Indexed OCR Text
Pages 241-260
٨ ٢٤١ سورة الأعراف التفسير ـمِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الََّصَ ﴿ كِتَبِّ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ، أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَّبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ قَلِلًا مَّا تَذَّكَّرُونَ ؟ وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَ هَا بَأْسُنَا بَيَتًاأَوْهُمْ قَآئِلُونَ ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَ هُمْ بَأْسُنَآ إِلَّ أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِينَ ﴿ فَلَنَسْلَنَّالَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَكَنَّ الْمُرْسَلِينَ ، فَلَنَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَّا غَيِبِينَ ٧ وَأَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ ﴿﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِثَايَتِنَا يَظْلِمُونَ سورة الأعراف من السور التى ابتدأت ببعض حروف التهجى ((ألمص)) ولم يسبقها فى النزول من هذا النوع من السور سوى ثلاثة وهى سور: (ن، ق، ص) ويبلغ عدد السور القرآنية التى ابتدئت بالحروف المقطعة تسعًا وعشرين سورة. هذا، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود من حروف التهجی التی افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيين : الرأى الأول : أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه ٢٤٢ المجلد الخامس وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى، وغيرهما من العلماء؛ فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال: ((إن لکل کتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور» وروی عن ابن عباس أنه قال: ((عجزت العلماء عن إدراكها)) وعن على - رضى الله عنه - أنه قال: ((إن لکل کتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى)) وفى رواية أخرى للشعبى أنه قال: ((سر الله فلا تطلبوه)). ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم ، للناس لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس فالرسول - الهرم - كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض أصحابه المقربين. ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور. وهناك مناقشات للعلماء حول هذا .. الرأى لا مجال لذكرها هنا. أما الرأى الثانى: فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه، وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى : ١ - أن هذه الحروف أسماء السور، بدليل قول النبى وَلجر: ((من قرأ حم السجدة، حفظ إلى أن يصبح))، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها، كسورة ((ص)) وسورة ((يس)) إلخ. ولا يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح، فلو كانت أسماء للسور لم تتكرر لمعان مختلفة؛ لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه. وأيضا فالتسمية بها أمر عارض لا يتنافى مع المراد منها فى ذاتها. ٢ - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى. ٣ - وقيل إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله تعالى، وبعضها من صفاته، فمثلا : ((ألم)) أصلها أنا الله أعلم. ٤ - وقيل إنها اسم الله الأعظم، إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال، والتى أوصلها الإمام السيوطى فى كتابه ((الإتقان))، إلى أكثر من عشرين قولا . ٢٤٣ سورة الأعراف ٥ - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى بعض سور القرآن على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن، فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم. ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، أو ادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونوكم فى ذلك. ومما يشهد بصحة هذا الرأى أن الآيات التى تلى هذه الأحرف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل معجزة للرسول ### وكثيرًا ما تبدأ هذه الآيات باسم الإشارة صراحة، مثل قوله تعالى: وألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ أو ضمنا مثل قوله -تعالى -: فى أول سورة الأعراف ﴿ألمص. كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به﴾ وأيضا فإن هذه السور تجعل هدفها الأول منذ بدئها إلى نهايتها اثبات الرسالة عن طريق هذا الكتاب المنزل. هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء فى الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب ((البرهان)) للزركشي، وإلى كتاب ((الإتقان)» للسیوطی(١). ثم مدح - سبحانه - الکتاب الذى أنزله علی نبیه پے فقال: ﴿ کتاب أنزل إليك فلا یکن فى صدرك حرج منه﴾. المراد بالكتاب جملة القرآن الكريم، وقيل: المراد به هنا السورة. وحرج الصدر ضيقه وغمه، مأخوذ من الحرجة التى هى مجتمع الشجر المشتبك الملتف الذى لا يجد السالك فيه طريقا يخرج منه. والمعنى، هذا كتاب كريم أنزلناه إليك يا محمد فيه هداية الثقلين، فبلغ تعاليمه للناس. ولا تحزن أو تضجر إذا وجدت من بعضهم صدودًا عنه، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. ولقد حكى لنا القرآن أن المشركين وصفوا النبى و # بأنه ساحر. أو مجنون، كما وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله، فكان و ل* يضيق صدره لذلك. قال تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾. فالمقصود بقوله - تعالى -: ﴿كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه﴾ تقوية قلب (١) راجع الإتقان فى علوم القرآن جـ ٣ ص ١ للإمام السيوطى. طبعة مكتبة المشهد الحسينى. ٢٤٤ المجلد الخامس النبى وَله، وتثبيت فؤاده، وتسليته عما يتقوله المشركون من أكاذيب وأباطيل، وإفهام الداعى إلى الله فى كل زمان ومكان أن من الواجب عليه أن يكون قوى القلب فى تحمل مهمته، مطمئن البال على حسن عاقبته، لا يتأثر بالمخالفة، ولا يضيق صدره بالإِنكار. وقد فسر صاحب الكشاف الحرج بالشك فقال: ﴿فلا يكن فى صدرك حرج منه﴾ أى شك منه كقوله: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك﴾ وسمى الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه. أى: لا تشك فى أنه منزل من الله، ولا تتحرج من تبليغه، لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم. فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم))(١). وعلى أية حال فإن من فسر الحرج بالضيق راعى مدلول الكلمة الأصلى ومن فسره بالشك راعى الاستعمال المجازى ولذا قال الألوسى : قوله تعالى -: ﴿فلا يكن فى صدرك حرج منه﴾ أى: شك. وأصله الضيق، واستعماله فى الشك مجاز علاقته اللزوم، فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر، كما أن المتيقن يعتريه انشراحه وانفساحه))(٢). ولفظ ﴿كتاب﴾ يكون مبتدأ إذا جعلنا ((ألمص)) اسما للسورة، وإلا كان خبرًا لمبتدأ محذوف والتقدير: هذا كتاب. وتنكيره للتفخيم والتعظيم وجملة ﴿أنزل إليك﴾ صفة له دالة على كمال تعظيم قدره وقدر من أنزل عليه. وإنما قيل: ﴿أنزل﴾ ولم يقل أنزله الله وأنزلناه، للإيذان بأن المنزل مستغن عن التعريف لشرفه وغاية ظهوره. ثم بين - سبحانه - العلة فى إنزال الكتاب فقال: ﴿لتنذر به وذكرى للمؤمنين﴾. الإِنذار: هو الإِعلام المقترن بالتخويف من سوء عاقبة المخالفة. أى: أنزلنا إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس، وتذكر به أهل الإِيمان والطاعة ذكرى نافعة مؤثرة، لأنهم هم المستعدون لذلك، وهم المنتفعون بإرشادك. قال تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾. وقال تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾. وقال تعالى: ﴿إِنما يتذكر أولو الألباب﴾. ..... " (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٨٦، طبعة دار الكتاب العربى ببيروت. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٨ ص ٧٤ منبر الدمشقى. ٢٤٥ سورة الأعراف قال صاحب الكشاف: فما محل ذكرى؟ قلت يحتمل الحركات الثلاث. النصب بإضمار فعلها. كأنه قيل: لتنذر به وتذكر تذكيرا، لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير، والرفع عطفا على كتاب، أولأنه خبر مبتدأ محذوف. والجر للعطف على محل لتنذر، أى: للإِنذار وللذكر))(١). ثم أمر القرآن الناس باتباع تعاليم الإسلام التى جاء بها محمد الهر فقال: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء، قليلا ما تذكرون﴾. أى: اتبعوا أيها الناس ملة الإِسلام وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، لأن الذى أنزل عليكم هذه الشريعة هو ربكم الذى هو خالقكم ومربيكم ومدبر أموركم والعليم بما فيه مصلحتكم وحذار من أن تتركوا شريعة الإِسلام التى تدعوكم إلى إفراد الله بالعبودية، وتتخذوا معه شركاء يزينون لكم الأباطيل، ويصرفونكم عن دينه القويم فالآية الكريمة كلام مستأنف خوطب به كافة المكلفين لحضهم على افراد الله بالعبودية، ونهيهم عن اتباع أحد من الخلق فيما يتعلق بالأمور الدينية التى وضحتها الشريعة الإِسلامية. وقوله - تعال -: ﴿قليلا ما تذكرون﴾ معناه: تذكرًا قليلا تتذكرون، أو زمنًا قليلا تتذكرون فهو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف زمان محذوف. وما مزيدة لتأكيد القلة . أ 1 ثم ساق لهم بعد ذلك على سبيل الإِنذار والتخويف جانبا من العذاب الذى نزل بمن سبقوهم بسبب ظلمهم وعنادهم فقال - تعالى - : ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون* فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين﴾. كم هنا خبرية بمعنى كثير. وهى فى محل رفع على الابتداء والجملة بعدها خبرها، و﴿من قرية﴾ تمییز. والقرية تطلق على مكان اجتماع الناس. وبأسنا: أى عذابنا وعقابنا. وبياتا : أى ليلا ومنه البيت لأنه يبات فيه. يقال: بات يبيت بيتا وبياتا. وقائلون من القائلة وهى القيلولة وهى نوم نصف النهار. وقيل: هى الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم. ودعواهم، أى: دعاؤهم واستغاثتهم بربهم أو قولهم. والمعنى: وكثيرًا من القرى الظالمة أردنا إهلاكها، فنزل على بعضها عذابنا فى وقت نوم أهلها بالليل كما حصل لقوم لوط، ونزل على بعضها فى وقت استراحة أهلها بالنهار كما حصل لقوم (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٨٦. ٢٤٦ المجلد الخامس شعيب، فما كان منهم عندما باغتهم العذاب فى وقت اطمئنانهم وراحتهم إلا أن اعترفوا بذنوبهم وقالوا على سبيل التحسر والندم وطمعا فى الخلاص: إنا كنا ظالمين. فهاتان الآيتان الكريمتان توضحان بأجلى بيان أن هلاك الأمم سببه بغيها وفسادها وانحرافها .. عن الطريق المستقيم، وتلك سنة الله التى لا تختلف فى أى زمان أو مكان. وأن الظالمين عندما يفاجأون بالعقوبة يتحسرون ولا يستطيعون إنكار ما ارتكبوه من جرائم ومنكرات ولكن ذلك لن ينفعهم لأن ندمهم وتحسرهم قد فات وقته، وكان الأجدر بهم أن يتوبوا من ذنوبهم عندما جاءتهم النذر، وقبل حلول العذاب. ولذا قال ابن كثير: قال ابن جرير: فى هذه الآية الدلالة , الواضحة فى صحة ما جاءت به الرواية عن رسول اللّه