِ اُفْتَرِيَّتُهُ، فَعَلَّ إِجْرَامِى وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِمَا تُحْرِمُونَ ٣٥ وأم هنا منقطعة بمعنى بل التى للإضراب ، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر . والافتراء : الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله . والإِجرام : اكتساب الجرم وهو الشىء القبيح الذى يستحق فاعله العقاب . يقال : أجرم فلان وجرم واجترم ، بمعنى اقترف الذنب الموجب للعقوبة والمفسرين فى معنى هذه الآ ية اتجاهان : الاتجاه الأول يرى أصحابه : أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح مع قومه ، وأنها فى شأن مشركى مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند اقه . وعليه يكون المعنى . لقد سقنا لك يا محمد من أخبار السابقين ما هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل ، ولكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك ، بل يقولون إنك قد افتريت هذا ٢٠٠ المجلد السابع القرآن، قل لهم : إن كنت قد افتريته - على سبيل الفرض - فعلى وحدى تقع عقوبة إجرامى وافترائى الكذب ، وأنا برىء من عقوبة إجرامكم وافترائكم الكذب . أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ليست معترضة ، وإنما هى من قصة نوح عليه السلام - وعليه يكون المعنى : بل أيقول قوم نوح إن نوحا - عليه السلام - قد افترى واختلق ما جاء به من عند نفسه ثم نسبه إلى الله - تعالى - قل لهم إن كنت قد افتريته فعلى سوء عاقبة إجرامى وكذبى ، وأنا برىء مما تقترفونه من منكرات ، وما تكتسبونه من ذنوب . ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح ، لأن التعبير عن أفكارهم بيقولون ، وعن الرد عليهم بقل ، الدالين على الحال والاستقبال ، يقوى أن الآية الكريمة فى شأن مشركى مكة . وقد اقتصر الإِمام ابن جرير على الاتجاه الأول ، ولم يذكر شيئا عن الاتجاه الثانى مما يدل على ترجيحه للاتجاه الأول فقال ما ملخصه : يقول - تعالى - ذكره : أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك : افترى محمد هذا القرآن وهذا الخبر عن نوح ، قل لهم : إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلى إثمى فى افترائى ما اقتريت على ربى دونكم .. وأنا برىء مما تذنبون وتأثمون فى حقى وحق ربكم ... ))(١). وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم نوح له ، ومن تطاولهم عليه ، ومن تحديهم لدعوته ، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب حكيم ، جعلهم يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك ؟ ٠٠٠ لقد تابعت السورة الكريمة حديثها عن هذه القصة ، فبينت بعد ذلك قضاء الله العادل فى هؤلاء الظالمين ، حيث حكت لنا ما أوحاه الله إلى نوح - عليه السلام - فى شأنهم ، وما أمره بصنعه ... فقال - تعالى - : وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْءَامَنَ وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ٣٦ فَلَا نَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْإِنَّهُمْ مُغْرَفُونَ ٣٧ (١٠) تفسير ابن جرير جـ ١٢ ص ٢٠.