Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة الأنفال عليه وسلم - ثم يحدثون به المشركين .. (١). قال ابن كثير : والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص ؛ فإن الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد عند الجماهير من العلماء . وقوله ﴿ لا تخونوا﴾ من الخون بمعنى النقص. يقال خونه تخويناً أى: نسبه إلى الخيانة ونقصه . قال صاحب الكشاف : معنى الخون : النقص ، كما أن معنى الوفاء التمام . ومنه تخونه إذا تنقصه ، ثم استعمل فى ضد الأمانة والوفاء ؛ لأنك إذا خنت الرجل فى شىء فقد أدخلت عليه النقصان فيه . وقد استعير فقيل : خان الدلو الكرب - والكرب حبل يشد فى رأس الدلو - وخان المشتار السبب . والمشتار مجتنى العسل والسبب الحبل - لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له)) (٢). والمقصود بخيانة الله: ترك فرائضه وأوامره التى كلف العباد بها ، وانتهاك حرماته التى نهى عن الاقتراب منها . والمقصود بخيانة الرسول - 18 - : إهمال سننه التى جاء بها وأمرنا بالتقيد بتعاليمها . والمقصود بالأمانات : الأسرار والعهود والودائع وغير ذلك من الشئون التى تكون بينهم وبين غيرهم مما يجب أن يصان ويحفظ . والمعنى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ﴾ بأن تهملوا فرائضه، وتتعدوا حدوده، ولا تخونوا ﴿الرسول﴾ - وَل - ، بأن تتركوا سنته وتنصرفوا إلى غيرها، وتخالفوا ما أمركم به وتجترحوا ما نهاكم عنه ، ولا تخونوا ﴿ أماناتكم﴾ بأن تفشوا الأسرار التى بينكم ، وتنقضوا العهود التى تعاهدتم على الوفاء بها ، وتنكروا الودائع التى أودعها لديكم غيركم ، وتستبيحوا ما يجب حفظه من سائر الحقوق المادية والمعنوية ، فقوله : ﴿ وتخونوا أماناتكم﴾ معطوف على قوله ﴿ لا تخونوا﴾. وأعاد النهى للإشعار بأن كل واحد من المنهى عنه مقصود بذاته اهتماما به . وقوله: ﴿وأنتم تعلمون ﴾ الواو للحال ، والمفعول محذوف. أى. والحال أنكم تعلمون سوء عاقبة الخائن لله ولرسوله وللأمانات التى اؤتمن عليها ، فعليكم أن تتجنبوا الخيانة فى جميع صورها ؛ لتنالوا رضى الله ومئويته . - ( ١) راجع تفسير بن جرير جـ ٩ ص ٢٢١ . وتفسير الفخر الرازى جـ٥ ص ١٥١ وابن كثير جـ ٢ ص ٣٠٠. ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢١٣ . ٨٢ المجلد السادس ولما كان حب الأموال والأولاد والاشتغال بهم من أهم دواعى الاقدام على الخيانة، نبه - سبحانه - إلى ذلك فقال: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ . أى : واعلموا - أيها المؤمنون - أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، أى امتحان واختبار لكم من الله - تعالى - ليتبين قوى الإِيمان من ضعيفه. أما قوى الإِيمان فلا يشغله ماله وولده عن طاعة الله، وأما ضعيف الإيمان فيشغله ذلك عن طاعة الله، ويجعله يعيش حياته عبداً لأمواله ، ومطيعا لمطالب أولاده حتى ولو كانت هذه الطاعة متنافية مع تعاليم دينه وآدابه . وقال صاحب المنار : الفتنة هى الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله أو تركه ، أو قبوله أو إنكاره . وأموال الإِنسان عليها مدار حياته ، وتحصيل رغائبه وشهواته ، ودفع كثير من المكاره عنه ، . فهو يتكلف فى طلبها المشاق ، ويركب الصعاب ، ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام ، ويرغبه فى القصد والاعتدال فى إنفاقها . وأما الأولاد فحبهم - كما يقول الأستاذ الامام - ضرب من الجنون يلقيه الفاطر الحكيم فى قلوب الأمهات والآباء ، فيحملهم على بذل كل ما يستطاع بذله فى سبيلهم .. روى أبو ليلى من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا «الولد ثمرة القلب ، وإنه مجبنة مبخلة محزنة)). فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام ، وعلى الجبن ، وعلى البخل ، وعلى الحزن . فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى يكسب المال من وجوهه الحلال ، وإنفاقه فى وجوهه المشروعة .. واتقاء خطر الفتنة الثانية باتباع ما أوجبه الله على الآباء من حسن تربية الأولاد على الدين والفضائل، وتجنبهم أسباب المعاصى والرذائل)) (١) . وقوله ﴿ وأن الله عنده أجر عظيم﴾ تذيبل قصد به ترغيب المؤمنين فى طاعة الله ، بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد . أى : واعلموا أن الله عنده أجر عظيم لمن آثر طاعته ورضاه على جمع المال وحب الأولاد، فكونوا - أيها المؤمنون - من حزب المؤثرين لحب الله على حب الأموال والأولاد لتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة . ( ١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٥٩٤ - بتصرف وتلخيص . ٨٣ سورة الأنفال ثم ختم سبحانه - نداءاته للمؤمنين بهذا النداء الذى يهديهم إلى سبل الخير والفلاح فقال - سبحانه - ﴿ يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا، ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم ، والله ذو الفضل العظيم ﴾ . والفرقان فى كلام العرب - كما يقول ابن جرير - مصدر من قولهم فرقت بين الشىء والشىء أفرق بينهما فرقاً وفرقاناً - أى أفرق وأفصل بينهما . وقد اختلف أهل التأويل فى العبارة عند تأويل قوله ﴿يجعل لكم فرقانا﴾ فقال بعضهم: يجعل لكم مخرجا . وقال بعضهم نجاة ، وقال بعضهم فصلا وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم .. وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلفت العبارة .. )) (١) . وقال الآلوسي : ﴿ فرقانا﴾ أى: هداية ونورا فى قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل - كما روى عن ابن جريج وابن زيد - أو نصرا يفرق به بين الحق والباطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين - كما قال الفراء - أو نجاة فى الدارين - كما هو كلام السدى - أو مخرجا من الشبهات - كما جاء عن مقاتل - أو ظهورا يشهر أمركم وينشر صيتكم - كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق - من بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان أى الصبح . وكل المعانى ترجع إلى الفرق بين أمرين . وجوز البعض من المحققين الجمع بينها )) (٢). ونحن مع هذا البعض من المحققين