وَلقر من قوله: ((ما هلك قوم حتى يعذروا عن أنفسهم(١)). و﴿أو﴾ فى قوله: ﴿فجاءها بأسنا بيانًا أو هم قائلون﴾ لللتنويع، أى أن بعضهم جاءهم عذابنا ليلا وبعضهم جاءهم نهارًا عند استراحتهم. وإنما خص هذان الوقتان بنزول العذاب، لأنهما وقتا غفلة ودعة واستراحة، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأوجع. ومن العبر التى نأخذها من هاتين الآيتين أن العاقل هو الذى يحافظ على أداء الأوامر واجتناب النواهى، ولا يأمن صفو الليالى، ورخاء الأيام، بل يعيش حياته وصلته بربه مبنية على الخوف والرجاء فإنه ﴿لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾. وبعد أن بين القرآن ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى. عقبه ببيان ما سيحل بهم من عذاب أخروى، فقال : ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين: فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾. والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التى بلغتها دعوة الرسل، يسأل كل فرد منها عن رسوله إليه وعن تبليغه لدعوة الله، ويسأل المرسلون عن التبليغ منهم وعن إجابة أقوامهم لهم، وقد ورد ذلك فى كثير من آيات القرآن. قال - تعالى -: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم؟ قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾. وقال تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾؟ والمعنى: فلنسألن المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم، ولنسألن المرسلين عما أجيبوا به من أقوامهم وعن تبليغهم لرسالات الله، ولنقصن على الرسل والمرسل إليهم كل ما وقع منهم عن علم دقيق وإحصاء شامل، لأننا لا يغيب عنا شىء من أحوالهم. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٠١. ٢٤٧ سورة الأعراف وعطفت جملة ﴿فلنسألن﴾ على ما قبلها بالفاء، لأن هذا السؤال سيكون فى الآخرة، وما ذكر قبل ذلك من عقوبات هو آخر أمرهم فى الدنيا. فالآية الكريمة بيان لعذابهم الأخروى إثر بيان عذابهم الدنیوی. وأكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد، لأن المخاطبين كانوا ينكرون البعث والجزاء. فإن قيل : قد أخبر الله عنهم قبل ذلك أنهم قالوا عند نزول العذاب بهم ﴿إنا كنا ظالمين﴾ فلماذا يسألون يوم القيامة مع أنهم اعترفوا بظلمهم فى الدنيا؟ فالجواب : أنهم لما اعترفوا سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم، والمقصود من هذا السؤال تقريعهم وتوبيخهم لكفرهم وعنادهم. فإن قيل: فما فائدة سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة؟ فالجواب من فوائده الرد على من أنكر من المشركين أن الرسل قد بلغوهم، فقد حكى القرآن أن بعضهم قال : ﴿ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ ومن فوائده - أيضًا - مضاعفة الثواب لهؤلاء الرسل الكرام حيث إنهم قد بذلوا قصارى جهدهم فى التبشير والإِنذار، ولم يصدر عنهم تقصير قط. فسؤال المرسل إليهم إنما هو سؤال توبيخ وإفضاح، وسؤال المرسلين إنما هو سؤال استشهاد بهم وإفصاح. فإن قيل: هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا يوم القيامة كما فى قوله تعالى : ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ وكما فى قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ فكيف نجمع بين هذه الآيات التى تنفى السؤال والآيات التى تثبته كما فى قوله : ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾؟ فالجواب، أن فى يوم القيامة مواقف متعددة، فقد يسألون فى موقف الحساب ولا يسألون فى موقف العقاب. أو أن المراد بالسؤال فى قوله: ﴿فلنسألن الذين﴾ التوبيخ والتقريع. والمنفى فى قوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه) سؤال الاستعلام، أى أن المذنب لا يسأل يوم القيامة هل أذنبت أولا، لأن الله لا تخفى عليه خافية، وإنما يسأل: لم فعلت كذا؟ بعد أن يعرفه - سبحانه - بما فعله، ويؤيد هذا القول قوله - تعالى - : ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾ أى: فلنخبرنهم بما فعلوا إخبارا ناشئا عن علم منا. قال بعض العلماء: ((والذى يهمنا هنا، أن نقرر أن هذا السؤال لم يكن سؤال استفهام ولا استخبار، وإنما هو سؤال تبكيت وتنديد، فليس فى السائل مظنة أن يجهل، ولا فى المسئول مظنة أن ينكر:، وهو تصوير لما يكون من شعور المكذبين بتكذيبهم، وشعور المرسلين. بتبليغهم، وهو نوع من تسجيل الحجة على من أنكرها وأعرض عنها فى الوقت الذى كان يجديه ٢٤٨ المجلد الخامس الإِقبال عليها والإِيمان بها، وهو نوع من زيادة الحسرة، وقطع الآمال فى النجاة بوضع يد المجرم على جسم جريمته، وهو فى الوقت نفسه نوع من زيادة الأمن والطمأنينة للرسل فى القيام بدعوتهم وتبليغهم ما أمروا بتبليغه، ولعل كل ذلك يرشد إليه قوله - تعالى -: ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾(١). ثم بين - سبحانه - مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال : ﴿والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾. الوزن : عمل يعرف به قدر الشىء، يقال: وزنته وزنا وزنة. وهو مبتدأ، ويومئذ متعلق بمحذوف خبره. والحق صفته. أى: والوزن الحق يوم القيامة. ومعنى الآيتين الكريمتين : والوزن الحق ثابت فى ذلك اليوم الذى يسأل الله فيه الرسل والمرسل إليهم. ويخبرهم جميعا بما كان منهم فى الدنيا، فمن رجحت موازين أعماله بالإِيمان والعمل الصالح، فأولئك هم الفائزون بالثواب والنعيم، ومن خفت موازين أعماله بالكفر والمعاصى فأولئك الذين خسروا أنفسهم بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب . قال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾. وقد اختلف العلماء فى كيفية الوزن فقال بعضهم : إن التى توزن هى صحائف الأعمال التى كتبت فيها الحسنات والسيئات تأكيدًا للحجة وإظهارًا للنصفة، وقطعا للمعذرة. قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد يوم القيامة)). وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوى، والعدل التام فى تقدير ما يمكن به الجزاء من الأعمال، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول: هذا الكلام فى وزن هذا وفى وزانه. أى يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. والذى نراه أن من الواجب علينا أن نؤمن بأن فى الآخرة وزنا للأعمال، وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجرى فى ذلك اليوم الهائل الشديد، أما كيفية هذا الوزن فمرده إلى الله، لأنه شىء استأثر الله بعلمه، وعلينا أن نعفى أنفسنا من محاولة الكشف عن أمر غيبى لم يرد فى حقيقته خبر قاطع فى كتاب الله أو سنة رسوله. (١) تفسير القرآن الكريم ص ٢٠٤ لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت -رحمه الله -. - ٢٤٩ سورة الأعراف قال الجمل فى حاشيته على الجلالين: فإن قلت: أليس الله - تعالى - يعلم مقادير أعمال العباد، فما الحكمة فى وزنها؟ قلت فيه حكم: منها، إظهار العدل وأن الله - تعالى - لا يظلم عباده، ومنها : امتحان الخلق بالإِيمان بذلك فى الدنيا وإقامة الحجة عليهم فى العقبى. ومنها تعريف العباد بما لهم من خير أو شر وحسنة أو سيئة، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره أنه - سبحانه - أثبت أعمال العباد فى اللوح المحفوظ وفى صحائف الحفظة الموكلين ببنى آدم من غير جواز النسيان عليه))(١). وقوله - تعالى -: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن، وثقل الموازين المراد به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها، كما أن خفة الموازين المراد بها رجحان الأعمال القبيحة على ما سواها. وقوله - تعالى -: ﴿بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ متعلق بخسروا؛ أى: أن خسرانهم لأنفسهم فى الآخرة كان سببه جحودهم لآيات الله واستهزاءهم بها فى الدنيا. ثم حكى القرآن جانبًا من مظاهر نعم الله على خلقه فقال - تعالى - : وَلَقَدْ مَكَّتَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَتِشَرْ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ ثُمَّقُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ ◌َِّّدَمَ فَسَجَدُ وَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَوْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِيِنَ ١١ مكناكم : من التمكين بمعنى التمليك، أو معناه: جعلنا لكم فيها مكانا وقرارًا وأقدرناكم على التصرف فيها ومعايش: جمع معيشة وهى ما يعاش به من المطاعم والمشارب وما تكون به الحياة. والمعنى : ولقد جعلنا لكم - يا بنى آدم - مكانا وقرارا فى الأرض، وأقدرناكم على التصرف فيها، وأنشأنا لكم فيها أنواعا شتى من المطاعم والمشارب التى تتعيشون بها عيشة راضية، ولكن كثيرًا منكم لم يقابلوا هذه النعم بالشكر، بل قابلوها بالجحود والكفران. وفضلا عن ذلك فنحن الذين خلقنا أباكم آدم من طين غير مصور، ثم صورناه بعد ذلك. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ١٢٢. ٢٥٠ المجلد الخامس أو المعنى نحن الذين خلقناكم فى ظهر آدم. ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق، ثم أمرنا بعد ذلك ملائكتنا بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فإنه لم يكن من الساجدين. والسجود: لغة، التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره، وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. وللعلماء أقوال فى كيفية السجود الذى أمر الله به الملائكة لآدم وأرجح هذه الأقوال. أن السجود المأمور به فى الآية يحمل على المعنى المعروف فى اللغة. أى: أن الله - تعالى - أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهرا من مظاهر التواضع والخضوع له تحية وتعظيما، وإقرارًا له بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذى هو عبادة، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه، وعلى هذا الرأى سار علماء أهل السنة. وقيل إن السجود كان الله. وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية له. وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة، وقد قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم، إذ أن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة والصالحون من البشر أفضل من الملائكة. واحتجوا بسجود الملائكة لآدم وخالفت المعتزلة فى ذلك، وقالت الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. والذى نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح لأن ما ذهب إليه المعتزلة يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة، وإظهار فضله عليهم لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود : وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم، هو لون من الابتلاء والاختبار، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم واقتضته المشيئة والحكم. وإبليس : اسم مشتق من الإِبلاس، وهو الحزن الناشىء عن شدة اليأس وفعله بلس. والراجح أنه اسم أعجمى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حى، وقد أخطأ من حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون ذلك مع أن · القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال - تعالى - : ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ . وللعلماء فى كون إبليس من الملائكة أولا قولان : أحدهما : أنه كان منهم، لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصيًا ولما استحق الخزى والنكال، ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. ٢٥١ سورة الأعراف والثانى : أنه ليس منهم لقوله - تعالى - : ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإِنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. ففى هاتين الآيتين بيان لنعمتين عظيمتين من نعم الله على عباده : أولاهما : نعمة التمكين فى الأرض واتخاذهم إياها وطنا مزودًا بضروب شتى مما يحتاجون إليه من معايشهم وما به قوام حياتهم وكمالها. وثانيهما : نعمة خلقهم من أب واحد، تجمعهم به رحم واحدة، وبسببها كانوا خلفاء فى الأرض وفى عمارة الكون، وفضلوا على كثير من الخلق، فكان الواجب عليهم أن يقابلوهما بالشكر والإيمان. ثم حكى القرآن الكريم الأسباب التى حملت إبليس على عدم السجود لآدم فقال : قَالَ مَا مَنَّعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْ تُكِّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَّارٍ ١٢ وَخَلَقْتَهُمِنطِينٍ أى: قال الله - تعالى - لإبليس : ما ألزمك واضطرك إلى أن لا تسجد لآدم؟ فالمنع مجاز عن الإِلجاء والاضطرار. أو ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد؟ فالمنع مجاز عن الحمل. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. و(لا) فى قوله: ﴿ألا تسجد﴾ مزيدة للتنبيه على أن المريخ عليه ترك السجود. وتوكيد لمعنى الفعل الذى دخلت عليه وتحقيقه، كأنه قيل: ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. وقد حکی القرآن ما أجاب به إبليس فقال : ﴿قال أنا خیر منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾ أى: قال إبليس أنا خير من آدم، لأنى مخلوق من عنصر النار الذى هو أشرف من عنصر الطين، والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه. قال ابن كثير: ((وقول إبليس - لعنه الله - ﴿أنا خير منه﴾ .. إلخ. من العذر الذى هو أكبر من الذنب، إذ بين بأنه خير من آدم لأنه خلق من النار وآدم خلق من الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله - تعالى - خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا فى مقابلة نص، وهو قوله - تعالى -: ﴿فقعوا له ساجدين﴾، فشذ من بين الملائكة لترك السجود فأبعده الله عن رحمته، وكان قياسه فاسدًا لأن النار ليست . ٢٥٢ المجلد الخامس أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة والتثبت، وهو محل النبات والنمو والزيادة والإِصلاح، والنار من شأنها الإِحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإِنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله. وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت : ((قال رسول الله وَله: ((خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم))(١). وقد حكى القرآن ما رد الله به على إبليس بقوله : قَالَ فَأَهِْطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ١٣ أى: قال الله - تعالى - لإِبليس : فاهبط من الجنة بسبب عصيانك لأمرى وخروجك عن طاعتی . وقيل إن الضمير فى ﴿منها﴾ يعود على المنزلة التى كان فيها قبل أن يطرده الله من رحمته. أى: فاهبط من رتبة الملكية التى كنت فيها إلى رتبة العناصر الشريرة. وقيل : إن الضمير يعود على روضة كانت على مرتفع من الأرض خلق فيها آدم - عليه السلام - . وقوله: ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾ معناه: فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك أن تتكبر فيها، لأنها ليست مكانا للمتكبرين وإنما هى مكان للمطيعين الخاشعين المتواضعين. وقوله : ﴿فاخرج﴾ تأكيد للأمر بالهبوط ومتفرع عليه. وقوله: ﴿إِنك من الصاغرين﴾ تعليل للأمر بالخروج. أى: فاخرج منها فأنت من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك وغرورك. ثم حكى القرآن ما طلبه إبليس من الله - تعالى - وما أجاب الله به عليه (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٠٣ بتصرف وتلخيص. ٢٥٣ سورة الأعراف قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنََّهُمْ ١٤ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَا تِيَنَّهُمِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَيِلِهِمْ وَلَا تَجِدُّ أَ كْثَرَهُمْ شَكِنَ () قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُ وَمَّا مَّدْحُورًا لَّمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ أى: قال إبليس لله - تعالى - أخرنى ولا تمتنى إلى يوم بعث آدم وذريته من القبور، وهو . وقت النفخة الثانية عند قيام الساعة. وقد أراد بذلك النجاة من الموت : إذ لا موت بعد البعث. كما أراد بذلك أن يجد فسحة من الإغواء لبنى آدم. وقوله : ﴿أنظرنى﴾ مأخوذ من الإِنظار بمعنى الإِمهال والتأخير. تقول أنظرته بحقى أنظره إنظارا أى : أمهلته. وقوله: ﴿قال إنك من المنظرين) معناه: قال الله - تعالى - له: إنك من المؤخرين إلى يوم الوقت المعلوم كما جاء فى قوله - تعالى - : ﴿قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم) وهو - على الراجح - وقت النفخة الأولى فيموت كما يموت غيره. وقيل: المراد به الوقت المعلوم فى علم الله أنه يموت فيه. قال ابن كثير: أجابه الله - تعالى - إلى ما سأل. لما له فى ذلك من الحكمة والإِرادة والمشيئة التى لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ثم حكى القرآن ما توعد به إبليس آدم وذريته من كيد وأذى فقال : ﴿قال فيما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾. الباء للقسم أو للسببية أی : فأقسم بإغوائك إیای، أو بسبب إغوائك إياى، لأترصدن لآدم وبنيه على طريق الحق وسبيل النجاة، كما يترصد قطاع الطرق للسائرين فيها فأصدنهم عنها وأحاول بكل السبل أن أصرفهم عن صراطك المستقيم، ولن أتكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم . ٢٥٤ المجلد الخامس والإِغواء : خلق الغى بمعنى الضلال. وأصل الغى الفساد، ومنه غوى الفصيل - کرضى- غوى، إذا بشم من اللبن ففسدت معدته، أو منع الرضاع فهزل وكاد يهلك، ثم استعمل فى الضلال، يقال: غوى يغوى غيًّا وغواية فهو غاو، وغوى إذا ضل، وأغواه غيره : أضله. وقوله : ﴿ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ زيادة بيان لحرص الشيطان على إضلال بنى آدم بشتى الوسائل، أى : آتيهم من الجهات الأربع التى اعتاد العدو أن يهاجم عدوه منها، والمراد : لأسولنّ لهم ولأضلنّهم بحيث لا أفتر عن ذلك ولا أيأس. وقيل إن معنى ﴿ثم لآتيتهم من بين أيديهم﴾ أى: من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية، وما هو كذلك فكأنه بين الأيدى. ﴿ومن خلفهم﴾ أى من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة ((وعن أيمانهم وعن شمائلهم)) أى: من جهة حسناتهم وسيئاتهم بحيث أزين لهم السيئات وأزهدهم فى الحسنات. وقوله: ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ أى: مطيعين مستعملين لقواهم وجوارحهم وما أنعم الله به عليهم فى طريق الطاعة والتقرب إلى الله. وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن كقوله - تعالى - : ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين﴾. ولقد وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة فى التحذير من الشيطان وكيده، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. وجاء فى الحديث الشريف الذى رواه الإِمام أحمد عن سبرة بن الفاكه قال: سمعت رسول الله وَل* يقول: ان الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإِسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس فى الطول - أى كالفرس المربوطة بالحبل. قال: فعصاه فهاجر. قال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: هو جهاد النفس والمال. فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، قال فعصاه فجاهد: فقال رسول الله وَالر: فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة)). وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عبد الله بن عمر قال لم يكن رسول الله ◌َ﴾ يترك هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسى. يقول: اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى دینی ودنیای وأهلی ومالی. اللهم استر عوراتی وآمن روعاتی. اللهم احفظنی من بین یدی ومن خلفى وعن يميني وعن شمالى ومن فوقى، وأعوذ بعظمتك ان اغتال من تحتى. ٢٥٥ سورة الأعراف ثم حكى القرآن ما توعد الله به الشيطان واتباعه فقال: ﴿قال اخرج منها مذءوما﴾ أى: اخرج من الجنة أو من تلك الروضة مهانا محقرا. يقال: ذأمه يذأمه ذأمًا إذا عاقبه وحقره فهو مذءوم، وقوله: ﴿مدحورا﴾ أى: مطرودا مبعدا. يقال: دحره دحرا ودحورا طرده وأبعده. ﴿لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين﴾ أى: لمن أطاعك من الجن والإنس لأملأن جهنم من كفاركم. كقوله - تعالى -: ﴿قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا﴾ . واللام فى قوله: ﴿لمن﴾ لتوطئة القسم والجواب ﴿الأملأن جهنم منكم أجمعين﴾ ثم حكى القرآن ما أمر الله - تعالى - به آدم فقال : وََّادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ ١٩ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِينَ صدر الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به، وتخصيص الخطاب بآدم - عليه السلام - للإِيذان بأصالته بالتلقى وتعاطى المأمور به. وقوله : ﴿اسكن﴾ من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار، دون السكون الذى هو ضد الحركة. والزوج. يطلق على الرجل والمرأة. والمراد به هنا حواء، حيث تقول العرب للمرأة زوج ولا تكاد تقول زوجة. والجنة. هى كل بستان ذى شجر متكاثف ملتف الأغصان، يظلل ما تحته ويستره من الجن وهو ستر الشىء عن الحواس. وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب التى أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الاطلاق. ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض، خلقه الله الاسكان آدم وزوجته. واختلفوا فى مكانه، فقيل انه بفلسطين، وقيل بغيرها. وقد ساق ابن القيم فى كتابه ((حادى الأرواح)) أدلة الفريقين دون أن يرجح شيئا منها. والذى نراه أن الأحوط والأسلم. الكف عن تعيينها وعن القطع به، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى فى التأويلات، إذ ليس لهذه المسألة تأثير فى العقيدة. ١ ٢٥٦ المجلد الخامس وتوجيه الخطاب إليهما فى قوله: ﴿فكلا من حيث شئتما﴾ لتعميم التشريف والإِيذان بتساويهما فى مباشرة المأمور به. أى: كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا واسعا من أى مكان أردتم. ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ . القرب : الدنو والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة. وتعليق النهى على القرب منها القضد منه المبالغة فى النهى عن الأكل، إذ فى النهى عن القرب من الشىء نهى عن فعله من باب أولى. وأكد النهى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلما. فقال: ﴿فتكونا من الظالمين) وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من الجنة التى كانا يعيشان فيها عيشة راضية. وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هى التينة، وقيل هى السنبلة، وقيل هى الكرمة ... إلخ إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته فى عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سياق القصة إلى بيانه. وقد أحسن ابن جرير فى التعبير عن هذا المعنى فقال: ((والصواب فى ذلك أن يقال : ان الله - تعالى - نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك فى القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل كانت شجرة البر، وقيل شجرة العنب، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وان جهله جاهل لم يضره جهله به))(١). فَوَسْوَسَ ٠٠٠ ◌َمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا تَهَدَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْتَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ ، وَقَاسَمَهُمَآ إِنِى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَمُمَاسَوْءَ تُهُمَا وَطَفِقًا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنِهُمَارَبُّهُمَآ أَلَوْ أَنْهَكُمَا (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٥٢١. ٢٥٧ سورة الأعراف عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَاعَدُوٌّمُّبِينٌ ( (٢٢ قَالَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَسِرِينَ ﴿ قَالَ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرِّ وَ مَتَعُّ إِلَى حِينٍ (®، قَالَفِيهَاتَحیونَوَفِيهَا ٢٥ تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ قوله - تعالى -: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾ أى: ألقى إليهما إبليس الوسوسة، والوسوسة فى الأصل الصوت الخفى، ومنه قيل لصوت الحلى. وسواس. والمراد بها هنا: الحديث الخفى الذى يلقيه الشيطان فى قلب الإنسان ليقارف الذنب. وقوله: ﴿ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما﴾. ﴿وورى﴾ من المواراة وهى الستر. والسوءة. فرج الرجل والمرأة، من السوء. وسميت بذلك، لأن انكشافها يسوء صاحبها. وقيل الكلام كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه. والمعنى : أن إبليس وسوس إلى آدم وحواء بأن يأكلا من الشجرة المحرمة لتكون عاقبة ذلك أن يظهر لهما ما ستر عنهما من عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وفى هذا التعبير تصريح بأن كشف العورة من أقبح الفواحش التى نهى الله - تعالى - عنها. وقد حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة، وإنما خدعهما بقوله : ﴿مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾. أى قال لهما: ما نهاكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين الذين لا يموتون ويبقون فى الجنة ساكنين. وقوله : ﴿إلا أن تكونا ملكين﴾ استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفى ليكون علة. أى كراهية أن تكونا ملكين. ثم حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة أو بالقول المجرد، وإنما أضاف إلى ذلك القسم المؤكد فقال: ﴿وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين﴾ أى: أقسم لهما بالله إنه لهما لمن الناصحين المخلصين الذين يسعون لما فيه منفعتهما. قال الآلوسي : إنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة، لأن من يبارى أحدًا فى فعل يجد فيه. وقيل ٢٥٨ المجلد الخامس المفاعلة على بابها، والقسم وقع من الجانبين، لكنه اختلف متعلقه، فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول(١). ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس فى خداع آدم وحواء فقال: ﴿فدلاهما بغرور﴾. أى : فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية، وأطمعهما فى غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم . ودلاهما مأخوذ من التدلية، وأصله أن الرجل العطشان يدلى فى البئر بدلوه ليشرب من مائها، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء، فيكون مدليا فيها بغرور. والغرور إظهار النصح مع إضمار الغش، وأصله من غررت فلانا أى أصبت غرته وغفلته ونلت منه ما أريد. ثم بين القرآن الآثار التى ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال: ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾. أى: فلما خالفا أمر الله - تعالى - بأن أكلا من الشجرة التى نهاهما الله عن الأكل منها، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية، فتساقط عنهما لباسهما، وظهرت لهما عوراتهما. وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها. ويخصفان : مأخوذ من الخصف، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض، وفعله من باب ضرب. قال بعض العلماء: ((ولعل المعنى - والله أعلم - أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا، وخلعا ثوب الطاعة، وبدت منهما سوأة المعصية، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك. فلما سمعا النداء الربانى بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم، وقال لهما فقط أولهما ولذريتهما، أو لهما ولإِبليس : اهبطوا من الجنة إلى