Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة التوبة ١ - أن التكاليف الإِسلامية تقوم على اليسر ورفع الحرج، ومن مظاهر ذلك : أن الجهاد . وهو ذروة سنام الإسلام ، قد أعفى الله - تعالى - منه الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون وسائله ومتطلباته . قال الإِمام القرطبى (١): قوله تعالى: ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى .. ﴾ هذه الآية أصل فى سقوط التكليف عن العاجز ، فكل من عجز عن شىء مسقط عنه ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال . ونظير هذه الآية قوله . تعالى - : ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (٢)) وقوله: ﴿ ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج(٣) ﴾. ٢ - أنه متى وجدت النية الصادقة فى فعل الخير . حصل الثواب وإن لم يكن هناك عمل ، بدليل أن المؤمنين الذين لم يخرجوا للجهاد لعذر شرعى، بشرهم النبى وليه بأنهم مشاركون لمن خرج فى الأجر . قال الإمام ابن كثير: فى الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله - وَ ال* قال. ((إن بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً ، ولا سرتم سيراً إلا وهم معكم قالوا : وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر)). وروى الإمام أحمد عن جابر قال: قال رسول الله وله: ((لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم وادياً، ولا سلكتم طريقاً ، إلا شاركوكم فى الأجر ، حبسهم المرض (٤))). ٣ - أن الصحابة - رضى الله عنهم - ضربوا أروع الأمثال فى الحرص على الجهاد والاستشهاد وأن أعذارهم الشرعية لم تمنع بعضهم من المشاركة فى القتال ... فهذا عبد الله بن أم مكتوم وكان يخرج إلى غزوة أحد ويطلب أن يحمل اللواء . وهذا عمرو ابن الجموح- وكان أعرج - يخرج فى مقدمة الجيوش فيقول له الرسول - صل *: ((إن الله قد عذرك)) فيقول: ((والله لأحفرن بعرجتى هذه الجنة)) - أى لأتركن آثار أقدامى فيها . ومن كان يؤتى به وهو يمشى بين الرجلين معتمدا عليهما من شدة ضعفه)) ومع ذلك يقف فى صفوف المجاهدين . وبهذه القلوب السليمة ، والعزائم القوية والنفوس النقية التى خالط الإِيمان شغافها .. (١) تفسير القرطبى - بتصرف يسير جـ ٨ ص ٢٢٦ . (٢) سورة البقرة الآية ٢٨٦ . (٣) سورة الفتح الآية ١٧ . (٤) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٢٦ . ٣٨٢ المجلد السادس ارتفعت كلمة الحق ، وعزت كلمة الإِسلام . وبعد أن بين - سبحانه - أحكام أصحاب الأعذار المقبولة ، أتبع ذلك ببيان أحكام الأعذار الكاذبة ، والصفات القبيحة ، فقال تعالى . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَشْذِ نُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْبِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٣ يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْقُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبََّنَ اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِ كُمْ وَسَيَّرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ سَيَحْلِفُونَ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (@) ◌ِلَهِلَكُمْإِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْإِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَّضَوْ اْ عَنْهُمِّ فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ فهذه الآيات الكريمة بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين قعدوا فى المدينة بدون عذر ، بعد أن يرجع الرسول ﴿ إليهم والمؤمنون من تبوك . والمعنى : إذا كان الضعفاء والمرضى ومن فى حكمهم ، لا إثم ولا عقوبة عليهم بسبب تخلفهم عن الجهاد، فإن ((السبيل)) أى الإِثم والعقوبة ((على الذين يستأذونك)) فى التخلف ((وهم أغنياء)) أى يملكون كل وسائل الجهاد من مال وقوة وعدة . وقوله : ﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ استئناف تعليلى مسبوق لمزيد مذمتهم. ٠ - ٣٨٣ سورة التوبة أى : استأذنوك فى القعود مع غناهم وقدرتهم على القتال ، لأنهم لخلو قلوبهم من الإِيمان ، ولسقوط همتهم وجبنهم ، رضوا لأنفسهم أن يقبعوا فى المدينة مع الخالف من النساء والصبيان والعجزة . وقوله : ﴿ وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون﴾ بيان لسوء مصيرهم. أى : وبسبب هذا الإصرار على النفاق ، والتمادى فى الفسوق والعصيان ، ختم الله - تعالى - على قلوبهم ، فصارت لا تعلم ما يترتب على ذلك من مصائب دينية ودنيوية وأخروية . وقوله : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾، إخبار عما سيقولونه للمؤمنين عند لقائهم بهم . أى : أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد مع قدرتهم عليه ، سيعتذرون إليكم - أيها المؤمنون - إذا رجعتم إليهم من تبوك ، بأن يقولوا لكم مثلا: إن قعودنا فى المدينة وعدم خروجنا معكم كانت له مبرراته القوية . فلا تؤاخذونا . وهذه الجملة الكريمة من الأنباء التى أنبأ الله بها نبيه - وليه - عن أحوال المنافقين وعما سيقولونه له وللمؤمنين بعد عودتهم إليهم ، وهذا يدل على أن هذه الآيات نزلت فى أثناء العودة ، وقبل وصول الرسول وأصحابه إلى المدينة من تبوك . وقوله : ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا اللّه من أخباركم﴾، إبطال المعاذيرهم، وتلقين من اللّه - تعالى - لرسوله بالرد الذى يخرس ألسنتهم. أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - عندما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ، قل لهم : دعوكم من هذه المعاذير الكاذبة، ولا تتفوهوا بها أمامنا، فإننا ((لن نؤمن