فى جواز الجمع بين هذه المعانى فيكون المعنى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله﴾ بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه، وتطيعوه فى السر والعلن يجعل لكم فرقانا ﴾ أى هداية فى قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ونصرا تعلو به كلمتكم على كلمة أعدائكم ، ومخرجا من الشبهات التى تقلق النفوس ، ونجاة مما تخافون ، .. وفضلا عن كل ذلك فإنه - سبحانه - يكفر عنكم سيئاتكم ، أى يسترها عليكم فى الدنيا ، ويغفر لكم ﴾ أى: ويغفر لكم يوم القيامة ما فرط منكم من ذنوب بلطفه وإحسانه وقوله : ﴿والله ذو الفضل العظيم) تذييل قصد به التعليل لما قبله، والتنبيه على أن ماوعد به - سبحانه - المؤمنين على تقواهم إنما هو تفضل منه لهم ، فهو - سبحانه - صاحب العطاء الجزيل ، والخير العميم . لمن أطاعه واتقاه ، وصان نفسه عما يسخطه ويغضبه . فأنت ترى أنه - سبحانه - قد رتب على تقواه وعلى الخوف منه نعما عظمى ، ومننا كبرى ، وأى نعم يتطلع إليها المؤمنون أفضل من هداية القلوب وتكفير الخطايا والذنوب ؟ . اللهم لا تحرمنا من هذه النعم والمنن بفضلك وإحسانك ، فأنت وحدك صاحب العطاء العميم ، وأنت وحدك ذو الفضل العظيم ، وأنت وحدك على كل شىء قدير . (١) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٢٤ - بتصرف وتلخيص. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٩ ص ١٩٦. ٨٤ المجلد السادس وبعد : فنحن - أخى القارىء - لو استعرضنا سورة الأنفال من مطلعها إلى هنا ، لرأيناها تحدثنا - على سبيل الإجمال - عن : ( أ ) أحكام الأنفال، وأن مرد الحكم فيها إلى الله ورسوله .. ( ب ) وعن الصفات الكريمة التى يجب أن يتحلى بها المؤمنون لينالوا مغفرة الله ورضوانه . ( جـ ) وعن أحوال بعض المؤمنين الذين اشتركوا فى غزوة بدر ، وكانوا يفضلون العير على النفير . ولكن - اللّه تعالى - بين لهم أن الخير فيما قدره لا فيما يفضلون . (د) وعن النعم والبشارات وأسباب النصر التى أمد الله بها المؤمنين فى بدر والتى كان من آثارها ارتفاع شأنهم ، واندحار شأن أعدائهم . ( هـ ) وعن التوجيهات الحكيمة التى أعقبت تلك النداءات الخمسة التى نادى الله بها المؤمنين ، فقد أمرهم - سبحانه - بالثبات فى وجه أعدائهم ، وبالطاعة التامة له ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وبالاستجابة السريعة للحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.. ونهتهم عن التولى يوم الزحف؛ وعن التشبه بمن قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، وعن إقرار المنكرات والبدع والرضا بها ، وعن خيانة الله والرسول ، وعن خيانة الأمانات التى تجب صيانتها والمحافظة عليها . ووعدهم - سبحانه - بهداية القلوب ، وتكفير الخطايا والذنوب ، متى اتقوه ووقفوا عند حدوده . (و) والآن، وبعد هذا التوجيه الحكيم ، والتأديب القويم ، والتعليم النافع والتذكير بالنعم ، والتحذير من النقم .. ماذا نرى ؟ نرى السورة الكريمة تأخذ فى تذكير المؤمنين بجوانب من جرائم أعدائهم فتقص عليهم ما كان من هؤلاء الأعداء من تآمر على حياة رسولهم - 18 - ومن تهكم بالقرآن الكريم وادعاء أنهم فى استطاعتهم أن يأتوا بمثله لو شاءوا ، ومن استهزاء بتعاليم الإِسلام ، وسخرية بشعائره وعباداته ، ومن إنفاق لأموالهم ليصدوا الناس عن الطريق للحق ، ومن إصرار على العناد والجحود جعلهم يستعجلون العذاب . ومع كل هذا فالسورة الكريمة تفتح الباب فى وجوه هؤلاء الجاحدين المعاندين ، وتأمر المؤمنين أن ينصحوهم بالدخول فى دين الله .. فإذا لم يستجيبوا لنصحهم فعليهم أن يقاتلوهم . حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . استمع - أخى القارىء - بتدبر إلى الآيات التى تحكى كل ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول : ٨٥ سورة الأنفال وَإِذْ يَمْكِّرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَ أَوْيَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولَهٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اُللَّهُ وَاللَّهُ غَيْرُ الْمُكِرِينَ ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواقَدْ سَمِعْنَا لَوْنَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآإِلَّاً أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَآءِ أَوِاثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٦)، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( ٣٣ وَمَا لَهُمْ أَلََّ يُعَذِّ بَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُثَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦، وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَ لَهُمْ لِيَصُدُّ واْعَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَبُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴿٦ْ لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيْبِ وَيَجْعَلَ اُلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ. فِي جَهَتَُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ قُل لِلَّذِينَ ٠ ٨٦ المجلد السادس كَفَرُوْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَاقَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ اَلْأَوَّلِينَ ﴿﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَقّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاُ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، وَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَمْكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ ٤٠ قال ابن كثير : عن ابن عباس فى قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ أنه قال: تشاورت قريش ليلة بمكة - فى شأن النبى - صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر ، وأن غيرهم قد آمن به - فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق . وقال بعضهم بل اقتلوه . وقال بعضهم بل أخرجوه . ثم اتفقوا أخيرا على قتله - ، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، وأمره أن لا يبيت فى مضجعه، فأمر النبى - ليزر - عليا أن يبيت مكانه ففعل وخرج النبى - ٣ - حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبى - الهرم - فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا عليا قالوا له أين صاحبك ؟ قال : لا أدرى . فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا فى الجبل فمروا بالغار ، فرأو على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال . وقد ذكر ابن كثير وغيره روايات أخرى تتعلق بهذه الآية ، إلا أننا نكتفى بهذه الرواية ، لإفادتها بالمطلوب فى موضوعنا، ولأن غيرها قد اشتمل على أخبار أنكرها بعض المحققين، كما أنكرها ابن كثير نفسه (١) . وقوله: ﴿وإذ يمكر .. ﴾ تذكير من الله - تعالى- لنبيه وللمؤمنين ببعض نعمه عليهم، حيث نجى نبيه - * - من مكر المشركين حين تآمروا على قتله وهو بينهم بمكة . قال ابن جرير : أنزل اللّه على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة سورة الأنفال ، يذكره نعمه عليه - ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا .. الآية ﴾ (٢). وقوله ﴿يمكر﴾ من المكر، وهو - كما يقول الراغب - صرف الغير عما يقصده بحيلة ( ١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٠٣ وتفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٢٦ . ( ٢) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٢٨ . ٨٧ سورة الأنفال وذلك ضربان : مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلا جميلا ومنه قوله - تعالى - ﴿ والله خير الماكرين ﴾. ومكر مذموم، وهو أن يتحرى بمكره فعلا قبيحا، ومنه قوله - تعالى - وإذ يمكر بك الذين كفروا .. ﴾ وقال - سبحانه وتعالى - فى الأمرين: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ﴾ (١) . وقوله: ((ليثبتوك)) أى ليحبسوك . يقال أثبته إذا حبسته . والمعنى : واذكر - يا محمد - وقت أن نجيتك من مكر أعدائك ، حين تآمروا عليك وأنت بين اظهرهم فى مكة ، لكى ﴿ يثبتوك ﴾ أى: يحبسوك فى دارك، فلا تتمكن من لقاء الناس ومن دعوتهم إلى الدين الحق ﴿ أو يقتلوك﴾ بواسطة مجموعة من الرجال الذين اختلفت قبائلهم فى النسب ، حتى يتفرق دمك فيهم فلا تقدر عشيرتك على الأخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة .. ﴿ أو يخرجوك﴾ أى: من مكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين لقاء قومك . وقوله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) بيان لموضع النعمة والمنة، أى: والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباعك المكر السىء ، والله - تعالى - يرد مكرهم فى نحورهم ، ويحيط كيدهم ، ويخيب سعيهم ، ويعاقب عليه عقابا شديداً ، ويدبر أمرك وأمر أتباعك ، ويحفظكم من شرورهم ، فهو - سبحانه - أقوى الماكرين . وأعظمهم تأثيرا ، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع . قال الآلوسي: قوله ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ أى: برد مكرهم ويجعل وخامته عليهم ، أو يجازهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين ، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر ، وقلل المسلمين فى أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا منهم ما يشيب منه الوليد . ﴿والله خير الماكرين) إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره - سبحانه - . وإطلاق هذا المركب الإضافى عليه - تعالى - إن كان باعتبار أن مكره - سبحانه - أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإِضافة للتفضيل ، لأن لمكر الغير - أيضا - نفوذا أو تأثيراً فى الجملة .. وإن كان باعتبار أنه - سبحانه - لا ينزل إلا الحق ولا يصيب إلا ما يستوجب الممكور به ، فلا شركة لمكر الغير فيه، وتكون الإضافة حينئذ للاختصاص، لانتفاء المشاركة .. )) (٢). هذا والصورة التى يرسمها قوله - تعالى -: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ صورة عميقة التأثير ، ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش ، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون ، والله من روائهم محيط ، ويمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون . (١) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٧١ للراغب الأصفهانى - بتصريف يسير. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٩ ص ١٩٨. ٨٨ المجلد السادس إنها صورة ساخرة ، وهى فى الوقت ذاته صورة مفزعة .. فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل ، من تلك القدرة القادرة .. قدرة الله الجبار ، القاهر فوق عباده ، الغالب على أمره ، وهو بكل شىء محيط ؟ والتعبير القرآنى يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة فى التصوير ، فيهز بها القلوب ، ويحرك بها أعماق الشعور)) (١) . ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التى تفوه بها المشركون فقال - تعالى - ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ . وقد ذكر كثير من المفسرين أن القائل لهذا القول : النضر بن الحارث ؛ فإنه كان قد ذهب إلى بلاد فارس فأحضر منها قصصاً عن ملوكهم .. ولما قدم مكة ووجد رسول الله - الهرم - يتلو القرآن قال للمشركين: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان - 18 - إذا قام من مجلس ، جاء بعده التضر فجلس فيه وحدث المشركين بأخبار ملوك الفرس والروم ، وغيرهم ثم قال : أينا أحس قصصا ؟ أنا أو محمد ؟ وقد أمكن الله منه يوم بدر ، فقد أسره المقداد بن عمرو، فأمر النبى - وَ ليه - بضرب عنقه وقال فيه: ((إنه كان يقول فى كتاب الله - عز وجل - ما يقول))(٢). وأسند - سبحانه - قول النضر إلى جميع المشركين ، لأنهم كانوا راضين بقوله ، ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية . والأساطير - كما يقول ابن جرير - : جمع أسطر ، وهو جمع الجمع ، لأن واحد الأسطر سطر . ثم يجمع السطر: أسطر وسطور ، ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر . وقد كان بعض أهل العربية يقول : واحد الأساطير : أسطورة - كأحاديث وأحدوثة (٣). والمراد بها : تلك القصص والحكايات التى كتبها الكاتبون عن القدامى ، والتى يغلب عليها طابع الخرافة والتخيلات التى لا حقيقة لها . والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم الكذب والتمادى فى الطغيان ، أنهم كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله ﴿ قالوا﴾ بصفاقة ووقاحة: ﴿قد سمعنا﴾ أى: قد سمعنا ماقرأته علينا - يا محمد - ووعيناه ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ أى لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذى تتلوه علينا يا محمد وما هو إلا من قصص الأولين وحكاياتهم التى سطرها بعضهم عنهم وليس من عند الله - تعالى - (١) من ((فى ظلال القرآن)) جـ ٩ ص ٨٤٤ للأستاذ سيد قطب. ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٠٤ بتصرف وتلخيص . (٣) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٣١ . ٨٩ سورة الأنفال ولا شك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس فإن هذا القرآن - الذى زعموا أنهم لو شاءوا لقالوا مثله - قد تحداهم فى نهاية المطاف أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين . والذى نعتقده أن قولهم هذا ، ماهو إلا من قبيل الحرب النفسية التى كانوا يشنونها على الدعوة الإسلامية ، بقصد تضليل البسطاء ، والوقوف فى وجه تأثير القرآن فى القلوب ، ومحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين . ولكنهم لم يفلحوا . فإن نور الحق لاتحجبه الشبهات الزائفة ، ولا يعدم الحق أن يجد له أنصاراً حتى من أعدائه ، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد بن المغيرة فى وصف القرآن الكريم: ((إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر .. وما يقول هذا بشر)). ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا .. ﴾: نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة ، فإنهم لم يتوانوا فى مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة ، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه، مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا فى باب البيان خاصة ... )) (١) . ثم تمضى السورة فى حديثها عن رذائل مشركى قريش ، فتحكى لونا عجيبا من ألوان عنادهم ، وجحودهم للحق . فتقول: ﴿وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ .. وقائل هذا القول : النضر بن الحارث صاحب القول السالف ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا .. ﴾ ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير . وأخرج البخارى عن أنس بن مالك أن قائل ذلك : أبو جهل بن هشام . وأخرجه ابن جرير عن ابن رومان ومحمد بن قيس أن قريشا قال بعضها لبعض : أأكرم الله محمدا -﴿ - من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (٢). والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا بإنكار أن القرآن من عند الله، وأن محمدا قد جاءهم بالحق .. بل أضافوا إلى ذلك قولهم: اللهم إن كان هذا الذى (١) تفسير الكشاف جــ ٢ ص ٢١٦ وقوله: ((نفاجة)) أى: تكبر، والصلف: الغرور ومجاوزة الحد. والراعدة: السحابة وهذا مثل يضرب للرجل يتوعد ثم لا يعمل شيئًا . (٢ ) تفسير الآلوسى جـ ٩ ص ٩٩. ٩٠ المجلد السادس جاءنا به محمد من قرآن وغيره هو الحق المنزل من عندك ، فعاقبنا على إنكاره والكفر به ، بأن تنزل علينا حجارة من السماء تهلكنا . أو تنزل علينا عذابا أليما يقضى علينا . قال الجمل: قوله: ﴿هو الحق) قرأ العامة ((الحق)) بالنصب على أنه خبر الكون ولفظ ﴿هو﴾ للفصل. وقرأ الأعمش وزيد بن على ((الحق)) بالرفع ووجهها ظاهر برفع لفظ ((هو)) على الابتداء، والحق خبره، والجملة خبر الكون(١). وفى إطلاقهم ﴿الحق) على ما جاء به الرسول وص يه، وجعله من عند الله ؛ تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القائل - رسول الله - * - أو المؤمنين. وأل فيه للعهد : أى الحق الذى ادعى محمد أنه جاء به من عند الله. وقوله: ﴿ من السماء) متعلق بمحذوف صفة لقوله ﴿حجارة﴾. وفائدة هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة مخصوصة لتعذيب الظالمين . قال صاحب الكشاف : وهذا أسلوب من الجحود بليغ . يعنى إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل ، أو بعذاب آخر. ومرادهم نفى كونه حقا ، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا ، فكان تعليق العذاب بكونه حقا ، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال فى قولك : إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء. فإن قلت: ما فائدة قوله ﴿ من السماء) والأمطار لا تكون إلا منها ؟ قلت : كأنهم يريدون أن يقولوا : فأمطر علينا السجيل وهى الحجارة المسومة للعذاب ، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل . وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم أمرأة ، فقال الرجل : أجهل من قومى قومك، فقد قالوا لرسول الله - * - حين دعاهم إلى الحق : ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ... ﴾ ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له (٢). ولقد كان هذا الرجل حكيما فى رده على معاوية ، لأنه كان الأولى بأولئك المشركين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه .. ولكن العناد الجامع الذى استولى عليهم جعلهم يؤثرون الهلاك على الإِذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد - ليزر - الذى دعاهم إلى عبادة الله وحده .. وهكذا النفوس عندما تنغمس فى الأحقاد وتتمادى فى الجحود . وتنقاد للأهواء والشهوات ، وتأخذها العزة بالإِثم . ترى الباطل (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٤٢ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢١٦ . ٩١ سورة الأنفال حقا ، والحق باطلا ، وتؤثر العذاب وهى سادرة فى باطلها ، على الخضوع للحق والمنطق والصواب . ثم تعقب السورة على هذا الدعاء الغريب الذى حكته عن مشركى مكة ، فتبين الموجب لإمهالهم وعدم إجابة دعائهم فتقول: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أى : وما كان الله مريداً لتعذيب هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب تعذيب استئصال وإهلاك ، وأنت مقيم فيهم - يا محمد - بمكة ، فقد جرت سنته - سبحانه - ألا يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم يعذب الكافرين . واللام فى قوله ﴿ ليعذبهم﴾ لتأكيد النفى، وللدلالة على أن تعذيبهم والرسول - وَ ﴾ - بين أظهرهم غير مستقيم فى الحكمة . والمراد بالاستغفار فى قوله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ استغفار من بقى بينهم من المؤمنين المستضعفين الذين لم يستطيعوا مغادرة مكة بعد أن هاجر منها النبى - الفيوم - والمؤمنون . أى : ما كان اللّه مريداً لتعذيبهم وأنت فيهم - يا محمد - وما كان - أيضا - مريداً تعذيبهم وبين أظهرهم بمكة من المؤمنين المستضعفين من يستغفر الله ، وهم الذين لم يستطيعوا مغادرتها واللحاق بك فى المدينة . قالوا : ويؤيد أن هذا هو المراد بالاستغفار قوله - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (١)﴾ أى: لو تميز المؤمنون عن الكافرين لعذبنا الذين كفروا عذابا أليا . وأسند - سبحانه - الاستغفار إلى ضمير الجميع ، لوقوعه فيما بينهم ، ولتنزيل ما صدر عن البعض منزلة ما صدر عن الكل . كما يقال : قتل أهل بلدة كذا فلانا والمراد بعضهم . ويرى بعضهم أن المراد بالاستغفار المذكور : استغفار الكفرة أنفسهم كقولهم : غفرانك . فى طوافهم بالبيت ، أو ما يشبه ذلك من معانى الاستغفار وكأن هذا البعض يرى أن مجرد طلب المغفرة منه - سبحانه - يكون ما نعا من عذابه ولو كان هذا الطلب صادرا من الكفرة . ويرجح ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿وهم يستغفرون﴾ نفى الاستغفار عنهم فقد قال بعد أن ذكر بضعة آراء : وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب قول من قال : تأويله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد ، وبين أظهرهم مقيم ، حتى أخرجك من بين أظهرهم ، لأنى لا أهلك قرية وفيها نبيها ، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم ، ولکنهم (١) سورة الفتح الآية ٢٥ . ٩٢ المجلد السادس لا يستغفرون من ذلك بل هم مصرون عليه، فهم للعذاب مستحقون ... )) (١). قال بعض المحققين : والقول الأول أبلغ لدلالته على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة . ثم قال: روى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله - وَله - أنزل الله على أمَانَين لأمتى ((وما كان الله ليعذبهم ... )) الآية. فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة)). قال ابن كثير : ويشهد لهذا مارواه الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبى سعيد أن رسول الله -﴿ - قال: إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم . فقال الله - تعالى - فبعزتى وجلالى لا أبرح أغفر لهم ما استغفرونى)) (٢). ثم بين - سبحانه - بعض الجرائم التى ارتكبها المشركون ، والتى تجعلهم مستحقين لعذاب الله، فقال - تعالى -: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه ، إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ . والمعنى : وأى شىء يمنع من عذاب مشركى قريش بعد خروجك - يا محمد - وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم ؟ إنه لا مانع أبدا من وقوع العذاب عليهم وقد وجد مقتضيه منهم ، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد . فالاستفهام فى قوله ﴿ وما لهم .. ﴾ إنكارى بمعنى النفى. أى: لا مانع من تعذيب الله لهم وقوله ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ جملة حالية مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة، أى : لا مانع يمنع من تعذيبهم : وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام ، ومن زيارته . ومن مباشرة عباداتهم عنده .. ؟ إنهم لابد أن يعذبوا على هذه الجرائم . ولقد أوقع الله بهم عذابه فى الدنيا : ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر من قتل صناديدهم ومن أسر وجهائهم . وأما عذابهم فى الآخرة فهو أشد وأبقى من عذابهم فى الدنيا . وقوله: ﴿ وما كانوا أولياءه﴾ رد على ما كانوا يقولونه بالباطل: نحن ولاة البيت الحرام ، فلنا أن نصد من نشاء عن دخوله ، ولنا أن نبيح لمن نشاء دخوله . أى : إن هؤلاء المشركين ما كانوا فى يوم من الأيام أهلا لولاية البيت الحرام بسبب شركهم وعداوتهم - لله تعالى - رب هذا البيت . (١) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٣٨ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٠٦. ٩٣ سورة الأنفال وقوله ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ بيان للمستحقين لولاية البيت الحرام ، بعد نفيها عن المشركين . أى : إن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا لولاية البيت الحرام ، وليسوا أهلا لأن يكونوا أولياء الله - تعالى - بسبب كفرهم وجحودهم ، وإنما المستحقون لذلك هم المتقون الذين صانوا أنفسهم عن الكفر وعن الشرك وعن كل ما يغضب الله ، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك بسبب جهلهم وتماديهم فى الجحود والضلال . وقد جاءت جملة ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ مؤكدة بأقوى ألوان التأكيد ، لنفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولا يتهم هم . ونفى - سبحانه - العلم عن أكثر المشركين ، لأن قلة منهم كانت تعلم أنه لا ولاية لها على المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عناداً وغروراً . أو أن المراد بالأكثر الكل ، لأن للأكثر حكم الكل فى كثير من الأحكام ، كما أن الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم . ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان ضلال هؤلاء المشركين وجحودهم فقال : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ . قال القرطبى ما ملخصه : قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفقون ويصفرون ، فكان ذلك عبادة فى ظنهم . والمكاء : الصفير . يقال مكا يمكو مكوا ومكاء إذا صفر . والتصدية : التصفيق . يقال : صدى يصدى تصدية إذا صفق . قال قتادة : المكاء : ضرب بالأيدى ، والتصدية: الصياح . (١) والمعنى : أن هؤلاء المشركين لم تكن صلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيقا وتصفيراً ، وهرجا ومرجا لاوقار فيه ، ولا استشعار لحرمة البيت ، ولا خشوع لجلالة الله - تعالى - ، وذلك لجهلهم بما يجب عليهم نحو خالقهم، ولحرصهم على أن يسيئوا إلى النبى - صل﴾ - وهو يقرأ القرآن ، أو وهو يطوف بالبيت ، أو وهو يؤدى شيئا من شعائر الإسلام وعباداته . فقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا أصواتهم بالصياح والغناء ليمنعوا الناس من سماعه. قال - تعالى -: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه لعلكم تغلبون﴾ (٢). وروى ابن جرير أن ابن عمر حكى فعلهم ، فصفر ، وأمال خده وصفق بيديه . وقال مجاهد إنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبى - وَالله - صلاته . ( ١) تفسير القرطبى جـ ٧ ص ٤٠. (٢) سورة فصلت، الآية ٢٦ . ٩٤ المجلد السادس وعن سعيد بن جبير: كانت قريش يعارضون النبى - *1 - فى الطواف يستهزئون به ، يصفرون ويصفقون (١) . وقال الفخر الرازى : فإن قيل المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف جاز استثناؤهما من الصلاة ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة فخرج هذا الاستثناء على حسب ، معتقدهم . الثانى : أن هذا كقولك : وددت الأمير فجعل جفائى صلتى . أى : أقام الجفاء مقام الصلة فكذا هنا . الثالث : الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له . كما تقول العرب : ما لفلان عيب إلا السخاء . يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له (٢). وقوله: ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ وعيد لهم على كفرهم وجحودهم ، واستهزائهم بشعائر الله . أى : فذوقوا - أيها الضالون - العذاب الشديد بسبب كفركم وعنادكم واستهزائكم بالحق الذى جاءكم به محمد - ﴿ - من عند الله، ثم حكى - سبحانه - ما كانوا يفعلونه من إنفاق أموالهم لا فى الخير ولكن فى الشرور والآثام وتوعدهم على ذلك بسوء المصير فقال - تعالى -: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون .. ﴾ . روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ذكره محمد بن إسحاق عن الزهرى وغيره قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلّهم - أى جيشهم المهزوم - إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية فى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم فى بدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ، ومن كانت له فى تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا . ففعلوا . قال: ففيهم - كما ذكر عن ابن عباس - أنزل الله - تعالى - ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله .. ) الآية (٣). وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : نزلت فى أبى سفيان بن حرب ، استأجر يوم غزوة أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة، فقاتل بهم النبى - * - : ( ١ ) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٤٠ . ( ٢ ) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ١٦٠. ( ٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٠٧ . ٩٥ سورة الأنفال وروى عن الكلبى والضحاك ومقاتل انها نزلت فى المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش .. كان كل واحد منهم يطعم الناس كل يوم عشر جزر (١). قال ابن كثير : وعلى كل تقدير فهى عامة وإن كان سبب نزولها خاصا . أى : أن الآية الكريمة تتناول بوعيدها كل من يبذل أمواله فى الصد عن سبيل الله ، وفى تأييد الباطل ومعارضة الحق . المعنى : إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم ﴿ينفقون أموالهم﴾ لا فى جوه الخير ، وإنما ينفقونها ﴿ ليصدوا عن سبيل الله﴾ أى: ينفقونها ليمنعوا الناس عن الدخول فى الدين الذى يوصلهم إلى رضا الله وإلى طريقه القويم . واللام فى قوله: ﴿ ليصدوا﴾ لام الصيرورة، ويصح أن تكون للتعليل؛ لأن غرضهم منع الناس عن الدخول فى دين الله الذى جاء به النبى - صل * - ، والذى يرونه ديناً مخالفاً لما كان عليه الآباء والأجداد فيجب محاربته فى زعمهم . وقوله : ﴿ فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ... ﴾ بيان لما سيؤول إليه أمرهم فى الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة . أى : فسينفقون هذه الأموال فى الشرور والعدوان ، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة وندامة عليهم ، لأنهم لم يصلوا - ولن يصلوا - من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون . وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإِذلال فى الدنيا ، لأن سنة الله قد اقتضت أن يجعل النصر فى النهاية لأتباع الحق لالأتباع الباطل . وقوله: ﴿ فسينفقونها﴾ خبر إن فى قوله ﴿إن الذين كفروا .. ﴾ واقترن الخبر بالقاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط ، فصار الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى . وفى تكرير الإِنفاق فى شبه الشرط والجزاء ، إشعار بكمال سوء إنفاقهم ، حيث إنهم لم ينفقوا أموالهم فى خير أو ما يشبه الخير ، وإنما أنفقوها فى الشرور المحضة . وجاء العطف بحرف ﴿ ثم ﴾ للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ويئول إليه أمرهم . فهم قد قصدوا بنفقتهم الوقوف فى وجه الحق والانتصار على المؤمنين .. ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح ، فقد ذهبت أموالهم سدى ، وغلبوا المرة بعد المرة ، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ظافرين بعد أن خرجوا منها مهاجرين . وقوله : ﴿والذين كفروا إلى جهنم يحشرون﴾ بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة ، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم فى الدينا . ( ١ ) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٤٥ . .. ٩٦ المجلد السادس أى : أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة والهزيمة فى الدنيا ، أما فى الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار جهنم لا إلى غيرها . وقوله: ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعاً فيجعله فى جهنم ... ﴾ بيان لحكمته- سبحانه- فى هزيمة الكافرين وحشرهم إلى جهنم . وقوله : ﴿ فيركمه﴾ أى: فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض يقال: ركم الشىء يركمه ، إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه . وارتكم الشىء وتراكم أى : اجتمع . والمعنى : أنه - سبحانه - فعل ما فعل من خذلان الكافرين وحشرهم إلى جهنم ، ومن تأييد المؤمنين وفوزهم برضوانه ، ليتميز الفريق الخبيث وهو فريق الكافرين ، من الفريق الطيب وهو فريق المؤمنين ، فإذا ما تمايزوا جعل - سبحانه - الفريق الخبيث منضما بعضه على بعض ، فيلقى به فى جهنم جزاء خبثه وكفره . واللام فى قوله ﴿ ليميز ﴾ متعلقة بقوله يغلبون﴾ أو بقوله ﴿يحشرون) ويجوز أن يكون المراد بالخبيث ما أنفقه الكافرون من أموال للصد عن سبيل الله، وبالطيب ما أنفقه المؤمنون من أموال لإعلاء كلمة الله. وعليه تكون اللام فى قوله ﴿ ليميز﴾ متعلقة بقوله: ﴿ثم تكون عليهم حسرة﴾ أى: أنه - سبحانه - يميز هذه الأموال بعضها من بعض ، ثم يضم الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض ، فيلقى بها وبأصحابها فى جهنم . والتعبير بقوله - سبحانه - ﴿ فيركمه جميعاً﴾ تعبير مؤثر بليغ ، لأنه يصور الفريق الخبيث كأنه لشدة تزاحمه وانضمام بعضه إلى بعض شىء متراكم مهمل ، يقذف به فى النار بدون اهتمام أو اعتبار . واسم الإشارة فى قوله: ﴿ أولئك هم الخاسرون﴾ يعود إلى هذا الفريق الخبيث، أى: أولئك الكافرون الذين أنفقوا أموالهم فى الصد عن سبيل الله هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم . وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين .. يوجه - سبحانه - خطابه إلى نبيه - والخز - يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم ، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة اللّه هى العليا، فيقول - سبحانه -: ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين . وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير. وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير أى: ﴿ قل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم، من أهل مكة وغيرهم، قل لهم : ﴿إن ينتهوا﴾ عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين ﴿ يغفر لهم ما قد سلف﴾ من كفرهم ومعاصيهم ﴿ وإن يعودوا ﴾ إلى قتالك ويستمروا فى ضلالهم وكفرهم وطغيانهم ، انتقمنا منهم، ٩٧ سورة الأنفال ونصرنا المؤمنين عليهم ﴿ فقد مضت سنة الأولين ﴾ على ذلك . أى : فقد مضت سنة الله - تعالى - فى الأولين ، وسنته لا تتخلف فى أنه - سبحانه - يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته ، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم فى الأرض . وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم فى بدر ، وكيف أهلك - سبحانه - الكافرين من الأمم قبلهم . وجواب الشرط لقوله ﴿وإن يعودوا﴾ محذوف والتقدير: وإن يعودوا ننتقم منهم. وقوله ﴿ فقد مضت سنة الأولين ﴾ تعليل للجواب المحذوف . قال الآلوسى: قوله ﴿ فقد مضت سنة الأولين ﴾ أى عادة الله الجارية فى الذين تحزبوا على الأنبياء ، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم . وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة . ونظير ذلك قوله - سبحانه - ﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله - سبحانه - ﴿ ولا تجد لسنتنا تبديلا ﴾ باعتبار جريانها على أيديهم . ويدخل فى الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر . والآية حث على الإِيمان وترغيب فيه .. واستدل بها على أن الإسلام يجب ما قبله ، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم أو إتلاف مال أو نفس . وأجرى المالكية ذلك كله فى المرتد إذا تاب لعموم الآية ... )) (١) . وقوله : ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .. ﴾ أمر من الله - تعالى - للمؤمنين بقتال الكافرين إذا ما استمروا فى كفرهم وطغيانهم . والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما استمر أولئك الكافرون فى كفرهم وعدوانهم ، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة ، وأن تستمروا فى قتالهم حتى تزول صولة الشرك ، وحتى تعيشوا أحرارا فى مباشرة تعاليم دينكم ، دون أن يجرؤ أحد على محاولة فتنتكم فى عقيدتكم أو عبادتكم .. وحتى تصير كلمة الذين كفروا هى السفلى . قال الجمل: وقوله: ﴿وقاتلوهم .. ﴾ معطوف على قوله ﴿قل للذين كفروا﴾. ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإِفراد . ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا)) (٢). وقوله ﴿ فإن انتهوا فإن اللّه بما يعملون بصير﴾ أى: فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم، فإن الله - تعالى- لا يخفى عليه شىء من أعمالهم، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب . (١) تفسير الآلوسى جـ ١ ص ٢٠٦. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٤٤ . ٩٨ المجلد السادس وقوله ﴿وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير﴾ بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر والتأييد . أى: وإن أعرضوا عن الإِيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ أى: ناصركم ومعينكم عليهم ، فثقوا بولايته ونصرته ، فهو - سبحانه - ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ لأنه لا يضيع من تولاه ، ولا يهزم من نصره. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت الباب للکافرین حتی یفیئوا إلی رشدهم ، وينتهوا عن كفرهم ، وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم .. أما إذا استمروا فى كفرهم ومعاداتهم للحق ، فقد أمر الله عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .. أى أن القتال فى الإِسلام شرعه الله - تعالى - من أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه وشريعته . هذا ، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التى تشهد بأن القتال فى الإِسلام إنما شرعه الله - تعالى - لإعلاء كلمته، وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير .. وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد نطقه بالشهادتين . فقال - رحمه الله - : وقوله - تعالى - ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة .. ﴾ . روى البخارى عن ابن عمر أن رجلا جاءه - فى فتنة ابن الزبير - فقال له يا أبا عبد الرحمن ، ألا تصنع ما ذكره الله فى كتابه ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... ﴾ الآية (١) . فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل ، أحب إلى من أن أعير بالآية التى تقول : ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها .. ﴾ الآية (٢). فقال الرجل: فإن الله يقول: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) فقال ابن عمر: ((قد فعلنا على عهد رسول الله - وسلو - إذا كان الإِسلام قليلا ، فكان الرجل يفتن فى دينه: إما أن يقتلوه ، وإما أن يوثقوه حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة .. وعن سعيد بن جبير قال : خرج إلينا ابن عمر فقال له قائل : كيف ترى فى قتال الفتنة ؟ فقال له ابن عمر وهل تدرى ما الفتنة ؟ كان محمد - 18 - يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس بقتالكم على الملك . وفى رواية أنه قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ، ويكون الدين لغير الله . (١) سورة الحجرات : الآية ٩ . (٢) سورة النساء : الآية ٩٣ . ٩٩ سورة الأنفال ثم قال ابن كثير : وقوله ﴿ فإن انتهوا ﴾ أى، بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا عنه وإن لم تعلموا بواطنهم ﴿ فإن اللّه بما يعملون بصير﴾ .. وفى الصحيح أن رسول الله - * - قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف ، فقال الرجل لا إله إلا الله، فضربه فقتله فذكر ذلك للرسول - والله - فقال لأسامة: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع ((بلا إله إلا الله)) يوم القيامة؟ فقال: يارسول اللّه إنما قالها تعوذا فقال . هلا شققت عن قلبه ؟ وجعل يقول ويكرر عليه من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ، قال أسامة : حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ(١) . وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاوبهم الكاذبة ، وعن وجوب مقاتلتهم إذا ما استمروا فى طغيانهم وعدوانهم .. بعد كل ذلك بين - سبحانه - للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التى كثيرا ما تترتب على قتال أعدائهم ، فقال - تعالى - : وَأَعْلَمُواْأَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِنِ كُنتُمْءَامَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِ نَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ! ٤١ وقوله : ﴿ غنمتم ﴾ من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال : غنم غنما وغنيمة إذا ظفر بالشىء قال القرطبى ما ملخصه : الغنيمة فى اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعى ، ومن ذلك قول الشاعر : رضيت من الغنيمة بالإِياب وقد طوفت فى الآفاق حتى واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله - تعالى - : ﴿غنمتم من شىء ﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر . وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا . فالشىء الذى يناله المسلمون من عدوهم بالسعى وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة . ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٠٨ - بتصرف وتلخيص . ١٠٠ المجلد السادس والفىء مأخوذ من فاء يفىء إذا رجع ، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف . كخراج الأرضين ، وجزية الجماجم(١) . والمعنى الاجمالى للآية الكريمة: ﴿واعلموا﴾ - أيها المسلمون - ﴿أن ما غنمتم من شىء﴾ أى : ما أخذقوه من الكفار قهراً ﴿ فأن الله ﴾ الذى منه - سبحانه - النصر المتفرع عليه الغنيمة ﴿خمسه﴾ أى خمس ما غنمتموه شكرا له على هذه النعمة ﴿وللرسول﴾ الذى هو سبب فى هدايتكم ﴿ولذى القربى﴾ أى: ولأصحاب القرابة من رسول الله - الهرم - والمراد بهم على الراجح بنو هاشم وبنو المطلب . واليتامى ﴾ وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا. والمساكين ﴾ وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين . وابن السبيل ﴾ وهو المسافر الذى نفد ماله وهو فى الطريق قبل أن يصل إلى بلده. وقوله ﴿واعلموا﴾ معطوف على قوله قبل ذلك ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة .. ﴾ الخ و﴿ ما ﴾ فى قوله: ﴿ أن ما غنمتم﴾ موصولة والعائد محذوف. وقوله : ﴿ من شىء﴾ بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر. أى : أن ما غنمتموه من شىء سواء أكان هذا الشىء قليلا أم كثيرا ﴿ فأن لله خمسه﴾. وقوله : ﴿ فأن لله خمسه﴾ خبر مبتدأ محذوف والتقدير: فحكمه أن لله خمسه والجار والمجرور خبر ﴿ أن﴾ مقدم، وخمسه اسمها مؤخر. والتقدير: فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذى القربى ... إلخ . وأعيدت اللام فى قوله ﴿ ولذى القربى ) دون غيرهم من الأصناف التالية لدفع توهم اشتراكهم فى سهم النبى - ◌َل - لمزيد اتصالهم به . وقوله: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله .. ﴾ شرط جزاؤه محذوف . أى: إن كنتم آمنتم بالله حق الإِيمان، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد - دالخير - يوم الفرقان﴾ أى يوم بدر ﴿يوم التقى الجمعان﴾ أى: جمع المؤمنين وجمع الكافرين .. إن كنتم آمنتم بكل ذلك ، فاعملوا بما علمتم ، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول . وما أنزله الله على نبيه - وَليزر - يوم بدر. يتناول ما نزل من آيات قرآنية، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين ، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به فى بدر . (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ١. طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٦١ م.