الأرض، لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته فى الأرض، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى. ومنازعة عدوهم لهم فيها، ﴿إنّ الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾(٢). ثم بين القرآن ما قاله الله - تعالى - لهما بعد أن خالفا أمره. فقال: ﴿وناداهما ربها﴾ بطريق العتاب والتوبيخ ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ .. أى عن الأكل منها ﴿وأقل لكما إن الشيطان (١) تفسير الآلوسي ج ٨ ص ١٠٠. (٢) صفوة البيان لمعانى القرآن ص ٢٥٥، لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف. ٢٥٩ سورة الأعراف لكما عدو مبين﴾ أى: ظاهر العداوة لا يفتر عن إيذائكما وإيقاع الشر بكما. وهنا التمس آدم وحواء من ربهما الصفح والمغفرة ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ أى: أضررناها بالمعصية والمخالفة ﴿وإن لم تغفر لنا﴾ ما سلف من ذنوبنا ﴿وترحمنا﴾ بقبول توبتنا ﴿لنكونن من الخاسرين﴾ أى: لنصيرن من الذين خسروا أنفسهم فى الدنيا والآخرة)). وقد حكى القرآن مارد به الله على آدم وحواء وإبليس، فقال: ﴿قال اهبطوا﴾ أى من الجنة إلى ما عداها. وقيل الخطاب لآدم وحواء وذريتهما. وقيل الخطاب لهما فقط لقوله - سبحانه - فى آية أخرى: ﴿قال اهبطا منها جميعا﴾ والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر. وجملة ﴿بعضكم لبعض عدو﴾ فى موضع الحال من فاعل اهبطوا، والمعنى اهبطوا إلى الأرض حالة كون العداوة لا تنفك بين آدم وذريته، وبين إبليس وشيعته ﴿ولكم فى الأرض مستقر﴾ أى موضع استقرار ﴿ومتاع﴾ أى: تمتع ومعيشة ﴿إلى حين﴾ أى: إلى حين انقضاء آجالكم . قال : ﴿فيها﴾ أى فى الأرض ﴿تحيون﴾ تعيشون ﴿وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ أى : يوم القيامة للجزاء، كما فى قوله - تعالى -: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾. وبعد أن قص القرآن على بنى آدم قصة خلقهم وتصويرهم وما جرى بين أبيهم وبين إبليس، وكيف أن إبليس قد خدع آدم وزوجه خداعا ترتب عليه إخراجها من الجنة. بعد كل ذلك أورد القرآن أربع نداءات لبنى آدم حضهم فيها على تقوى الله وحذرهم من وسوسة الشيطان وذكرهم بنعمه عليهم، فقال فى النداء الأول: يَبَنِىّءَآدَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْلِيَاسًا يُؤَدِى سَوْءَ اتِكُمْ وَرِيِشًاً وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٦ السوءة : العورة. والريش: لباس الزينة، استعير من ريش الطائر، لأنه لباسه وزينته. وقال الجوهرى: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس، وهو اللباس الفاخر)). والمعنى : يا بنى آدم تذكروا واعتبروا واشكروا الله على ما حباكم من نعم، فإنه - سبحانه - قد هيأ لكم سبيل الحصول على الملبس الذى تسترون به عوراتكم، وتتزينون به فى مناسبات التجمل والتعبد. ٢٦٠ المجلد الخامس والمراد بإنزال ما ذكر أنه خلق لبنى آدم مادة هذا اللباس التى تتكون من القطن والصوف والحرير وما إليها، وألهمهم بما خلق فيهم من غرائز طرق استنباتها وصناعتها بالغزل والنسج والخياطة . والتعبير بأنزلنا يفيد خصوصية البشر باللباس الذى يستر العورة، وبالرياش التى يتزينون بها، أى أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يوارى سوآتكم، ولباسا يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح وحبها من طبيعة البشر. قال - تعالى -: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾. قال الجمل: ((وقوله - تعالى -: ﴿وريشا﴾ يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات. والمعنى: أنه وصف اللباس بوصفين: مواراة السوأة، والزينة. ويحتمل أن يكون من باب عطف الشىء على غيره. أى: أنزلنا عليكم لباسا موصوفا بالمواراة، ولباسا موصوفا بالزينة))(١). ثم بين - سبحانه - أن هناك لباسا آخر أفضل وأكمل من كل ذلك فقال : ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ أى: أن اللباس الذى يصون النفس من الدنايا والأرجاس، ويسترها بالإِيمان والعمل الصالح هو خير من كل لباس حسى يتزين به البشر. فاسم الإِشارة هنا يعود على لباس التقوى. وقد عبر القرآن هنا عن التقوى بأنها لباس، وعبر عنها فى موضع آخر بأنها زاد مشاكلة للسياق الذى وردت فيه هنا أو هناك. وذلك من باب تجسيم المعنويات وتنسيقها مع الجو العام الذى وردت فيه، وتلك طريقة انفرد بها القرآن الكريم. قال صاحب الكشاف: وقوله: ﴿ولباس التقوى) مبتدأ، وخبره إما الجملة التى هى ﴿ذلك خير﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر. وإما المفرد الذى هو خير، وذلك صفة للمبتدأ، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير))(٢). وقوله - تعالى -: ﴿ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون﴾ معناه: ذلك الذى أنزله الله على بنى آدم من النعم من دلائل قدرته وإحسانه عليهم، لعلهم بعد ذلك لا يعودون إلى النسيان الذى أوقع أبويهم فى المعصية. قال صاحب الكشاف : وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر ظهور العورات وخصف الورق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما فى العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارًا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى(٣). ثم أتبع القرآن النداء الأول بنداء آخر مبالغة فى وعظ بنى آدم وتذكيرهم بفضل الله عليهم، فقال -تعالى - : (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ١٣٢ . (٢، ٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٩٧. ٠