لكم)) ولن نصدق أقوالكم ، فإن الله ، تعالى. قد كشف لنا عن حقيقتكم ووضح لنا أحوالكم ، وبين لنا ما أنتم عليه من نفاق وفسوق وعصيان ، وما دام الأمر كذلك ، فوفروا على أنفسكم هذه المعاذير الكاذبة . وقال ، سبحانه. ﴿ قد نبأنا اللّه من أخباركم) ولم يقل قد نبأنى، للاشعار بأن الله - تعالى - قد أمر رسوله. وَله. أن يبلغ المؤمنين بأحوال هؤلاء المنافقين حتى يكونوا على بينة من أمرهم . وقوله : ﴿وسيرى الله عملكم ورسوله﴾ تهديد لهم على نفاقهم وكذبهم. أى: دعوا عنكم هذه الأعذار الباطلة ، فإن الله - تعالى - مطلع على أحوالكم ، وسيعلم سركم وجهركم علما يترتب عليه الجزاء العادل لكم ، ويبلغ رسوله - وَل جر - بأخباركم ، هذا ٣٨٤ المجلد السادس فى الدنيا، أما فى الآخرة، فأنتم ((ستردون)) يوم القيامة ((إلى عالم الغيب والشهادة)) الذى لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا في السماء («فينبئكم بما كنتم تعملون)» أى: فيخبركم بما كنتم تعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب . ثم أخبر - سبحانه - رسوله - * - بأن هؤلاء المنافقين ، سيؤكدون أعذارهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة فقال : ﴿ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ... ﴾. ٠٠٠٠ .. أى : أنهم سيحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - إذا مارجعتم إليهم من تبوك وذلك لكى تعرضوا عنهم فلا توبخوهم على قعودهم ، ولا تعنفوهم على تخلفهم . وقوله ﴿ فأعرضوا عنهم إنهم رجس﴾ تعليل لوجوب الإعراض عنهم ، لا على سبيل الصفح والعفو ، بل على سبيل الإهمال والترك والاحتقار . أى: فأعرضوا - أيها المؤمنون - عن هؤلاء المنافقين المتخلفين، لأنهم ((رجس)). أى : قذر ونجس لسوء نواياهم ، وخبث طواياهم . وقد جعلهم - سبحانه - نفس الرجس ، مبالغة فى نجاسة أعمالهم ، وقبح بواطنهم . وقوله: ﴿ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة . أى : أنهم فى الدنيا محل الاحتقار والازدراء لنجاسة بواطنهم ، أما فى الآخرة فمستقرهم وموطنهم جهنم بسبب ما اكتسبوه من أعمال قبيحة ، وما اجترحوه من أفعال سيئة . وقوله : ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾ بدل مما قبله. ولم يذكر - سبحانه - المحلوف به لظهوره أى : يحلفون بالله لترضوا عنهم ، ولتصفحوا عن سيئاتهم ... وقوله : ﴿ فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) بيان لحكم الله - تعالى - فيهم ، حتى يكون المؤمنون على حذر منهم . أى : إن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد يحلفون باللّه لكم بأنهم ما تخلفوا إلا لعذر ، لكى تصفحوا عنهم ، أيها المؤمنون ، فإن صفحتم عنهم على سبيل الفرض فإن الله - تعالى - لا يصفح ولا يرضى عن القوم الذين فسقوا عن أمره ، وخرجوا عن طاعته . وقال الآلوسى، (( والمراد من الآية الكريمة ، نهى المخاطبين عن الرضا عنهم ، وعن الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله - تعالى- مما لا يكاد يصدر عن المؤمنين ، والآية نزلت على ما روى عن ابن عباس فى جد بن قيس ، ٣٨٥ سورة التوبة ومعتب بن قشير، وأصحابها من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلا، أمر النبى - ◌َليه - المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة؛ ألا يجالسوهم ولا يكلموهم فامتثلوا)» (١). وقال - سبحانه - ﴿ فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ ولم يقل فإن الله لا يرضى عنهم ، لتسجيل الفسق عليهم ، وللإِيذان بشمول هذا الحكم لكل من كان مثلهم فى الفسوق وفى الخروج عن طاعة الله ، تعالى. وجواب الشرط فى قوله: ﴿ فإن ترضوا عنهم﴾ محذوف ، والتقدير: فإن ترضوا عنهم على سبيل الفرض ، فإن رضاكم عنهم لن ينفعهم ، لأن الله تعالى . لا يرضى عن القوم الذين خرجوا عن طاعته . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت جانباً آخر من الأحوال القبيحة للمنافقين ، وردت على معاذيرهم الكاذبة ، وأيمانهم الفاجرة بما يفضحهم ويخزيهم ، وتوعدتهم بسوء العاقبة فى الدنيا والآخرة . ثم بعد الحديث الطويل عن النفاق والمنافقين ، أخذت السورة الكريمة . فى الحديث عن طوائف أخرى منها الصالح ، ومنها غير الصالح ، وقد بدأت بالحديث عن الأعراب سكان البادية ، فقال - تعالى - : اُلْأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ ◌َلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اَللّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاَللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) وَمِنَ اُلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَصُ بِكُ الَّوَآبِرَ ج عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾﴾ وَمِنَ اُلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُّ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ ◌َهُمَّ سَيُدْ خِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَيِّةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ ٩٩ (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٤ . ٣٨٦ المجلد السادس قال صاحب المنار: قوله ، سبحانه : ﴿ الأعراب أشد كفراً ونفاقاً﴾. بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين ، لأنه مما يسأل عنه بعد ما تقدم فى منافقى الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى . والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده : أعرابى ، والأنثى أعرابية ، والجمع أعاريب ، والعرب : اسم جنس لهذا الجيل الذى ينطق بهذه اللغة ، بدوه وحضره ، واحده : عربى .. )) (١) . والمراد بالأعراب هنا: جنسهم لا كل واحد منهم ، بدليل أن اللّه . تعالى . قد ذم من يستحق الذم منهم ، ومدح من يستحق المدح منهم ، فالآية الكريمة من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده . وقد بدأ ، سبحانه ، بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم ، إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين تحدثت السورة عنهم قبل ذلك مباشرة حديثاً مستفيضاً ، وبهذا الترتيب الحكيم تكون السورة الكريمة قد واصلت الحديث عن منافقى الحضر والبدو . والمعنى: ((الأعراب)) سكان البادية ((أشد كفراً ونفاقا)) من الكفار والمنافقين الذين يسكنون الحضر والقرى . وذلك ، لأن ظروف حياتهم البدوية ، وما يصاحبها من عزلة وكروفر فى الصحراء ، وخشونة فى الحياة ... كل ذلك جعلهم أقسى قلوباً، وأجفى قولا ، وأغلظ طبعا ، وأبعد عن سماع ما يهدى نفوسهم إلى الخير من غيرهم سكان المدن . وقوله: ﴿ وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ معطوف على ما قبله لتعديد صفاتهم الذميمة . قال القرطبى: قوله: ((وأجدر)) عطف على ((أشد)) ومعناه : أخلق ، وأحق ، يقال : فلان جدير بكذا ، أى : خليق به . وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون ، وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء فقوله: هو أجدر بكذا ، أى : أقرب إليه وأحق به(٢). والمعنى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر الكفار والمنافقين ، وهم كذلك أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ، بسبب ابتعادهم عن مجالس رسول اللّه. وَلقوله. وعدم مشاهدتهم لما ينزل عليه. وَّر.من شرائع وآداب وأحكام. (١ ) تفسير المنار جـ ١١ ص ٨. ( ٢) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٢٣٣. 1 ٣٨٧ سورة التوبة وقوله: ﴿والله عليم حكيم) أى: ((عليم)) بأحوال عباده الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شىء من صفاتهم وطباعهم ((وحكيم)) فى صنعه بهم ، وفى حكمه عليهم ، وفيما يشرعه لهم من أحكام ، وفيما يجازبهم به من ثواب أو عقاب . هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعددة لجفاء الأعراب وجهلهم ، ومن ذلك قول الإِمام ابن كثير : قال الأعمش عن ابراهيم قال : جلس أعرابى إلى زيد بن صومان ، وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم ((نهاوند)) فقال الأعرابى: والله إن حديثك ليعجبنى وإن يدك لتريبنى !! فقال زيد : وما يريبك من يدى ؟ إنها الشمال !! فقال الأعرابى: والله ما أدرى اليمين يقطعون أو الشمال !! فقال زيد : صدق الله إذ يقول: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله .. ﴾ . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن رسول الله - 18 - قال: ((من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن )). وروى الإمام مسلم عن عائشة قال: قدم ناس من الاعراب على رسول الله - وليه - فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال - رَليزر - نعم. فقالوا: لكنا واللّه ما نقبل !! فقال - 45 * - ((وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة))(١). ثم بين - سبحانه - حال فريق آخر من منافقى الاعراب فقال: ﴿ ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ﴾ . أى : ومن الاعراب قوم آخرون يعتبرون ما ينفقونه فى سبيل الله غرامة وخسارة عليهم لأنهم لا ينفقون ما ينفقونه طمعا فى ثواب، أو خوفا من عقاب وإنما ينفقونه تقية ورياء ومداراة للمسلمين ، لا مساعدة للغزاة والمجاهدين، ولا حبا فى انتصار المؤمنين . قال الجمل: وقوله: ((من يتخذ ما ينفق مغرما)) ((من)) مبتدأ، وهى موصولة أو موصوفة، و((مغرما)). مفعول ثان، لأن ((اتخذ)) هنا بمعنى صير، والمفعول الأول قوله: ((ما ينفق)) . والمغرم : الخسران ، مشتق من الغرم وهو الهلاك لأنه سببه ، وقيل أصله الملازمة ، ومنه الغريم للزومه من يطالبه))(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٨٣ بتصرف وتلخيص. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢١١ . ٣٨٨ المجلد السادس وقوله : ﴿ويتربص بكم الدوائر﴾ معطوف على ما قبله، والتربص: الانتظار والترقب والدوائر : جمع دائرة . وهو ما يحيط بالإنسان من مصائب ونكبات ، كما تحيط الدائرة بالشىء الذى بداخلها . أى : أنهم بجانب اعتبارهم ما ينفقونه غرامة وخسارة ، ينتظرون بكم - أيها المؤمنون - صروف الدهر ونوائبه التى تبدل حالكم من الخير إلى الشر ومن النصر الى الهزيمة ، ومن الصحة الى المرض والأسقام ، ومن الأمان والاطمئنان إلى القلق والاضطراب .. وقوله : ﴿ عليهم دائرة السوء) جملة معترضة، جىء بها للدعاء عليهم. أى : عليهم لا عليكم - أيها المؤمنون - تدور دائرة السوء، التى يتبدل بها حالهم إلى الهلاك والفساد . والسوء - بفتح السين - مصدر ساءه يسوءه سوءا، إذا فعل به ما يكره ، والسوء - بالضم - اسم منه . وقيل المفتوح بمعنى الذم ، والمضموم بمعنى العذاب والضرر . وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة ، كما فى قولهم : رجل صدق . وفى هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين ، لأنه - سبحانه - جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم ، وتدور بهم فلا تدع لهم مهربا أو منجاة من عذابها وضررها . وقوله : ﴿ والله سميع عليم ﴾ تذييل قصد به تهديدهم وتحذيرهم بما ارتكسوا فيه من نفاق وكفر وشقاق . واللّه تعالى - ((سميع)) لكل ما يتفوهون به من أقوال، (( عليم )» بكل ما يظهرونه وما يبطنونه من أحوال ، وسيحاسبهم على ما صدر منهم حسابا عسيرا يوم القيامة : وينزل بهم العقاب الذى يناسب جرائمهم .. وبعد أن ذكر - سبحانه - حال هؤلاء الأعراب المنافقين ، أتبعه ببيان حال المؤمنين ﴾. الصادقين منهم فقال: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر أى: ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا ، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب . وقوله: ﴿ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول﴾ مدح لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم ... والقربات : جمع قربة وهى ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من أعمال الخير، والمراد ٣٨٩ سورة التوبة بصلوات الرسول : دعواته للمتقربين الى الله بالطاعة . أى: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، ويعتبر كل ما ينفقه فى سبيل الله وسيلة للتقرب إليه - سبحانه - وتعالى بالطاعة ، ووسيلة للحصول على دعوات الرسول - * - له بالرحمة والمغفرة ، وبحسنات الدنيا والآخرة . ولقد كان من عادة النبى - عليه - أن يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، فقد ورد فى الحديث الشريف أن رسول الله - في - دعا لآل أبى أوفى عندما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال: ((اللهم صل على آل أبى أوفى)) أى: ارحمهم وبارك لهم فى أموالهم .. وقوله : ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ شهادة لهم منه سبحانه - بصدق إيمانهم ، وخلوص نياتهم ، وقبول صدقاتهم . والضمير فى قوله ﴿ إنها﴾ يعود على النفقة التى أنفقوها فى سبيل الله و﴿ألا﴾ أداة استفتاح جىء بها لتأكيد الخبر والاهتمام به . أى: ألا إن هذه النفقات التى تقربوا بها إلى الله، مقبولة عنده - سبحانه - قبولا مؤكدا ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل ... وقوله ﴿ سيدخلهم الله فى رحمته﴾ وَعْدٌ لهم بإحاطة رحمته بهم . والسين للتحقيق والتأكيد . ٠ أى : أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر، والمتقربين إليه سبحانه بالطاعات ، سيغمرهم الله تعالى برحمته التى لا شقاء معها . قال صاحب الكشاف : وقوله: ﴿ ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله فى رحمته﴾ شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفى التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك قوله : ﴿سيدخلهم﴾ وما فى السين من تحقيق الوعد. وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين ، وأن الصدقة منه بمكان ، إذا خلصت النية من صاحبها (١). وقوله: ((إن الله غفور رحيم)) تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل. أى: إن الله تعالى - واسع المغفرة، كثير الرحمة للمخلصين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت من يستحق المدح منهم ، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣١٤ . ٣٩٠ المجلد السادس وبعد هذا التقسيم للأعراب ، انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب الرسول - وَل﴾ - ، وأطاعوه فى السر والعلن ، فقال تعالى: وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أُتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ١٠ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين للعهد النبوى . الطائفة الأولى ((السابقون الأولون من المهاجرين)) وهم الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة ، وهاجروا الى الحبشة ، ثم الى المدينة من أجل إعلاء كلمة اللّه واستمروا فى المدينة مع رسول الله - من - إلى أن تم الفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجا. وقيل المراد بهم : الذين صلوا إلى القبلتين ، وقيل : الذين شهدوا غزوة بدر . والطائفة الثانية: السابقون الأولون من الأنصار، وهم الذين بايعوا النبى - وَلفر - قبل أن يهاجر اليهم إلى المدينة بيعة العقبة الأولى والثانية . وكانت بيعة العقبة الأولى فى السنة الحادية عشرة من البعثة ، وكان عدد المشتركين فيها سبعة أفراد . أما بيعة العقبة الثانية فكانت فى السنة الثانية عشرة من البعثة ، وكان عدد المشتركين فيها سبعين رجلا وامرأتين . ثم يلى هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين دخلوا فى الإِسلام على يد مصعب بن عمير، قبل وصول الرسول - عَليه - اليها. ثم يلى هؤلاء جميعا أولئك الذين آمنوا بالنبى - * - بعد مقدمه إلى المدينة . والطائفة الثالثة: ((الذين اتبعوهم بإحسان)) أى: الذين اتبعوا السابقين فى الإِسلام من المهاجرين والأنصار ، اتباعا حسنا فى أقوالهم وأعمالهم وجهادهم ونصرتهم لدعوة الحق . قال الآلوسى ما ملخصه : وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين الأولين ، جميع المهاجرين والأنصار . ومعنى كونهم سابقين: أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين . ٣٩١ سورة التوبة روى عن حميد بن زياد قال : قلت يوما لمحمد بن كعب القرظى ، ألا تخبرنى عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن ؟ فقال لى: إن الله - تعالى - قد غفر لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة فى كتابه ، محسنهم ومسيئهم ، فقلت له : وفى أى موضع أوجب لهم الجنة ، فقال : سبحان الله !! ألم تقرأ قوله . تعالى -: ﴿والسابقون الأولون .. ) الآية فقد أوجب . سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط على تابعيهم أن يقتدوا بهم فى أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا سوءًا .. (١). وقوله: ﴿ رضى الله عنهم ورضوا عنه﴾ بيان لسمو منزلتهم، وارتفاع مكانتهم . أى : رضى الله عنهم فى إيمانهم وإخلاصهم ، فتقبل أعمالهم، ورفع درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم ، ورضوا عنه ، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة ، وبما نالوه منه . سبحانه . من هداية وثواب . ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم فى الآخرة من إكرام فقال: ﴿وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا . ذلك الفوز العظيم ﴾. أى: أنه - سبحانه - بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه فى الدنيا ، قد أعد لهم - سبحانه - فى الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها خلودا أبديا وذلك الرضا والخلود فى الجنات من الفوز العظيم الذى لا يقاربه فوز، ولا تدانيه سعادة . قال الإِمام ابن كثير: أخبر الله - تعالى - فى هذه الآية (( أنه قد رضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان . فياويل من أبغضهم ، أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول ، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبى قحافة ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ، ويبغضونهم ويسبونهم ، عياذا بالله من ذلك ، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الايمان بالقرآن إذ يسبون من رضى الله عنهم ؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله ، ویوالون من یوالى الله ، ويعادون من يعادى الله ، وهم متبعون لا مبتدعون ، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون (٢) . وبهذا نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٧ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٧١ . ١ ٣٩٢ المجلد السادس تبعهم بإحسان ، وذلك لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها .. ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس ، منهم قوم . أجادوا النفاق ، ومرنوا عليه ، ولجوا فيه . ومنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله حكمه فيهم فقال تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونَّ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النَّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ◌َحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم ◌َرَّتَيْنِ ثُمَّيُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمِ﴿٢﴾ وَءَا خَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوِهِمْ خَلَطُواْعَمَلًا صَلِحًا (١٠٢ وَءَاخَرَ سَمِنَا عَسَى اللّهُأَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِمٍ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَّنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيهُ ر أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ ﴿)، وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِمِيِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمُ تَعْمَلُونَ (٥ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّ بُهُمْ وَإِمَّايَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ حَكِيمٌ قال القرطبى: ومعنى: ((مردوا على النفاق)) أقاموا عليه ولم يتوبوا منه ، أو لجوا فيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة والتجرد، فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء ٣٩٣ سورة التوبة أى لانبت فيها، وغصن أمرد. أى: لا ورق له ... ويقال: مرد يمرد مرودًا ومرادة))(١). والمعنى : اذكروا أيها المؤمنون أنه يسكن من حول مدينتكم قوم من الأعراب منافقون ، فاحترسوا منهم ، واحترسوا - أيضا - من قوم آخرين يسكنون معكم داخل المدينة ، مردوا على النفاق ، أى : مرنوا عليه ، وأجادوا فنونه ، حتى بلغوا فيه الغاية . قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد بالموصول. فى قوله ((وممن حولكم)). قبائل: جهينة، ومزينة وأشجع ، وأسلم ... وكانت منازلهم حول المدينة وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين . واستشكل ذلك بأن النبى - * - مدح بعض هذه القبائل ودعا لبعضها فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أنه قال: ((قريش، والأنصار ، وجهينة ، ومزينة ، وأشجع وأسلم ، وغفار، موالى الله - تعالى - ورسوله لا والى لهم غيره)). وأجيب ذلك باعتبار الأغلب منهم (٢) . وقوله : ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ بيان لتمردهم فى النفاق وتمهرهم فيه. أى : أنت أيها الرسول الكريم . لا تعرف هؤلاء المنافقين . مع كمال فطنتك ، وصدق فراستك لأنك تعامل الناس بظواهرهم ، وهم قد أجادوا النفاق وحذقوه ، واجتهدوا فى الظهور بمظهر المؤمنين ، أما نحن فإننا نعلمهم لأننا لا يخفى علينا شىء من ظواهرهم أو بواطنهم .. )) . قال الإمام ابن كثير : وقوله تعالى ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ لا ينافى قوله تعالى ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ، فلعرفتهم بسيماهم ، ولتعرفنهم فى لحن القول ... ﴾ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين ، وقد كان - رَ﴿ - يعلم أن فى بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء . وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال : قلت : يارسول اللّه، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة ، فقال: (( لتأتينكم أجوركم ولو كنتم فى جحر ثعلب )) وأصغى إلى رسول الله - ول﴿ - برأسه فقال: ((إن فى أصحابى منافقين)): ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين بما لا صحة له من الكلام ، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذى سمعه جبير بن مطعم . (١) تفسير القرطبى بتصرف وتلخيص جـ ٨ ص ٢٤٠ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٠. ٣٩٤ المجلد السادس ثم قال: وقد تقدم فى تفسير قوله - تعالى - ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ أنه - وَليزر - أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا . وهذا تخصيص لا يقتضى أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم . وروى الحافظ بن عساكر عن أبى الدرداء، أن رجلا يقال له حرملة أتى النبى - والتر - فقال : الإِيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه ، والنفاق ها هنا وأشار بيده إلى قلبه فقال رسول الله - وَّل - ((اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا ، وارزقه حبى، وحب من يحبنى ، وصير أمره إلى خير )). فقال الرجل يارسول الله: إنه كان لى أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم ، أفلا آتيك بهم؟ فقال : - رَ -: ((ومن أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا))(١) . وقال الآلوسى . واستدل بالآية على أنه لا ينبغى الإقدام على دعوى معرفة الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها ، فقد أخرج عبد الرازق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة : أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون : فلان فى الجنة وفلان فى النار ، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدرى . لعمرى لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبى. فقد قال نوح عليه السلام ((وما علمى بما كانوا يعملون )) وقال شعيب عليه السلام ((وما أنا عليكم بحفيظ))، وقال الله تعالى لنبيه محمد - رَطير - ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ . وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل فى الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب ، وتجرد النفس عن الشواغل . ثم قال: والجملة الكريمة ((لا تعلمهم نحن نعلمهم)) تقرير لما سبق من مهارتهم فى النفاق ، أى : لا يقف على سرائرهم المذكورة فيهم ، إلا من لا تخفى عليه خافية ، لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار الإِخلاص(٢). وقوله : ﴿ سنعذبهم مرتين ، ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ وعيد لهم بسوء المصير فى الدنيا والآخرة . أى : هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق ، سنعذبهم فى الدنيا مرتين ، مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم يعيشون فى قلق وهم دائم ، والأخرى عن طريق ضرب (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٨٤ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١١ . ٣٩٥ سورة التوبة الملائكة لوجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم وما يتبع ذلك من عذابهم فى قبورهم إلى أن تقوم الساعة ، فيجدون العذاب الأكبر الذى عبر عنه - سبحانه - بقوله ﴿ ثم يردون الى عذاب عظيم ﴾ . أى : ثم يعودن ويرجعون إلى خالقهم - سبحانه - يوم القيامة فيعذبهم عذابا عظيما بسبب إصرارهم على النفاق ، ورسوخهم فى المكر والخداع . قال أبو السعود : ولعل تكرير عذابهم ، لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق ، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه . ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد التكثير ، كما فى قوله تعالى ﴿ فارجع البصر هل ترى من فطور (١) ﴾ أى: كرة بعد أخرى(٢). ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من المسلمين فقال: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴾ .. قال الآلوسى : قوله : وآخرون اعترفوا بذنوبهم ... بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم فى أمر الدين ، ولم يكونوا منافقين على الصحيح . وقيل هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم(٣). والمعنى : ويوجد معكم أيها المؤمنون قوم آخرون من صفاتهم أنهم اعترفوا بذنوبهم أى أقروا بها ولم ينكروها . وقوله: ﴿ خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا﴾ أى خلطوا عملهم الصالح وهو جهادهم فى سبيل اللّه قبل غزوة تبوك، بعمل سىء وهو تخلفهم عن الخروج إلى هذه الغزوة . وقوله: ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم﴾ أى عسى الله تعالى: أن يقبل توبتهم، ويغسل ، حوبتهم ، ويتجاوز عن خطاياهم . وعبر - سبحانه - بعسى للإِشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه ، حتى لا يتكل الشخص ، بل يكون على خوف وحذر . وقد قالوا إن كلمة عسى متى صدرت عن الله تعالى - فهى متحققة الوقوع ، لأنها صادرة من كريم ، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدًا فى شىء لا يعطيه إياه . وقوله : إن الله غفور رحيم، تعليل لرجاء قبول توبتهم، إذ معناه، إن اللّه تعالى كثير المغفرة للتائبين ، واسع الرحمة للمحسنين . (١) سورة الملك الآية ٣ . (٢) تفسير أبى السعود جـ ٢ ص ٣٩٣ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١١. ٣٩٦ المجلد السادس هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية ولعل أرجح هذه الرويات ما رواه ابن جرير من أن هذه الآية نزلت فى أبى لبابة وأصحابه ، وكانوا تخلفوا عن النبى - وَه - فى غزوة تبوك، فلما قفل رسول الله - وَالله - من غزوته، وكان قريبا من المدينة ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا : نكون فى الظلال والأطعمة والنساء ونبى الله فى الجهاد واللأواء . والله لنوثقن أنفسنا بالسوارى، ثم لا نطلقها حتى يكون نبى الله هو الذى يطلقنا . وأوثقوا أنفسهم. وبقى ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى فقدم رسول الله - اض طهد - من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم ، فقيل له : إنه أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك یانبى الله ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم . فقال - رَ﴿ -: ((لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم اللّه، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين))، فأنزل الله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ... ) الآية، فأطلقهم رسول الله - وَ طير - وعذرهم(١). ثم أمر الله تعالى - نبيه - صل٤ - أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم ، فقال : ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ . أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما أطلق رسول الله - وَّله - أبا لبابة وأصحابه جاءوا بأموالهم إلى رسول الله - وَله - فقالوا له يارسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: (( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا)). فأنزل الله تعالى ﴿ خذ من أموالهم صدقة .... ﴾ الآية (٢). وقال الإِمام ابن كثير : أمر الله تعالى - رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها . وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير فى أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم . ولهذا اعتقد بعض مانعى الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإِمام لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا بالرسول - وَ﴿ - ولهذا احتجوا بقوله : - تعالى -: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ..... ) الآية . وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ، وقاتلوهم حتى (١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ١٠٥ طبعة دار المعارف. ( ٢ ) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ١٠٢ . ٣٩٧ سورة التوبة أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله - وَ الله - حتى قال الصديق: ((والله لومنعونى عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله صل﴿ لقاتلتهم على منعه(١))). والمعنى : خذ - أيها الرسول الكريم - من أموال هؤلاء المعترفين بذنوبهم ، ومن غيرهم من أصحابك ((صدقة)) معينة ، كالزكاة المفروضة ، أو غير معينة كصدقة التطوع . وقوله : ﴿ تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ بيان للفوائد المترتبة على هذه الصدقة. أى : من فوائد هذه الصدقة أنها تطهر النفوس من رذائل الشح والبخل والطمع .. وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة، وتنمى الأموال والحسنات قال بعضهم: قوله: ((تطهرهم)) قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر . وقرئ . مرفوعا على أنه حال من ضمير المخاطب فى قوله: ((خذ)) أو صفة لقوله ((صدقة)) والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده أى: تطهرهم بها ... وقوله: ((وتزكيهم)» لم يقرأ إلا بإثبات الياء ، على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة حال من الضمير فى الأمر أو فى جوابه . أى : وأنت تزكيهم بها . هذا على قراءة الجزم فى ((تطهرهم))، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله ((وتزكيهم بها)) معطوف على قوله ((تطهرهم)) حالا أو صفة(٢). وقوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أى : وادع لهم بالرحمة والمغفرة ، وقبول التوبة ، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم ، وتطمئن به قلوبهم ، ويجعلهم فى ثقة من أن الله - تعالى - قد قبل توبتهم ، فأنت رسوله الأمين ، ونبيه الكريم . فالمراد بالصلاة هنا : الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة . قال بعضهم: ((وظاهر)) قوله: ((وصل عليهم)) أنه يجب على الإِمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق . وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر . وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب، لأن الرسول - داخل*1 - قال لمعاذ: ((أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)» ولم يأمره بالدعاء .. أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة - غير الترمذى من قوله - الخير - ((اللهم صل على آل أبى أوفى)) - عندما أخذ منهم الزكاة - . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٨٦. (٢) تفسير القاسمى - بتصرف وتلخيص - جـ ٨ ص ٣٢٥٢ . ٣٩٨ المجلد السادس ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر لا مانع من أن يقول آخذ الزكاة : اللهم صلى على آل فلان . وقال باقى الأئمة لا يجوز أن يقال: اللهم صل على آل فلان ، وإن ورد فى الحديث ، لأن الصلاة صارت مخصوصة فى لسان السلف بالانبياء - صلوات الله عليهم - ، كما أن قولنا : - عز وجل - صار مخصوصا بالله - تعالى - . قالوا : وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة فى بعض الأئمة ، والتشبه بأهل البدع منهى عنه . ولا خلاف فى أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته .. لأن السلف استعملوا ذلك ، وأمرنا به فى التشهد ، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع .. )) (١) . وقوله : ﴿ والله سميع عليم﴾ أى: سميع لا عترافهم بذنوبهم وسميع لدعائك سماع قبول وإجابة ، وعليم بندمهم وتوبتهم ، وبكل شىء فى هذا الكون ، وسیجازی كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . ثم حرضهم - سبحانه - على التوبة النصوح ، وحثهم على بذل الصدقات فقال : ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ... ﴾. أى: ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم ، أن الله - تعالى - وحده ، هو الذى يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين، وأنه - سبحانه - هو الذى ((يأخذ الصدقات)). أى : يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله : فالتعبير بالأخذ للترغيب فى بذل الصدقات ، ودفعها للفقراء . والاستفهام للتقرير والتحضيض عل تجديد التوبة وبذل الصدقة . وقوله: ﴿وأن الله هو التواب الرحيم ) تذييل قصد به تقرير ما قبله وتأكيده. أى: وأن الله وحده هو الذى يقبل توبة عباده المرة بعد الأخرى، وأنه هو الواسع الرحمة بهم، الكثير المغفرة لهم : قال ابن كثير: قوله: ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات .. ﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها ، وأخبر - تعالى - أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله (١) تفسير آيات الأحكام - بتصرف وتلخيص جـ ٣ ص ٤٨ . ٣٩٩ سورة التوبة يتقبلها بيمينه ، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد ، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله - ﴿ -. فعن أبى هريرة أن رسول الله - ويلز - قال: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد )) وتصديق ذلك فى كتاب الله قوله: ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات). وقوله: ﴿يمحق اللّه الربا ويربى الصدقات﴾. وعن عبد الله بن مسعود قال: إن الصدقة تقع فى يد الله - تعالى - قبل أن تقع فى يد السائل، ثم قرأ هذه الآية. ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ... ﴾(١). ثم أمر - سبحانه - بالتزود من العمل الصالح ، وحذر من الوقوع فى العمل السىء ، فقال - تعالى -: ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أى : وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء التائبين وغيرهم ، قل لهم : اعملوا ما تشاءون من الأعمال ، فإن الله مطلع عليها ، وسيطلع رسوله والمؤمنون عليها كذلك . وخص - سبحانه - رسوله والمؤمنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يهتم المخاطبون باطلاعهم . قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: ﴿ فسيرى الله عملكم ... ﴾ تعليل لما قبله ، أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب ، والسين للتأكيد .. والمراد من رؤية الله العمل - عند جمع - الاطلاع عليه، وعلمه علما جليا، ونسبة ذلك للرسول - صل18 - والمؤمنين ، باعتبار ان الله - تعالى - لا يخفى ذلك عنهم، بل يطلعهم عليه ... ))(٢). وقوله : ﴿ وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ بيان لما سيكون عليه حالهم فى الآخرة . أى : وسترجعون بعد موتكم إلى الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شىء ، فينبئكم بما كنتم تعملونه فى الدنيا من خير أو شر ، وسيجازيكم بما تستحقونه من ثواب أو عقاب . ثم بين - سبحانه - حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك ، فقال - تعالى -: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .. ﴾. قال الجمل: قوله: ((وآخرون مرجون ... )) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر وأبو بكر عن عاصم ((مرجأون)) بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. وقرأ الباقون ((مرجون )) دون (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٨٦. (٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٦. ٤٠٠ المجلد السادس تلك الهمزة .. وهما لغتان ، يقال أرجأته وأرجيته .. ))(١) . وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا .. ﴾ . والمعنى : ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك - يامحمد - قوم آخرون موقوف أمرهم إلى أن يحكم الله فيهم بحكمه العادل، فهو - سبحانه - ((إما يعذبهم )) بأن يميتهم بلا توبة ((وإما يتوب عليهم)) أى : يقبل توبتهم . وهذا الترديد الذى يدل عليه لفظ ((إما))، إنما هو بالنسبة للناس ، وإلا فالله - تعالى - عليم بما هو فاعله بهم . والحكمة من إبهام أمرهم ، إثارة الهم والخوف فى قلوبهم لتصح توبتهم ؛ لأن التوبة عندما تجىء بعد ندم شديد ، وتأديب نفسى .. تكون مرجوة القبول منه - سبحانه - . وقوله ﴿ والله عليم﴾ أى: والله - تعالى - عليم بأحوال خلقه وبما يصلحهم فى أمورهم ، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام . قال الآلوسى: والمراد بهؤلاء ((المرجون لأمر الله .. )) كما جاء فى الصحيحين : هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، كانوا قد تخلفوا عن رسول - ◌َلي - فى غزوة تبوك ، وهموا باللحاق به فلم يتيسر لهم ذلك - فقعدوا فى المدينة كسلا وميلا إلى الدعة - ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبى - 18 - وكان ما كان من أمر المتخلفين - قالوا : لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذروا كما اعتذر غيرهم، فأمر رسول الله - وَلفيه - باجتنابهم .. إلى أن نزل قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والانصار﴾ ... ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا .. ﴾ فأمر - * - بمخالطتهم، وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف، إذ كانت مدة غيبته - ول 1 - عن المدينة خمسين ليلة ، فلما تمتعوا بالراحة فى تلك المدة مع تعب إخوانهم فى السفر ، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة .. )) (٢). وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة تبوك . أما الطائفة الأولى فهى التى مردت على النفاق ، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق .. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣١٦ . ( ٢ ) تفسير الآلوسى - بتصرف - جـ ١١ ص ١٧ . ﴾ .